النص المفهرس

صفحات 321-340

وهو يقين بالقدر الذي لم يقع ؛ فإن الاستعانة والتوكل إنما
يتعلق بالمستقبل .
فأما ما وقع فإنما فيه الصبر والتسليم والرضا ، كما فى حديث
عمار بن ياسر رضي الله عنه مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم :
((أسألك الرضا بعد القضاء)) وقول ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) يوجب
الإعانة ؛ ولهذا سنها النبى صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن: ((حي
على الصلاة . فيقول : المجيب : لا حول ولا قوة إلا بالله ، فإذا قال:
حي على الفلاح قال المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله))
(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ
وقال المؤمن لصاحبه :
ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شيءٍ.
لَاقُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ )
فقوله : ما شاء الله. تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن؛ بل يؤمن
بالقدر . ويقول : لا قوة إلا بالله . وفي حديث أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه المتفق عليه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هي
كنز من كنوز الجنة)) و((الكنز)) مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع؛
وذلك أنها تتضمن التوكل والافتقار إلى الله تعالى .
ومعلوم أنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله وقدرته، وأن الخلق
ليس منهم شيء إلا ما أحدثه الله فيهم ، فإذا انقطع طلب القلب
٣٢١

للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتى بها إلا
هو. قال تعالى: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ هُمْسِكَ لَهَا وَمَايُمْسِكْ فَلَا
مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) وقال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِ فَلَ كَا شِفَ لَهُ:
إِلَّا هُوَّوَ إِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآَ لِفَضْلِهِ )
وقال تعالى :
وقال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرِ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ )
( قُلْ أَفَرَءَيْتُمِ مَاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِّ هَلْ هُنَّ كَشِفَتُ ضُرٍِّ
أَوْأَرَادَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُرَحْمَتِهِ، )؟
وقال صاحب بس (ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ
إِّ إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ )
عَنِى شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ
ولهذا يأمر الله بالتوكل عليه وحده فى غير موضع . وفى الأثر من
سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون
أغنى الناس فليكن بما فى يد الله أوثق منه بما فى يده. قال تعالى:
(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَىّ الَّذِى لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا)
والله تعالى أمر بعبادته والتوكل عليه، قال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
عَلَيْهِ ) وقال تعالى: (قُلْ هُوَرَبِّي لَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابٍ )،
وقال موسى: (يَقَوْ إِنَ كُمْ ءَامَنُ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُواْإِنَّكُ مُسْلِمِينَ ) .
٣٢٢

وقال شعيب: (وَمَاتَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ)
وقال
وقال المؤمنون: (رَبََّا عَلَيَّكَ تَكَّْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)
تعالى: (وَأَذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِتَبْنِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ فَاتَّخِذْهُوَكِيلًا )
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْتَسِبُّ وَمَن
*
وقال تعالى : (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَللَّهُ,مَخْرَجًا
يَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّاللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا ).
فافترق الناس هنا أربعة أصناف :
صنف لا يعبدونه ولا يتوكلون عليه ، وم شرار الخلق .
وصنف يقصدون عبادته بفعل ما أمر، وترك ما حظر ، لكن
لم يحققوا التوكل والاستعانة ، فيعجزون عن كثير مما يطلبونه ،
ويجزعون فى كثير من المصائب .
ثم من هؤلاء من يكذب بالقدر ، ويجعل نفسه هو المبدع لأفعاله؛
فهؤلاء فى الحقيقة لا يستعينونه ولا يطلبون منه صلاح قلوبهم ، ولا
تقويمها ولا هدايتها . وهؤلاء مخذولون كما م عند الأمة كذلك، وقوم يؤمنون
بالقدر قولا واعتقاداً ؛ لكن لم تتصف به قلوبهم علما وعملا ، كما الصفت
بقصد الطهارة والصلاة ؛ فهم أيضاً ضعفاء عاجزون .
٣٢٣

وصنف نظر إلى جانب القدرة والمشيئة ، وأن اللّه تعالى هو
المعطي والمانع ، والخافض والرافع ؛ فغلب عليهم التوجه إليه من هذه
الجهة والاستعانة به ، والافتقار إليه لطلب ما يريدونه ، فهؤلاء يحصل
لأحدم نوع سلطان وقدرة ظاهرة أو باطنة وقهر لعدوه ؛ بل قتل له ونيل
لأغراضه؛ لكن لاعاقبة لهم؛ فإن العاقبة للتقوى ؛ بل آخرتهم آخرة ردية .
وليس الكلام فى الكفار والظلمة المعرضين عن الله فإن هؤلاء
دخلوا في القسم الأول الذين لا عبادة لهم ولا استعانة ؛ ولكن الكلام
في قوم عندم توجه إلى الله وتأله ، ونوع من الخشية والذكر والزهد،
لكن يغلب عليهم التوجه بإرادة أحدم وذوقه ووجده ، وما يستحليه
ويستحبه ، لا بالأمر الشرعى وم أصناف :
منهم المعرض عن التزام العبادات الشرعية ، مع ما يحصل له من
الشياطين من كشف له أو تأثير . وهؤلاء كثير منهم يموت على
غير الإسلام .
ومنهم من يقوم بالعبادات الشرعية الظاهرة كالصلاة ، والصيام ،
والحج ، وترك المحرمات ؛ لكن فى أعمال القلوب لا يلتزم الأمر الشرعى ؛
بل يسعى لما يحبه ويريده والله تعالى قال : (كُلُّاَ تُّمِدُ هَتَؤُلَاءٍ وَهَؤُلَاءٍ
٣٢٤

مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ) وهو سبحانه يعطي السلطان والمال للبر والفاجر ،
فقد يعطي أحد هؤلاء تصرفا : إما بقهر عدوه وإما بنصر وليه ، كما
تعطى الملوك . وقد يعطى نوعا من المكاشفة إما بإخبار بعض الجن له ،
وقد يعرف أنه من الجن ، وقد لا يعرف ، وإما بغير ذلك .
وقد يقول الواحد من هؤلاء : أنا آخذ من الله وغيري يأخذ من
محمد صلى الله عليه وسلم، فيرى بحا له في ذاك وتفرده أن ما أوتيه من
التصرف والمكاشفة، يحصل له بغير طريق محمد صلى اللّه عليه وسلم،
وهو صادق فى ذلك ؛ لكن هذه في الحقيقة وبال عليه ؛ فإن من تصرف
بغير أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأخذ مالم يبحه له الرسول .
فولى وعزل ، وأعطى ومنع بغير أمر الرسول ، وقتل وضرب بغير
أمره، وأكرم وأهان بغير أمره ، وجاءه خطاب فى باطنه بالأمر
والنهي ؛ فاعتقد أن الله أمره ونهاه من غير واسطة الرسول ، كانت
حالته هذه كلها من الشيطان ، وكان الشيطان هو الذي يأمره وينهاه ؛
فيأمره فيتصرف ، وهو يظن أنه يتصرف بأمر الله؛ ولعمري هو
يتصرف بأمر الله الكونى القدري بواسطة أمر الشيطان، كما قال تعالى
كما أن
فى السحرة: (وَمَاهُمْ بِضَارِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ )
المؤمن يتصرف بأمر الله الكونى القدري ؛ لكن بواسطة أمر الرسول
المبلغ له عن الله عز وجل .
٣٢٥

فالحلال عنده ما أحله الله ورسوله، والحرام ماحرمه الله ورسوله،
والدين ما شرعه الله ورسوله ؛ بخلاف ذلك فإنه لا يأخذ عن الرسول
الأمر والنهي الباطن ، ولا ما يفعله ويأمر به ، وهذا الضرب كثير
فى المشايخ أرباب القلوب والأحوال الذين ضعف علمهم بالكتاب والسنة
ومتابعة الرسول ، وغلب عليهم ما يجده أحدم في قلبه ، وما يؤمر به
فى باطنه ، سواء وافق الرسول أو خالفه .
ثم تفاوتوا فى ذلك بحسب قربهم من الرسول وبعدم منه؛ فكثير
منهم بعد عنه حتى صار يرى أنه يعاون الكفار على قتال المسلمين ،
ويرى أن الله سبحانه أمره بذلك، ويعتقد أن أهل الصفة
فعلوا ذلك.
ومنهم من يرى أن الرسول لم يرسل إليه وإلى أشكاله ، وإنما
أرسل إلى العوام.
ومنهم من يعتقد أن الرسول كان خاضعا لأهل الصفة ،
وكانوا مستغنين عنه، إلى أمثال هذه الأصناف التى كثرت في
هذه الأزمنة .
٣٢٦

وهؤلاء كلهم بدعون على الحقيقة، ويقولون ؛ الحقيقة لون والشريعة
لون آخر ، ويجمعهم شيئان: أن لهم تصرفا وكشفا خارجا عن مالعامة،
وأهم معرضون عن وزن ذلك بالكتاب والسنة ، وتحكيم الرسول فى
ذلك ؛ فهم بمنزلة الملوك الذين لهم ملك يسوسونه بغير أمر الله ورسوله؛
لكن الملوك لا يقول أحدهم إن الله أمرفى بذلك، ولا أبى ولي الله ،
ولا أن لي مادة من الله خارجة عن الرسول ، ولا أن الرسل لم تبعث
إلى مثلي ، وإنما الملوك بقصدون أغراضهم ولا يجعلونها دينا .
وهؤلاء يجعلون أغراضهم التى هي من أعظم الظلم والفساد بل
والكفر، يجعلون ذلك دينا يدين به أولياء الله عندم؛ لأن هذه
الأمور إنما تحصل لهم بنوع من الزهادة والعبادة ؛ ولكن ليس هو
الزهد والعبادة التى بعث الله بها رسوله ؛ بل يشبهه حال أهل الكتاب
والمشركين من عباد الهند والنصارى وأمثالهم .
ولهذا تظهر مشابهتهم لعباد المشركين وأهل الكتاب ، حتى أن
من رأى عباد الهنود ثم رأى مولهي بيت الرفاعى أنكر وجود هؤلاء
فى ديار الإسلام .
وقال : هؤلاء مثل عباد المشركين من الهند سواء ، وأرفع من
٣٢٧

هؤلاء من بشبه عباد النصارى ورهبانهم فى أمور كثيرة خارجة عن
شريعة الإسلام ، فلما كان فيهم دين مبتدع من جنس دين المشركين
وأهل الكتاب ظنوا ما يظنه أولئك من أن هذا دين صحيح ، وأنه
دين بقرب إلى الله، وأن أهله أولياء الله؛ فإن جميع طوائف العلماء
والعباد من جميع أهل الملل يظنون (١) .
(١) آخر ما وجد من الأصل .
٣٢٨

قال شيخ الإسلام
بِسْمِالهِالرََّمِ
رب بسر وأعن برحمتك
الحمد للّه نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن
سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي
له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما .
أما بعد فقد سألني بعض الإخوان أن أكتب له مقدمة تتضمن
قواعد كلية . تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه ، والتمييز
فى منقول ذلك ومعقوله بين الحق وأنواع الأباطيل، والتنبيه على
الدليل الفاصل بين الأقاويل ؛ فإن الكتب المصنفة فى التفسير مشحونة
بالغث والسمين ، والباطل الواضح والحق المبين .
والعلم إما نقل مصدق عن معصوم ، وإما قول عليه دليل معلوم ،
٣٢٩

وما سوى هذا فإما مزيف مردود ، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج
ولا منقود .
وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين ،
والذكر الحكيم ، والصراط المستقيم ، الذي لا تزيخ به الأهواء ، ولا
تلتبس به الألسن ، ولا يخلق عن كثرة الترديد ، ولا تنقضي عجائبه .
ولا يشبع منه العلماء ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن
حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ، ومن تركه من
جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله.
قال تعالى: (فَإِمَّايَأْنِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ أَتََّعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
يَشْقَى *
أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِيَّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَنَتَّكَءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا
( قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورُوَ
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى ) وقال تعالى :
كِتَبُ تُبِيٌ * يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِ يِهِمْ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ) وقال تعالى: (الّرَّكِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ
إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَّطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِالَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِ الْأَرْضِ ) وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَامَاكُنتَتَدْرِى
مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِنِ جَعَلْنَهُ نُورَّا نَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى
٣٣٠

صِرَّطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ*
اُلْأُمُورُ ) .
وقد كتبت هذه المقدمة مختصرة بحسب تيسير الله تعالى من إملاء
الفؤاد ، والله الهادي إلى سبيل الرشاد .
فصل
يجب أن يعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معانى
القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ)
يتناول هذا وهذا ، وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي : حدثنا الذين
كانوا يقرئوننا القرآن: كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود
وغيرهما ، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم
يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن
والعلم والعمل جميعاً؛ ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة ، وقال
أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جل في أعيننا وأقام ابن
عمر على حفظ البقرة عدة سنين ، قيل : ثمان سنين ذكره مالك.
وذلك أن الله تعالى قال: (كِنَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرَكٌ لِيَدَّبَُّوْءَايَتِهِ، )
٣٣١

وقال: ( أَفَلاَ يَتَدَتَّرُونَ الْقُرْءَانَ ) وقال: (أَفَلَمْ يَذَّبَرُواْاُلْقَوْلَ )
وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن . وكذلك قال تعالى : (إِنَّا
أَنْزَلْنَهُ قُرْءَ نَاعَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) وعقل الكلام متضمن لفهمه .
ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد
ألفاظه ، فالقرآن أولى بذلك ، وأيضاً فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا
فى فن من العلم، كالطب والحساب ولا يستشرحوه ، فكيف بكلام
الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم ، وقيام دينهم ودنياهم؟
ولهذا كان النزاع بين الصحابة فى تفسير القرآن قليلا جداً، وهو
وإن كان فى التابعين أكثر منه فى الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من
بعدم ، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان
فيه أكثر ، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة ، كما
قال مجاهد عرضت : المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه
وأسأله عنها ، ولهذا قال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك
به ، ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم
وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن
مجاهد أكثر من غيره .
والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم
٣٣٢

السنة ، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال ،
كما يتكلمون فى بعض السنن بالاستنباط والاستدلال .
فصل
الخلاف بين السلف فى التفسير قليل ، وخلافهم في الأحكام أكثر
من خلافهم في التفسير ، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى
اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ، وذلك صنفان :
((أحدهما)) أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة
صاحبه ، تدل على معنى فى المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى -
منزلة الأسماء المتكافئة التى بين المترادفة والمتباينة ، كما قيل فى اسم
السيف الصارم والمهند ، وذلك مثل أسماء الله الحسنى، وأسماء رسوله
صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن، فإن أسماء اللّه كلها تدل على مسمى
واحد ، فليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى مضاداً لدعائه باسم آخر ؛
بل الأمر كما قال تعالى: (قُلِ ادْ عُواْ اللّه أَوِادْعُواْ الرَّحْمَنَّأَيَّا مَاتَدْ عُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ
اُلْحُسْنَى ) .
وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة ، وعلى الصفة التى
٣٣٣

تضمنها الاسم . كالعليم يدل على الذات والعلم ، والقدير يدل على الذات
والقدرة ، والرحيم يدل على الذات والرحمة ، ومن أنكر دلالة أسمائه
على صفاته ممن يدعى الظاهر : فقوله من جنس قول غلاة الباطنية
القرامطة الذين يقولون : لا يقال هو حي ، ولا ليس بحي ؛ بل ينفون
عنه النقيضين ؛ فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسماً هو على
محض كالمضمرات ، وإنما ينكرون ما فى أسمائه الحسنى من صفات الإثبات ،
فمن وافقهم على مقصوده كان مع دعواه الغلو في الظاهر موافقاً لغلاة
الباطنية فى ذلك ، وليس هذا موضع بسط ذلك .
وإنما المقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته ، وعلى ما فى
الاسم من صفاته. ويدل أيضاً على الصفة التى فى الاسم الآخر بطريق
اللزوم ، وكذلك أسماء النبى صلى الله عليه وسلم ، مثل محمد، وأحمد ،
والماحي ، والحاشر ، والعاقب ، وكذلك أسماء القرآن : مثل القرآن ،
والفرقان ، والهدى ، والشفاء ، والبيان ، والكتاب . وأمثال ذلك .
فإذا كان مقصود السائل تعيين المسمى عبرنا عنه بأي اسم كان إذا
عرف مسمى هذا الاسم ، وقد يكون الاسم علما ، وقد
يكون صفة كمن يسأل عن قوله: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى )
ما ذكره؟ فيقال له : هو القرآن مثلا، أو هو ما أنزله من الكتب .
فإن الذكر مصدر . والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل وتارة إلى المفعول.
٣٣٤

فإذا قيل : ذكر الله بالمعنى الثاني كان ما يذكر به مثل قول العبد
سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وإذا قيل
بالمعنى الأول كان ما يذكره هو وهو كلامه ، وهذا هو المراد فى قوله :
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى) لأنه قال قبل ذلك: (فَإِمَّا يَأْنِنَّكُم
وهداه هو ما أنزله من
مِّنِّى هُدَّى فَمَنِ آَتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى )
الذكر ، وقال بعد ذلك: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ
أَنَتَّكَءَ ايَتُنَا فَنَسِينَها ) .
والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل ، أو هو ذكر
العبد له ، فسواء قيل ذكري كتابي أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك
كان المسمى واحداً .
وإن كان مقصود السائل معرفة ما فى الاسم من الصفة المختصة به ،
فلابد من قدر زائد على تعيين المسمى ، مثل أن يسأل عن القدوس
السلام المؤمن ، وقد علم أنه الله ؛ لكن مراده ما معنى كونه قدوساً
سلاماً مؤمناً ونحو ذلك .
إذا عرف هذا فالسلف كثيراً ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل
على عينه ، وإن كان فيها من الصفة ما ليس فى الاسم الآخر ، كمن
يقول: أحمد هو الحاشر والماحى والعاقب ، والقدوس هو الغفور
٣٣٥

والرحيم أي أن المسمى واحد ، لا أن هذه الصفة هي هذه الصفة ،
ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد كما يظنه بعض الناس ، مثال ذلك
الصراط المستقيم.
تفسیرم
فقال بعضهم: هو ((القرآن)): أي اتباعه؛ لقول النبي صلى الله
عليه وسلم فى حديث علي الذي رواه الترمذي ، ورواه أبو نعيم من
طرق متعددة هو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط
المستقيم، وقال بعضهم: هو ((الإسلام)) لقوله صلى الله عليه وسلم فى
حديث النواس بن سمعان الذي رواه الترمذي وغيره: (( ضرب الله
مثلا صراطاً مستقيما وعلى جنبتى الصراط سوران ، وفي السورين أبواب
مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع يدعو من فوق الصراط ،
وداع يدعو على رأس الصراط ، قال: فالصراط المستقيم هو الإسلام
والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس
الصراط كتاب اللّه، والداعي فوق الصراط واعظ الله فى قلب كل
مؤمن)) ، فهذان القولان متفقان ؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن،
ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ ((صراط))
يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو ((السنة والجماعة))
وقول من قال: ((هو طريق العبودية)) وقول من قال: ((هو طاعة
الله ورسوله)) صلى الله عليه وسلم وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا
٣٣٦

إلى ذات واحدة ؛ لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها .
((الصنف الثانى)) أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه
على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع - لا على سبيل الحد
المطابق للمحدود فى عمومه وخصوصه ، مثل سائل أعجمي سأل عن
مسمى ((لفظ الخبز)) فأرى رغيفاً، وقيل له : هذا . فالإشارة إلى
نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده - مثال ذلك ما نقل فى قوله :
( ثُمَّأَوَثْنَالْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْظَالِمٌلِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُفْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ).
فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات ، والمنتهك
للمحرمات . والمقتصد بتناول فاعل الواجبات، وتارك المحرمات ، والسابق
يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات . فالمقتصدون م
أصحاب اليمين، ( وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ).
ثم إن كلا منهم يذكر هذا فى نوع من أنواع الطاعات ، كقول
القائل : السابق الذي يصلي في أول الوقت ، والمقتصد الذي يصلي فى
أثنائه ، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار، ويقول [ الآخر ]
السابق والمقتصد والظالم قد ذكرم فى آخر سورة البقرة فإنه ذكر
المحسن بالصدقة، والظالم يأكل الربا ، والعادل بالبيع ، والناس فى
الأموال إما محسن ، وإما عادل ، وإما ظالم ، فالسابق المحسن بأداء
٣٣٧

المستحبات مع الوجبات ، والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة ، والمقتصد
الذي يؤدي الزكاة المفروضة ، ولا يأكل الربا وأمثال هذه
الأقاويل . فكل قول فيه ذكر نوع داخل في الآية ذكر لتعريف
المستمع بتناول الآية له وتنبيهه به على نظيره ؛ فإن التعريف بالمثال قد
يسهل أكثر من التعريف بالحد المطلق. والعقل السليم يتفطن للنوع، كما
يتفطن إذا أشير له إلى رغيف ، فقيل له : هذا هو الخبز .
وقد يجيء كثيراً من هذا الباب قولهم هذه الآية نزلت في كذا
لاسيما إن كان المذكور شخصاً ؛ كأسباب النزول المذكورة فى التفسير،
كقولهم إن آية الظهار نزلت فى امرأة أوس بن الصامت ، وإن آية
اللعان نزلت في عويمر العجلانى أو هلال بن أمية ، وأن آية الكلالة
نزلت فى جابر بن عبد الله، وأن قوله: (وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنَزَلَ اُللَّهُ)
نزلت فى بنى قريظة والنضير، وأن قوله: (وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ
(شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
دُبُرَهُ) نزلت فى بدر ، وأن قوله :
اَلْمَوْتُ) نزلت فى قضية تميم الداري وعدي بن بداء ، وقول أبي أيوب
إن قوله: (وَلَا تُلْقُوْ بَدِيَكُ إِلى النَُّكَةِ) نزلت فينا معشر الأنصار
الحديث ، ونظائر هذا كثير مما يذكرون أنه نزل فى قوم من المشركين
بمكة ، أو فى قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى . أو فى قوم
من المؤمنين.
٣٣٨

فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك
الأعيان دون غيرهم ؛ فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق ،
والناس وإن تنازعوا فى اللفظ العام الوارد على سبب هل يختص بسببه
أم لا ؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين أن عمومات الكتاب والسنة
تختص بالشخص المعين، وإنما غاية ما يقال أنها تختص بنوع
ذلك الشخص فيعم ما يشبهه ، ولا يكون العموم فيها
بحسب اللفظ .
والآية التى لها سبب معين إن كانت أمراً ونهياً فهي متناولة لذلك
الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته ، وإن كانت خبراً بمدح أو ذم فهي
متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته [أيضاً ] .
ومعرفة ((سبب النزول)» يعين على فهم الآية ، فإن العلم بالسبب
يورث العلم بالمسبب ؛ ولهذا كان أصح قولي الفقهاء أنه إذا لم يعرف ما
نواه الحالف رجع إلى سبب يمينه وما هيجها وأثارها .
وقولهم نزلت هذه الآية فى كذا يراد به تارة أنه سبب النزول ،
ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول
عنى بهذه الآية كذا .
٣٣٩

وقد تنازع العلماء فى قول الصاحب نزلت هذه الآية فى كذا ، هل
يجرى مجرى المسند كما يذكر السبب الذي أنزلت لأجله ، أو يجرى
مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند فالبخاري يدخله في المسند وغيره
لا يدخله فى المسند، وأكثر المساند على هذا الاصطلاح كمسند أحمد
وغيره ؛ بخلاف ما إذا ذكر سبباً نزلت عقبه ، فإنهم كلهم يدخلون مثل
هذا فى المسند .
وإذا عرف هذا فقول أحدم نزلت فى كذا لا ينافى قول الآخر
نزلت فى كذا إذا كان اللفظ يتناولهما ، كما ذكرناه في التفسير بالمثال .
وإذا ذكر أحدم لها سباً نزلت لأجله وذكر الآخر سبباً؛ فقد
يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب ، أو تكون نزلت
مرتين مرة لهذا السبب ومرة لهذا السبب .
وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما فى تنوع التفسير : تارة لتنوع
الأسماء والصفات ، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه ، كالتمثيلات
هما الغالب فى تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف .
ومن التنازع الموجود عنهم ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين ؛
إما لكونه مشتركا فى اللفظ كلفظ (قسورة ) الذي يراد به الرامي .
ويراد به الأسد . ولفظ ( عسمس ) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره ،
٣٤٠