النص المفهرس
صفحات 61-80
فإن الشيء كلما كان أعم كان أعرف في العقل لكثرة مرور مفرداته في العقل ، وخير الكلام ما قل ودل ؛ فلهذا كانت الأمثال المضروبة فى القرآن تحذف منها القضية الجلية لأن فى ذكرها تطويلاً وعياً ، وكذلك ذكر النتيجة المقصودة بعد ذكر المقدمتين بعد تطويلا . واعتبر ذلك بقوله: (لَوْكَانَ فِيهِمَآءَ الِهَةُ إِلَّ اللَّهُلَفَسَدَنَا) ما أحسن هذا البرهان ! فلو قيل بعده: وما فسدتا فليس فيهما آلهة الا الله لكان هذا من الكلام الغث الذي لا يناسب بلاغة التنزيل ، وإنما ذلك من تأليف المعاني في العقل مثل تأليف الأسماء من الحروف فى الهجاء والخط إذا علمنا الصبى الخط نقول: ((با)) ((سين)) (( ميم)» صارت ( بسم ) فإذا عقل لم يصلح له بعد ذلك أن يقرأه تهجياً فيذهب بيبهجة الكلام؛ بل قد صار التأليف مستقراً، وكذلك النحوى إذا عرف أن ((محمد رسول الله)) مبتدأ وخبر لم يلف كلما رفع مثل ذلك أن يقول : لأنه مبتدأ وخبر. فتأليف الأسماء من الحروف لفظاً ومعنى ، وتأليف الكلم من الأسماء ، وتأليف الأمثال من الكلم جنس واحد . ولهذا كان المؤلفون للأقيسة يتكلمون أولا فى مفردات الألفاظ والمعاني التي هي الأسماء ، ثم يتكلمون فى تأليف الكلمات من الأسماء الذي هو الخبر والقصة والحكم ، ثم يتكلمون في تأليف الأمثال المضروبة الذي هو ((القياس)) و((البرهان)) و((الدليل)) و((الآية)) ٦١ و ((العلامة)). فهذا مما ينبغى أن يتفطن له، فإن من أعظم كمال القرآن تركه في أمثاله المضروبة وأقيسته المنصوبة لذكر المقدمة الجلية الواضحة المعلومة ، ثم اتباع ذلك بالإخبار عن النتيجة التى قد على من أول الكلام أنها هي المقصود ؛ بل إنما يكون ضرب المثل بذكر ما يستفاد ذكره وينتفع بمعرفته ، فذلك هو البيان ، وهو البرهان ، وأما ما لا حاجة إلى ذكره فذكره عيّ . وبهذا يظهر لك خطأ قوم من البيانيين الجمال والمنطقيين الضلال حيث قال بعض أولئك : الطريقة الكلامية البرهانية فى أساليب البيان ليست فى القرآن إلا قليلا ، وقال الثاني: إنه ليس فى القرآن برهان تام ، فهؤلاء من أجهل الخلق باللفظ والمعنى ، فإنه ليس فى القرآن إلا الطريقة البرهانية المستقيمة لمن عقل وتدبر . و ((أيضاً)) فينبغي أن يعرف أن مدار ضرب المثل ونصب القياس على العموم والخصوص والسلب والإيجاب ؛ فإنه ما من خبر إلا وهو إما عام أو خاص : سالب أو موجب ، فالمعين خاص محصور ، والجزئى أيضاً خاص غير محصور ، والمطلق إما عام وإما في معنى الخاص . فينبغي لمن أراد معرفة هذا الباب أن يعرف ((صيغ النفي والعموم)، فإن ذلك يجيء فى القرآن على أبلغ نظام . ٦٢ مثال ذلك أن (( صيغة الاستفهام )) يحسب من أخذ ببادئ الرأي أنها لا تدخل في القياس المضروب ؛ لأنه لا يدخل فيه إلا القضايا الخبرية ، وهذه طلبية ، فإذا تأمل وعلى أن أكثر استفهامات القرآن أو كثيراً منها إنما هي استفهام إنكار معناه النم والنهي إن كان إنكاراً شرعياً ، أو معناه النفى والسلب إن كان إنكار وجود ووقوع ، كما فى قوله: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ، قَالَ مَن يُخِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيٌ) (ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِىِ مَا رَزَقْنَكُمْ) الآية، وكذلك قوله: (ءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) أي أفعل هذه إله مع وقوله في تعديد الآيات: (أَمِلَهٌ مَعَاللَّهِ ) ( أَمْ خُلِّقُواْ مِنْ غَيْشَىْءٍ أَمْهُمُ الله ؟ ! والمعنى ما فعلها إلا الله ، وقوله : الْخَلِقُونَ ) وما معها . وهذا الذي ذكرناه الذي جاء به القرآن هو ضرب الأمثال من جهة المعنى ، وقد يعبر في اللغة بضرب المثل أو بالمثل المضروب عن نوع من الألفاظ فيستفاد منه التعبير كما يستفاد من اللغة ؛ لكن لا يستفاد منه الدليل على الحكم كأمثال القرآن ، وهو أن يكون الرجل قد قال كمة منظومة أو منثورة لسبب اقتضاء فشاعت فى الاستعمال ، حتى بصار يعبر بها عن كل ما أشبه ذلك المعنى الأول، وإن كان اللفظ فى الأصل غير موضوع لها ، فكأن تلك الجملة المثلية نقلت بالعرف من المعنى الخاص إلى ٦٣ العام كما تنقل الألفاظ المفردة فهذا نقل فى الجملة مثل قولهم: ((يداك أوكنا، وفوك نفخ)) هو مواز لقولهم: (( أنت جنيت هذا)) لأن هذا المثل قيل ابتداء لمن كانت جنايته بالإيكاء والنفخ ، ثم صار مثلا عاماً ، وكذلك قولهم: ((الصيف ضيعت اللبن)) مثل قولك ((فرطت وتركت الحزم ، وتركت ما يحتاج إليه وقت القدرة عليه حتى فات))، وأصل الكلمة قيلت للمعنى الخاص . وكذلك («عسى الغويدا أبؤسا)» أي أتخاف أن يكون لهذا الظاهر الحسن باطن ردىء؟ فهذا نوع من البيان يدخل في اللغة والخطاب ، فالمتكلم به حكمه حكم المبين بالعبارة الدالة ، سواء كان المعنى فى نفسه ء حقاً أو باطلا ، إذ قد يتمثل به فى حق من ليس كذلك ، فهذا تطلبه فى القرآن من جنس تطلب الألفاظ العرفية ، فهو نظر فى دلالة اللفظ على المعنى لا نظر فى صحة المعنى ودلالته على الحكم ، وليس هو المراد فتدبر هذا ( بقوله : ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كِلِّ مَثَلٍ فإنه يجلو عنك شبهة لفظية ومعنوية . وهذه الأمثال اللغوية أنواع موجود فى القرآن منها أجناسها ، وهي معلنة ببلاغة لفظه ونظمه وبراعة بيانه اللفظي ، والذين يتكلمون فى علم البيان وإعجاز القرآن يتكلمون فى مثل هذا ، ومن الناس من يكون أول ما يتكلم بالكلمة صارت مثلا ، ومنهم من لا تصير الكلمة مثلا ٦٤ حتى يتمثل بها الضارب فيكون هذا أول من تمثل بها ، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((الآن حمى الوطيس، وكقوله: ((مسعر حرب)) ونحو ذلك ؛ لكن النفي بصيغة الاستفهام المضمن معنى الإنكار هو نفي مضمن دليل النفي ، فلا يمكن مقابلته بمنع ، وذلك أنه لا ينفي باستفهام الإنكار إلا ما ظهر بيانه أو ادعي ظهور بيانه ، فيكون ضاربه إما كاملا في استدلاله وقياسه وإما جاهلاً ، كالذي قال: ( مَنْ يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ). إذا تبين ذلك فالأمثال المضروبة فى القرآن منها ما يصرح فيه بتسميته مثلا ، ومنها ما لا يسمى بذلك (١) (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِى أَسْتَوْقَّدَ) والذي يليه ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِىَ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا ( ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ ) ( وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ ) (لَا تُبْطِلُواْ مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِ سَبِيلِ اُللَّهِ مِنقَبْلِگُم ) ( صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ مَا لَهُرِئَآءَ النَّاسِ الآية ( وَمَثَلُ ( الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ). والذي بعده ليس فيه لفظ مثل (كَدَأْبِءَلِ فِْعَوْنَ ) في الثلاثة (قَدْكَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ ) (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ) وقوله: ( أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَّكُمْ). (١) بياض بالأصل. ٦٥ ومن هذا الباب قوله: ( وَلَآَ أَقُولُ لَكُمْ ) الآية، ويسمى جدالا ذَلِكَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ ( فَثَلُهُ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ - إلی قوله -- ) الآية ( مَثَلُ بِشَايَطِنَا) ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاكُمَامٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ اٌلْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَّ) (إِلَّ كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ ) وقول يوسف ) الآية ( أَنزَلَ (ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ) ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيُ ) (مَثَلُ اُلْجَنَّةِ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ) إلى قوله: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَيِّهِمْ ( الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَّ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهُ أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ ) أَعْمَلُهُمْ كَرَمَا دٍ اسْتَدَتْ بِهِ الْرِيحُ ) طَيِّبَةً) إلى آخره (وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ) ( فَلاَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى ) تَضْرِبُواْلَّهِالْأَمْثَالَ ) (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا) والذي بعده ( (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْءَامِنَةً) ( أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْلَكَ اُلْأَمْثَالَ) فى موضعين ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَ أَكْثَرُالنَّاسِ بعد أدلة التوحيد والنبوة والتحدي بالقرآن ( إِلَّاكُفُورًا ) القصة (وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا) وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلاَ رَجُلَيْنِ ) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا ) ينبه على أنها براهين وحجج تفيد تصوراً أو تصديقاً ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّمِنَ السَّمَآءِ) (يَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ (مَثَلُ نُورِهِ - إلى فَاسْتَمِعُوْلَهُ ) ( وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ ) ٦٦ ( وَاُلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَسَابٍ قوله - وَيَضْرِبُ اَللّهُالْأَمْثَلَ لِلنَّاسِ) ( المثلين ، مثل نور المؤمنين فى المساجد وأولئك فى الظلمات (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) - فـ((التفسير)) يعم التصوير، ويعم التحقيق بالدليل ، كما فى تفسير الكلام المشروح - (مَثَلُ الَّذِينَ اَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ ) الآية (وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ) (ضَرَبَ ( ( وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ) (وَلَقَدْضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَبِن الآية ( وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرْيَةِ ) (فَإِذَا ( جِئْتَهُمِئَايَةٍ وقوله : ( إِنَّ هَذَآ هُوَ خَصِيرٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ ) ٠/١٠/١٠٠ (وَلَقَدْ ضَرَ بْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ ( أَخِى لَهُ رِتِسْعٌ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً مَثَلٍ ) إلى قوله ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَارَّجُلًا ) (وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَّرْيَوَ مَثَلًا) إلى آخره لما أوردوه نقضا على قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ( أَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوا ) إلى قوله : اَللَّهِ ) فهم الذين ضربوه جدلا كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ ) ) (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) ( كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْقَالَ لِلْإِنسَنِ اكْفُرْ) ( لَوْأَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ (مَثَلُ الَّذِينَ لَرَّأَيْتَهُ، خَشِعًا مُتَصَدِّ عًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ ) (ضَرَبَ اَللّهُ مَثَلًاً لِّلَّذِينَ حُمِّلُواْالنَّوْرَنَةَ ثُمَّلَمْ يَحْمِلُوهَا ) الآية كَفَرُواْ ) و(لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ) (وَلَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْكَفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ ) (كَالْفَرَاشِ) ( كَنَّهُمْإِلَى نُصُبِ يُوفِضُونَ اَللَّهُبِهَذَامَثَلاً) و (كَأَلْعِهْنِ ) ٦٧ 1 وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من ((كتب فى التفسير)) إلا ما هو خطأ [فيها] . منها قوله : ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا ) الآيتين، فهو سبحانه وصف أهل السعادة من الأولين والآخرين ، وهو الذي يدل عليه اللفظ ويعرف به معناه من غير تناقض ، ومناسبة لما قبلها ولما بعدها، وهو المعروف عند السلف ، ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قال سلمان : ((سألت التى صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر من عبادتهم ، فنزلت الآية. ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار ، كما روي بأسانيد ضعيفة، وهذا هو الصحيح كما في مسلم (( إلا بقايا من أهل الكتاب )). والنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يجيب بمالا علم عنده، وقد ٦٨ ثبت أنه أثنى على من مات فى الفترة ، كزيد بن عمرو وغيره ، ولم يذكر ابن أبى حاتم خلافا عن السلف ؛ لكن ذكر عن ابن عباس ثم أنزل الله (وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَالْإِسْلَئِمِ دِينًا ) الآية، ومراده أن الله يبين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين ، وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة عليه ؛ فإن من المعلوم أن من كذب رسولا واحداً فهو كافر فلا يتناوله قوله: (مَنْءَامَنَ بِاللَّهِ ) إلخ . وظن بعض الناس : أن الآية فيمن بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم خاصة فغلطوا ، ثم افترقوا على أقوال متناقضة . ٦٩ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل قسم الله من ذمه من أهل الكتاب إلى محرفين وأميين، حيث يقول: ( أَفَتَظَمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ. مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُمَا جُوكُمْ بِهِ، عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ * أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَايُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمُِّّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَبَ إِلَّ أَمَانِىَ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْبِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم . ( مِّمَا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِمَا يَكْسِبُونَ وفى هذا عبرة لمن ركب سفنهم من أمتنا ؛ فإن المنحرفين في ٧٠ نصوص الكتاب والسنة كالصفات ونحوها من الأخبار والأوامر: ((قوم)) يحرفونه إما لفظاً وإما معنى ، وم النافون لما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم جحوداً وتعطيلا، ويدعون أن هذا موجب العقل الصريح القاضي على السمع . و ((قوم)) لا يزيدون على تلاوة النصوص لا يفقهون معناها ، ويدعون أن هذا موجب السمع الذي كان عليه السلف ، وأن اللّه لم يرد من عباده فهم هذه النصوص، فهم (لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ) أي تلاوة ( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يُظُنُّونَ ). ثم يصنف أقوام علوما يقولون: إنها دينية ، وإن النصوص دلت عليها والعقل ، وهي دين الله ؛ مع مخالفتها لكتاب الله ، فهؤلاء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله بوجه من الوجوه. فتدبر كيف اشتملت هذه الآيات على الأصناف الثلاثة ، وقوله فى صفة أولئك: ( أَتْحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَبُوكُمْ بِهِ، عِنْدَ رَبِّكُمْ) حال من يكتم النصوص التى يحتج بها منازعه ، حتى إن منهم من يمنع من رواية الأحاديث المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولو أمكنهم كتمان القرآن لكتموه ، لكنهم يكتمون منه وجوه دلالته من العلوم المستنبطة منه ، ويعوضون الناس عن ذلك بما يكتبونه بأيديهم ويضيفونه إلى أنه من عند الله . ٧١ وسئل عن معنى قوله : ( ما ننسخ من آية أو ننساها) والله سبحانه لا يدخل عليه النسيان . فأجاب : أما قوله: (مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا) ففيها قراءتان، أشهرها: ( أو نفسها ) أي نفسيكم إياها: أي نسخنا ما أنزلناه، أو اخترنا تنزيل ما نريد أن نعزله فأتكم بخير منه أو مثله، والثانية: ( أو نفسأها ) بالهمز أي نؤخرها ، ولم يقرأ أحد ننساها ، فمن ظن أن معنى ننسأها بمعنى ننساها فهو جاهل بالعربية والتفسير قال موسى عليه السلام : ( عِلْمُهَاِندَرَبِ فِ كِتَبٍ لَا يَضِلُ رَبِ وَلَا يَنْسَى) و((النسيان)) مضاف إلى العبد كما في قوله: ( سَنُفْرِتُكَ فَلاَتَسَ * إِلَّمَا شَاءَاللَّهُ ) ولهذا قرأها بعض الصحابة : ( أو تنساها ) أي تنساها يا محمد ، وهذا واضح لا يخفى إلا على جاهل لا يفرق بين نفسأها بالهمز وبين ننساها بلا همز والله أعلم . ٧٢ قال أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى فى قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَئِلَىَ ) وفيها قولان : الآبة (أحدهما ) أن القصاص هو القود، وهو أخذ الدية [ بدل] القتل كما جاء عن ابن عباس أنه كان فى بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فجعل الله فى هذه الأمة الدية فقال: ( فَمَنْ عُفِى لَهُمِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ ) والعفو ) مما كان هو أن يقبل الدية فى العمد ( ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ على بنى إسرائيل ، والمراد على هذا القول أن يقتل الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى . قال قتادة : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي ، وكان الحي إذا كان فيهم عدد وعدة فقتل عبده عبدُ قوم آخرين [قالوا]: لن يقتل به إلا حر تعززاً على غيرهم، وإن قتلت امرأة منهم امرأة من آخرين قالوا لن يقتل بها إلا رجل فنزلت هذه الآية ، وهذا قول أكثر الفقهاء ، وقد ذكر ذلك الشافعي وغيره . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٧٣ ويحتج بها طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد على أن الحر لا يقتل بالعبد لقوله: ( وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ) فينقض ذلك عليه بالمرأة، فإنه قال: (وَاُلْأُنْثَى بِآلْأُنَ)، وطائفة من المفسرين لم يذكروا إلا هذا القول . ((القول الثاني)) أن القصاص فى القتلى يكون بين الطائفتين المقبلتين قتال عصبية وجاهلية فيقتل من هؤلاء ومن هؤلاء أحرار وعبيد ونساء فأمر الله تعالى بالعدل بين الطائفتين بأن يقاص دية حر بدية حر ، ودية امرأة بدية امرأة ، وعبد بعيد ، فإن فضل لإحدى الطائفتين شيء بعد المقاصة فلتتبع الأخرى بمعروف ، ولتؤد الأخرى إليها بإحسان ، وهذا قول الشعبى وغيره ، وقد ذكره محمد بن جرير الطبري وغيره و [ على] هذا القول فإنه إذا جعل ظاهر الآية لزمته إشكالات؛ لكن المعنى [الثاني] هو مدلول الآية ومقتضاه ولا إشكال عليه؛ بخلاف القول الأول يستفاد من دلالة الآية كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى، وما ذكرناه يظهر من وجوه . (أحدها ) أنه قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَئِلَى ) و ((القصاص)) مصدر قاصه يقاصه مقاصة وقصاصاً ، ومنه مقاصة الدينين أحدهما بالآخر و ( اُلْقِصَاصُ فِ الْقَنْلَى ) إنما يكون إذا كان الجميع قتلى، كما ذكر الشعبى فيقاص هؤلاء القتلى بهؤلاء القتلى ، أما إذا قتل ٧٤ رجل رجلا فالمقتول ميت فهنا المقتول لا مقاصة فيه ، ولكن القصاص أن يمكن من قتل القاتل لا غيره ، وفي اعتبار المكافآت فيه قولان للفقهاء ، قيل : تعتبر المكافآت فلا يقتل مسلم بنمي ولا حر بعيد، وهو قول الأكثرين مالك والشافعي وأحمد ، وقيل لا تعتبر المكافآت كقول أبى حنيفة ، والمكافآت لا تسمى قصاصاً . وأيضاً فإنه قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ) وإن أريد بالقصاص المكافآت فتلك لم تكتب ، وإن أريد به استيفاء القود فذلك مباح للولي، إن شاء اقتص وإن شاء لم يقتص فلم يكتب عليه الاقتصاص ، وقد أورد هذا السؤال بعضهم وقال : هو مكتوب على القاتل أن يمكن من نفسه، فيقال له: هو تعالى قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَنْلَى) وليس هذا خطاباً للقاتل وحده بل هو خطاب لأولياء المقتول بدليل قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِىَ لَهُمِنُ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ) ثم لا يقال للقائل : كتب عليك القصاص في المقتول فإن المقتول لاقصاص فيه . و ((أبضاً)) فنفس انقياد القاتل للولي ليس هو قصاصا؛ بل الولي له أن يقتص وله أن لا يقتص ، وإنما سمي هذا قوداً لأن الولي يقوده، وهو بمنزلة تسليم السلعة إلى المشتري ، ثم قال تعالى: ( الْخُرُّ بِالْحُرِّ ) فكيف بقال مثل هذا قصده القاتل ؛ بل هذا خطاب للأمة ٧٥ بالمقاصة والمعادلة فى القتل . والنى صلى الله عليه وسلم إنما قال : ((كتاب الله القصاص)) لما كسرت الربيع سن جارية وامتنعوا من أخذ الأرش ، فقال أنس بن النضر : لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية الربيع، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((يا أنس كتاب الله القصاص)) فرضي القوم بالأرش فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره )) كقوله تعالى: (وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصُ) يعني (( كتاب الله)) أن يؤخذ العضو بنظيره ، فهذا قصاص لأنه مساواة ، ولهذا كانت المكافآت فى الأعضاء والجروح معتبرة باتفاق العلماء، وإن قيل القصاص هو أن يقتل قاتله لا غيره فهو خلاف الاعتداء، قيل : نعم ! وهذا قصاص فى الأحياء لا فى القتلى . (الثانى) أنه قال: (فِ الْقَتْلِ الْخُّبَلْخُرٍ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنَ) ومعلوم باتفاق المسلمين أن العبد يقتل بالعبد وبالحر، والأنثى تقتل بالأنثى وبالذكر، والحر يقتل بالحر وبالأنثى أيضا عند عامة العلماء، وقيل : يشترط أن تؤدى تمام ديته، وإذا كان كذلك فقوله: (الْحُّبِاَ لْحُرِّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأَنْنَى بِالْأُنثَى ) إنما يدل على مقاصة الحر بالحر ومعادلته به ومقابلته به، وكذلك العبد بالعبد والأنثى بالأنثى ، وهذا إنما يكون إذا كانوا مقتولين فيقابل كل واحد بالآخر وينظر أيتعادلان أم يفضل لأحدهما على الآخر فضل ، أما فى القتلى فلا يختص هذا بهذا باتفاق المسلمين . لفظ ( عفي) (الثالث ) أنه قال: ( فَمَنْ عُفِىَ لَهُمِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ ) ٧٦ هنا قد استعمل متعديا ؛ فإنه قال : ( عفي ) ( شيء ) ولم يقل : (عفا) (شيئاً) وهذا إنما يستعمل فى الفعل كما قال تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) وأما العفو عن القتل فذاك يقال فيه عفوت عن القائل ، فولي المقتول بين خيرتين : بين أن يعفو عن القتل ويأخذ الدية فلم يعف له شىء ؛ بل هو عفا عن القتل وإذا عفا فإما أن أن يستحق الدية بنفسه أو بغير رضا القاتل على قولين . وقد قال بعضهم : (مِنْ أَخِهِ ) أي من دم أخيه أي ترك له القتل ورضي بالدية ، والمراد القاتل يعني أن القاتل عفى له من دم أخيه المقتول أي ترك له القتل ، فيكون التقدير أن الولي عفى للقاتل من دم المقتول شيئاً ، وهذا كلام لا يعرف ، لا يقال : عفوت لك شيئاً ، ولا يقال : عفوت من دم القاتل ، وإنما الذي يقال : إنه عفا عن القاتل ، فأين هذا من هذا ؟ وأما على القول الأول فالمتقاصان إذا تعادّا القتلى فمن عفى له أي فضل له من مقاصة أخيه مقاصة أخرى أى هذا الذى فضل له فضل كما يقال: أبقى له من جهة أخيه بقية (فَنِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ) فهذا المستحق للفضل يتبع المقاص الآخر بالمعروف ، وذلك يؤدى إلى هذا بإحسان (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) أى من أن كل طائفة تؤدي قتلى الأخرى فإن فى هذا تثقيلا عظيما له ( وَلَكُمْ فِ اَلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ) فإنهم ٧٧ إذا تعادوا القتلى وتقاصوا وتعادلوا لم يبق واحدة تطلب الأخرى بشيء فى هؤلاء وحيى هؤلاء ، بخلاف ما إذا لم يتقاصوا فإنهم يتقاتلون ، وتقوم بينهم الفتن التى يموت فيها خلائق ، كما هو معروف فى فتن الجاهلية والإسلام، إنما تقع الفتن لعدم المعادلة والتناصف بين الطائفتين وإلا فمع التعادل والتناصف الذى يرضى به أولوا الألباب لا تبقى فتنة . وقوله: ﴿ فَمَنْ أُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ ) فطلب من الطائفة الأخرى مالا أو قوما أو اذام بسبب ما بينهم من الدم ( فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وهذا كقوله: ﴿ وَإِن طَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَّا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْبَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَإِنَّاللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوْبَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ) و ((الأخوة)» هنا كالإخوة هناك وهذا فى قتلى الفتن . وأما إذا قتل رجل رجلا من غير فتنة فهم كانوا يعرفون أن القاتل يقتل ، لكن كانت الطائفة القوية تطلب أن تقتل غير القاتل ، أو من هو أكثر من القاتل، أو اثنين بواحد ، وإذا كان القاتل منها لم تقتل به من هو دونه ، كما قيل : إنه كان بين قريظة والنضير لكن هذا لم تثر به الفتن بل فيه ظلم الطائفة القوية للضعيفة ، ولم ٧٨ يكن فى الأمم من يقول إن القائل الظالم المتعدي مطلقاً لا يقتل ، فهذا لم يكن عليه أحد من بنى آدم ؛ بل كل بنى آدم مطبقون على أن القاتل في الجملة يقتل ، لكن الظلمة الأقوياء يفرقون بين قتيل وقتيل . وقول من قال : إن قوله: (وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ) معناه أن القائل إذا عرف أنه يقتل كف فكان في ذلك حياة له وللمقتول ، يقال له : هذا معنى صحيح؛ ولكن هذا مما يعرفه جميع الناس ، وهو مغروز فى جبلتهم ، وليس فى الآدميين من يبيح قتل أحد من غير أن يقتل قاتله؛ بل كلهم مع التساوي يجوزون قتل القاتل ولا يتصور أن الناس (١) إذا كان كل من قدر على غيره قتله وهو لا يقتل يرضى بمال، وإذا كان هذا المعنى من أوائل ما يعرفه الآدميون ويعلمون أنهم لا يعيشون بدونه صار هذا مثل حاجتهم إلى الطعام والشراب والسكنى ، فالقرآن أجل من أن يكون مقصوده التعريف بهذه الأمور البديهية؛ بل هذا مما يدخل في معناه ، وهو أنه إذا كتب عليهم القصاص في المقتولين أنه يسقط حر بحر وعبد بعبد وأنثى بأنثى، فجعل دية هذا كدية هذا ودم هذا كدم هذا متضمن لمساواتهم فى الدماء والديات ، وكان بهذه المقاصة لهم حياة من الفتن التى توجب هلاكهم ، كما هو معروف ، وهذا المعنى مما يستفاد من هذه الآية ، فعلم أن دم الحر وديته كلم الحر وديته فيقتل به وإذا علم أن النقاص يقع للتساوي فى الديات علم أن المقتول دية . (١) بياض بالأصل ٧٩ ولفظ القصاص يدل على المعادلة والمساواة فيدل على أن اللّه أوجب العدل والإنصاف في أمر القتلى ، فمن قتل غير قائله فهو ظالم والقاتل وأولياؤه إذا امتنعوا من إنصاف أولياء المقتول فهم ظالمون ، هؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل، وهؤلاء خارجون عما أوجبه الله من العدل . وقد ذكر سبحانه هذا المعنى فى قوله: (وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ) وإذا دلت على العدل في القود بطريق اللزوم والتنبيه ذهب الإشكال، ولم يقل: فلم لا قال : والعبد بالعبد والحر؟ فإنه لم يكن المقصود أنه يقاص به في القتلى ، ومعلوم أنه إنما يقاص الحر بالحر لا بالمرأة والمرأة بالمرأة لا بالحر والعبد بالعبد. فظهرت فائدة التخصيص به والمقابلة في الآية . ودلت الآية حينئذ على أن الحر بقتل بالحر، والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى ؛ إذا كانا متساويين فى الدم، وبدله هو الدية، ولم ينتف أن يقتل عبد بحر وأنثى بذكر ولا لها مفهوم ينفي ذلك ؛ بل كما دلت على ذلك بطريق التنبيه والفحوى والأولى كذلك تدل على هذا أيضاً ؛ فإنه إذا قتل العبد بالعبد فقتله بالحر أولى ، وإذا قتلت المرأة بالمرأة فقتلها بالرجل أولى . ٨٠