النص المفهرس

صفحات 121-140

وزعم جهم ومن وافقه أنه يكون مؤمناً فى الباطن (١) وأن مجرد معرفة
القلب وتصديقه يكون إيماناً يوجب الثواب يوم القيامة بلاقول ولا عمل
ظاهر ، وهذا باطل شرعا وعقلا كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
وقد كفر السلف كوكيح وأحمد وغيرهما من يقول بهذا القول ، وقد
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن فى الجسد مضغة إذا صلحت
صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ))
فبين أن صلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد ، فإذا كان الجسد غير
صالح دل على أن القلب غير صالح ، والقلب المؤمن صالح ، فعلم أن
من يتكلم بالإيمان ولا يعمل به لا يكون قلبه مؤمناً ، حتى إن المكره
إذا كان فى إظهار الإيمان فلا بد أن يتكلم مع نفسه وفى السر مع من
يأمن إليه ، ولا بد أن يظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه ، كما قال
عثمان . وأما إذا لم يظهر أثر ذلك لا بقوله ولا بفعله قط فإنه يدل على
أنه ليس فى القلب إيمان .
وذلك أن الجسد تابع للقلب فلا يستقر شىء فى القلب إلا ظهر
موجبه ومقتضاه على البدن ولو بوجه من الوجوه ، وإن لم يظهر كل
موجبه لمعارض فالمقتضي لظهور موجبه قائم ؛ والمعارض لا يكون لازما
للإنسان لزوم القلب له ؛ وإنما يكون فى بعض الأحوال متعذراً إذا
(١) بياض بالأصل .
١٢١

كتم ما فى قلبه كمؤمن آل فرعون ، مع أنه قد دعى إلى الإيمان دعاء
ظهر به من إيمان قلبه مالا يظهر من إيمان من أعلن إيمانه بين موافقيه
وهذا في معرفة القلب وتصديقه .
ومنها قصد القلب وعزمه إذا قصد الفعل وعزم عليه مع قدرته
على ما قصده هل يمكن أن لا يوجد شيء مما قصده وعزم عليه ؟ فيه
قولان أصحهما أنه إذا حصل القصد الجازم مع القدرة وجب وجود
المقدور ، وحيث لم يفعل العبد مقدوره دل على أنه ليس هناك قصد
جازم وقد يحصل قصد جازم مع العجز عن المقدور لكن يحصل معه
مقدمات المقدور ، وقيل : بل قد يمكن حصول العزم التام بدون
أمر ظاهر .
وهذا نظير قول من قال ذلك في المعرفة والتصديق ، وهما من
أقوال أتباع جهم الذين نصروا قوله في الإيمان ، كالقاضي أبى بكر
وأمثاله ، فإنهم نصروا قوله وخالفوا السلف والأئمة وعامة
طوائف المسلمين .
وبهذا ينفصل النزاع في ((مؤاخذة العبد بالهمة)) فمن الناس : من
قال : يؤاخذ بها إذا كانت عزما ، ومنهم من قال : لا يؤاخذ بها ،
والتحقيق : أن الهمة إذا صارت عزما فلا بد أن يقترن بها قول أو
١٢٢

فعل ؛ فإن الإرادة مع القدرة تستلزم وجود المقدور .
والذين قالوا: يؤاخذ بها احتجوا بقوله: ((إذا التقى المسلمان
بسيفيها فالقاتل والمقتول فى النار)) الحديث ، وهذا لا حجة فيه ؛ فإنه
ذكر ذلك في رجلين اقتلا، كل منهما يريد قتل الآخر ، وهذا ليس
عزماً مجرداً ؛ بل هو عزم مع فعل المقدور ؛ لكنه عاجز عن إتمام
مراده، وهذا يؤاخذ باتفاق المسلمين ، فمن اجتهد على شرب الخمر
وسعى في ذلك بقوله وعمله ثم عجز فإنه آثم باتفاق المسلمين ، وهو
كالشارب وإن لم يقع منه شرب ، وكذلك من اجتهد على الزنا والسرقة
ونحو ذلك بقوله وعمله ثم عجز فهو آثم كالفاعل ، ومثل ذلك فى قتل
النفس وغيره ، كما جعل الداعي إلى الخير له مثل أجر المدعو ووزره لأنه
أراد فعل المدعو ، وفعل ما يقدر عليه ، فالإرادة الجازمة ، مع فعل
المقدور من ذلك ، فيحصل له مثل أجر الفاعل ووزره وقد قال تعالى:
(لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ الَّهِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)
الآبة .
وفصل الخطاب فى الآية أن (أُوْلِ الضَّرَرِ ) نوعان :
چے
نوع لهم عزم تام على الجهاد ولو تمكنوا لما قعدوا ولا تخلفوا
وإنما أفعدم العذر، فهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن
١٢٣

بالمدينة رجالا ما سرتم مسيراً ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ، قالوا :
وهم بالمدينة قال : وهم بالمدينة حبسهم العذر))، وم أيضاً كما قال فى
حديث أبي كبشة الأنماري ((هما فى الأجر سواء)) وكما فى حديث أبى
موسى (( إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل
صحيحاً مقيما)) فأثبت له مثل ذلك العمل ؛ لأن عزمه تام وإنما
منعه العذر .
و (النوع الثاني) من ((أولى الضرر)) الذين ليس لهم عزم
على الخروج ، فهؤلاء يفضل عليهم الخارجون المجاهدون وأولو الضرر
العازمون عزما جازماً على الخروج وقوله تعالى: (غَيرُأُوْلِ الضَّرَرِ)
سواء كان استثناء أو صفة دل على أنهم لا يدخلون مع القاعدين فى
نفي الاستواء ، فإذا فصل الأمر فيهم بين العازم وغير العازم بقيت
الآية على ظاهرها ، ولو جعل قوله: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةً ) عاما فى أهل الضرر وغيرم لكان ذلك مناقضاً لقوله:
(غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ )، فإن قوله: (لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ) (وَالْمُجَهِدُونَ)
إنما فيها نفي الاستواء ؛ فإن كان أهل الضرر كلهم كذلك لزم بطلان
قوله: (غَيُّأُوْلِ الضَّرَرِ )، ولزم أنه لا يساوي المجاهدين قاعد ولو
كان من أولي الضرر ، وهذا خلاف مقصود الآية .
و «أيضاً)) فالقاعدون إذا كانوا من غير أولي الضرر، والجهاد
١٢٤

ليس بفرض عين فقد حصلت الكفاية بغيرهم ؛ فإنه لا حرج عليهم فى
القعود ؛ بل هم موعودون بالحسنى كأولي الضرر وهذا مثل قوله:
(لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَثَلَ )
الآية فالوعد بالحسنى
شامل الأولي الضرر وغيرهم .
فإن قيل : قد قال فى الأولى فى فضلهم (دَرَجَةً) ، ثم قال في فضلهم
(دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) كما قال: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَ يَسْتَوُنَ عِندَ الَهِ وَاللَّهُ لَا
يَدِى الْقَوْمَ الظَلِينَ * الَّذِينَءَامَنُواْوَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمَوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأَوْلَئِكَ هُ الْفَآَبُِونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمِبِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّتٍ
لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيهُ )
فقوله: (أَعْظَمُ دَرَجَةً) كما قال فى السابقين (أَعْظَمُ دَرَجَةً )
وهذا نصب على التمييز : أى درجتهم أعظم درجة ، وهذا يقتضي
تفضيلا مجملا يقال : منزلة هذا أعظم وأكبر ، كذلك قوله :
( وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى اُلْقَعِدِينَ أَجْرَاعَظِيمًا ) الآيات : ليس المراد به أنهم
لم يفضلوا عليهم إلا بدرجة ، فإن فى الحديث الصحيح الذي يرويه أبو
سعيد وأبو هريرة: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين
فى سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض )) الحديث ، وفى
١٢٥

حديث أبى سعيد: ((من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبياً
وجبت له الجنة ، فعجب لها أبو سعيد فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة فى الجنة، ما بين كل
درجتين كما بين السماء والأرض ، فقال : وما هي يا رسول الله ؟ قال
الجهاد فى سبيل الله)) فهذا الحديث الصحيح بين أن المجاهد يفضل
على القاعد الموعود بالحسنى من غير أولي الضرر مائة درجة ، وهو
يبطل قول من يقول: إن الوعد بالحسنى والتفضيل بالدرجة مختص
بأولى الضرر ، فهذا القول مخالف للكتاب والسنة .
وقد يقال : إن ( درجة ) منصوب على التمييز كما قال أعظم درجة
أي فضل درجتهم على درجتهم أفضل ، كما يقال : فضل هذا على
هذا منزلا ومقاماً، وقد يراد ( بالدرجة ) جنس الدرج ، وهي المنزلة
والمستقر، لا يراد به درجة واحدة من العدد، وقوله: (وَفَضَّلَ اللَّهُ
منصوب ( بفضل ) لأن
الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ)
التفضيل زيادة للمفضل ، فالتقدير زادهم عليهم أجراً عظيما درجات منه
ومغفرة ورحمة ، فهذا النزاع في العازم الجازم إذا فعل مقدوره هل
يكون كالفاعل في الأجر والوزر أم لا؟ وأما فى استحقاق الأجر والوزر
فلا نزاع فى ذلك، وقوله: (( إذا التقى المسلمان بسيفيها )) فيه حرص
كل واحد منهما على قتل صاحبه وفعل مقدوره، فكلاهما مستحق للنار
١٢٦

ويبقى الكلام فى تساوي القعودين بشيء آخر .
وهكذا حال المقتلين من المسلمين فى الفتن الواقعة بينهم ، فلا
تكون عاقبتها إلا عاقبة سوء ، الغالب والمغلوب ، فإنه لم يحصل له دنيا ولا
آخرة ، كما قال الشعبي : أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا
فجرة أشقياء ، وأما الغالب فإنه يحصل له حظ عاجل ثم ينتقم منه في
الآخرة ، وقد يعجل الله له الانتقام فى الدنيا ، كما جرى لعامة الغالبين
فى الفتن ، فإنهم أصيبوا في الدنيا ، كالغالبين فى الحرة ، وفتنة أبي مسلم
الخراسانى ونحو ذلك .
وأما من قال : إنه لا يؤاخذ بالعزم القلبى فاحتجوا بقوله صلى الله
عليه وسلم ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها)) وهذا ليس
فيه أنه عاف لهم عن العزم ، بل فيه أنه عفى عن حديث النفس إلى
أن يتكلم أو يعمل ، فدل على أنه مالم يتكلم أو يعمل لا يؤاخذ :
ولكن ظن من ظن أن ذلك عزما وليس كذلك ؛ بل ما لم يتكلم أو
يعمل لا يكون عزماً ؛ فإن العزم لا بد أن يقترن به المقدور وإن لم
يصل العازم إلى المقصود ، فالذى يعزم على القتل أو الزنا أو نحوه عزما
جازما لا بد أن يتحرك ولو برأسه ، أو يمشى، أو يأخذ آلة ، أو
يتكلم كلمة ، أو يقول أو يفعل شيئاً ، فهذا كله ما يؤاخذ به كزنا العين
واللسان والرجل ، فإن هذا يؤاخذ به ، وهو من مقدمات الزنا التام
١٢٧

بالفرج ، وإنما وقع العفو عما ما لم يبرز خارجا بقول أو فعل ولم
يقترن به أمر ظاهر قط ، فهذا يعفى عنه لمن قام بما يجب على القلب
من فعل المأمور به ، سواء كان المأمور به في القلب وموجبه فى الجسد
أو كان المأمور به ظاهراً فى الجسد وفي القلب معرفته وقصده، فهؤلاء
إذا حدثوا أنفسهم بشيء كان عفواً مثل م ثابت بلا فعل ، ومثل
الوسواس الذي يكرهونه وهم يثابون على كراهته ، وعلى ترك ما هموا به
وعزموا عليه لله تعالى وخوفاً منه .
١٢٨

وقال الشيخ / محمد الله:
اعلم أن الله سبحانه وتعالى أعطى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم
وبارك، خوانيم (سورة البقرة) من كنز تحت العرش لم يؤت منه نى
قبله ، ومن تدبر هذه الآيات وفهم ما تضمنته من حقائق الدين ، وقواعد
الإيمان الخمس ، والرد على كل مبطل ، وما تضمنته من كمال نعم الله
تعالى على هذا النبى صلى الله عليه وسلم وأمته ، ومحبة الله سبحانه
لهم ، وتفضيله إيام على من سواهم ، فليهنه العلم ، ولو ذهبنا نستوعب
الكلام فيها لخرجنا عن مقصود الكتاب ، ولكن لابد من كليمات بسيرة
تشير إلى بعض ذلك فنقول :
لما كانت (سورة البقرة ) سنام القرآن، وأكثر سوره أحكاما ،
وأجمعها لقواعد الدين : أصوله وفروعه، وهي مشتملة على ذكر
((أقسام الخلق)): المؤمنين، والكفار، والمنافقين، وذكر
أوصافهم وأعمالهم
وذكر الأدلة الدالة على إثبات الخالق - سبحانه وتعالى - وعلى
وحدانيته ، وذكر نعمه ، وإثبات نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم ،
١٢٩

وتقرير المعاد ، وذكر الجنة والنار ، وما فيهما من النعيم والعذاب .
ثم ذكر تخليق العالم العلوي والسفلي .
ثم ذكر خلق آدم عليه السلام ، وإنعامه عليه بالتعليم وإسجاد
ملائكته له . وإدخاله الجنة ، ثم ذكر محنته مع إبليس ، وذكر حسن
عاقبة آدم عليه السلام .
ثم ذكر ((المناظرة)) مع أهل الكتاب من اليهود . وتوبيخهم على
كفرهم وعنادهم ، ثم ذكر النصارى والرد عليهم، وتقرير عبودية المسيح،
ثم تقرير النسخ. والحكمة فى وقوعه .
ثم بناء البيت الحرام وتقرير تعظيمه ، وذكر بانيه والثناء عليه .
ثم تقرير الحنيفية ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وتسفيه من رغب
عنها ، ووصية بنيه بها، وهكذا شيئاً فشيئاً إلى آخر السورة، فختمها
الله تعالى بآيات جوامع مقررة جميع مضمون السورة، فقال تعالى: (لِلّهِ
مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِاللّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ قَدِيُ ).
فأخبر تعالى : أن مافى السموات وما فى الأرض ملكه وحده لا
١٣٠

يشاركه فيه مشارك ، وهذا يتضمن انفراده بالملك الحق ، والملك العام
لكل موجود ، وذلك يتضمن توحيد ربوبيته وتوحيد إلهيته ، فتضمن
نفي الولد والصاحبة والشريك ؛ لأن ما في السموات وما فى
الأرض إذا كان ملكه وخلقه لم يكن له فيهم ولد ولا صاحبة
ولا شريك .
وقد استدل سبحانه بعين هذا الدليل فى سورة الأنعام ، وسورة
مريم، فقال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْتَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ
وَخَلَقَكُلَّ شَىْءٍ )
وقال تعالى فى سورة مريم :
(وَمَا يَتْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ
عَبْدًا ) ويتضمن ذلك أن الرغبة والسؤال والطلب والافتقار لا
يكون إلا إليه وحده؛ إذ هو المالك لما فى السموات
والأرض .
ولما كان تصرفه سبحانه فى خلقه لا يخرج عن العدل والإحسان ،
وهو تصرف بخلقه وأمره، وأخبر أن مافى السموات وما فى الأرض
ملكه ، فما تصرف خلقاً وأمراً إلا في ملكه الحقيقي ، وكانت سورة
البقرة مشتملة من الأمر والخلق على مالم يشتمل عليه سورة غيرها
- أخبر تعالى أن ذلك صدر منه فى ملكه قال تعالى: (وَإِن تُبْدُواْ
مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) ، فهذا متضمن لكمال علمه
١٣١

سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرم ، وأنه لا يخرج شيء من ذلك عن
علمه، كما لم يخرج شىء ممن فى السموات والأرض عن ملكه ،
فعلمه عام وملكه عام .
ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك ، وهي تعريفهم ما أبدوه أو
أخفوه ، فتضمن ذلك علمه بهم وتعريفهم إياه، ثم قال: (فَيَغْفِرُ لِمَن
يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) فتضمن ذلك قيامه عليهم بالعدل والفضل ،
فيغفر لمن يشاء فضلا ، ويعذب من يشاء عدلا ، وذلك يتضمن الثواب
والعقاب المستلزم الأمر والنهي المستلزم للرسالة والنبوة .
ثم قال تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ) فتضمن ذلك أنه لا
يخرج شيء عن قدرته ألبتة ، وأن كل مقدور واقع بقدره ، ففي ذلك
رد على المجوس الثنوية ، والفلاسفة ، والقدرية المجوسية ، وعلى كل من
أخرج شيئاً من المقدورات عن خلقه وقدرته - وم طوائف كثيرون .
فتضمنت الآية إثبات التوحيد ، وإثبات العلم بالجزئيات والكليات ،
وإثبات الشرائع والنبوات ، وإثبات المعاد والثواب والعقاب، وقيام الرب
على خلقه بالعدل والفضل ، وإثبات كمال القدرة وعمومها ، وذلك يتضمن
حدوث العالم بأسره ؛ لأن القديم لا يكون مقدوراً ولا مفعولا .
ثم إن إثبات كمال علمه وقدرته يستلزم إثبات سائر صفاته العلى،
١٣٢

وله من كل صفة اسم حسن ، فيتضمن إثبات أسمائه الحسنى ، وكمال
القدرة يستلزم أن يكون فعالا لما يريد ، وذلك يتضمن تنزيهه عن كل
ما يضاد كماله ، فيتضمن تنزيهه عن الظلم المنافي لكمال غناء وكمال علمه ؛
إذ الظلم إنما يصدر عن محتاج أو جاهل ، وأما الغني عن كل شيء
العالم بكل شيء سبحانه فإنه يستحيل منه الظلم ، كما يستحيل عليه العجز
المنافى لكمال قدرته ، والجهل المنافي لكال علمه .
فتضمنت الآية هذه المعارف كلها بأوجز عبارة وأفصح لفظ
وأوضح معنى .
وقد عرفت بهذا أن الآية لا تقتضى العقاب على خواطر النفوس
المجردة ؛ بل إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها ، وهي أعم من العقاب،
والأعم لا يستلزم الأخص ، وبعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء ويعذب
من يشاء ، وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها ، ومن قال من السلف:
نسخها ما بعدها فمراده بيان معناها والمراد منها ، وذلك يسمى نسخاً في
لسان السلف ، كما يسمون الاستثناء نسخاً .
ثم قال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ
فهذه شهادة الله تعالى لرسوله
بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ»)
عليه الصلاة والسلام بإيمانه بما أنزل إليه من ربه ، وذلك يتضمن إعطاءه
١٣٣

ثواب أكمل أهل الإيمان - زيادة على ثواب الرسالة والنبوة - لأنه
شارك المؤمنين فى الإيمان ، ونال منه أعلى مراتبه ، وامتاز عنهم بالرسالة
والنبوة، وقوله: (أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ) يتضمن أنه كلامه الذي تكلم
به ، ومنه نزل لا من غيره، كما قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن
رَّبِّكَ ) وقال: (تَنِزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ).
وهذا أحد ما احتج به أهل السنة على المعتزلة القائلين بأن الله
لم يتكلم بالقرآن ، قالوا : فلو كان كلاما لغير الله لكان منزلا من ذلك
المحل لا من الله ؛ فإن القرآن صفة لا تقوم بنفسها ؛ بخلاف قوله :
فإن تلك أعيان
(وَسَخَّرَ لَكُمَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعَامِنْهُ )
قائمة بنفسها، فهي منه خلقاً، وأما (( الكلام )) فوصف قائم بالمتكلم ،
فلما كان منه فهو كلامه؛ إذ يستحيل أن يكون منه ولم
يتكلم به .
ثم شهد تعالى للمؤمنين بأنهم آمنوا بما آمن به رسولهم ، ثم شهد
لهم جميعا بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله ، فتضمنت هذه
الشهادة إيمانهم بقواعد الإيمان الخمسة التى لا يكون أحد مؤمناً إلا بها ،
وهي : الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله ، واليوم الآخر.
وقد ذكر تعالى هذه الأصول الخمسة فى أول السورة ووسطها
١٣٤

( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
وآخرها ، فقال فى أولها :
فالإيمان بما أنزل إليه وما أنزل من
وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)
قبله يتضمن الإيمان بالكتب والرسل والملائكة، ثم قال: (وَبِالْآَخِرَةِ
هُمْ يُوقُِونَ ) والإيمان بالله يدخل فى الإيمان بالغيب وفى الإيمان بالكتب
والرسل ، فتضمنت الإيمان بالقواعد الخمس .
وقال فى وسطها : (وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلَبِكَةِ
وَالْكِنَبِ وَالنَِّيْنَ ) ثم حكى عن أهل الإيمان أنهم قالوا: (لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍمِنْ رُسُلٍِ ) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، فلا ينفعنا إيماننا
بمن آمنا به منهم كما لم ينفع أهل الكتاب ذلك؛ بل نؤمن بجميعهم
ونصدقهم ولا تفرق بينهم ، وقد جمعتهم رسالة ربهم فنفرق بين من
جمع اللّه بينهم، ونعادي رسله . ونكون معادين له. فباينوا بهذا
الإيمان جميع طوائف الكفار المكذبين لجنس الرسل . والمصدقين
لبعضهم المكذبين لبعضهم .
وتضمن إيمانهم باللّه إيمانهم بربوبيته ، وصفات كماله، ونعوت جلاله،
وأسمائه الحسنى ، وعموم قدرته ومشيئته ، وكال علمه وحكمته ، فباينوا
بذلك جميع طوائف أهل البدع والمنكرين لذلك أو لشيء منه ؛ فإن
كمال الإيمان بالله يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه، وتنزيهه عما نزه نفسه
١٣٥

عنه ، فباينوا بهذين الأمرين جميع طوائف الكفر، وفرق أهل الضلال
الملحدين فى أسماء الله وصفاته
ثم قالوا : ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فهذا إقرار منهم بركني الإيمان الذي
لا يقوم إلا بها ، وهما السمع المتضمن للقبول ؛ لا مجرد سمع الإدراك
المشترك بين المؤمنين والكفار: بل سمع الفهم والقبول، و((الثانى))
الطاعة المتضمنة لكمال الانقياد وامتثال الأمر ، وهذا عكس قول الأمة
الغضبية (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا).
فتضمنت هذه الكلمات كمال إيمانهم ، وكمال قبولهم ، وكمال
انقيادهم، ثم قالوا: ( غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) لما علموا أنهم لم
يوفوا مقام الإيمان حقه مع الطاعة والانقياد الذي يقتضيه منهم ، وأنهم
لا بد أن تميل بهم غلبات الطباع ودواعى البشرية إلى بعض التقصير فى
واجبات الإيمان ، وأنه لا يلم شعث ذلك إلا مغفرة الله تعالى لهم،
سألوه غفرانه الذي هو غاية سعادتهم ، ونهاية كمالهم ؛ فإن غاية كل
مؤمن المغفرة من اللّه تعالى، فقالوا: (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) ثم اعترفوا
أن مصيرهم ومردهم إلى مولاهم الحق لا بد لهم من الرجوع إليه فقالوا :
(وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ).
فتضمنت هذه الكلمات إيمانهم به، ودخولهم بحت طاعته وعبوديته،
١٣٦

واعترافهم بربوبيته ، واضطرارهم إلى مغفرته ، واعترافهم بالتقصير في حقه ،
وإقرارهم برجوعهم إليه .
ثم قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) فنفى بذلك
ما توهموه من أنه يعذبهم بالخطرات التى لا يملكون دفعها ، وأنها
داخلة تحت تكليفه، فأخبرهم أنه لا يكلفهم إلا وسعهم ، فهذا هو
البيان الذي قال فيه ابن عباس وغيره فنسخها الله عنهم بقوله: (لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُنَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقد تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمراً
ونهياً فهم مطيقون له قادرون عليه ، وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، وفى
ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك .
والله تعالى أمرهم بعبادته، وضمن أرزاقهم ، فكلفهم من الأعمال
ما يسعونه ، وأعطاه من الرزق ما يسمهم ، فتكليفهم يسعونه، وأرزاقهم
تسعهم ، فهم فى الوسع في رزقه وأمره : وسعوا أمره ، ووسعهم
رزقه ففرق بين ما يسح العبد وما يسعه العبد ، وهذا هو اللائق
برحمته وبره وإحسانه وحكمته وغناه ؛ لا قول من يقول إنه كلفهم ما لا
قدرة لهم عليه ألبتة ولا يطيقونه ثم يعذبهم على ما لا يعملونه .
وتأمل قوله عز وجل: ( إِلَّاوُسْعَهَا ) كيف تجد تحته أنهم فى
سعة ومنحة من تكاليفه ؛ لا في ضيق وحرج ومشقة ؛ فإن الوسع
١٣٧

يقتضى ذلك، فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر
لهم ولا ضيق ولا حرج ؛ بخلاف ما يقدر عليه الشخص فإنه قد يكون
مقدوراً له ولكن فيه ضيق وحرج عليه ، وأما وسعه الذي هو منه
فى سعة فهو دون مدى الطاقة والمجهود ؛ بل لنفسه فيه مجال ومتسع،
وذلك مناف للضيق والحرج (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ)
بل ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) قال سفيان بن عيينة
في قوله: ( إِلَّاوُسْعَهَا) إلا بسرها لا عسرها ، ولم يكلفها طاقتها ،
ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود .
فهذا فهم أئمة الإسلام وأين هذا من قول من قال إنه كلفهم ما لا
يطيقونه ألبتة ولا قدرة لهم عليه ؟ ثم أخبر تعالى أن ثمرة هذا
التكليف وغايته عائدة عليهم ، وأنه تعالى يتعالى عن انتفاعه بكسبهم
وتضرره باكتسابهم ؛ بل لهم كسبهم ونفعه. وعليهم اكتسابهم وضرره
فلم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ؛ بل رحمة وإحساناً وتكرماً. ولم
ينههم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم بل حمية وحفظاً وصيانة وعافية.
وفيه أيضاً أن نفساً لا تعذب باكتساب غيرها ، ولا تئاب بكسبه،
، (وَلَائِزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
ففيه معنى قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلََّ مَاسَعَى)
أُخْرَى ) .
١٣٨

وفيه أيضاً إثبات كسب النفس المنافي للجبر .
وفيه أيضاً اجتماع الحكمة فيه ، فإما كسب خيراً أو اكتسب
شراً، لم يبطل اكتسابه كسبه ، كما يقوله أهل الإحباط والتخليد ؛
فإنهم يقولون : إن عليه ما اكتسب وليس له ماكسب ، فالآية رد
على جميع هذه الطوائف، فتأمل كيف أتى فيما لها بالكسب
الحاصل ، ولو لأدنى ملابسة، وفيما عليها بالاكتساب الدال على
الاهتمام والحرص والعمل ؛ فإن اكتسب أبلغ من كسب ، ففي ذلك
تنبيه على غلبة الفضل للعدل ، والرحمة للغضب .
ثم لما كان ما كلفهم به عهوداً منه ووصايا، وأوامر تجب مراعاتها
والمحافظة عليها ، وأن لا يخل بشيء منها ؛ ولكن غلبة الطباع البشرية
تأبى إلا النسيان والخطأ والضعف والتقصير أرشده الله تعالى إلى أن
يسألوه مسامحته إياه فى ذلك كله ، ورفع موجبه عنهم بقولهم : ( رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَ أَنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاْ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ.
ج
مِن قَبْلِنَا) أي لا تكلفنا من الآصار التى يثقل حملها ما كلفته
من قبلنا ؛ فإنا أضعف أجساداً وأقل احتمالا .
ثم لما علموا أنهم غير منفكين مما يقضيه ويقدره عليهم ، كما أنهم
غير منفكين عما يأمر به وينهاجم عنه سألوه التخفيف فى قضائه وقدره،
١٣٩

كما سألوه التخفيف في أمره ونهيه فقالوا: (رَبَّنَاوَلَا تُحَمِّلْنَامَا لَا طَاقَةَ
لَنَابِهِ ) فهذا في القضاء والقدر والمصائب وقولهم (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاً
إِصْرَّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) فى الأمر والنهى والتكليف فسألوه
التخفيف في النوعين .
ثم سألوه العفو والمغفرة والرحمة والنصر على الأعداء ؛ فإن بهذه
الأربعة تتم لهم النعمة المطلقة ، ولا يصفو عيش فى الدنيا والآخرة إلا
بها ، وعليها مدار السعادة والفلاح ، فالعفو متضمن لإسقاط حقه قبلهم
ومسامحتهم به ، والمغفرة متضمنة لوقابتهم شر ذنوبهم وإقباله عليهم ورضاه
عنهم ؛ بخلاف العفو المجرد ؛ فإن العافى قد يعفو ولا يقبل على من عفا
عنه ولا يرضى عنه ، فالعفو ترك محض ، والمغفرة إحسان وفضل وجود
والرحمة متضمنة للأمرين مع زيادة الإحسان والعطف والبر ، فالثلاثة
تتضمن النجاة من الشر والفوز بالخير ، والنصرة تتضمن التمكين من
إعلان عبادته وإظهار دينه ، وإعلاء كلمته ، وقهر أعدائه ، وشفاء صدورم
منهم ، وإذهاب غيظ قلوبهم ، وحزازات نفوسهم ، وتوسلوا فى خلال
هذا الدعاء إليه باعترافهم أنه مولام الحق الذي لا مولى لهم سواه ، فهو
ناصرهم ، وهاديهم ، وكافيهم ، ومعينهم ، ومجيب دعواتهم ، ومعبودم.
فلما تحققت قلوبهم بهذه المعارف وانقادت وذلت لعزة ربها
ومولاها وأجابتها جوارحهم أعطوا كما سألوه من ذلك ، فلم يسألوا
١٤٠