النص المفهرس
صفحات 81-100
وأما قتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى فالآية لم تتعرض له لا بنفي ولا إثبات ولا لها مفهوم يدل عليه، لا مفهوم موافقة ولا مخالفة؛ فإنه إذا كان فى المقاصة يقاس الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى لتساوي الديات دل ذلك على قتل النظير بالنظير والأدنى بالأعلى . يبقى قتل الأعلى الكثير الدية بالأدنى القليل الدية ليس فى الآية تعرض له ، فإنه لم يقصد بها ابتداء القود ، وإنما قصد المقاصة فى القتلى لتساوي دياتهم . فإن قيل : دية الحركدية الحر ودية الأنثى كدية الأشى ويبقى العبيد قيمتهم متفاضلة ؟ = قيل : عبيده كانوا متقاربين القيمة، وقوله: ( وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) قد يراد به بالعبد المائل به ، كما يقال : ثوب بثوب وإن كان أحدهما أغلى قيمة فذاك مما عفي له ، وقد يعفى إذا لم تعرف قيمتهم وهو الغالب فإن المقتولين فى الفتن عبيدهم الذين يقاتلون معهم ، وم يكونون تربيتهم عندم لم يشتروم ، فهذا يكون مع العلم بتساوي القيمة ومع الجهل بتفاضلها ؛ فإن المجهول كالمعدوم ولو أتلف كل من الرجلين ثوب الآخر ولا يعلم واحد منها قيمة واحد من الثوبين قيل ثوب بثوب ، وهذا لأن الزيادة محتملة من الطرفين : يحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى ، ٨١ ويحتمل أن يكون ثوب هذا أغلى، وليس ترجيح أحدهما أولى من الآخر ، والأصل براءة ذمة كل واحد من الزيادة فلا تشتغل الذمة بأمر مشكوك فيه لو كان الشك فى أحدهما فكيف إذا كان من الطرفين ؟ فظهر حكمة قوله: (وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) وظهر بهذا أن القرآن دل على ما يحتاج الخلق إلى معرفته والعمل به ، ويحقن به دماؤهم ويحيون به ، ودخل في ذلك ما ذكره الآخرون من العدل فى القود . ودلت الآية على أن القتلى يؤخذ لهم ديات ، فدل على ثبوت الدية على القاتل، وأنها مختلفة باختلاف المقتولين ، وهذا مما من الله به على أمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أثبت القصاص والدية . وأما كون العفو هو قبول الدية فى العمد وأنه يستحقها العافى بمجرد عفوه فالآية لم تتعرض لهذا . ودلت هذه الآية على أن الطوائف الممتنعة تضمن كل منها ما أتلفته الأخرى من دم ومال بطريق الظلم لقوله : ( مِنْ أَخِيهِ ) بخلاف ما أنلفه المسلمون للكفار والكفار للمسلمين . وأما القتال بتأويل ((كقتال أهل الجمل وصفين)) فلا ضمان فيه أيضا بطريق الأولى عند الجمهور ، فإنه إذا كان الكفار المتأولون ٨٢ لا يضمنون فالمسلمون المتأولون أولى أن لا يضمنوا . ودلت الآية على أن هذا الضمان على مجموع الطائفة يستوى فيه الردء والمباشر ، لا يقال : انظروا من قتل صاحبكم هذا فطالبوه بديته بل يقال : ديته عليكم كلكم فإنكم جميعاً قتلتموه ؛ لأن المباشر إنما تمكن بمعاونة الردء له، وعلى هذا دل قوله: (وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقّبْتُمْ فَشَاتُواْالَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُواْ ) فإن أولئك الكفار كان عليهم مثل صداق هذه المرأة التى ذهبت إليهم فإذا لم يؤدوه أخذ من أموالهم التى يقدر المسلمون عليها، مثل امرأة جاءت منهم يستحقون صداقها ، فيعطي المسلم زوج تلك المرتدة صداقها من صداق هذه المسلمة المهاجرة الذي يستحقه الكفار لكونها أسلمت وهاجرت وفوتت زوجها بضعها كما فوتت المرتدة بضعها لزوجها وإن كان زوج المهاجرة ليس هو الذى تزوج بالمرتدة ، لأن الطائفة لما كانت ممتنعة يمنع بعضها بعضا صارت كالشخص الواحد . ولهذا لما قتل خالد من قتل من بني جذيمة ودام النبى صلى الله عليه وسلم من عنده؛ لأن خالداً نائبه وهو لا يمكنهم من مطالبته وحبسه لأنه متأول، وكذلك عمرو بن أمية وعاقلته مثل خالد بن الوليد، لأنه قتل هذا على سبيل الجهاد لا لعداوة يخصه. وقد تنازع الفقهاء فى خطأ ولي الأمر هل هو فى بيت المال أو على ذمته ؟ على قولين . (١) أضيفت لضرورة السياق . ٨٣ ولهذا كان ما غنمته السرية يشاركها فيه الجيش وما غنمه الجيش شاركته فيه السرية ، لأنه إنما يغنم بعضهم بظهر بعض، فإذا اشتركوا فى المغرم اشتركوا فى المغنم، وكذلك فى العقوبة يقتل الردء والمباشر من المحاربين عند جماهير الفقهاء، كما قتل عمر رضى الله عنه ربيئة المحاربين، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد ، وهو مذهب مالك فى القتل قوداً ، وفي السراق أيضاً . وبيان دلالة الآية على ذلك أن المقتولين إذا حبس حر بحر وعبد بعبد وأنشى بأنشى فالحر من هؤلاء ليس قاتله هو ولي الحر من هؤلاء ؛ بل قد يكون غيره ، وكذلك العبد من هؤلاء ليس قاتله هو سيد العبد من هؤلاء ؛ بل قد يكون غيره ؛ لكن لما كانوا مجتمعين متناصرين على قتال أولئك ومحاربتهم كان من قتله بعضهم فكلهم قتله، وكلهم يضمنونه ؛ ولهذا ما فضل لأحد الطائفتين يؤخذ من مال الأخرى. فإن قيل : إذا كان مستقراً فى فطر بني آدم أن القاتل الظالم لنظيره يستحق أن يقتل وليس فى الآدميين من يقول إنه لا يقتل فما الفائدة فى قوله تعالى : (وَكَتَبِنَاعَلَيْهِمْ فِيهَا - أي فى التوراة - أَنَّالنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) الآ ية. إذا كان مثل هذا الشرع يعرفه العقلاء كلهم ؟ قيل لهم : فائدته بيان تساوى دماء بني إسرائيل ، وأن دماءهم ٨٤ متكافئة ليس لشريفهم مزية على ضعيفهم، وهذه الفائدة الجليلة التى جاءت بها شرائح الأنبياء ، فأما الطوائف الخارجون عن شرائح الأنبياء فلا يحكمون بذلك مطلقاً؛ بل قد لا يقتلون الشريف ، وإذا كان الملك عادلا فقد يفعل بعض ذلك، فهذا الذي كتبه الله فى التوراة من تكافؤ دمائهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وم يد على من سوام ، فحكم أيضاً فى المؤمنين به من جميع الأجناس بتكافؤ دمائهم، فالمسلم الحر يقتل بالمسلم الحر من جميع الأجناس باتفاق العلماء . وبهذا ظهر الجواب عن احتجاج من احتج بآية التوراة على أن المسلم يقتل بالنمي لقوله : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) و (( شرع من قبلنا شرع لنا )، فإنه يقال : الذي كتب عليهم أن النفس منهم بالنفس منهم ، وم كلهم كانوا مؤمنين ، لم يكن فيهم كافر ، ولم يكن في شريعتهم إبقاء كافر بينهم لا يجزية ولا غيرها، وهذا مثل شرع محمد صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، وليس فى الشريعتين أن دم الكافر يكافئ دم المسلم؛ بل جعل الإيمان هو الواجب للمكافآت دليل على انتفاء ذلك في الكافر - سواء كان ذمياً أو مستأمناً - لانتفاء الإيمان الواجب للمكافأة فيه ؛ نعم ! يحتج بعمومه على العبد . وليس فى العبد نصوص صريحة صحيحة كما في النعي ؛ بل ما روي ((من قتل عبده قتلناه به)) وهذا لأنه إذا قتله ظالماً كان الإمام ولي ٨٥ دمه ؛ لأن القاتل كما لا يرث المقتول إذا كان حراً فكذلك لايكون ولي دمه إذا كان عبداً ؛ بل هذا أولى كيف يكون ولي دمه وهو القاتل ؟ بل لا يكون ولي دمه ؛ بل ورثة القاتل السيد ؛ لأنهم ورثته وهو بالحياة ولم يثبت له ولابة حتى تنتقل إليهم فيكون وليه الإمام . وحينئذ فالإمام قتله ، فكل من قتل عبده كان للإمام أن يقتله . و «أيضاً)) فقد ثبت بالسنة والآثار أنه إذا مثل بعبده عنق عليه ، وهذا مذهب مالك وأحمد وغيرهما ، وقتله [ أشد ] أنواع المثل فلا يموت إلا حراً؛ لكن حريته لم تثبت فى حال الحياة حتى يرثه عصبته؛ بل حريته ثبتت حكما ، وهو إذا كان عتق كان ولاؤه للمسلمين ، فيكون الإمام هو وليه ، فله قتل قاتل عبده . وقد يحتج بهذا من يقول : إن قاتل عبد غيره لسيده قتله ، وإذا دل الحديث على هذا كان هذا القول هو الراجح ، والقول الآخر ليس معه نص صريح ولا قياس صحيح ، وقد قال الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم : من قتل ولا ولي له كان الإمام ولي دمه ، فله أن يقتل ، وله أن يعفو على الدية ؛ لا مجاناً . يؤيد هذا أن من قال : لا يقتل حر بعبد يقول : إنه لا يقتل الذمي الحر بالعبد المسلم. قال الله تعالى في كتابه: (وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنُ خَيْرٌمِّن ٨٦ مُشْرِكٍ ) فالعبد المؤمن خير من النمي المشرك ، فكيف لا يقتل به ؟ ! والعبد المؤمن مثل الحرائر المؤمنات ، كما دلت عليه هذه الآية ، وهو قول جماهير السلف والخلف ، وهذا قوي على قول أحمد : فإنه يجوز شهادة العبد كالحر ؛ بخلاف النمي فلماذا لا يقتل الحر بالعبد وكلهم مؤمنون ، وقد قال النى صلى الله عليه وسلم: ((المؤمنون تتكافأ دماؤم))؟ !. ٨٧ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه: من باب قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ ) بدل الاشتال ، والسؤال إنما وقع عن القتال فيه فلم قدم الشهر وقد قلتم : إنهم يقدمون ما بيانه أم وم به أعنى ؟ قيل : السؤال لم يقع منهم إلا بعد وقوع القتال في الشهر وتشنيع أعدائهم عليهم انتهاكه وانتهاك حرمته ، وكان اهتمامهم بالشهر فوق اهتمامهم بالقتال ، فالسؤال إنما وقع من أجل حرمة الشهر ، فلذلك قدم فى الذكر ، وكان تقديمه مطابقاً لما ذكرنا من القاعدة . فإن قيل : فما الفائدة في إعادة ذكر القتال بلفظ الظاهر، وهلا اكتفى بضميره فقال: هو كبير ؟ وأنت إذا قلت : سألته عن زيد هو فى الدار كان أوجز من أن تقول أزيد فى الدار ؟ قيل : فى إعادته بلفظ الظاهر بلاغة بديعة ، وهو تعليق الحكم الخبري باسم القتال فيه عموماً ولو أتى بالمضمر فقال : هو كبير لتوهم اختصاص الحكم بذلك القتال المسؤل عنه . وليس الأمر كذلك ؛ ٨٨ وإنما هو عام في كل قتال وقع فى شهر حرام . ونظير هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الوضوء بماء البحر فقال : ((هو الطهور ماؤه)) فأعاد لفظ الماء ولم يقتصر على قوله: ((نعم توضئوا به)) لئلا يتوهم اختصاص الحكم بالسائلين لضرب من ضروب الاختصاص ، فعدل عن قوله: (( نعم توضوا )) إلى جواب عام يقتضي تعليق الحكم والطهور به بنفس مائه من حيث هو ، فأفاد استمرار الحكم على الدوام. وتعلقه بعموم الأمة ، وبطل توم قصره على السبب ، فتأمله فإنه بديع . فَكذلك فى الآية لما قال : (قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) جعل الخبر بـ (كبير) واقعا عن (قِتَالٌ فِيهِ) فيتعلق الحكم به على العموم؛ ولفظ ((المضمر)) لا يقتضى ذلك . (وَالَّذِينَ يُمَسِكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ وقريب من هذا قوله تعالى : ولم يقل أجرهم ، تعليقا لهذا الحكم الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَالْمُصْلِحِينَ ) بالوصف وهو كونهم مصلحين ، وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور . وقريب منه وهو ألطف معنى قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ٨٩ ولم يقل فيه تعليقاً بحكم قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْالنِّسَآءَ فِىِ الْمَحِيضِ ) الاعتزال بنفس الحيض ، وإنه هو سبب الاعتزال ، وقال: ( قُلْهُوَ أَذَى ) ولم يقل: ( المحيض أذى ) لأنه جاء به على الأصل ؛ ولأنه لو كرره لنقل اللفظ به لتكرره ثلاث مرات ، وكان ذكره بلفظ الظاهر في الأمر بالاعتزال أحسن من ذكره مضمرا ليفيد تعليق الحكم بكونه حيضا ، بخلاف قوله: (قُلْ هُوَ أَذَى ) فإنه إخبار بالواقع ، والمخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضاً ، بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يعلم بالشرع ، فتأمله . ٩٠ سئل شيخ الإسلام عن قوله تعالى: (وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ) وقد أباح العلماء التزويج بالنصرانية واليهودية ، فهل هما من المشركين أم لا؟ ؟ . فأجاب الحمد لله . نكاح الكتابية جائز بالآية التى فى المائدة قال تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ ◌َكُمْ وَطَعَامُّكُمْ حِلٌّ ◌َُّمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ المُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ) وهذا مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم ، وقد روى عن ابن عمر : أنه كره نكاح النصرانية ، وقال : لا أعلم شركا أعظم ممن تقول : إن ربها عيسى بن مريم. وهو اليوم مذهب طائفة من أهل البدع ، وقد احتجوا بالآية التى فى سورة البقرة وبقوله (وَلَا تُمْسِكُواْبِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ) والجواب عن آية البقرة من ثلاثة أوجه . ( أحدها ) أن أهل الكتاب لم يدخلوا فى المشركين ، فجعل أهل (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ الكتاب غير المشركين بدليل قوله : ٩١ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَىُّ وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوَّا). فإن قيل : فقد وصفهم بالشرك بقوله : (أَتَّخَذُواْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابَا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوَا إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًّاً قيل أهل الكتاب ليس لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَنَّهُعَمَّا يُشْرِكُونَ) فى أصل دينهم شرك ؛ فإن الله إنما بعث الرسل بالتوحيد ، فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن فى أصل دينهم شرك ؛ ولكن النصارى ابتدعوا الشرك، كما قال: (سُبْحَتَهُ، وَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) حيث وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به ، وحيث ميزهم عن المشركين فلأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التى جاءت بالتوحيد لا بالشرك . فإذا قيل : أهل الكتاب لم يكونوا من هذه الجهة مشركين ؛ فإن الكتاب الذي أُضيفوا إليه لا شرك فيه ، كما إذا قيل : المسلمون وأمة محمد لم يكن فيهم من هذه الجهة لا اتحاد ، ولا رفض ، ولا تكذيب بالقدر ، ولا غير ذلك من البدع ، وإن كان بعض الداخلين فى الأمة قد ابتدع هذه البدع ؛ لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة ، فلا يزال فيها من هو متبع لشريعة التوحيد ؛ بخلاف أهل الكتاب ، ولم يخبر الله عز وجل عن أهل الكتاب أنهم مشركون بالاسم ؛ بل قال: (عَمَّا يُشْرِكُونَ ) بالفعل ، وآية البقرة قال فيها : ٩٢ ( الْمُشْرِكِينَ ) و(الْمُشْرِكَتِ) بالاسم ، والاسم أوكد من الفعل . ( الوجه الثاني ) أن يقال : إن شملهم لفظ ( المشركين ) فى سورة البقرة كما وصفهم بالشرك فهذا متوجه بأن يفرق بين دلالة اللفظ مفرداً ومقروناً ، فإذا أفردوا دخل فيهم أهل الكتاب، وإذا قرنوا بأهل الكتاب لم يدخلوا فيهم ، كما قيل : مثل هذا فى اسم الفقير والمسكين ونحو ذلك ، فعلى هذا يقال : آية البقرة عامة ، وتلك خاصة ، والخاص يقدم على العام . ( الوجه الثالث ) أن يقال : آية المائدة ناسخة لآية البقرة ، لأن المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء، وقد جاء فى الحديث المائدة من (١) ، (١) آخر ما وجد من الأصل . ٩٣ ٠ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل لما ذكر سبحانه ما يبطل الصدقة من المن والأذى ومن الرياء ، ومثله بالتراب على الصفوان إذا أصابه المطر ، ولهذا قال : (وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ) لأن الإيمان بأحدهما لا ينفع هنا بخلاف قوله فى النساء : ( إِنَّاللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالَ فَخُورًا ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَ لَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ ). فإنه فى معرض النم ، فذكر غايته وذكر ما يقابله وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتشبيتاً من أنفسهم . فالأول الإخلاص . و «التثبيت)) هو التثبت كقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوْ أُمَا يُوعَظُونَ بِهِ، كقوله: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً) ويشبه لَكَانَ خَيْرًالَهُمْ وَأَشَدَّ تَشْبِيتًا ) - والله أعلم - أن يكون هذا من باب قدم وتقدم كقوله: (لَا نُقَدِّمُواْ ٩٤ فتبتل وتثبت لازم بمعنى ثبت (١) لأن التثبت هو بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) القوة والمكنة ، وضده الزلزلة، والرجفة ، فإن الصدقة من جنس القتال ، فالجبان يرجف ، والشجاع يثبت ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ((وأما الخيلاء التى يحبها الله فاختيال الرجل بنفسه عند الحرب، واختياله بنفسه عند الصدقة )) لأنه مقام ثبات وقوة ، فالخيلاء تناسبه ، وإنما الذي لا يحبه الله المختال الفخور البخيل الآمر بالبخل، فأما المختال مع العطاء أو القتال فيحبه . وقوله (مِّنْ أَنفُسِهِمْ ) أي ليس المقوى له من خارج كالذي يثبت وقت الحرب الإمساك أصحابه له، وهذا كقوله: (وَإِذَامَا غَضِبُوأُهُمْ يَغْفِرُونَ ) بل تثبته ومغفرته من جهة نفسه . وقد ذكر الله سبحانه في البقرة والنساء الأقسام الأربعة فى العطاء. إما أن لا يعطي فهو البخيل المذموم فى النساء ، أو يعطى مع الكراهة والمن والأذى، فلا يكون بتثبيت وهو المذموم فى البقرة ، أو مع الرياء فهو المذموم فى السورتين ، فبقي القسم الرابع : ابتغاء رضوان اللّه وتثبيتاً من أنفسهم . (١) هنا كلمات غير متضحة . ٩٥ ونظيره ((الصلاة)) إما أن لا يصلي، أو يصلي رياء، أو كسلان، أو يصلي مخلصاً، والأقسام الثلاثة الأول مذمومة، وكذلك ((الزكاة)) ونظير ذلك ((الهجرة ، والجهاد )) فإن الناس فيها أربعة أقسام، وكذلك (إِذَالَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْاللّهَ كَثِيرًا) فى الثبات والذكر ، وكذلك: (وَتَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْبِالْمَرْحَمَةِ ) فى الصبر والمرحمة أربعة أقسام وكذلك (اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ) فهم (١) في الصبر والصلاة فعامة هذه الأشفاع التى في القرآن: إما عملان ، وإما وصفان فى عمل : انقسم الناس فيها قسمة رباعية ، ثم إن كانا عملين منفصلين كالصلاة والصبر، والصلاة والزكاة ونحو ذلك نفع أحدهما ولو ترك الآخر ، وإن كانا شرطين فى عمل كالإخلاص والتثبت لم ينفع أحدهما ، فإن المن والأذى محبط ، كما أن الرياء محبط، كما دل عليه القرآن ، ومن هذا تقوى الله وحسن الخلق ، فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، والبر والتقوى والحق والصبر ، وأفضل الإيمان السماحة والصبر . بخلاف الأشفاع في النم كالإفك والإثم ، والاختيال والفخر ، والشح والجبن ، والإثم والعدوان ؛ فإن الذم ينال أحدهما مفرداً (١) هنا كلمات غير متضحة . ٩٦ ومقروناً ، لأن الخير من باب المطلوب وجوده لمنفعته ، فقد لا تحصل المنفعة إلا بتمامه ، والشر يطلب عدمه لمضرته وبعض المضار يضر فى الجملة غالباً ، ولهذا فرق في الأسماء بين الأمر والنهي ، والإثبات والنفي ، فإذا أمر بالشيء اقتضى كماله ، وإذا نهى عنه اقتضى النهي عن جميع أجزائه ، ولهذا حيث أمر الله بالنكاح - كما فى المطلقة ثلاثاً حتى تنكح زوجا غيره ، وكما فى الإحصان - فلابد من الكل بالعقد والدخول ، وحيث نهى عنه كما فى ذوات المحارم فالنهي عن كل منها على انفراده ، وهذا مذهب مالك وأحمد المنصوص عنه أنه إذا حلف ليتزوجن لم يبر إلا بالعقدة والدخول ، بخلاف ما إذا حلف لا يتزوج فإنه يحنث بالعقدة ، وكذلك إذا حلف لايفعل شيئاً حنث بفعل بعضه ، بخلاف ما إذا حلف ليفعلنه ، فإن دلالة الاسم على كل وبعض تختلف باختلاف النفي والإثبات . ولهذا لما أمر الله بالطهارة والصلاة، والزكاة والحج كان الواجب الإتمام، كما قال تعالى: (بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ) وقال: (وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَقََّ ) ولما نهى عن القتل والزنا والسرقة والشرب كان ناهياً عن أبعاض ذلك ؛ بل وعن مقدماته أيضاً ، وإن كان الاسم لا يتناوله فى الإثبات ، ولهذا فرق فى الأسماء النكرات بين النفي والإثبات ، والأفعال كلها ٩٧ نكرات ، وفرق بين الأمر والنهي بين التكرار وغيره ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه )). وإنما اختلف فى المعارف المنفية على روايتين ، كما فى قوله : لاتأخذ الدراهم ولا تكلم الناس . ٩٨ وقال شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه . فصل فى قوله تعالى: (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ قد ثبت فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) فى صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة ، قال: لما أنزل الله: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب ، وقالوا: أي رسول الله! كلفنا من العمل ما نطيق : الصلاة ، والصيام ، والجهاد ، والصدقة ؛ وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا ؟ قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)) فلما (ءَمَنَ الرَّسُولُ قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله فى أثرها : ٩٩ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأزل الله (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْأَخْطَأَنَا ) قال : نعم! (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) قال: نعم ! (رَبَّنَاوَلَا تُحَمِّلْنَامَا لَا طَاقَةَ لَنَابِهِ) قال: نعم. (وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَآَ أَنْتَ مَوْلَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ) قال: نعم . وروی سعید بن جبير عن ابن عباس معناه وقال : قد فعلت ، قد فعلت ، بدل نعم . ولهذا قال كثير من السلف والخلف: إنها منسوخة بقوله: ( لَا يُكَلِّفُ اَللّهُنَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) كما نقل ذلك عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عمر وابن عباس فى رواية عنه ، والحسن ، والشعبى ، وابن سيرين وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وعطاء الخراساني ، والسدي، ومحمد بن كعب ، ومقاتل ، والكلى ، وابن زيد ، ونقل عن آخرين أنها ليست منسوخة ، بل هي ثابتة في المحاسبة على العموم ، فيأخذ من يشاء ويغفر لمن يشاء ، كما نقل ذلك عن ابن عمر ، والحسن ، ١٠٠