النص المفهرس
صفحات 381-400
وسئل رحمه الله عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)) فاختلاف المفسرين في آية واحدة إن كان بالرأي فكيف النجاة ؟ وإن لم يكن بالرأي فكيف وقع الاختلاف ، والحق لا يكون فى طرفى نقيض أفتونا .؟ فأجاب رحمه اللّه تعالى: ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين : ((أحدهما)) ليس فيه تضاد وتناقض ؛ بل يمكن أن يكون كل منها حقاً ، وإنما هو اختلاف تنوع أو اختلاف فى الصفات أو العبادات ، وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب ، فإن الله سبحانه إذا ذكر فى القرآن اسماً مثل قوله: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ ) فكل من المفسرين يعبر عن الصراط المستقيم بعبارة يدل بها على بعض صفاته ، وكل ذلك حق ، بمنزلة ما يسمى اللّه ورسوله وكتابه بأسماء كل اسم منها يدل على صفة من صفاته، فيقول بعضهم: (الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) كتاب اللّه أو اتباع كتاب الله، ٣٨١ ويقول الآخر : ( الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو الإسلام أو دين الإسلام ، ويقول الآخر: (الضِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) هو السنة والجماعة، ويقول الآخر: (الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) طريق العبودية، أو طريق الخوف والرجاء والحب ، وامتثال المأمور واجتناب المحظور ، أو متابعة الكتاب والسنة ، أو العمل بطاعة الله أو نحو هذه الأسماء والعبارات. ومعلوم أن المسمى هو واحد وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته ، كما إذا قيل: محمد هو أحمد، وهو الحاشر ، وهو الماحى، وهو العاقب ، وهو خاتم المرسلين ، وهو نبي الرحمة، وهو نى الملحمة . وكذلك إذا قيل : القرآن هو الفرقان ، والنور ، والشفاء ، والذكر الحكيم ، والكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت . (هُوَاُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ وكذلك أسماء الله الحسنى وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى * وَاُلَّذِىّ أَخْرَجَ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) وهو (الَّذِىخَلَقَفَسَوَّى اُلْعَى* فَجَعَلَهُ غُنَّةَ أَحْوَى) (هُوَاللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوٌ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ الْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) (هُوَاللَّهُ الْخَلِقُ اَلْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) وأمثال ذلك . ٣٨٢ فهو سبحانه واحد صمد ، وأسمائه الحسنى تدل كلها على ذاته ، ويدل هذا من صفاته على مالا يدل عليه الآخر ، فهى متفقة فى الدلالة على الذات متنوعة فى الدلالة على الصفات ؛ فالاسم يدل على الذات والصفة المعينة بالمطابقة ، ويدل على أحدهما بطريق التضمن ، وكل اسم يدل على الصفة التى دل عليها بالالتزام ؛ لأنه يدل على الذات المتكنى به جميع الصفات ، فكثير من التفسير والترجمة تكون من هذا الوجه . ومنه ((قسم آخر)) وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التعيين والتمثيل ، لا على سبيل الحد والحصر ، مثل أن يقول قائل من العجم: ما معنى الخبز ؟ فيشار له إلى رغيف وليس المقصود مجرد عينه وإنما الإشارة إلى تعيين هذا الشخص . وهذا كما إذا سئلوا عن قوله : (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ) أو عن قوله: (إِنَّالََّ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْوَالَِّينَ هُم مُحْسِنُونَ) أو عن ( الصَّلِحِينَ) أو (الظَّالِمِينَ) ونحو ذلك من الأسماء العامة الجامعة ، التى قد يتعسر أو يتعذر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع معناه ؛ إذ لا يكون محتاجا إلى ذلك ، فيذكر له من أنواعه وأشخاصه ما يحصل به غرضه ، وقد يستدل به على نظاره . فإن الظالم لنفسه: هو تارك المأمور فاعل المحظور، و((المقتصد)) ٣٨٣ هو فاعل الواجب وتارك المحرم، و((السابق)) هو فاعل الواجب والمستحب وتارك المحرم والمكروه . فيقول المجيب بحسب حاجة السائل: ((الظالم)) الذي يفوت الصلاة والذى لا يسبغ الوضوء، أو الذى لا يتم الأركان ونحو ذلك، و «المقتصد)» الذى يصلي في الوقت كما أمر، و«السابق بالخيرات)» الذى يصلي الصلاة بواجباتها ومستحباتها ، ويأتى بالنوافل المستحبة معها ، وكذلك يقول مثل هذا فى الزكاة ، والصوم ، والحج ، وسأر الواجبات . وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: التفسير على أربعة أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله فمن ادعى علمه فهو كاذب . والصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه ، كما أخذوا عنه السنة ، وإن كان من الناس من غير السنة فمن الناس من غير بعض معانى القرآن؛ إذ لم يتمكن من تغيير لفظه . و ( أيضاً): فقد يخفى على بعض العلماء بعض معانى القرآن ، كما خفى عليه بعض السنة ؛ فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب . والله أعلم . ٣٨٤ سئل شيخ الإسلام عن جندي نسخ بيده صحيح مسلم والبخاري والقرآن ، وهو ناو كتابة الحديث والقرآن العظيم ، وإن سمع بورق أو أقلام اشترى بألف درهم ، وقال: أنا إن شاء الله أكتب فى جميع هذا الورق أحاديث الرسول والقرآن ، ويؤمل آمالا بعيدة ، فهل يأثم أولا ؟ وأي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة ؟ الزمخشري ؟ أم القرطبى ؟ أم البغوى؟ أو غير هؤلاء ؟ فأجاب: الحمد لله، ليس عليه إثم فيما ينويه ويفعله من كتابة العلوم الشرعية ، فإن كتابة القرآن والأحاديث الصحيحة والتفاسير الموجودة الثابتة من أعظم القربات والطاعات . وأما ((التفاسير)) التى فى أيدي الناس فأصحها ((تفسير محمد بن جرير الطبرى)) فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة ، وليس فيه بدعة ، ولا ينقل عن المتهمين ، كمقاتل بن بكير والكلبى ، والتفاسير غير المأثورة بالأسانيد كثيرة ، كتفسير عبد الرزاق ، وعبد بن حميد. ووكيع وابن أبي قتيبة ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه. ٣٨٥ وأما ((التفاسير الثلاثة)) المسؤول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة ((البغوي)) لكنه مختصر من (( تفسير الثعلي)) وحذف منه الأحاديث الموضوعة ، والبدع التى فيه ، وحذف أشياء غير ذلك . وأما (( الواحدي )) فإنه تلميذ الثعلى، وهو أخبر منه بالعربية ؛ لكن التعلى فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليداً لغيره. وتفسيره و ((تفسير الواحدى البسيط والوسيط والوجيز)» فيها فوائد جليلة ، وفيها غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها . وأما ((الزمخشري)) فتفسيره محشو بالبدعة ، وعلى طريقة المعتزلة من إنكار الصفات والرؤية والقول بخلق القرآن، وأنكر أن الله مريد للكائنات وخالق لأفعال العباد، وغير ذلك من أصول المعتزلة . و «أصولهم خمسة)) يسمونها التوحيد، والعدل ، والمنزلة بين المنزلتين ، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . لكن معنى ((التوحيد)) عندهم يتضمن نفي الصفات ؛ ولهذا سمى ابن التومرت أصحابه الموحدين ، وهذا إنما هو إلحاد فى أسماء الله وآياته . ٣٨٦ ومعنى ((العدل )) عندهم يتضمن التكذيب بالقدر ، وهو خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات والقدرة على شيء ، ومنهم من ينكر تقدم العلم والكتاب ؛ لكن هذا قول أئمتهم ؛ وهؤلاء منصب الزمخشري ، فإن مذهبه مذهب المغيرة بن علي وأبي هاشم وأتباعهم . ومذهب أبى الحسين والمعتزلة الذين على طريقته نوعان : مسايخية وخشبية . وأما ((المنزلة بين المنزلتين)) فهي عندهم أن الفاسق لا يسمى مؤمناً بوجه من الوجوه ، كما لا يسمى كافراً ، فنزلوه بين منزلتين . و ((إنفاذ الوعيد )» عندهم معناه أن فساق الملة مخلدون فى النار ، لا يخرجون منها بشفاعة ولا غير ذلك كما تقوله الخوارج. و (( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)) يتضمن عندم جواز الخروج على الأئمة ، وقتالهم بالسيف . وهذه الأصول حشا [بها] كتابه بعبارة لا يهتدى أكثر الناس إليها ، ولا لمقاصده فيها، مع ما فيه من الأحاديث الموضوعة ، ومن قلة النقل عن الصحابة والتابعين . و ((تفسير القرطبى)) خير منه بكثير، وأقرب إلى طريقة أهل الكتاب والسنة ، وأبعد عن البدع ، وإن كان كل من هذه الكتب لا بد أن يشتمل على ما ينقد ؛ لكن يجب العدل بينها ، ٣٨٧ وإعطاء كل ذي حق حقه . و ((تفسير ابن عطية)) خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثاً ، وأبعد عن البدع ، وإن اشتمل على بعضها ؛ بل هو خير منه بكثير ؛ بل لعله أرجح هذه التفاسير ؛ لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها . وثم تفاسير أخر كثيرة جداً كتفسير ابن الجوزى والماوردى. ٣٨٨ وسل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) ما المراد بهذه السبعة ؟ وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هي الأحرف السبعة ، أو واحد منها ؟ وما السبب الذى أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ؟ وهل تجوز القراءة برواية الأعمش وابن محيص وغيرهما من القراءات الشاذة أم لا ؟ وإذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا؟ أفتونا مأجورين . فأجاب: الحمد لله رب العالمين . هذه ((مسألة كبيرة)) قد تكلم فيها أصناف العلماء من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب وغيرهم ، حتى صنف فيها التصنيف المفرد ، ومن آخر ما أفرد في ذلك ما صنفه الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي ، المعروف بأبى شامة ، صاحب ((شرح الشاطبية)). ٣٨٩ فأما ذكر أقاويل الناس وأدلتهم وتقرير الحق فيها مبسوطاً فيحتاج من ذكر الأحاديث الواردة فى ذلك، وذكر ألفاظها ، وسائر الأدلة ، إلى ما لا يتسع له هذا المكان ، ولا يليق بمثل هذا الجواب ؛ ولكن نذكر النكت الجامعة ، التى تنبه على المقصود بالجواب . فنقول: لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن ((الأحرف السبعة)) التى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أن القرآن أنزل عليها ليست هي «قراءات القراء السبعة المشهورة ) بل أول من جمع قراءات هؤلاء هو الإمام أبو بكر بن مجاهد ، وكان على رأس المائة الثالثة ببغداد ، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين والعراقين والشام ؛ إذ هذه الأمصار الخمسة هي التى خرج منها على النبوة من القرآن وتفسيره ، والحديث والفقه، من الأعمال الباطنة والظاهرة ، وسائر العلوم الدينية، فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار ؛ ليكون ذلك موافقاً لعدد الحروف التى أنزل عليها القرآن ، لا لاعتقاده أو اعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبعة هي الحروف السبعة ، أو أن هؤلاء السبعة المعينين م الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراء تهم . ولهذا قال من قال من أئمة القراء : لولا أن ابن مجاهد سبقني إلى حمزة لجعلت مكانه يعقوب الحضرمي إمام جامع البصرة وإمام قراء البصرة فى زمانه فى رأس المائتين . ٣٩٠ ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده ؛ بل قد يكون معناها متفقاً أو متقارباً، كما قال عبد الله بن مسعود: إنما هو كقول أحدكم أقبل، وهلم، وتعال. وقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر ؛ لكن كلا المعنيين حق ، وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض ، وهذا كما جاء في الحديث المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا حديث: (( أنزل القرآن على سبعة أحرف، إن قلت: غفوراً رحيما، أو قلت : عزيزاً حكيماً فالله كذلك، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة)). وهذا كما فى القراءات المشهورة (ربنا باعد وباعد ) (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّايُقِيمًا). و ( إلا أن يُخافا ألا يقيما) (وإن كان مكرم لتزول. ولتزول منه الجبال ) و (بل عجبتَ. وبل عجبتُ ) ونحو ذلك. ومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقاً من وجه متبايناً من وجه كقوله: ( يخدعون ويخادعون) (ويكذبون ويكذّبون) (ولمستم، ولامستم ) و ( حتى يطهرن، ويطهرن ) ونحو ذلك فهذه القراءات التى يتغاير فيها المعنى كلها حق ، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها ، واتباع ما تضمنته من المعنى علم وعملا، لا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظناً أن ذلك ٣٩١ تعارض ، بل كما قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : من كفر بحرف منه فقد كفر به كله . وأما ما اتحد لفظه ومعناه وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات ، والمدات ، والإمالات ، ونقل الحركات ، والإظهار، والإدغام ، والاختلاس، وترقيق اللامات والراءات: أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القراءات الأصول (١) فهذا أظهر وأبين فى أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى ؛ إذ هذه الصفات المتنوعة فى أداء اللفظ لا مخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً ، ولا يعد ذلك فيما اختلف لفظه واتحد معناه ، أو اختلف معناه من المترادف ونحوه ، ولهذا كان دخول هذا فى حرف واحد من الحروف السبعة التى أنزل القرآن عليها من أولى ما يتنوع فيه اللفظ أو المعنى ، وإن وافق رسم المصحف وهو ما يختلف فيه النقط أو الشكل . ولذلك لم يتنازع علماء الإسلام المتبوعين من السلف والأئمة فى أنه لا يتعين أن يقرأ بهذه القراءات المعينة فى جميع أمصار المسلمين ؛ بل من ثبت عنده قراءة الأعمش شيخ حمزة أو قراءة يعقوب بن إسحق الحضرمي ونحوهما ، كما ثبت عنده قراءة حمزة والكسائى فله أن يقرأ (١) نسخة مما يسمي القراء عامته الأصول . ٣٩٢ بها بلا نزاع بين العلماء المعتبرين المعدودين من أهل الإجماع والخلاف؛ بل أكثر العلماء الأئمة الذين أدركوا قراءة حمزة كسفيان بن عيينة وأحمد ابن حنبل وبشر بن الحارث وغيرهم يختارون قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح المدنيين ، وقراءة البصريين كشيوخ يعقوب بن إسحق وغيرهم على قراء حمزة والكسائي . وللعلماء الأمة فى ذلك من الكلام ماهو معروف عند العلماء ؛ ولهذا كان أئمة أهل العراق الذين ثبتت عندم قراءات العشرة أو الإحدى عشر كثبوت هذه السبعة يجمعون ذلك فى الكتب ، ويقرؤونه فى الصلاة وخارج الصلاة ، وذلك متفق عليه بين العلماء لم ينكره أحد منهم . وأما الذي ذكره القاضي عياض ومن نقل من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ الذي كان يقرأ بالشواذ فى الصلاة في أثناء المائة الرابعة، وجرت له قصة مشهورة فإنما كان ذلك فى القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه . ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة، ولكن من [لم]١ يكن عالما بها أو لم تثبت عنده كمن يكون فى بلد من بلاد الإسلام بالمغرب أو غيره، ولم يتصل به بعض هذه القراءات فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه ، فإن (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٣٩٣ القراءة كما قال زيد بن ثابت سنة يأخذها الآخر عن الأول ، كما أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات فى الصلاة ومن أنواع صفة الأذان والإقامة وصفة صلاة الخوف وغير ذلك كله حسن يشرع العمل به لمن علمه ، وأما من علم نوعا ولم يعلم غيره فليس له أن يعدل عما علمه إلى مالم يعلمه، وليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك ، ولا أن يخالفه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)). وأما القراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثمانى مثل قراءة ابن مسعود ، وأبي الدرداء رضي الله عنهما ( والليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى، والذكر والانثى ) كما قد ثبت ذلك فى الصحيحين . ومثل قراءة عبد الله ( فصيام ثلاثة أيام متابعات ) وكقراءته: ( إن كانت إلازقية واحدة ) ونحو ذلك . فهذه إذا ثبتت عن بعض الصحابة فهل يجوز أن يقرأ بها فى الصلاة؟ على قولين للعلماء هما روايتان مشهورتان عن الإمام أحمد ، وروايتان عن مالك . ((إحداهما)) يجوز ذلك لأن الصحابة والتابعين كانوا يقرأون بهذه الحروف فى الصلاة . ((والثانية)) لا يجوز ذلك، وهو قول أكثر العلماء ؛ لأن هذه ٣٩٤ القراءات لم تثبت متواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وإن ثبتت فإنها منسوخة بالعرضة الآخرة ، فإنه قد ثبت فى الصحاح عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أن جبريل عليه السلام كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في كل عام مرة ، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين ، والعرضة الآخرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره ، وهي التى أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها فى المصاحف ، وكتبها أبو بكر وعمر فى خلافة أبي بكر فى مصحف، أمر زيد بن ثابت بكتابتها ، ثم أمر عثمان فى خلافته بكتابتها فى المصاحف وإرسالها إلى الأمصار ، وجمع الناس عليها باتفاق من الصحابة علي وغيره . وهذا النزاع لا بد أن يبنى على الأصل الذي سأل عنه السائل ، وهو أن القراءات السبعة هل هي حرف من الحروف السبعة أم لا ؟ فالذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة ؛ بل يقولون : إن مصحف عثمان هو أحد الحروف السبعة، وهو متضمن للعرضة الآخرة التى عرضها النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل ، والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول. وذهب طوائف من الفقهاء والقراء وأهل الكلام إلى أن هذا المصحف مشتمل على الأحرف السبعة ، وقرر ذلك طوائف من أهل الكلام ، ٣٩٥ كالقاضي أبى بكر الباقلانى وغيره ؛ بناء على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة ، وقد اتفقوا على نقل هذا المصحف الإمام العثمانى وترك ما سواء ، حيث أمر عثمان بنقل القرآن من الصحف التى كان أبو بكر وعمر كتبا القرآن فيها ، ثم أرسل عثمان بمشاورة الصحابة إلى كل مصر من أمصار المسلمين بمصحف وأمر بترك ما سوى ذلك . قال هؤلاء : ولا يجوز أن ينهى عن القراءة ببعض الأحرف السبعة . ومن نصر قول الأولين يجيب تارة بما ذكر محمد بن جرير وغيره من أن القراءة على الأحرف السبعة، لم يكن واجبا على الأمة، وإنما كان جلّزاً لهم مرخصا لهم فيه ، وقد جعل إليهم الاختيار فى أي حرف اختاروه ، كما أن ترتيب السور لم يكن واجبا عليهم منصوصاً ؛ بل مفوضاً إلى اجتهادهم ؛ ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب مصحف زيد ، وكذلك مصحف غيره . وأما ترتيب آيات السور فهو منزل منصوص عليه، فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية فى الرسم ، كما قدموا سورة على سورة ، لأن ترتيب الآيات مأمور به نصاً ، وأما ترتيب السور فمفوض إلى اجتهاده. قالوا : فكذلك الأحرف السبعة ، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف ونتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك ٣٩٦ اجتماعا سائغا ، وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة ، ولم يكن فى ذلك ترك الواجب ولا فعل لمحظور . ومن هؤلاء من يقول بأن الترخيص فى الأحرف السبعة كان فى أول الإسلام ؛ لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولا ، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة وكان اتفاقهم على حرف واحد بسيراً عليهم، وهو أرفق بهم أجمعوا على الحرف الذي كان فى العرضة الآخرة . ويقولون : إنه نسخ ماسوى ذلك . وهولاه يوافق قولهم قول من يقول : إن حروف أبي بن كعب ، وابن مسعود وغيرهما مما يخالف رسم هذا المصحف منسوخة . وأما من قال عن ابن مسعود : أنه كان يجوز القراءة بلغنى فقد كذب عليه ، وإنما قال: قد نظرت إلى القراء فرأيت قراءتهم متقاربة وإنما هو كقول أحدكم: أقبل ، وهلم، وتعال، فاقرأوا كما علمتم أو كما قال . ثم من جوز القراءة بما يخرج عن المصحف مما ثبت عن الصحابة قال يجوز ذلك ؛ لأنه من الحروف السبعة التى أزل القرآن عليها ، ومن لم يجوزه فله ثلاثة مآخذ : تارة يقول ليس هو من الحروف ٣٩٧ السبعة (١) وتارة يقول: هو من الحروف المنسوخة ، وتارة يقول : هو مما انعقد إجماع الصحابة على الإعراض عنه ، وتارة يقول : لم ينقل إلينا نقلا يثبت بمثله القرآن . وهذا هو الفرق بين المتقدمين والمتأخرين . ولهذا كان فى المسألة ((قول ثالث))، وهو اختيار جدي أبى البركات أنه إن قرأ بهذه القراءات فى القراءة الواجبة - وهي الفاتحة عند القدرة عليها - لم تصح صلاته ؛ لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة لعدم ثبوت القرآن بذلك ، وإن قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته ؛ لأنه لم يتيقن أنه أتى فى الصلاة بمبطل لجواز أن يكون ذلك من الحروف السبعة التى أنزل عليها. وهذا القول ينبنى على ((أصل)) وهو أن ما لم يثبت كونه من الحروف السبعة ، فهل يجب القطع بكونه ليس منها ؟ فالذى عليه جمهور العلماء أنه لا يجب القطع بذلك ، إذ ليس ذلك مما أوجب علينا أن يكون العلم به في النفي والإثبات قطعياً. وذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه ، حتى قطع بعض هؤلاء - كالقاضي أبي بكر - بخطأ الشافعي وغيره ممن أثبت البسملة آية من القرآن فى غير سورة النمل ، لزعمهم أن ما كان من موارد الاجتهاد فى القرآن فإنه يجب القطع بنفيه ، والصواب (١) نسخة المنسوخة . ٣٩٨ القطع بخطأ هؤلاء ، وأن البسملة آية من كتاب الله حيث كتبها الصحابة في المصحف ، إذ لم يكتبوا فيه إلا القرآن وجردوه عما ليس منه ، كالتخميس والتعشير وأسماء السور ؛ ولكن مع ذلك لا يقال هي من السورة التى بعدها ، كما أنها ليست من السورة التى قبلها ؛ بل هي كما كتبت آية أنزلها الله في أول كل سورة وإن لم تكن من السورة ، وهذا أعدل الأقوال الثلاثة فى هذه المسألة . وسواء قيل بالقطع فى النفي أو الإثبات فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التى لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافى ولا للمثبت ؛ بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء : إن كل واحد من القولين حق ، وإنها آية من القرآن فى بعض القراءات ، وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين، وليست آية فى بعض القراءات؛ وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها بين السورتين . وأما قول السائل: ما السبب الذى أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية ، لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله ، إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه ؛ بل القراءة سنة متبعة ، وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب فى المصحف الإمامي وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحد منها خارجا عن المصحف . ٣٩٩ وبما يوضح ذلك أنهم يتفقون فى بعض المواضع على ياء أو تاء ، (وَمَا ◌َللَّهُبِفَفِلٍ عَمَّا ويتنوعون فى بعض، كما انفقوا فى قوله تعالى : يَعْمَلُونَ ) في موضع وتنوعوا في موضعين ، وقد بينا أن القراءنين كالآ بتين ، فزيادة القراءات كزيادة الآيات ؛ لكن إذا كان الخط واحداً واللفظ محتملا كان ذلك أخصر فى الرسم . والاعتماد فى نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف ، كما فى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن ربي قال لي أن قم فى قريش فأنذرم . فقلت : أي رب ! إذاً يبلغوا رأسي أي يشدخوا - فقال: إنى مبتليك ومبتل بك ، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائماً ويقظانا ، فابعث جنداً أبعث مثليهم ، وقائل بمن اطاعك من عصاك، وأنفق أنفق عليك )) فأخبر أن كتابه لا يحتاج فى حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ؛ بل يقرؤه فى كل حال كما جاء فى نعت أمته: ((أناجيلهم فى صدورم)) بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ، ولا يقرأونه كله إلا نظراً لا عن ظهر قلب. وقد ثبت فى الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة ، كالأربعة الذين من الأنصار ، وكعبد الله بن عمرو ، فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى نافع ٤٠٠