النص المفهرس
صفحات 301-320
وكلاهما عند العقلاء معلوم الفساد بالبديهة . كان جوابه أن ما ادعى إحالته من ثبوت الصفات ليس بمحال ، والنص قد دل عليها والعقل أيضاً ، فإذا أخذ الخصم ينازع فى دلالة النص أو العقل جعله مسفسطاً أو مقرمطاً ، وهذا بعينه موجود فى الرحمة والمحبة ، فإن خصومه ينازعونه فى دلالة السمع والعقل عليها على الوجه القطعي . ثم يقال لخصومه: بم أثبتم أنه عليم قدير؟ فما أتبتوه به من سمع وعقل فبعينه تثبت الإرادة ، وما عارضوا به من الشبه عورضوا بمثله فى العليم والقدير . وإذا انتهى الأمر إلى ثبوت المعانى وأنها تستلزم الحدوث أو التركيب والافتقار ، كان الجواب ما قررناه في غير هذا الموضع؛ فإن ذلك لا يستلزم حدوثاً ولا تركيباً مقتضياً حاجة إلى غيره. ويعارضون أيضاً بما ينفى به أهل التعطيل الذات من الشبه الفاسدة ، ويلزمون بوجود الرب الخالق المعلوم بالفطرة الخلقية والضرورة العقلية والقواطع العقلية واتفاق الأمم وغير ذلك من الدلائل ، ثم يطالبون بوجود من جنس ما نعهده أو بوجود يعلمون كيفيته ، فلا بد أن يفروا إلى إثبات ما لا تشبه حقيقته الحقائق . فالقول فى سائر ما سمى ووصف به نفسه كالقول فى نفسه سبحانه وتعالى . ٣٠١ و (( نكتة هذا الكلام)) أن غالب من نفى وأثبت شيئاً مما دل عليه الكتاب والسنة لا بد أن يثبت الشيء لقيام المقتضى وانتفاء المانع ، وينفى الشيء لوجود المانع أو لعدم المقتضى ، أو يتوقف إذا لم يكن له عنده مقتض ولا مانع ، فيبين له أن المقتضى فيما نفاه قائم ؛ كما أنه فيما أثبته قائم ، إما من كل وجه أو من وجه يجب به الإثبات . فإن كان المقتضى هناك حقاً فكذلك هنا ، وإلا فدره ذاك المقتضى من جنس درء هذا . وأما المانع فيبين أن المانع الذي تخيله فيما نفاه من جنس المانع الذي تخيله فيما أثبته ، فإذا كان ذلك المانع المستحيل موجوداً على التقديرين لم ينج من محذوره بإثبات أحدهما ونفي الآخر ، فإنه إن كان حقاً نفاهما ، وإن كان باطلا لم ينف واحداً منها ، فعليه أن يسوى بين الأمرين في الإثبات والنفي ، ولا سبيل إلى النفي ، فتعين الإثبات. فهذه نكتة الإلزام لمن أثبت شيئاً . وما من أحد إلا ولابد أن يثبت شيئاً أو يجب عليه إثباته . فهذا يعطيك من حيث الجملة أن اللوازم التى يدعى أنها موجبة النفى خيالات غير صحيحة وإن لم يعرف فسادها على التفصيل ، وأما من حيث التفصيل فيبين فساد المانع وقيام المقتفى كما قرر هذا غير مرة . ٣٠٢ فإن قال من أثبت هذه الصفات التى هي فينا أعراض ، كالحياة والعلم والقدرة ولم يثبت ما هو فينا أبعاض ، كاليد والقدم : هذه أجزاء وأبعاض تستلزم التركيب والتجسيم . قيل له : وتلك أعراض تستلزم التجسيم والتركيب العقلي كما استلزمت هذه عندك التركيب الحسي ، فإن أثبت تلك على وجه لاتكون أعراضاً أو تسميتها أعراضا لا يمنع ثبوتها ، قيل له : وأثبت هذه على وجه لا تكون تركيبا وأبعاضا ، أو تسميتها تركيبا وأبعاضاً لا يمنع ثبوتها. فإن قيل : هذه لا يعقل منها إلا الأجزاء ، قيل له : وتلك لا يعقل منها إلا الأعراض ، فإن قال : العرض ما لا يبقى وصفات الرب باقية . قيل : والبعض ما جاز انفصاله عن الجملة ، وذلك فى حق الله محال، فمفارقة الصفات القديمة مستحيلة فى حق الله تعالى مطلقاً والمخلوق يجوز أن تفارقه أعراضه وأبعاضه . فإن قال ، ذلك تجسيم والتجسيم منتف ، قيل : وهذا تجسيم والتجسيم منتف . ٣٠٣ فإن قال : أنا أعقل صفة ليست عرضاً بغير متحيز وإن لم يكن له في الشاهد نظير ، قيل له : فأعقل صفة هي لنا بعض لغير متحيز وإن لم يكن له فى الشاهد نظير ، فإن نفى عقل هذا نفي عقل ذاك ، وإن كان بينها نوع فرق لكنه فرق غير مؤثر في موضع النزاع ؛ ولهذا كانت المعطلة الجهمية تنفي الجميع ، لكن ذلك أيضاً مستلزم لنفي الذات، ومن أثبت هذه الصفات الخبرية من نظير هؤلاء صرح بأنها صفة قائمة به كالعلم والقدرة ، وهذا أيضاً ليس هو معقول النص ولا مدلول العقل ، وإنما الضرورة ألجأتهم إلى هذه المضابق . وأصل ذلك : أنهم أتوا بألفاظ ليست فى الكتاب ولا في السنة وهى ألفاظ مجملة مثل: ((متحيز)) و ((محدود)) و((جسم)) و ((مركب)) ونحو ذلك ونفوا مدلولها ، وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس ، وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض ، أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل ؛ إذ الدليل القطعي لا يقبل الترك لمعارض راجح ، فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ، ومن جهة العقل من ناحية أخرى ، فصاروا أحزابا . تارة يغلبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة ، وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون الأول ٣٠٤ كهشام بن الحكم الرافضي ، فإنه قد قيل : أول ما تكلم فى الجسم نفياً وإثباتاً من زمن هشام بن الحكم وأبى الهذيل العلاف ، فإن أبا الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس ، فعارضهم هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس ، واعتقد الأولون إحالة ثبوته ، واعتقد هذا إحالة نفيه ، وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض . هما أعلم أحداً من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة إلا ولا بد أن يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره ، إذ كلامهم من عند غير الله، وقد قال الله تعالى: ( وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُ واْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا). والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، لا يتجاوز القرآن والحديث ، ويتبع فى ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان ، والمعانى المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات ، فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه ، ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صما وعمياناً ، ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أمانى. فهذا أحد الوجهين وهو منع أن تكون هذه من المتشابه . ٣٠٥ ( الوجه الثانى ) : أنه إذا قيل : هذه من المتشابه ، أو كان فيها ما هو من المتشابه ، كما نقل عن بعض الأئمة أنه سمى بعض ما استدل به الجهمية متشابهاً ، فيقال: الذي فى القرآن أنه لا يعلم تأويله إلا الله إما المتشابه وإما الكتاب كله كما تقدم ، ونفي علم تأويله ليس نفي علم معناه كما قدمناه فى القيامة وأمور القيامة ، وهذا الوجه قوي إن ثبت حديث ابن إسحاق في وفد نجران أنهم احتجوا على النبى صلى الله عليه وسلم بقوله : ( إنا ) و ( نحن ) ونحو ذلك ، ويؤيده أيضاً أنه قد ثبت أن فى القرآن متشابهاً وهو ما يحتمل معنيين ، وفي مسائل الصفات ما هو من هذا الباب كما أن ذلك فى مسائل المعاد وأولى ، فإن نفى المشابهة بين الله وبين خلقه أعظم من نفي المشابهة بين موعود الجنة وموجود الدنيا . وإنما نكتة الجواب هو ما قدمناه أولاً أن نفي علم التأويل ليس نفياً لعلم المعنى، ونزيده تقريراً أن الله سبحانه يقول: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ * قُرْءَانَا عَرَبِيًّا غَيْرَذِى عَوَجٍ) (الّرَتِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَ لَْهُ قُرْءَ نَّاعَرَبِيًّا وقال تعالى : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) فأخبر أنه أنزله ليعقلوه، وأنه طلب تذكرم ٠ وقال أيضاً : (وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِ بُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَرُونَ) ٣٠٦ فحض على تدبره وفقهه وعقله والتذكر به والتفكر فيه ولم يستثن من ذلك شيئاً ؛ بل نصوص متعددة تصرح بالعموم فيه مثل قوله ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وقوله ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ ومعلوم أن نفي وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا ) الاختلاف عنه لا يكون إلا بتدبره كله ، وإلا فتدبر بعضه لا يوجب الحكم بنفي مخالفه ما لم يتدبر لما تدبر . وقال علي رضي الله عنه لما قيل له : هل ترك عندكم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ؟ فقال : لا ، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فها يؤتيه الله عبداً فى كتابه ، وما فى هذه الصحيفة . فأخبر أن الفهم فيه مختلف في الأمة ، والفهم أخص من العلم والحكم قال الله تعالى: ( فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) وقال النى صلى الله عليه وسلم ((رب مبلغ أوعى من سامع)) وقال «بلغوا عني ولو آية)). وأيضاً فالسلف من الصحابة والتابعين وسائر الأمة قد تكلموا في جميع نصوص القرآن آيات الصفات وغيرها ، وفسروها بما يوافق دلالتها وبيانها ، ورووا عن النبى صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة توافق القرآن، وأئمة الصحابة فى هذا أعظم من غيرهم مثل عبد الله ابن مسعود الذي كان يقول: لو أعلم أعلم بكتاب الله منى تبلغه آباط الإبل لأتيته . وعبد الله بن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه ٣٠٧ وسلم وهو حبر الأمة وترجمان القرآن كانا هما وأصحابها من أعظم الصحابة والتابعين إثباتاً للصفات ورواية لها عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ومن له خبرة بالحديث والتفسير يعرف هذا ، وما فى التابعين أجل من أصحاب هذين السيدين ، بل وثالثها فى علية التابعين من جنسهم أو قريب منهم ومثلها فى جلالته جلالة أصحاب زيد بن ثابت ؛ لكن أصحابه مع جلالتهم ليسوا مختصين به بل أخذوا عن غيره مثل عمر وابن عمر وابن عباس . ولو كان معاني هذه الآيات منفياً أو مسكوناً عنه لم يكن ربانيوا الصحابة أهل العلم بالكتاب والسنة أكثر كلاماً فيه . ثم إن الصحابة نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة . ولم يذكر أحد منهم عنه قط أنه امتنع من تفسير آية . قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل . وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله ٣٠٨ تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى ) كيف استوى ، فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ، وكذلك ربيعة قبله . وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول فليس فى أهل السنة من ينكره . وقد بين أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم ، ولكن الكيفية لا تعلم ولا يجوز السؤال عنها ، لا يقال كيف استوى . ولم يقل مالك الكيف معدوم ، وإنما قال الكيف مجهول . وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنة غير أن أكثرم يقولون لا تخطر كيفيته ببال ولا تجري ماهيته فى مقال ، ومنهم من يقول : ليس له كيفية ولا ماهية . فإن قيل: معنى قوله: ((الاستواء معلوم)) أن ورود هذا اللفظ فى القرآن معلوم ، كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه . قيل : هذا ضعيف ؛ فإن هذا من باب تحصيل الحاصل فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن وقد تلا الآية . وأيضاً فلم يقل : ذكر الاستواء فى القرآن، ولا إخبار الله بالاستواء : وإنما قال : ٣٠٩ الاستواء معلوم . فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة . وأيضاً فإنه قال: ((والكيف مجهول)) ولو أراد ذلك لقال معنى الاستواء مجهول ، أو تفسير الاستواء مجهول ، أو بيان الاستواء غير معلوم ، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء . وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه ، لو قال في قوله : ( إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَرَى ) كيف يسمع وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم والكيف مجهول ، ولو قال : كيف كلم موسى تكليماً ؟ لقلنا : التكليم معلوم والكيف غير معلوم . وأيضاً فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة: يقرون بأن اللّه فوق العرش حقيقة وأن ذاته فوق ذات العرش ، لا ينكرون معنى الاستواء ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية . ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة . قال بعضهم : ارتفع على العرش ، علا على العرش . وقال بعضهم : عبارات أخرى ، وهذه ثابتة عن السلف قد ذكر البخاري فى صحيحه بعضها فى آخر كتاب ((الرد على الجهمية)). وأما التأويلات المحرفة مثل استولى وغير ذلك فهي من التأويلات المبتدعة لما ظهرت الجهمية . ٣١٠ وأيضا قد ثبت أن اتباع المتشابه ليس فى خصوص الصفات؛ بل في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة ((يا عائشة إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذريهم)) وهذا عام . وقصة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب من أشهر القضايا فإنه بلغه أنه يسأل عن متشابه القرآن حتى رآه عمر فسأل عمر عن ( وَالذَّرِيَتِ ذَرْوًا )، فقال: ما اسمك ؟ قال : عبد الله صبيغ ، فقال: وأنا عبد الله عمر ، وضربه الضرب الشديد . وكان ابن عباس إذا ألح عليه رجل في مسألة من هذا الجنس يقول ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بصيغ . وهذا لأنهم رأوا أن غرض السائل ابتغاء الفتنة لا الاسترشاد والاستفهام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ((إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه)) وكما قال تعالى: (فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْعٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا فعاقبوهم على هذا القصد الفاسد ، تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ) كالذي يعارض بين آيات القرآن ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: ((لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض)) فإن ذلك يوقع الشك فى قلوبهم . ومع ابتغاء الفتنة ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله، فكان مقصودهم مذموماً ومطلوبهم متعذراً مثل أغلوطات المسائل التى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. ٣١١ ومما يبين الفرق بين ((المعنى)) و((التأويل)) أن صبيغاً سأل عمر عن ( الذاريات ) وليست من الصفات ، وقد تكلم الصحابة فى تفسيرها مثل علي بن أبي طالب مع ابن الكواء لما سأله عنهاكره سؤاله لما رآه من قصده ؛ لكن علي كانت رعيته ملتوية عليه لم يكن مطاعا فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه . و ( الذاريات ) و (الحاملات ) و (الجاريات) و (المقسمات ) فيها اشتباه، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة، ويحتمل غير ذلك ، إذ ليس فى اللفظ ذكر الموصوف . والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان الرياح ومقاديرها وصفاتها ومتى تهب، وأعيان السحاب وما تحمله من الأمطار ومتى ينزل المطر، وكذلك فى ( الجاريات ) و (المقسمات ) فهذا لا يعلمه إلا الله. وكذلك فى قوله: (إنا) و (نحن) ونحوهما من أسماء الله التى فيها معنى الجمع كما اتبعه النصارى ؛ فإن معناه معلوم وهو الله سبحانه ؛ لكن اسم الجمع يدل على تعدد المعاني ؛ بمنزلة الأسماء المتعددة: مثل العليم، والقدير ، والسميع ، والبصير ، فإن المسمى واحد ومعاني الأسماء متعددة، فهكذا الاسم الذي لفظه الجمع . وأما التأويل الذي اختص الله به حقيقة ذاته وصفاته كما قال مالك . والكيف مجهول . فإذا قالوا ما حقيقة علمه وقدرته وسمعه وبصره ، قيل هذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله . ٣١٢ وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله . فإن قيل : فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لابن عباس ((اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)) قيل: أما تأويل الأمر والنهي فذاك بعلمه، واللام هنا للتأويل المعهود، لم يقل : تأويل كل القرآن ، فالتأويل المنفي هو تأويل الأخبار التى لا يعلم حقيقة مخبرها إلا اللّه، والتأويل المعلوم هو الأمر الذي يعلم العباد تأويله، وهذا كقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ() وقوله: (بَّ كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِهِ،وَلَمَايَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ. ) فإن المراد تأويل الخبر الذي أخبر فيه عن المستقبل، فإنه هو الذي ((ينتظر)) ((ويأتي)) و((لما يأتهم)). وأما تأويل الأمر والنهي فذاك في الأمر. وتأويل الخبر عن اللّه وعمن مضى إن أدخل فى التأويل لا ينتظر . والله سبحانه أعلى وبه التوفيق ؟ ٣١٣ وقال الشيخ الإمام العلامة القدوة العارف الفقيه ، الحافظ الزاهد العابد ، السالك الناسك ، مفتى الفرق ركن الشريعة ، عالم العصر ، فريد الدهر ؛ ترجمان القرآن وارث الأنبياء ، آخر المجتهدين ، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن تيمية الحراني، تغمده الله برحمته. ـل في أقسام القرآن(١) وهو سبحانه بقسم بأمور على أمور ، وإنما يقسم بنفسه المقدسة الموصوفة بصفاته ، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته ، وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنه من عظيم آياته . (١) تسمى « أقسام القرآن)). ٣١٤ فالقسم إما على جملة خبرية ، وهو الغالب ؛ كقوله تعالى : ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ ) . وإما على جملة طلبية كقوله تعالى: ( فَوَرَبِّكَ لَسَثَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّاكَانُوا يَعْمَلُونَ ) مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه ، فيكون من باب الخبر ، وقد يراد به محض القسم . والمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه ، فلا بد أن يكون مما يحسن فيه ذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها . فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر ، والليل والنهار، والسماء والأرض ؛ فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها ، وما أقسم عليه الرب عز وجل فهو من آياته ؛ فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس. وهو سبحانه يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب . وتارة يحذفه كما يحذف جواب لو كثيرا، كقوله تعالى: (لَوْتَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ) وقوله : ( وَلَوْأَنَّ قُرْءَانَا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ) (وَلَوْتَرَىّ إِذْ يَتَوَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ) (وَلَوْتَرَىّ إِذْفَرِعُواْ فَلَافَوْتَ) (وَلَوْتَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ) (وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَيْهِمْ ). ومثل هذا حذفه من أحسن الكلام ؛ لأن المراد أنك لو رأيته ٣١٥ لرأيت هولاً عظيما؛ فليس فى ذكر الجواب زيادة على ما دل (١) المحرم وهو أيضا تنبيه . فإذا أقسم به وفيه الخلال ، فإذا كان فيه الحرام كان أولى بالتعظيم ، وكذلك إذا أريد الحلول فإنه هو السلبى فالمعنى واحد. وقد أقسم بـ ( التين والزيتون) و ( البلد الأمين). والجواب مذكور فى قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ ) وهو مكابدة أمر الدنيا والآخرة ، وهذه المكابدة تقتضي قوة صاحبها ، وكثرة تصرفه ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ واحتياله ، فقال تعالى : مَالَا تُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْيَهُوَأَحَدٌ ) فهذا الإنسان من جنس (مَآ أَغْنَى عَنِّ مَالِيَّةٌ * هَلَكَ أولئك الأمم ، ومن جنس الذي قال : عَنِّ سُلْطَنِيَة ) له قوة يكابد بها الأمور ، وكل أهلكه أفيظن مع هذا أنه لن يقدر عليه أحد فيجازيه بأعماله ؟ ويحسب أن ما أهلكه من المال لم يره أحد ، فيعلم ما فعل ؟ والقدرة والعلم بها يحصل الجزاء ؛ بل بها يحصل كل شيء. وإخباره تعالى بأنه قادر وأنه عالم يتضمن الوعيد والتهديد ؛ فإنه إذا كان قادرا أمكن الجزاء ، وإذا كان عالما أمكن الجزاء فبالعدل يقدر ما عمل ومن لم يكن قادراً عالما لم يمكنه الجزاء ، فإن العاجز عن الشخص لا يمكنه (١) هنا سقط بعض الكلام . ٣١٦ جزاؤه ، والذي له قدرة لكن لا يرى ما فعل إن جازاه بلا علم كان ظالما معتديا ، فلا بد له من العلم بما فعل . ولهذا كان الحاكم يحتاج إلى الشهود ، والملوك يحتاجون إلى أهل الديوان يخبرونهم بمقادير الأموال وغيرها ؛ ليكون عملهم بعلم (١) ذكر أنه خلق الإنسان فى كبد أبحسب أن لن يقدر عليه أحد ؟ ولن لنفي المستقبل، يقول: أبحسب أن لن يقدر عليه فى المستقبل أحد ، ولهذا كان ذاك الخائف من ربه ، الذي أمر أهله بإحراقه وذرايته يعلم أن الجزاء متعلق بالقدرة ، فقال: ((لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ماعذبه أحداً من العالمين)). وهو سبحانه يهدد بالقدرة لكون المقدور يقترن بها ؛ كما يهدد بالعلم لكون الجزاء يقع معه، كما فى قوله تعالى: (قُلْ هُوَالْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) فقال النبى صلى الله عليه وسلم لما نزلت: ((أعوذ بوجهك، أعوذ بوجهك)) فقال: ((هاتان أهون)) ( أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٌِ) وذلك لأنه تكلم فى ذكر القدرة ونوع المقدور ، كما يقول القائل : أين تهرب مني ؟ أنا أقدر أن أمسكك . وكذلك فى العلم بالرؤية، كقوله هنا: (أَخْسَبُ أَن ◌َّمْ يَهُ أَحَدُّ) (١) بياض بالأصل ٣١٧ وقوله تعالى فى الذي ينهى عبداً إذا صلى: (أَلَيَعَلَم ◌ِأَنَّالَّ يَرَى) وقوله تعالى: (وَقُّلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) وقوله: ( أَمْيَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَتَجْوَدُهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَتِهِمْ يَكْثُبُونَ ). وقوله تعالى: (وَكُلُّ شَىءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرِ وأمثال ذلك . فذكر رؤيته الأعمال وعلمه بها مُسْتَطَرُّ ) وإحصائه لها يتضمن الوعيد بالجزاء عليها ، كما يقول القائل : قد علمت ما فعلت ، وقد جاءتني أخبارك كلها وأمثال ذلك ، فليس المراد الإخبار بقدرة مجردة ، وعلم مجرد ؛ لكن بقدرة وعلم يقترن بهما الجزاء ؛ إذ كان مع حصول العلم والقدرة يمكن الجزاء ؛ ويبقى موقوفاً على مشيئة المجازي ، لا يحتاج معه إلى شيء حينئذ ؛ فيجب طلب النجاة بالاستغفار والتوبة إليه ، وعمل الحسنات التى تمحو السيئات . وهو سبحانه وتعالى لما أقسم بـ (الصافات )؛ و (الذاريات ) و (المرسلات) ذكر المقسم عليه. فقال تعالى: (إِنَّإِلَهَكُمْلَوَجِدٌ ) وقال تعالى : ( إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّالِّينَ لَوَفِعٌ) وقال تعالى : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعٌ ) . ولم يذكره في النازعات ؛ فإن الصافات هي الملائكة وهو لم يقسم على وجودها ، كما لم يقسم على وجود نفسه ؛ ٣١٨ إذ كانت الأمم معترفة بالصافات ، وكانت معرفته ظاهرة عندهم لا يحتاج إلى إقسام بخلاف التوحيد، فإنه كما قال تعالى: (وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاَللَّهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ) وكذلك الملائكة يقر بها عامة الأمم ، كما ذكر الله عن قوم نوح وعاد ، وتمود ، وفرعون ، مع شركهم وتكذيهم بالرسل ، أنهم كانوا (مَاهَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ يعرفون الملائكة . قال قوم نوح : عَلَيْهِكُمْ وَلَوَ شَآءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَتْبِكَةً) وقال [تعالى]١: (أَنْذَرْتُّكُمْ صَِقَةٌ مِثْلَ إِذْجَآءَتُهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِأَيَدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلََّتَعْبُدُوّأْ * صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ إِلَّا اللَّهُ قَالُوْلَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَلَ مَلَتَبِكَةً ) ، وقال فرعون: ( أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ وَلَا يَكَادُيُبِينُ * فَلَوْلَا أَلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّنْ ذَهَبٍ أَوْجَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِنَ ) وكذلك مشركوا العرب، قال تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنَزَلْنَا مَلَكَا لَّقُضِىَ اُلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ) وقال تعالى: (وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِىِ الْأَسْوَاقِ لَوْلًا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا )، وقال تعالى عن الأمم مطلقاً: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْجَ هُمُ الْهُدَىَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرَّارَ سُولًا * قُل لَّوْكَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَبِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا ) (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٣١٩ فكانت هذه الأمم المكذبة للرسل المشركة بالرب مقرة بالله وملائكته ، فكيف بمن سوام ؟ فعلم أن الإقرار بالرب وملائكته معروف عند عامة الأمم ؛ فلهذا لم يقسم عليه وإنما أقسم على التوحيد ؛ لأن أكثرهم مشركون . وكذلك ( الذاريات ) و (الحاملات) و (الجاريات ) هي أمور مشهودة للناس ، و ( المقسمات أمراً) ثم الملائكة ، فلم يكن فيا أقسم به ما أقسم عليه؛ فذكر المقسم عليه. فقال تعالى: ( إِنَّا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّالِدِينَ لَوَفِعٌ ). و ( المرسلات ) سواء كانت هي الملائكة النازلة بالوحي والمقسم عليه الجزاء في الآخرة ، أو الرياح، أو هذا وهذا؛ فهي معلومة أيضاً. وأما (النازعات ) غرقا فهي الملائكة القابضة للأرواح ، وهذا يتضمن الجزاء ، وهو من أعظم المقسم عليه. قال تعالى: (قُلْ يَنَوَقَّنَكُم وقال تعالى : مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وَكِلَ بِكُمْ ثُمَّإِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) ( تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَاوَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّرُؤُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ) (١) هو ولا يعين على عبادته إلا هو ، وهذا يقين يعطي الاستعانة والتوكل ، (١) من هنا سقط بعض الكلام . ٣٢٠