النص المفهرس

صفحات 241-260

وأما (( النوع الأول)) فيوجد كثيراً فى كلام القرامطة والفلاسفة
المخالفين للمسلمين فى أصول دينهم ، فإن من على أن السابقين الأولين
قد رضي الله عنهم ورضوا عنه ، على أن كل ما يذكرونه على خلاف
ذلك فهو باطل ، ومن أقر بوجوب الصلوات الخمس على كل أحد
ما دام عقله حاضراً ، على أن من تأول نصاً على سقوط ذلك عن بعضهم
فقد افترى ، ومن علم أن الخمر والفواحش محرمة على كل أحد
ما دام عقله حاضراً علم أن من تأول نعاً يقتضي تحليل ذلك لبعض
الناس أنه مفتر .
وأما ((النوع الثاني)) فهو الذي يشتبه كثيراً على بعض الناس ، فإن
المعنى يكون صحيحاً ، لدلالة الكتاب والسنة عليه ، ولكن الشأن في
كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه ، وهذان قسمان :
((أحدهما )) أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء
على الله، فمن قال المراد بقوله : ( تَذْبَحُو ◌ْبَقَرَةً ) هي النفس، وبقوله
( أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ ) هو القلب، (وَالَّذِينَ مَعَهُ) أبو بكر (أَشِدَاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ ) عمر ( رُحَاءُ بَيْنَهُمْ) عثمان (تَرَهُمْ رُكَعَا سُجَّدًا ) علي:
فقد كذب على الله إما متعمداً وإما مخطئاً .
و ((القسم الثانى)) أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس ،
٢٤١

لا من باب دلالة اللفظ فهذا من نوع القياس ، فالذي تسميه الفقهاء
قياساً هو الذي تسميه الصوفية إشارة ، وهذا ينقسم إلى صحيح
وباطل ، كانقسام القياس إلى ذلك، فمن سمع قول الله تعالى: (لَايَمَسُّهُ"
إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) وقال : إنه اللوح المحفوظ أو المصحف ، فقال : كما أن
اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر،
فمعانى القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة ، وهي قلوب المتقين ،
كان هذا معنى صحيحاً واعتباراً صحيحاً ، ولهذا يروى هذا عن طائفة
من السلف؛ قال تعالى: (الَّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ)
وقال :
وقال : (هَذَابَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ )
(يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ ) وأمثال ذلك.
وكذلك من قال: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا جنب)»
فاعتبر بذلك أن القلب لا يدخله حقائق الإيمان ، إذا كان فيه ما ينجسه
من الكبر والحسد فقد أصاب، قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ
أَنْ يُطَهِرَ قُلُوبَهُمْ ) وقال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ
فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْأْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الرُّشْدِلَا
وأمثال ذلك .
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِن يَرَوْ سَكِيلَ الْغَّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا)
و (( كتاب حقائق التفسير)» لأبى عبد الرحمن السلمي يتضمن
ثلاثة أنواع :
٢٤٢

((أحدها)) نقول ضعيفة عمن نقلت عنه مثل أكثر ما نقله عن
جعفر الصادق ، فإن أكثره باطل عنه ، وعامتها فيه من موقوف أبى عبد
الرحمن ، وقد تكلم أهل المعرفة في نفس رواية أبى عبد الرحمن ، حتى
كان البيهقي إذا حدث عنه يقول حدثنا من أصل سماعه .
و ((الثاني)) أن يكون المنقول صحيحاً، لكن الناقل
أخطأ فيما قال .
و ((الثالث)) نقول صحيحة عن قائل مصيب. فكل معنى يخالف
الكتاب والسنة فهو باطل ، وحجته داحضة ، وكل ما وافق الكتاب
والسنة والمراد بالخطاب غيره إذا فسر به الخطاب فهو خطأ ، وإن
ذكر على سبيل الإشارة والاعتبار والقياس فقد يكون حقاً وقد
يكون باطلا .
وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث ، وتأوله على
غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ، ملحد
فى آيات الله، محرف الكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة
والإلحاد ، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام .
وأما ما يروى عن بعضهم من الكلام المجمل مثل قول بعضهم : لو
٢٤٣

شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب إلخ. فهذا إذا صح عمن نقل
عنه كعلي وغيره لم يكن فيه دلالة على الباطن المخالف للظاهر ؛ بل
يكون هذا من الباطن الصحيح الموافق للظاهر الصحيح . وقد نقدم
أن الباطن إذا أريد به مالا يخالف الظاهر المعلوم فقد يكون حقاً ،
وقد يكون باطلاً ؛ ولكن ينبغى أن يعرف أنه قد كذب على على وأهل
بيته ؛ لا سيما على جعفر الصادق ما لم يكذب على غيره من الصحابة ،
حتى إن الإسماعيلية والنصيرية بضيفون مذهبهم إليه وكذلك المعتزلة .
وكذلك فرقة التصوف يقولون: إن الحسن البصري صحبه ، وإنه
دخل المسجد فرأى الحسن يقص مع القصاص ، فقال : ماصلاح الدين ؟
قال الورع . قال: فما فساده ؟ قال الطمع، فأقره وأخرج غيره ؛
وقد اتفق أهل المعرفة بالمنقولات أن الحسن لم يصحب علياً ، ولم يأخذ
عنه شيئاً ، وإنما أخذ عن أصحابه كالأحنف بن قيس ، وقيس بن سعد
ابن عباد وأمثالهما ، ولم يقص الحسن فى زمن علي ؛ بل ولا فى زمن
معاوية ؛ وإنما قص بعد ذلك ، وقد كانوا فى زمن علي يكذبون عليه حتى
كان الناس يسألونه، كما ثبت فى الصحيحين « أنه قيل له : هل عندكم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب تقرؤونه ؟ فقال: لا والذي
فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، إلا هذه الصحيفة . وفيها أسنان الإبل ،
وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر)، وفي لفظ: ((هل عهد إليكم
٢٤٤

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس ؟ فقال :
لا)) وفى لفظ: ((إلا فها يؤتيه الله عبداً فى كتابه)).
وأما ((العلم اللدني)) فلا ريب أن الله يفتح على قلوب أوليائه
المتقين ، وعباده الصالحين ، بسبب طهارة قلوبهم مما يكرهه ، واتباعهم
ما يحبه ، ما لا يفتح به على غيرهم . وهذا كما قال علي : إلا فهما يؤتيه
الله عبداً فى كتابه، وفى الأثر: (( من عمل بما علم ورثه الله علم مالم
يعلم )) وقد دل القرآن على ذلك في غير موضع ، كقوله: (وَلَوْأَنَّهُمْ
فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتًا * وَإِذَا لَا تَيْنَهُمْ مِن لَّهُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
فقد أخبر أنه من فعل
وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا )
ما يؤمر به يهديه الله صراطا مستقيما، وقال تعالى: ( يَهْدِى بِهِ اُللَّهُ مَنِ
أُتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ) وقال تعالى: (وَأَذِينَ أُهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدَّى
وَءَانَمُهُمْ تَقْوَنُهُمْ) وقال: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُواْبِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى)
(ذَلِكَ الْكِتَبُ لَاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْتَّقِينَ ) وقال تعالى:
وقال تعالى :
( هَذَا بَصَّيِرُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) وقال تعالى: ( هَذَا
بَصَاِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ ).
وأخبر أن اتباع مايكرهه يصرف عن العلم والهدى ، كقوله :
(فَلَّا زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَ يْمَنِمْ لَيِن
جَاءَتْهُمْءَايَّةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ *
٢٤٥

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْبِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ )
أي: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، ونقلب أفئدتهم
أي يتركون الإيمان، ونحن نقلب أفئدتهم لكونهم لم يؤمنوا أول مرة
، أي ما يدريكم أنه لا يكون هذا وهذا حينئذ .
ومن فهم معنى الآية عرف خطأ من قال ( أن ) بمعنى لعل ،
واستشكل قراءة الفتح؛ بل بعلم حينئذ أنها أحسن من قراءة
الكسر ، وهذا باب واسع . والناس فى هذا الباب على ثلاثة أقسام
طرفان ووسط .
فقوم يزعمون أن مجرد الزهد وتصفية القلب ورياضة النفس توجب
حصول العلم بلا سبب آخر .
وقوم يقولون : لا أثر لذلك بل الموجب للعلم العلم بالأدلة الشرعية
أو العقلية .
وأما الوسط : فهو أن ذلك من أعظم الأسباب معاونة على نيل
العلم؛ بل هو شرط فى حصول كثير من العلم، وليس هو وحده
كافياً؛ بل لابد من أمر آخر إما العلم بالدليل فيما لا يعلم إلا به ،
٢٤٦

وإما التصور الصحيح لطرفى القضية فى العلوم الضرورية .
وأما العلم النافع الذي تحصل به النجاة من النار ، ويسعد به العباد،
فلا يحصل إلا باتباع الكتب التى جاءت بها الرسل ، قال تعالى: ( فَإِمَّا
يَأْتِنَّكُمْ مِنّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاءَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن
ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَحَشَرْتَنِّ
أَعْمَ وَقَدَكُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ
إلخ وقال تعالى :
أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ )
(وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ)
فمن ظن أن الهدى والإيمان يحصل بمجرد طريق العلم مع عدم العمل
به، أو بمجرد العمل والزهد بدون العلم فقد ضل .
وأضل منها من سلك فى العلم والمعرفة طريق أهل الفلسفة والكلام
بدون اعتبار ذلك بالكتاب والسنة ، ولا العمل بموجب العلم، أو سلك
فى العمل والزهد طريق أهل الفلسفة والتصوف بدون اعتبار ذلك
بالكتاب والسنة ولا اعتبار العمل بالعلم ؛ فأعرض هؤلاء عن العلم
والشرع ، وأعرض أولئك عن العمل والشرع ، فضل كل منها من
هذين الوجهين ، وتباينوا تبايناً عظيما ، حتى أشبه هؤلاء اليهود المغضوب
عليهم وأشبه هؤلاء النصارى الضالين ؛ بل صار منها من هو شر
٢٤٧

من اليهود والنصارى ، كالقرامطة والاتحادية وأمثالهم من
الملاحدة الفلاسفة .
فصل
وأما قول القائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم خص كل
قوم بما يصلح لهم إلخ ، فهذا الكلام له وجهان :
إن أراد به أن الأعمال المشروعة يختلف الناس فيها بحسب اختلاف
أحوالهم فهذا لاريب فيه، فإنه ليس ما يؤمر به الفقير كما يؤمر به الغنى ،
ولا ما يؤمر به المريض كما يؤمر به الصحيح، ولا ما يؤمر به عند المصائب
هو مايؤمر به عند النعم ، ولا ما تؤمر به الحائض كما تؤمر به الطاهرة ،
ولا ما تؤمر به الأئمة كالذي تؤمر به الرعية ، فأمر الله لعباده قد يتنوع
بتنوع أحوالهم، كما قد يشتركون فى أصل الإيمان بالله وتوحيده ،
والإيمان بكتبه ورسله .
وإن أراد به أن الشريعة فى نفسها تختلف ، وأن النبى صلى الله
عليه وسلم خاطب زيداً بخطاب يناقض ماخاطب به عمراً ، أو أظهر
لهذا شيئاً يناقض ما أظهره لهذا، كما يرويه الكذابون ((أن عائشة سألته
٢٤٨

هل رأيت ربك؟ فقال: لا. وسأله أبو بكر فقال: نعم)). ((وأنه أجاب
عن مسألة واحدة بجوابين متناقضين لاختلاف حال السائلين )) فهذا من
كلام الكذابين المفترين ؛ بل هو من كلام الملاحدة المنافقين؛ فإن النبى
صلى الله عليه وسلم قال (( ما ينبغي لنبى أن تكون له خائنة الأعين))،
والحديث في سنن أبي داود وغيره ، وكان عام الفتح قد أهدر دم جماعة
منهم ابن أبى سرح ، فجاء به عثمان ليبابح النبى صلى الله عليه وسلم
فأعرض عنه مرتين أو ثلاثاً ثم بايعه، ثم قال: (( أما كان فيكم رجل
رشيد ينظر إلي وقد أعرضت عن هذا فيقتله ؟ )) فقال بعضهم : هلا
أومضت إلي يا رسول اللّه؟ فقال: (( ما ينبغي لنبى أن تكون له خائنة
الأعين )) وهذا مبالغة في استواء ظاهره وباطنه وسره وعلانيته ، وأنه
لا يبطن خلاف ما يظهر على عادة المكارين المنافقين .
ولا ريب أن القرامطة وأمثالهم من الفلاسفة يقولون : إنه أظهر
خلاف ما أبطن ، وأنه خاطب العامة بأمور أراد بها خلاف ما أفهمهم
لأجل مصلحتهم ؛ إذ كان لا يمكنه صلاحهم إلا بهذا الطريق ، وقد
زعم ذلك ابن سينا وأصحاب ((رسائل إخوان الصفا)) وأمثالهم من
الفلاسفة والقرامطة الباطنية ؛ فإن ابن سينا كان هو وأهل بيته من
أتباع الحاكم القرمطي العبيدي ، الذي كان بمصر .
وقول هؤلاء كما أنه من أكفر الأقوال فيهلهم من أعظم الجهل ،
٢٤٩

وذلك أنه إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يعلمه أهل العقل والذكاء من
الناس ، وإذا علموه امتنع في العادة تواطؤهم على كتمانه كما يمتنع تواطؤهم
على الكذب ، فإنه كما يمتع فى العادة تواطؤ الجميع على الكذب
يمتنع تواطؤهم على كتمان ما توفر الهمم والدواعى على بيانه وذكره لا
سيما مثل معرفة هذه الأمور العظيمة ، التى معرفتها والتكلم بها من أعظم
ما تتوفر الهمم والدواعى عليه ، ألا ترى أن الباطنية ونحوم أبطنوا
خلاف ما أظهروه للناس ، وسعوا فى ذلك بكل طريق ، وتواطأوا عليه
ما شاء الله. حتى التبس أمرم على كثير من أتباعهم. ثم إنهم مع
ذلك اطلع على حقيقة أمرم جميع أذكياء الناس من موافقيهم ومخالفيهم،
وصنفوا الكتب فى كشف أسرارهم ورفع أستارم ، ولم يكن لهم فى
الباطن حرمة عند من عرف باطنهم ، ولا ثقة بما يخبرون به ، ولا
التزام طاعة لما يأمرون ، وكذلك من فيه نوع من هذا الجنس .
فَمن سلك هذه السبيل لم يبق لمن علم أمره ثقة بما يخبر به ، وبما
يأمر به ، وحينئذ فينتقض عليه جميع ما خاطب به الناس ، فإنه ما من
خطاب يخاطبهم به إلا ويجوزون عليه أن يكون أراد به غير ما أظهر.
لهم ، فلا يثقون بأخباره وأوامره ، فيختل عليه الأمر كله فيكون
مقصوده صلاحهم ، فيعود ذلك بالفساد العظيم ؛ بل كل من وافقه فلا
بد أن يظهر خلاف ما أبطن ، كاتباع من سلك هذه السبيل من القرامطة
٢٥٠

الباطنية وغيرهم لا يجد أحداً من موافقيهم إلا ولا بد أن يبين أن
ظاهره خلاف باطنه ، ويحصل لهم بذلك من كشف الأسرار وهتك
الأستار ما يصيرون به من شرار الكفار .
وإذا كانت الرسل تبطن خلاف ما تظهر فإما أن يكون العلم بهذا
الاختلاف ممكناً لغيرهم وإما أن لا يكون ، فإن لم يكن ممكناً كان مدعى
ذلك كذابا مفتريا ؛ فبطل قول هؤلاء الملاحدة الفلاسفة والقرامطة
وأمثالهم ، وإن كان العلم بذلك ممكناً علم بعض الناس مخالفة الباطن
للظاهر ، وليس لمن يعلم ذلك حد محدود ؛ بل إذا علمه هذا علمه
هذا وعلمه هذا فيشيع هذا ويظهر ؛ ولهذا كان من اعتقد هذا فى
الأنبياء كهؤلاء الباطنية من الفلاسفة والقرامطة ومحوم معرضين عن حقيقة
خبره وأمره ، لا يعتقدون باطن ما أخبر به ، ولا ما أمر ؛ بل يظهر
عليه من مخالفة أمره والإعراض عن خبره ما يظهر لكل أحد ، ولا
تجد في أهل الإيمان من يحسن بهم الظن ؛ بل يظهر فسقهم ونفاقهم
لعوام المؤمنين فضلا عن خواصهم .
وأيضاً فمن كانت هذه حاله كان خواصه أعلم الناس بباطنه ، والعلم
بذلك يوجب الانحلال فى الباطن ، ومن علم حال خاصة النبى صلى الله
عليه وسلم - كأبي بكر وعمر وغيرهما من السابقين الأولين - علم
أنهم كانوا أعظم الناس تصديقاً لباطن أمر خبره وظاهره ، وطاعتهم
٢٥١

له فى سرهم وعلانيتهم ، ولم يكن أحد منهم يعتقد فى خبره وأمره ما
يناقض ظاهر ما بينه لهم ودلهم عليه، وأرشدم إليه ، ولهذا لم يكن فى
الصحابة من تأول شيئاً من نصوصه على خلاف مادل عليه ، لا فيما
أخبر به الله عن أسمائه وصفاته ، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت ، وأن
ما ظهر من هذا ما ظهر إلا ممن هو عند الأمة من أهل
النفاق والاتحاد ، كالقرامطة والفلاسفة والجهمية نفاة حقائق
الأسماء والصفات .
ومن تمام هذا أن تعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يخص
أحداً من أصحابه بخطاب فى علم الدين قصد كتمانه عن غيره ، ولكن
كان قد يسأل الرجل عن المسألة التى لا يمكن جوابها:
فيجيبه بما ينفعه كالأعرابي الذي سأله عن الساعة ، والساعة لا يعلم متى
هي ؟ فقال: (( ما أعددت لها ؟ فقال ما أعددت لها من كثير عمل ؛
ولكني أحب الله ورسوله، فقال: المرء مع من أحب)) فأجابه بالمقصود
من علمه بالساعة ، ولم يكن يخاطب أصحابه بخطاب لا يفهمونه ؛ بل
كان بعضهم أكمل فها لكلامه من بعض ، كما فى الصحيحين عن أبي
سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن عبداً خيره الله
بين الدنيا والآخرة ، فاختار ذلك العبد ما عند الله ؛ فبكى أبو بكر
وقال : بل نفديك بأنفسنا وأموالنا يارسول الله ، فجعل الناس يعجبون
٢٥٢

أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً خيره الله بين الدنيا
والآخرة قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير
وكان أبو بكر أعلمنا به )) فالنبى صلى الله عليه وسلم ذكر عبداً
مطلقاً لم يعينه ، ولا في لفظه ما يدل عليه ؛ لكن أبو بكر لكمال
معرفته بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم علم أنه هو ذلك العبد ،
فلم يخص عنهم بباطن يخالف الظاهر ؛ بل يوافقه ولا يخالف مفهوم
لفظه ومعناه.
وأما ما يرويه بعض الكذابين عن عمر أنه قال: (( كان النبى صلى
الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت كالزنجي بينها )) فهذا من أظهر
الأكاذيب المختلقة لم يروه أحد من علماء المسلمين فى شىء من كتب
أهل العلم ، وهو من أظهر الكذب ، فإن عمر أفضل الأمة بعد أبى
بكر ، وهو المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه ، وهو
أفضل المخاطبين المحدثين من هذه الأمة ، فإذا كان هو حاضراً يسمع
الألفاظ ولم يفهم الكلام كالزنجي ، فهل يتصور أن يكون غيره أفهم
منه لذلك ؟ فكيف من لم يسمع ألفاظ الرسول ؟ بل يزعم أن مايدعيه
من المعانى هى تلك المعانى بمجرد الدعوى التى لو كانت مجردة لم تقبل ،
فكيف إذا قامت البينة على كذب مدعيها ؟
وأما حديث حذيفة: فقد ثبت فى الصحيح: ((أن حذيفة كان
٢٥٣

يعلم السر الذي لا يعلمه غيره )) وكان ذلك ما أسره إليه النبي صلى الله
عليه وسلم عام تبوك من أعيان المنافقين ، فإنه روى أن جماعة من
المنافقين أرادوا أن يحلوا حزام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالليل ليسقط عن بعيره فيموت ، وأنه أوحى إليه بذلك ، وكان حذيفة
قريباً منه فأسر إليه أسماءهم .
ويقال إن عمر لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة ،
وهذا ليس فيه شيء من حقائق الدين ، ولا من الباطن الذي يخالف
الظاهر ، فإن الله قد ذكر فى كتابه من صفات المنافقين وأخبارهم
ما ذكره ، حتى أن سورة ((براءة)) سميت الفاضحة لكونها فضحت
المنافقين، وسميت المبعثرة وغير ذلك من الأسماء ، لكن القرآن لم يذكر
فلاناً وفلاناً ، فإذا عرف بعض الناس أن فلاناً وفلاناً من هؤلاء
المنافقين الموصوفين كان ذلك بمنزلة تعريفه أن فلاناً وفلاناً من المؤمنين
الموعودين بالجنة، فإخباره صلى اللّه عليه وسلم أن أبا بكر وعمر وغيرهما
فى الجنة ، كإخباره أن أولئك منافقون ، وهذا إذا كان من العلم الباطن
فهو من الباطن الموافق للظاهر المحقق له المطابق له .
ونظيره فى ((الأمر)) ما يسمى ((تحقيق المناط)) وهو أن يكون
الشارع قد علق الحكم بوصف ، فنعلم ثبوته في حق المعين كأمره
باستشهاد ذوي عدل ، ولم يعين فلاناً وفلاناً ، فإذا علمنا أن هذا ذو
٢٥٤

عدل كنا قد علمنا أن هذا المعين موصوف بالعدل المذكور في القرآن
وكذلك لما حرم الله الخمر والميسر ؛ فإذا علمنا أن هذا الشراب المصنوع
من الذرة والعسل خمراً علمنا أنه داخل فى هذا النص ، فعلمنا
بأعيان المؤمنين وأعيان المنافقين هو من هذا الباب ، وهذا هو من
تأويل القرآن .
وهذا على الإطلاق لا يعلمه إلا الله، فإن الله يعلم كل مؤمن وكل
منافق ، ومقادير إيمانهم ونفاقهم وما يختم لهم .
وأما الرسول فقد قال تعالى: (وَمِمَنْ حَوْلَكُمِنَ الْأَعْرَابِ
مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّ بُهُمْ مَّرَّتَيْنِ
ثُمَ يُّرَذُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ) فاللّه يطلع رسوله ومن شاء من عباده على
ما يشاء من ذلك .
وأما حديث أبى هريرة فهو حديث صحيح، قال: ((حفظت من
رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين ، فأما أحدهما فبئئته فيكم وأما
الآخر فلو بنته لقطعتم هذا البلعوم )) . ولكن ليس فى هذا من الباطن
الذي يخالف الظاهر شيء ؛ بل ولا فيه من حقائق الدين وإنما كان
فى ذلك الجراب الخبر عما سيكون من الملاحم والفتن ، فالملاحم الحروب
التى بين المسلمين والكفار ، والفتن ما يكون بين المسلمين ،
٢٥٥

ولهذا قال عبد الله بن عمر: لو أخبركم أبو هريرة أنكم تقتلون خليفتكم
وتفعلون كذا وكذا لقلتم كذب أبو هريرة ، وإظهار مثل هذا مما
تكرهه الملوك ، وأعوانهم لما فيه من الإخبار بتغير دولهم .
ومما يبين هذا أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر ، فليس هو من
السابقين الأولين ، ولا من أهل بيعة الرضوان ، وغيره من الصحابة
أعلم بحقائق الدين منه ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يحدثه وغيره
بالحديث فيسمعونه كلهم ، ولكن كان أبو هريرة أحفظهم للحديث ببركة
حصلت له من جهة النبى صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبى صلى الله
عليه وسلم حدثهم ذات يوم حديثا فقال: (( أيكم يبسط ثوبه فلا
ينسى شيئاً سمعه ففعل ذلك أبو هريرة)) وقد روي ((أنه كان يجزئ
الليل ثلاثة أجزاء : ثلثاً يصلي ، وثلثاً ينام، وثلثاً يدرس الحديث))
ولم ينقل أحد قط عن أبي هريرة حديثاً يوافق الباطنية ، ولا حديثاً
يخالف الظاهر المعلوم من الدين .
ومن المعلوم أنه لو كان عنده شيء من هذا لم يكن بد أن ينقل
عنه أحد شيئاً منه ، بل النقول المتواترة عنه كلها تصدق ما ظهر من
الدين ، وقد روى من أحاديث صفات الله وصفات اليوم الآخر
وتحقيق العبادات ما يوافق أصول أهل الإيمان ، ويخالف قول
أهل البهتان .
٢٥٦

وأما ما يروى عن أبى سعيد الخراز وأمثاله فى هذا الباب ،
وما يذكره أبو طالب في كتابه وغيره ، وكلام بعض المشايخ الذي يظن
أنه يقول بباطن يخالف الظاهر ، وما يوجد من ذلك في كلام أبى حامد
الغزالي أو غيره .
فالجواب عن هذا كله أن يقال : ما علم من جهة الرسول فهو نقل
مصدق عن قائل معصوم ، وما عارض ذلك فإما أن يكون نقلا عن غير
مصدق أو قولا لغير معصوم ، فإن كثيراً مما ينقل عن هؤلاء كذب
عليهم ، والصدق من ذلك فيه ما أصابوا فيه تارة وأخطأوا فيه
أخرى ، وأكثر عباراتهم الثابتة ألفاظ مجملة متشابهة ، لو كانت من
ألفاظ المعصوم لم تعارض الحكم المعلوم ، فكيف إذا كانت من قول
غير المعصوم .
وقد جمع أبو الفضل الفلكي كتاباً من كلام أبى يزيد البسطامى
سماه (( النور من كلام طيفور)) فيه شيء كثير لا ريب أنه كذب على أبى
يزيد البسطامي ، وفيه أشياء من غلط أبى يزيد - رحمة الله عليه -
وفيه أشياء حسنة من كلام أبي يزيد ، وكل أحد من الناس يؤخذ من
قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن قيل له عن أبى يزيد أو غيره من المشايخ : أنه قال لمريديه
٢٥٧

إن تركتم أحداً من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم بريء ، فعارضه
الآخر وقال: قلت لمريدي إن تركتم أحداً من أمة محمد يدخل النار
فأنا منكم بريء ؛ فصدق هذا النقل عنه ثم جعل هذا المصدق لهذا
عن أبى يزيد أو غيره يستحسنه ويستعظم حاله ، فقد دل على عظيم
جهله أو نفاقه ، فإنه إن كان قد على ما أخبر به الرسول من دخول
من يدخل النار من أهل الكبائر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو
أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب الشفاعة من الرسل الكبار :
كنوح وإبراهيم ، وموسى وعيسى ، فيمتنعون ويعتذرون . ثم صدق أن
مريدي أبى يزيد أو غيره يمنعون أحداً من الأمة من دخول النار ،
أو يخرجون هم كل من دخلها كان ذلك كفراً منه بما أخبر به الصادق
المصدوق بحكاية منقولة كذب ناقلها ، أو أخطأ قائلها ، إن لم يكن
تعمد الكذب ، وإن كان لا يعلم ما أخبر به الرسول كان من أجهل
الناس بأصول الإيمان .
فعلى المسلم الاعتصام بالكتاب والسنة ، وأن يجتهد فى أن يعرف
ما أخبر به الرسول وأمر به علماً يقينياً ؛ وحينئذ فلا يدع المحكم
المعلوم للمشتبه المجهول ، فإن مثال ذلك مثل من كان سائراً إلى مكة
فى طريق معروفة لا شك أنها توصله إلى مكة إذا سلكها فعدل عنها
إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها ، وهذا مثال من عدل
٢٥٨

عن الكتاب والسنة إلى كلام من لا يدري هل يوافق الكتاب والسنة
أو يخالف ذلك .
وأما من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من
كان يسير على الطريق المعروفة إلى مكة ، فذهب إلى طريق قبرص
يطلب الوصول منها إلى مكة ، فإن هذا حال من ترك المعلوم من
الكتاب والسنة ، إلى ما يخالف ذلك من كلام زيد وعمرو كائناً من
كان ، فإن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم، وقد رأيت فى هذا الباب من عجائب الأمور
ما لا يحصيه إلا العليم بذات الصدور .
وأما الحديث المأثور: (( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا
أهل العلم بالله، فإذا ذكروه لم ينكره إلا أهل الغرة بالله)) فهذا قد
رواه أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام في كتابه الذي سماه
((الفاروق بين المثبتة والمعطلة)) وذكر فيه أحاديث الصفات صحيحها
وغريبها ، ومسندها ومرسلها، وموقوفها. وذكره أيضاً أبو حامد
الغزالي فى كتبه . ثم هذا يفسره بما يناسب أقواله التى يميل فيها إلى
ما يشبه أقوال نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوم .
وذكر شيخ الإسلام عن شيخه يحيى بن عمار أنه كان يقول :
٢٥٩

المراد بذلك أحاديث الصفات ؛ فكان يفسر ذلك بما يناقض قول أبى
حامد من أقوال أهل الإثبات . والحديث ليس إسناده ثابتاً باتفاق أهل
المعرفة، ولم يرو في أمهات كتب الحديث المعتمدة، فلا يحتاج إلى
الكلام فى تفسيره ، وإذا قدر أن النبى صلى الله عليه وسلم قاله فهو
كلام مجمل ليس فيه تعيين لقول معين ، فحينئذ فما من مدع يدعي أن
المراد قوله إلا كان لخصمه أن يقول نظير ذلك ،
ولا ريب أن قول يحيى بن عمار وأبي إسماعيل الأنصاري ونحوهما
من أهل الإثبات أقرب من قول النفاة إن هذا العلم هو من علم
النبى صلى الله عليه وسلم بالاتفاق وعلم الصحابة .
ومن المعلوم أن قول النفاة لا ينقله أحد عن النبى صلى الله عليه
وسلم ولا أصحابه ، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ، بخلاف مذهب
المثبتة ، فإن القرآن والحديث والآثار عن الصحابة مملوءة به ، فكيف
يحمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على علم لم ينقله عنه أحد ، ويترك
حمله على العلم المنقول عنه وعن أصحابه؟ ! .
وكذلك ما ذكره البخاري عن علي رضي الله عنه أنه قال: «حدثوا
الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله))
قد حمله أبو الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف وأمثاله على علوم الباطنية
٢٦٠