النص المفهرس
صفحات 261-280
الفلاسفة نفاة الصفات ، وهذا تحريف ظاهر ، فإن قول على: أتحبون أن يكذب الله ورسوله. دليل على أن ذلك مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقوال النفاة من الفلاسفة والجهمية والقرامطة والمعتزلة لم ينقل فيها مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً لا صحيحاً ولا ضعيفاً، فكيف يكذب الله ورسوله فى شيء لم ينقله أحد عن الله ورسوله؟ بخلاف ما رواه أهل الإثبات من أحاديث صفات الرب وملائكته ، وجنته وناره ، فإن هذاكثير مشهور قد لا تحتمله عقول بعض الناس، فإذا حدث به خيف أن يكذب الله ورسوله . ومن هذا الباب قول عبد الله بن مسعود: (( ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم )) وابن مسعود فيما يقول ذاكراً أو آمراً من أعظم الناس إثباتاً للصفات ، وأروام لأحاديثها ، وأصحابه من أجل التابعين وأبلغهم في هذا الباب ، وكذلك أصحاب ابن عباس ، فكل من كان من الصحابة أعلم كان إثباته وإثبات أصحابه أبلغ ، فعلم أن الصحابة لم يكونوا يبطنون خلاف ما يظهرون . ولا يظهرون الإثبات ويبطنون النفي ، ولا يظهرون الأمر ويبطنون امتناعه ؛ بل ثم أقوم الناس بتصديق الرسول فيما أخبر وطاعته فيما أمر. وهذا باب واسع دخل فيه من الأمور ما لا يتسع هذا الموضع ٢٦١ لتفصيله ، ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلا بد له من ظاهر وباطن ، فظاهر القول لفظ اللسان ، وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان ، وظاهر العمل حركات الأبدان ، وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان . فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك وكان من أهل الخسران ؛ بل كان في الدرك الأسفل من النار ، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَاهُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَدِعُونَ اَللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) الآيات . فإن الله أنزل في أول سورة البقرة أربع آيات في صفة المؤمنين . وآيتين فى صفة الكافرين ، وبضع عشرة آية فى صفة المنافقين. وقال تعالى: (إِذَاجَآءَ الْمُنَفِقُونَ قَالُوْنَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ) السورة وقال تعالى: (لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوَاْءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَوْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمّ ) الآية . والملاحدة يظهرون موافقة المسلمين ويبطنون خلاف ذلك ، وهم شر من المنافقين ، فإن المنافقين نوعان : نوع يظهر الإيمان ويبطن الكفر ، ولا يدعى أن الباطن الذي يبطنه من الكفر هو حقيقة الإيمان . والملاحدة تدعى أن ما تبطنه من الكفر هو حقيقة الإيمان ، ٢٦٢ ٠ وأن الأنبياء والأولياء م من جنسهم يبطنون ما يبطنونه مما هو كفر وتعطيل ، فهم يجمعون بين أبطان الكفر وبين دعواهم أن ذلك الباطن هو الإيمان عند أهل العرفان ، فلا يظهرون للمستجيب لهم أن باطنه طعن فى الرسول والمؤمنين ، وتكذيب له ؛ بل يجعلون ذلك من كمال الرسول وتمام حاله ، وأن الذي فعله هو الغاية فى الكمال ، وأنه لا يفعله إلا أكمل الرجال من سياسة الناس على السيرة العادلة، وعمارة العالم على الطريقة الفاضلة ، وهذا قد يظنه طوائف حقاً باطناً وظاهراً فيؤول أمرهم إلى أن يكون النفاق عندم هو حقيقة الإيمان ، وقد على بالاضطرار أن النفاق ضد الإيمان . ولهذا كان أعظم الأبواب التى يدخلون منها باب التشيع والرفض ؛ لأن الرافضة م أجهل الطوائف وأكذبها وأبعدها عن معرفة المنقول والمعقول ، وهم يجعلون التقية من أصول دينهم ، ويكذبون على أهل البيت كذباً لا يحصيه إلا الله، حتى يرووا عن جعفر الصادق أنه قال التقية ديني ودين آبائي. و((التقية)) هي شعار النفاق؛ فإن حقيقتها عندهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وهذا حقيقة النفاق. ثم إذا كان هذا من أصول دينهم صار كل ما ينقله الناقلون عن علي أو غيره من أهل البيت مما فيه موافقة أهل السنة والجماعة يقولون: هذا قالوه على سبيل التقية ، ثم فتحوا باب النفاق للقرامطة الباطنية ٢٦٣ الفلاسفة من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم ؛ فجعلوا ما يقوله الرسول هو من هذا الباب أظهر به خلاف ما أبطن ، وأسر به خلاف ما أعلن ، فكان حقيقة قولهم أن الرسول هو إمام المنافقين ، وهو صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق ، المبين للناس ما نزل إليهم ، المبلغ لرسالة ربه، المخاطب لهم بلسان عربي مبين. قال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) وقال تعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ) وقال تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَبِهِ قَوْمًا ◌ُّذًا ) وقال تعالى: (لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِئٌ مُبِينُ ) وقال تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ ) وقال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ، وَقُرْءَانَهُ, * فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ, ** (كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَ لِيَّبَُّوْءَايَتِهِ، ثُمَ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) وقال تعالى: وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْتَبِ ) وقال تعالى : ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ اُلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) وقال تعالى: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ اُلْمُبِينُ ) (رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْلَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّ الْبَلَغُ وقالت الرسل الْمُبِينُ ) وقال: (قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولٌ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا ◌ٌمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا مُِّدْتُمٌّ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَهُ وَأَوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ الْمُبِينُ) ٢٦٤ وقال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَّ فَإِنِ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ) وقال تعالى: (يَّأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌ ج فهذا ونحوه وَإِنَ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ( ) . مما يبين أن الرسل عليهم أن يبلغوا البلاغ المبين ، يقال : بان الشيء وأبان واستبان وتبين وبين كلها أفعال لازمة . وقد يقال : أبان غيره وبينه وتبينه واستبانه . ومعلوم أن الرسل فعلوا ما عليهم ؛ بل قد أخذ الله على أهل العلم الميثاق بأن يبينوا العلم ولا يكتموه ، وذم كاتميه فقال تعالى : (وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوْ تُواْالْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ, ) وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَابَنَّنَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَتُهُمُ اللَّعِنُونَ) فقد امن كاتمه، وأخبر أنه بينه للناس فى الكتاب ، فكيف يكون قد بينه للناس وهو قد كتم الحق وأخفاه ، وأظهر خلاف ما أبطن ؟ فلو سكت عن بيان الحق كان كاتما ، ومن نسب الأنبياء إلى الكذب والكتمان مع كونه يقول إنهم أنبياء فهو من أشر المنافقين وأخبتهم وأينهم تناقضا . وكثير من أهل النسك والعبادة والعلم والنظر ممن سلك طريق ٢٦٥ بعض الصوفية والفقراء ، وبعض أهل الكلام والفلسفة ، يسلك مسلك الباطنية فى بعض الأمور لا فى جميعها ، حتى يرى بعضهم سقوط الصلاة عن بعض الخواص ، أو حل الخمر وغيرها من المحرمات لهم ، أو أن لبعضهم طريقا إلى الله عز وجل غير متابعة الرسول . وقد يحتج بعضهم بقصة موسى والخضر ، ويظنون أن الخضر خرج عن الشريعة : فيجوز لغيره من الأولياء ما يجوز له من الخروج عن الشريعة ، وهم فى هذا ضالون من وجهين : ((أحدهما)) أن الخضر لم يخرج عن الشريعة؛ بل الذي فعله كان جائزاً فى شريعة موسى : ولهذا لما بين له الأسباب أقره على ذلك ، ولو لم يكن جائزاً لما أقره ، ولكن لم يكن موسى يعلم الأسباب التى بها أبيحت تلك [ فظن أن الخضر ] كالملك الظالم ، فذكر ذلك له الخضر . و ((الثانى)) أن الخضر لم يكن من أمة موسى ، ولا كان يجب عليه متابعته : بل قال له : إنى على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه. وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. وذلك أن دعوة موسى لم تكن عامة، فإن التى كان يبعث إلى قومه خاصة، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى الناس كافة ؛ بل بعث إلى الإنس والجن باطنا وظاهراً ؛ فليس لأحد أن يخرج عن طاعته ومتابعته ، لا في الباطن ولا ٢٦٦ فى الظاهر ؛ لا من الخواص ولا من العوام. ومن هؤلاء من يفضل بعض الأولياء على الأنبياء ، وقد يجعلون الخضر من هؤلاء ، وهذا خلاف ما أجمع عليه مشايخ الطريق المقتدى بهم ، دع عنك سائر أئمة الدين وعلماء المسلمين ؛ بل لما تكلم الحكيم الترمذي فى كتاب (( ختم الأولياء)» بكلام ذكر أنه يكون فى آخر الأولياء من هو أفضل من الصحابة ، وربما لوح بشىء من ذكر الأنبياء - قام عليه المسلمون ، وأنكروا ذلك عليه ونفوه من البلد بسبب ذلك ، ولا ريب أنه تكلم في ذلك بكلام فاسد باطل لا ريب فيه . ومن هناك ضل من اتبعه فى ذلك ، حتى صار جماعات يدعي كل واحد أنه خاتم الأولياء، كابن عربى صاحب ((الفصوص)) وسعد الدين بن حمويه وغيرهما ، وصار بعض الناس يدعي أن فى المتأخرين من يكون أفضل فى العلم بالله من أبى بكر وعمر ، والمهاجرين والأنصار ، إلى أمثال هذه المقالات التى يطول وصفها ، مما هو باطل بالكتاب والسنة والإجماع؛ بل طوائف كثيرون آل الأمر بهم إلى مشاهدة الحقيقة الكونية القدرية ، وظنوا أن من شهدها سقط عنه الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وهذا هو دين المشركين الذين قالوا : (لَوَّشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ ). ٢٦٧ وهؤلاء شر من القدرية المعتزلة ، الذين يقرون بالأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، ويكذبون بالقدر ؛ فإن أولئك يشبهون المجوس ، وهؤلاء يشبهون المشركين المكذبين بالأنبياء والشرائح ، فهم من شر الناس ، وقد بسط الكلام على هذه الأمور فى غير هذا الموضع . و ((المقصود هنا)) أن الظاهر لا بد له من باطن يحققه وبصدقه ويوافقه ، فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ، ومن ادعى باطنا يخالف ظاهراً فهو كافر منافق ، بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه ، وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه ، فكا أن الإنسان لا بدله من روح وبدن وهما متفقان فلا بد لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان ، فالباطن للباطن من الإنسان والظاهر. للظاهر منه. والقرآن مملوء من ذكر أحكام الباطن والظاهر ، والباطن أصل الظاهر ، كما قال أبو هريرة : القلب ملك والأعضاء جنوده ، فإذا طاب الملك طابت جنوده ، وإذا خبث الملك خبئت جنوده ، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب)) وفي المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإسلام علانية والإيمان في القلب )) وقد قال تعالى: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ ٢٦٨ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ ) وقال تعالى: (هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِ قُلُوبِ وقال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ اٌلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَّعَ إِيمَنِهِمْ) أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُلِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ, يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِ السَّمَاءِ ) وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَّفْشَعِزُمِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّتَكِنُ جُلُودُ هُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتُهُمْ إِيمَنَّا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ) وقال تعالى: (الَّذِينَءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ اُلْقُلُوبُ ) وأمثال هذا كثير فى القرآن . وقال فى حق الكفار: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) وقال : (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ) وأمثال ذلك . فنسأل الله العظيم أن يصلح بواطننا وظواهرنا، ويوفقنا لما يحبه ويرضاء من جميع أمورنا بمنه وكرمه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيراً . ٢٦٩ وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية الحر اني الدمشقى الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآ له وسلٍ(١) فصل قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَانَِقٍ إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِ أُمْنِّيَّتِهِ، ) إلى قوله: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم قَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الظَّالِمِينَ لَفِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّاللَّهَ لَهَا دِالَّذِينَ ءَمَنُوْإِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ). جعل الله القلوب ثلاثة أقسام : قاسية، وذات مرض ، ومؤمنة مخبتة ؛ وذلك لأنها إما أن تكون يابسة (١) تسمى: الإكليل فى التشابه والتأويل . ٢٧٠ جامدة لا تلين للحق اعترافا، وإذعانا، أو لا تكون يابسة جامدة . فـ ((الأول)) هو القاسي وهو الجامد اليابس بمنزلة الحجر لا ينطبع، ولا يكتب فيه الإيمان ، ولا يرتسم فيه العلم ؛ لأن ذلك يستدعى محلالينا قابلا. و ((الثانى)) لا يخلو إما أن يكون الحق ثابتاً فيه لا يزول عنه لقوته مع لينه ، أو يكون لينه مع ضعف وانحلال . فالثانى هو الذي فيه مرض، والأول هو القوى اللين . وذلك أن القلب بمنزلة أعضاء الجسد كاليد مثلا ، فإما أن تكون جامدة يابسة لا تلتوى ولا تبطش ، أو تبطش بعنف، فذلك مثل القلب القاسي ، أو تكون ضعيفة مريضة عاجزة لضعفها وعرضها ، فذلك مثل الذي فيه مرض، أو تكون باطشة بقوة ولين فهو مثل القلب العليم الرحيم ، فبالرحمة خرج عن القسوة ، وبالعلم خرج عن المرض ؛ فإن المرض من الشكوك والشبهات . ولهذا وصف من عدا هؤلاء بالعلم والإيمان والإخبات . وفى قوله : (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواٌْلْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوْبِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) دليل على أن العلم يدل على الإيمان ، ليس أن أهل العلم ٢٧١ ارتفعوا عن درجة الإيمان - كما يتوهمه طائفة من المتكلمة - بل معهم ( لَّكِنِ الزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ العلم والإيمان ، كما قال تعالى : يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ) وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْالْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمُ فِ كِنَبِ اللَّهِ ) الآية . وعلى هذا فقوله: (وَالزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِّنْ عِندِرَيِّنَا) نظير هذه الآية ، فإنه أخبر هنا أن الذين أوتوا العلم يعلمون أنه الحق من ربهم ، وأخبر هناك أنهم يقولون فى المتشابه : (ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِّنْ عِنْدِرَبِّنَا) وكلا الموضعين موضع ريب وشبهة لغيرهم؛ فإن الكلام هناك فى المتشابه وهنا فيما بلقى الشيطان مما ينسخه الله ثم يحكم الله آياته ، وجعل المحكم هنا ضد الذي نسخه الله مما ألقاه الشيطان؛ ولهذا قال طائفة من المفسرين المتقدمين: إن ((المحكم، هو الناسخ، و(( المتشابه)) المنسوخ. أرادوا والله أعلم قوله: (فَنَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللّه ◌َايَتِهِ ). والنسخ هنا رفع ما ألقاء الشيطان لا رفع ما شرعه الله. وقد أشرت إلى وجه ذلك فيما بعد ، وهو : أن الله جعل المحكم مقابل المتشابه تارة ، ومقابل المنسوخ أخرى . والمنسوخ يدخل فيه فى اصطلاح السلف - العام - كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام وتقييد المطلق ، فإن هذا متشابه لأنه يحتمل معنيين ، ٢٧٢ ويدخل فيه المجمل فإنه متشابه ، وإحكامه رفع ما يتوم فيه من المعنى الذي ليس بمراد، وكذلك مارفع حكمه ، فإن في ذلك جميعه نسخاً لما يلقيه الشيطان فى معانى القرآن ؛ ولهذا كانوا يقولون : هل عرفت الناسخ من المنسوخ ؟ فإذا عرف الناسخ عرف المحكم . وعلى هذا فيصح أن يقال : المحكم والمنسوخ ، كما يقال المحكم والمتشابه . وقوله بعد ذلك (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ،) جعل جميع الآيات محكمة، (الّرَكِتَبُّ أُحْكِمَتْءَنُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ) محكمها ومتشابهها ، كما قال : وقال: (تِلْكَءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ ) على أحد القولين. وهنالك جعل الآيات قسمين: محكما ومتشابهاً، كما قال: (مِنْهُ ءَايَةٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ وهذه المتشابهات مما أنزله الرحمن أُمُّالْكِنَبٍ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ ) . لا مما ألقاه الشيطان ونسخه الله. فصار المحكم فى القرآن تارة يقابل بالمتشابه ، والجمع من آيات الله ، وتارة يقابل بما نسخه الله مما ألقاه الشيطان . ومن الناس من يجعله مقابلا لما نسخه الله مطلقاً، حتى يقول : هذه الآية محكمة ليست منسوخة ، ويجعل المنسوخ ليس محكما ، وإن كان الله أنزله أولا اتباعا لظاهر قوله: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ) و(يُحْكِمُ اُللَّهُ ءَايَتِهِ، ). ٢٧٣ . فهذه ثلاث معان تقابل المحكم ينبغي التفطن لها . وجماع ذلك أن ((الإحكام)) تارة يكون فى التنزيل، فيكون في مقابلته ما يلقيه الشيطان ، فالحكم المنزل من عند الله أحكمه الله أي فصله من الاشتباه بغيره ، وفصل منه ما ليس منه ؛ فإن الإحكام هو الفصل والتمييز والفرق والتحديد الذي به يتحقق الشيء ويحصل إتقانه ؛ ولهذا دخل فيه معنى المنح كما دخل فى الحد ، فالمنع جزء معناه لا جميع معناه . وتارة يكون ((الإحكام )) فى إبقاء التنزيل عند من قابله بالنسخ الذي هو رفع ما شرع وهو اصطلاحي ، أو يقال - وهو أشبه بقول السلف - كانوا يسمون كل رفع نسخا ، سواء كان رفع حكم أو رفع دلالة ظاهرة . وإلقاء الشيطان في أمنيته قد يكون فى نفس لفظ المبلغ ، وقد يكون فى سمع المبلغ ، وقد يكون فى فهمه ، كما قال : ومعلوم أن من (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) الآية. سمع النص الذي قد رفع حكمه أو دلالة له ، فإنه يلقى الشيطان فى تلك التلاوة اتباع ذلك المنسوخ فيحكم الله آياته بالناسخ الذي به يحصل رفع الحكم وبيان المراد . وعلى هذا التقدير فيصح أن يقال : المتشابه المنسوخ بهذا الاعتبار والله أعلم . وتارة يكون ((الإحكام)) فى التأويل والمعنى، وهو تمييز الحقيقة ٢٧٤ المقصودة من غيرها حتى لا تشتبه بغيرها . وفي مقابلة المحكمات الآيات المتشابهات التى تشبه هذا وتشبه هذا فتكون محتملة للمعنيين . قال أحمد ابن حنبل ((المحكم)) الذي ليس فيه اختلاف ، والمتشابه الذي يكون فى موضع كذا وفى موضع كذا . ولم يقل فى المتشابه لا يعلم تفسيره ومعناه إلا الله، وإنما قال : (وَمَايَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ) وهذا هو فصل الخطاب بين المتنازعين فى هذا الموضع ، فإن الله أخبر أنه لا يعلم تأويله إلا هو. والوقف هنا على ما دل عليه أدلة كثيرة وعليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين وجماهير الأمة . ولكن لم ينف علمهم بمعناه وتفسيره بل قال: (كِنَبُّ أَنَزَلْنَهُ إِلَيَّكَ مُبَكٌ لِيَّبَّرُوْءَايَتِهِ ) ، وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات ومالا يعقل له معنى لا يتدبر: وقال: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ )، ولم يستثن شيئاً منه نهى عن تدبره . والله ورسوله إنما ذم من اتبع المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فأما من تدبر المحكم والمتشابه كما أمره الله وطلب فهمه ومعرفة معناه فلم يذمه الله ، بل أمر بذلك ومدح عليه . يبين ذلك أن التأويل قد روى أن من اليهود الذين كانوا بالمدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كحيي بن أخطب وغيره من ٢٧٥ طلب من حروف الهجاء التى فى أوائل السور تأويل بقاء هذه الأمة ، كما سلك ذلك طائفة من المتأخرين موافقة للصابئة المنجمين ، وزعموا أنه ستمائة وثلاثة وتسعون عاما ، لأن ذلك هو عدد ما للحروف في حساب الجمل بعد إسقاط المكرر ، وهذا من نوع تأويل الحوادث التى أخبر بها القرآن فى اليوم الآخر . وروى أن من النصارى الذين وفدوا على النبى صلى الله عليه وسلم في وفد نجران من تأول ( إنا) و ( نحن ) على أن الآلهة ثلاثة لأن هذا ضمير جمع . وهذا تأويل فى الإيمان بالله، فأولئك تأولوا فى اليوم الآخر، وهؤلاء تأولوا فى الله. ومعلوم أن: (إنا) و ( نحن ) من المتشابه ، فإنه يراد بها الواحد الذي معه غيره من جنسه ، ويراد بها الواحد الذي معه أعوانه وإن لم يكونوا من جنسه ، ويراد بها الواحد المعظم نفسه الذي يقوم مقام من معه غيره لتنوع أسمائه التى كل اسم منها يقوم مقام مسمى ، فصار هذا متشابهاً لأن اللفظ واحد والمعنى متنوع . و((الأسماء المشتركة فى اللفظ)) هي من المتشابه، وبعض ((المتواطئة)» أيضاً من المتشابه ، ويسميها أهل التفسير ((الوجوه ، والنظائر)) وصنفوا (( كتب الوجوه، والنظائر)) فالوجوه فى الأسماء المشتركة ، والنظائ فى الأسماء المتواطئة . وقد ظن بعض أصحابنا المصنفين فى ذلك أن الوجوه ٢٧٦ والنظائر جميعاً في الأسماء المشتركة ، فهى نظائر باعتبار اللفظ ، ووجوه باعتبار المعنى ، وليس الأمر على ما قاله ، بل كلامهم صريح فيما قلناه لمن تأمله . والذين فى قلوبهم زيغ يدعون المحكم الذي لا اشتباه فيه مثل (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ ) ( إِنَِّى أَنَ اَللَّهُ لَا إِلَهَإِلَّا أَنَاْ فَأَعْبُدُنِى) (مَا أَتَّخَذَ ) ( لَمْيَتَّخِذُ وَّا وَلَوْيَكُنْ لَّهُ شَرِيٌ فِ الْمُلْكِ ) اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوا أَحَدٌ) ويتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ليفتنوا به الناس إذا وضعوه على غير مواضعه ، وابتغاء تأويله وهو الحقيقة التى أخبر عنها . وذلك أن (( الكلام نوعان)): إنشاء فيه الأمر ، وإخبار ، فتأويل الأمر هو نفس الفعل المأمور به ، كما قال من قال من السلف إن السنة هي تأويل الأمر . قالت عائشة رضي الله عنها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك ج اللهم اغفر لي يتأول القرآن، تعنى قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). وأما الإخبار فتأويله عين الأمر المخبر به إذا وقع ، ليس تأويله فهم معناه. ٢٧٧ وقد جاء اسم ((التأويل)) فى القرآن فى غير موضع وهذا معناه. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِنٍَ فَصَلْنَهُ عَلَى عِلْمِ هُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ ) فقد أخبر أنه فصل الكتاب ، وتفصيله بيانه وتمييزه بحيث لا يشتبه ، ثم قال: ( هَلْ يَنْظُرُونَ ) أي ينتظرون (إِلَّاتَأْوِيَّ بَوْمَيَأْتِتَأْوِيلُهُ) إلى آخر الآية . وإنما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة ، وأشراطها: كالدابة ، ويأجوج ومأجوج ، وطلوع الشمس من مغربها ومجيء ربك والملك صفاً صفاً، وما فى الآخرة من الصحف " والموازين ، والجنة والنار ، وأنواع النعيم والعذاب ، وغير ذلك ، فحينئذ يقولون: (قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْنُرَدُّ فَتَعْمَلَ غَيْرُ الَّذِى كُنَّانَعْمَلُّ ) وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته إلا اللّه؛ فإن الله يقول: (فَلَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) ويقول: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)) وقال ابن عباس : ليس في الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء ؛ فإن الله قد أخبر أن فى الجنة خمراً ولبناً وماء وحريراً وذهباً وفضة وغير ذلك ، ونحن نعلم قطعاً أن ٢٧٨ تلك الحقيقة ليست مماثلة لهذه ، بل بينهما تباين عظيم مع التشابه ، كما فى قوله : (وَأَنُواْبِهِ، مُتَشَبِهًا ) على أحد القولين أنه يشبه ما فى الدنيا وليس مثله ، فأشبه اسم تلك الحقائق أسماء هذه الحقائق كما أشبهت الحقائق الحقائق من بعض الوجوه . فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما ، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها فى الدنيا ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها أو نظيرها من كل وجه . وتلك الحقائق على ما هي عليه هي تأويل ما أخبر الله به . وهذا فيه رد على اليهود والنصارى والصابئين من المتفلسفة وغيرهم فانهم ينكرون أن يكون فى الجنة أكل وشرب ولباس ونكاح ، ويمنعون وجود ما أخبر به القرآن . ومن دخل فى الإسلام ونافق المؤمنين تأول ذلك على أن هذه أمثال مضروبة لتفهيم النعيم الروحاني إن كان من المتفلسفة الصابئة المنكرة لحشر الأجساد . وإن كان من منافقة الملتين المقرين بحشر الأجساد تأول ذلك على تفهيم النعيم الذي في الجنة من الروحاني والسماع الطيب والروائح العطرة . فكل ضال يحرف الكلم عن مواضعه إلى ما اعتقد ثبوته . وكان فى هذا أيضاً متبعاً للمتشابه، إذ الأسماء تشبه الأسماء والمسميات تشبه المسميات ولكن تخالفها أكثر مما تشابهها . فهؤلاء يتبعون هذا ٢٧٩ المتشابه (ابْتِغَةَالْفِتْنَةِ ) بما يوردونه من الشبهات على امتناع أن تكون فى الجنة هذه الحقائق، (وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) ليردوه إلى المعهود الذي يعلمونه في الدنيا. قال الله تعالى: (وَمَايَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللّهُ)، فإن تلك الحقائق قال اللّه فيها: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) لا ملك مقرب ولا نى مرسل . وقوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ) إما أن يكون الضمير عائداً على الكتاب، أو على المتشابه ؛ فإن كان عائداً على الكتاب كقوله ( منه ) و ( منه ) فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهذا يصح؛ فإن جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التى فيها إخبار عن الغيب الذي أمرنا أن تؤمن به لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلا الله. وقد يستدل لهذا أن الله جعل التأويل للكتاب كله مع إخباره أنه مفصل بقوله (وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْ مِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ ) فجعل التأويل الجاني للكتاب المفصل . وقد بينا أن ذلك التأويل لا يعلمه وقتاً وقدراً ونوعا وحقيقة إلا اللّه، وإنما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا، وكذلك قوله: (بَلَ كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّايَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) ٢٨٠