النص المفهرس

صفحات 181-200

الاستخارة فى الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا
ثم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة ، ثم ليقل: اللهم
إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم،
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ويسميه باسمه خير لي في ديني ومعاشي
وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن
هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عنى واصرفنى
عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضى به ))
وأهل النجوم لهم اختيارات إذا أراد أحدهم أن يفعل فعلا أخذ
طالعاً سعيداً ، فعمل فيه ذلك العمل لينجح بزعمهم ، وقد صنف الناس
كتباً فى الرد عليهم ، وذكروا كثرة ما يقع من خلاف مقصودم فيما
يخبرون به ويأمرون به ، وكم يخبرون من خبر فيكون كذبا ، وكم
يأمرون باختيار فيكون شراً، والرازي صنف الاختيارات لهذا
الملك ، وذكر فيه الاختيار لشرب الخمر وغير ذلك ، كما ذكر في
((السر المكتوم)) في عبادة الكواكب ودعوتها مع السجود لها ،
والشرك بها ودعليها ، مثل ما يدعو الموحدون ربهم ؛ بل أعظم، والتقرب
إليها بما يظن أنه مناسب لها من الكفر والفسوق والعصيان ، فذكر
أنه يتقرب إلى الزهرة بفعل الفواحش وشرب الخمر والغناء ، ونحو ذلك
مما حرمه الله ورسوله .
١٨١

وهذا فى نفس الأمر يقرب إلى الشياطين ، الذين يأمرونهم بذلك
ويقولون لهم : إن الكوكب نفسه يحب ذلك ، وإلا فالكواكب
مسخرات بأمر الله مطيعة لله، لا تأمر بشرك ولا غيره من المعاصي ،
ولكن الشياطين هي التى تأمر بذلك، ويسمونها روحانية الكواكب ،
وقد يجعلونها ملائكة وإنما هي شياطين ، فلما ظهر بأرض المشرق
بسبب مثل هذا الملك ونحوه ، ومثل هذا العالم ونحوه ما ظهر من
الإلحاد والبدع سلط الله عليهم الترك المشركين الكفار ، فأبادوا هذا
الملك، وجرت له أمور فيها عبرة لمن يعتبر ، ويعلم تحقيق ما أخبر الله
به فى كتابه، حيث يقول : (سَنُرِيهِمْ ءَايَتِنَا فِ الَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّی
يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )
أي أن القرآن حق، وقال : (سَأُؤْرِيَكُمْ
ءَايَتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونٍ ) وبسط هذا له موضع آخر .
و ((المقصود هنا)) أن دولة بنى أمية كان انقراضها بسبب هذا
الجعد المعطل وغيره من الأسباب ، التى أوجبت إدبارها ، وفي آخر
دولتهم ظهر الجهم بن صفوان بخراسان ، وقد قيل : إن أصله من ترمذ
وأظهر قول المعطلة النفاة الجهمية . وقد قتل فى بعض الحروب .
وكان أئمة المسلمين بالمشرق أعلم بحقيقة قوله من علماء الحجاز والشام
والعراق ، ولهذا يوجد لعبد الله بن المبارك وغيره من علماء المسلمين
بالمشرق من الكلام فى الجهمية أكثر مما يوجد لغيرهم، مع أن عامة
١٨٢

أئمة المسلمين تكلموا فيهم، ولكن لم يكونوا ظاهرين إلا بالمشرق . لكن
قوي أمرم لما مات الرشيد وتولى ابنه الملقب بالمأمون بالمشرق ، وتلقى
عن هؤلاء ما تلقاه .
ثم لما ولى الخلافة اجتمع بكثير من هؤلاء ، ودعا إلى قولهم فى
آخر عمره ، وكتب إلى بغداد وهو بالثغر بطرسوس التى ببلدسيس -
وكانت إذ ذاك أعظم ثغور بغداد ، ومن أعظم ثغور المسلمين يقصدها
أهل الدين من كل ناحية ويرابطون بها ، رابط بها الإمام أحمد رضي
الله عنه، والسري السقطي ، وغيرهما، وتولى قضاءها أبو عبيد ،
وتولى قضاءها أيضاً صالح بن أحمد بن حنبل ، ولهذا ذكرت فى كتب
الفقه كثيراً فإنها كانت ثغراً عظيما ، فكتب من الثغر - إلى نائبه
ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب كتابا يدعو الناس فيه إلى أن
يقولوا : القرآن مخلوق، فلم يجبه أحد ، ثم كتب كتابا ثانياً يأمر فيه
بتقييد من لم يحبه وإرساله إليه فأجاب أكثرهم ، ثم قيدوا سبعة لم يجيبوا
فأجاب منهم خمسة بعد القيد، وبقي اثنان لم يجيبا: الإمام أحمد بن
حنبل ومحمد بن نوح ؛ فأرسلوهما إليه فمات قبل أن يصلا إليه ، ثم
أوصى إلى أخيه أبى إسحاق ، وكان هذا سنة ثماني عشرة ومائتين ،
وبقي أحمد فى الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى
قطعهم بالحجة ، ثم لما خافوا الفتنة ضربوه وأطلقوه ، وظهر مذهب
١٨٣

النفاة الجهمية ، وامتحنوا الناس فصار من أجابهم أعطوه وإلا منعوه
العطاء وعزلوه من الولايات ، ولم يقبلوا شهادته ، وكانوا إذا افتكوا
الأسرى يمتحنون الأسير ، فإن أجابهم افتدوه وإلالم يفتدوه .
وكتب قاضيهم أحمد بن أبي دؤاد على ستارة الكعبة (ليس كمثله شيء
وهو العزيز الحكيم)، لم يكتب وهو (السميع البصير).
ثم ولي الواثق واشتد الأمر إلى أن ولي المتوكل فرفع المحنة
وظهرت حينئذ السنة ، وبسط هذا له موضع آخر .
والمقصود أن أئمة المسلمين لما عرفوا حقيقة قول الجهمية بينوه ،
حتى قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكى كلام اليهود والنصارى ولا
نستطيع أن نحكي كلام الجهمية ، وكان ينشد :
عجبت لشيطان دعا الناس جهرة إلى النار واشتق اسمه من جهنم
وقيل له : بماذا يعرف ربنا ؟ قال : بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من
خلقه ، قيل له : بجد ؟ قال : بحد . وكذلك قال أحمد بن حنبل ،
وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وغيرهم
من أئمة السنة .
١٨٤

وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون ، وهو جحد الخالق
وتعطيل كلامه ودينه ، كما كان فرعون يفعل ، فكان يجحد الخالق
جل جلاله، ويقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى ) ويقول
لموسى ( لَيِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) ويقول:
( أَنَاْرَتُّكُم ◌ْأَعْلَى) وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى أو يكون
لموسى إله فوق السموات ، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته،
ويكون هو المعبود المطاع .
فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان
منتهى قولهم إنكار رب العالمين ، وإنكار عبادته وإنكار كلامه حتى
ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان ، فصاروا يقولون : العالم
هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي الخالق هو الموجود
المحدث المخلوق ، والرب هو العبد ، ما ثم رب وعبد وخالق ومخلوق ؛
بل هو عندم فرقان .
ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم ؛ ويعيبون على نوح
وعلى إبراهيم الخليل وغيرهما ، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع
المخلوقات ، وجميع الأصنام، ولا يرضون بأن تعبد الأصنام حتى يقولوا:
إن عباد الأصنام لم يعبدوا إلا الله، وأن الله نفسه هو العابد وهو
المعبود ، وهو الوجود كله ، فيحدوا الرب وأبطلوا دينه ، وأمره ونهيه،
١٨٥

وما أرسل به رسله ، وتكليمه لموسى وغيره .
وقد ضل فى هذا جماعة لهم معرفة بالكلام والفلسفة والتصوف
المناسب لذلك ، كابن سبعين والصدر القونوي تلميذ ابن عربى ، والبليانى
والتلمساني ، وهو من حذاقهم علما ومعرفة ، وكان يظهر المذهب بالفعل ،
فيشرب الخمر ويأتى المحرمات .
وحدثني الثقة أنه قرأ عليه («فصوص الحكم)» لابن عربي ، وكان يظنه
من كلام أولياء الله العارفين ، فلما قرأه رآه يخالف القرآن ، قال فقلت
له : هذا الكلام يخالف القرآن ، فقال : القرآن كله شرك ، وإنما
التوحيد فى كلامنا ، وكان يقول : ثبت عندنا في الكشف ما يخالف
صريح المعقول .
وحدثنى من كان معه ومع آخر نظير له فمرا على كلب أجرب ميت
بالطريق عند دار الطعم ، فقال له رفيقه : هذا أيضاً هو ذات الله ؟
فقال : وهل ثم شيء خارج عنها ؟ نعم! الجمع فى ذاته ! .
وهؤلاء حقيقة قولهم هو قول فرعون ؛ لكن فرعون ما كان
يخاف أحداً فينافقه فلم يثبت الخالق ، وإن كان في الباطن مقراً به ،
وكان يعرف أنه ليس هو إلا مخلوق ؛ لكن حب العلو في الأرض والظلم
١٨٦

دعاه إلى الجحود والإنكار، كما قال: ( فَلَمَّاجَآءَ تُهُمْ ءَايَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْهَذَا سِحْرٌ
ج
مُبِيرٌ وَحَحَدُ واْبِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَأَنْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ).
وأما هؤلاء فهم من وجه ينافقون المسلمين ، فلا يمكنهم إظهار
جحود الصانع ، ومن وجه ثم ضلال يحسبون أنهم على حق ، وأن
الخالق هو المخلوق فكان قولهم هو قول فرعون ، لكن فرعون كان
معانداً مظهراً للجحود والعناد ، وهؤلاء إما جهال ضلال ،
وإما منافقون مبطنون الإلحاد والجحود ، يوافقون المسلمين
فى الظاهر ،
وحدثنى الشيخ عبد السيد الذي كان قاضي اليهود ثم أسلم ، وكان
من أصدق الناس ، ومن خيار المسلمين وأحسنهم إسلاما ، أنه كان يجتمع
بشيخ منهم يقال له الشرف البلاسي يطلب منه المعرفة والعلم . قال :
فدعاني إلى هذا المذهب فقلت له : قولكم يشبه قول فرعون ، قال :
ونحن على قول فرعون ! فقلت لعبد السيد واعترف لك بهذا ؟ قال
نعم ! وكان عبد السيد إذ ذاك قد ذاكرني بهذا المذهب ، فقلت له :
هذا مذهب فاسد وهو يؤول إلى قول فرعون ؛ فحدثنى بهذا فقلت له
ما ظننت أنهم يعترفون بأنهم على قول فرعون ، لكن مع إقرار الخصم
ما يحتاج إلى بينة . قال عبد السيد فقلت له : لا أدع موسى وأذهب
١٨٧

إلى فرعون ، فقال : ولم ؟ قلت : لأن موسى أغرق فرعون فانقطع ،
واحتج عليه بالظهور الكوني ، فقلت لعبد السيد - وكان هذا قبل أن
يسلم - نفعتك اليهودية، يهودي خير من فرعوني .
وفيهم جماعات لهم عبادة وزهد وصدق فيما هم فيه ، وهم يحسبون
أنه حق ، وعامتهم - الذين يقرون ظاهراً وباطناً بأن محمداً رسول الله ،
وأنه أفضل الخلق أفضل من جميع الأنبياء والأولياء - لا يفهمون حقيقة
قولهم ؛ بل يحسبون أنه تحقيق ماجاء به الرسول ، وأنه من جنس
كلام أهل المعرفة الذين يتكلمون فى حقائق الإيمان والدين ، وم من
خواص أولياء الله فيحسبون هؤلاء من جنس أولئك، من جنس
الفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، وأبى سليمان الدارانى ، والسري
السقطي ، والجنيد بن محمد ، وسهل بن عبد الله وأمثال هؤلاء .
وأما عرافهم الذين يعلمون حقيقة قولهم فيعلمون أنه ليس الأمر
كذلك . ويقولون ما يقول ابن عربي ونحوه إن الأولياء أفضل من الأنبياء،
وإن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ، وإن جميع الأنبياء يستفيدون
معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء، وأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ
منه الملك الذي يأتى خاتم الأنبياء ، فإنهم متجهمة متفلسفة ، يخرجون
أقوال المتفلسفة والجهمية في قالب الكشف .
١٨٨

وعند المتفلسفة أن جبريل إنما هو خيال في نفس التى ليس هو
ملكا يأتي من السماء ، والتى عنده يأخذ من هذا الخيال ، وأما خاتم
الأولياء في زعمهم فإنه يأخذ من العقل المجرد الذي يأخذ منه الخيال؛
فهو يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به
إلى الرسول .
وهم يعظمون فرعون. ويقولون ما قاله صاحب «الفصوص)) قال:
ولما كان فرعون فى منصب التحكم صاحب الوقت ، وأنه جار فى العرف
الناموسي؛ لذلك قال: (أَنَارَبُّكُمُالْأَعْلَى ) أي وإن كان الكل أربايا
بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته فى الظاهر من الحكم فيكم ، قال :
ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله لم ينكروه وأقروا له بذلك.
وقالوا له :
(فَأَقْضِ مَآ أَنَتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً)
قال :
فصح قول فرعون (أَثَارَتَّكُم ◌ْلَى ) وإن كان فرعون عين الحق .
وحدثنى الثقة الذي كان منهم ثم رجع عنهم أن أبغض الناس إليهم
محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم. قال: وإذا نهق المار ونبح
الكلب سجدوا له ، وقالوا هذا هو الله فإنه مظهر من المظاهر . قال :
فقلت له محمد بن عبد الله أيضاً مظهر من المظاهر ، فاجعلوه كسار
المظاهر وأنتم تعظمون المظاهر كلها أو اسكتوا عنه ، قال فقالوا لي :
محمد نبغضه فإنه أظهر الفرق ودعا إليه وعاقب من لم يقل به ، قال :
١٨٩

فتناقضوا في مذهبهم الباطل ، وجعلوا الكلب والحمار أفضل من أفضل
الخلق ، قال لي : وهم يصرحون باللعنة له ولغيره من الأنبياء ، ولا ريب
أنهم من أعظم الناس عبادة للشيطان وكفراً بالرحمن .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا،
وإذا سمعتم نهيق المار ونباح الكلب فتعوذوا بالله من الشيطان فيها
رأت شيطانا)) فهم إذا سمعوا نهيق الحمار ونباح الكلب تكون الشياطين
قد حضرت فيكون سجودهم للشياطين .
وكان فيهم شيخ جليل من أعظمهم تحقيقاً - لكن هذا لم يكن
من هؤلاء الذين يسبون الأنبياء - وقد صنف كتابا سماه ((فك
الأزرار عن أعناق الأسرار)) ذكر فيه مخاطبة جرت له مع إبليس ،
وأنه قال له ما معناه : إنكم قد غلبتموني وقهر تموني ونحو هذا، لكن
جرت لي قصة تعجبت منها مع شيخ منكم ، فإني تجليت له فقلت :
أنا الله لا إله إلا أنا فسجد لي فتعجبت كيف سجد لي . قال هذا
الشيخ : فقلت له : ذلك أفضلنا وأعلمنا وأنت لم تعرف قصده ، ما
رأى فى الوجود اثنين وما رأى إلا واحداً فسجد لذلك الواحد لا يميز
بين إبليس وغيره ، فجعل هذا الشيخ ذاك الذي سجد لإبليس لايميز
١٩٠

بين الرب وغيره ؛ بل جعل إبليس هو الله هو وغيره من الموجودات
جعله أفضلهم وأعلمهم .
ولهذا عاب ابن عربي نوحاً أول رسول بعث إلى أهل الأرض ،
وهو الذي جعل الله ذريته م الباقين، وأتجاه ومن معه فى السفينة،
وأهلك سائر أهل الأرض لما كذبوه ؛ فلبث في قومه ألف سنة إلا
خمسين عاماً ، وعظم قومه الكفار الذين عبدوا الأصنام ، وأنهم ما عبدوا
إلا الله، وأن خطايام خطت بهم فغرقوا في بحار العلم بالله ، وهذا
عادته ينتقص الأنبياء ويمدح الكفار ، كما ذكر مثل ذلك في قصة نوح
وإبراهيم وموسى وهارون وغيرهم .
ومدح عباد العجل ، وتنقص هارون وافترى على موسى . فقال:
وكان موسى أعلم بالأمر من هارون ؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل
لعلمه بأن الله قد قضى أن لا يعبد إلا إياه، وما قضى الله بشيء إلا
وقع ، فكان عتب موسى أخاه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم
الساعه ؛ فإن العارف من يرى الحق فى كل شيء ؛ بل يراه عين كل
شيء ، فذكر عن موسى أنه عتب على هارون أنه أنكر عليهم عبادة
العجل ، وأنه لم يسع ذلك فأنكره ، فإن العارف من يرى الحق فى
كل شيء ؛ بل يراه عين كل شيء .
١٩١

وهذا من أعظم الافتراء على موسى وهارون ، وعلى الله ، وعلى
عباد العجل ؛ فإن اللّه أخبر عن موسى أنه أنكر العجل إنكاراً أعظم
من إنكار هارون ، وأنه أخذ بلحية هارون لما لم يدعهم ويتبع موسى
لمعرفته. قال تعالى: (وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى * قَالَ هُمْ أَوْلَاءٍ عَلَىّ
أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ *
فَرَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأْقَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَا أَفَطَالَ
عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخَلَفْتُ مَوْعِدِى * قَالُواْمَآ
أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَ فْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِّ
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَسِىَ * أَفَلَايَرَوْنَ
أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَانَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَدُرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ
إِنَّمَا فُتِنْتُمِيِهِ، وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأنَّعُونِ وَطِيعُواْ أَمْرِى * قَالُواْلَن نَّْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ
* أَلَّاتَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى * قَالَ ◌َهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْرَأَيْنَهُمْ ضَلُّواْ
أَمْرِى * قَالَ يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ وَلَا بِرَأْسِيٌّ إِنِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِّ إِسْرَِّيلَ
وَلَمْ تَرْقُّبْ قَوْلِ ) .
قلت لبعض هؤلاء هذا الكلام الذي ذكره هذا عن موسى
١٩٢

وهارون يوافق القرآن أو يخالفه، فقال : لا بل يخالفه ، قلت :
فاختر لنفسك إما القرآن وإما كلام ابن عربي .
وكذلك قال عن نوح قال : لو أن نوحاً جمع لقومه بين الدعوتين
لأجابوه ، أي ذكر لهم فدعام جهاراً ثم دعاهم إسراراً إلى أن قال :
ولما علموا أن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو ؛ لأنه ما عدم من البداية
فيدعى إلى الغابة ( أَدْعُوّْإِلَى اللّهِ) فهذا عين المكر (عَلَى بَصِيرَةٍ)
فنبه أن الأمر كله لله فأجابوه مكراً كما دعام ، فجاء المحمدي وعلم أن
الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته ، وإنما هي من حيث أسمائه ،
فقال: (يَوَّمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) فجاء بحرف الغابة
وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليهم
(لَنَذَرُنَّءَ الِهَتَّكُمْ وَلَانَذَرُنَّ وَدَّاً وَلَا
أن يكونوا متقين ، فقالوا فى مكرم :
سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)
فإنهم إذا تركوهم جهلوا
من الحق بقدر ما تركوا من هؤلاء ، فإن للحق فى كل معبود وجهاً
يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله ، كما قال فى المحمديين : (وَقَضَى
أي حكم ، فالعارف
رَبِّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَاْ إِلَّا إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا)
يعرف من عبد ، وفى أي صورة ظهر حتى عبد ، وأن التفريق والكثرة
كالأعضاء فى الصورة المحسوسة ، وكالقوى المعنوية فى الصورة الروحانية،
فما عبد غير الله فى كل معبود .
١٩٣

وهو دائماً يحرف القرآن عن مواضعه ، كما قال في هذه القصة :
( مِّمَّا خَطِيّئَكِهِمْ ) فهي التى خطت بهم فغرقوا فى بحار العلم بالله وهي
الحيرة، (فَأَدْخِلُواْ نَارًا ) فى عين الماء في المحمديين، (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ )
(فَلَمْ يَجِدُ واْلَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ) فكان
سجرت التنور أوقدته
الله عين أنصارهم فهلكوا فيه إلى الأبد، وقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُ وَأَإِلَّ إِيَّاهُ ) بمعنى أمر وأوجب وفرض. وفى القراءة الأخرى
( ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) ، فجعل معناه أنه قدر وشاء أن
لا تعبدوا إلا إياه ، وما قدره فهو كائن ، فجعل معناها كل معبود هو
الله وأن أحداً ما عبد غير الله قط، وهذا من أظهر الفرية على الله،
وعلى كتابه ، وعلى دينه ، وعلى أهل الأرض .
فإن اللّه فى غير موضع أخبر أن المشركين عبدوا غير الله ؛ بل
يعبدون الشيطان، كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّءَادَمَ أَن لَا
تَعْبُدُ واْالشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُؤُقُبِينٌ * وَأَنِ أَعْبُدُونِيّ هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ
أَضَلَّ مِنْكُمْ جِلًا كَثِيراً أَفَمْ تَكُونُواْتَعْقِلُونَ )
وقال تعالى عن يوسف أنه قال: ( يَصَحِبَى السّجْنِءَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ
خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَاءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
ج
الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)
وَءَابَآؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِّ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُ وَأَإِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ
وقال تعالى :
١٩٤

(وَجَزْنَابِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ الْبَحْرَ فَأَنَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعَّكُفُونَ عَلَى أَصْنَامِ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى
اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَّرُمَّاهُمْ فِيهِ وَتَطِلٌ مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ)؟.
وقال تعالى عن الخليل: ( إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَ يُبْصِرُ
وَلَ يُغْنِ عَنْكَ شَيْئًا * يَأَبَتِ إِنِى قَدْ جَآءَفِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِلَ صِرَطًاً
سَوْبًا * يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَأَبَتِ إِنِّ أَخَافُ أَنْ
* قَالَ أَرَاغِبُ أَنْتَ عَنْءَالِهَتِى
يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا
يَاَِّهِيمٌّ لَبِنِ لَّمْتَنْتَهِ لَأَرْ جُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا * قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُلَكَ
رَبِّإِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْرَبِّى عَسَىّ
أَلَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِ شَفِيًّا * فَلَمَّا أَعْتَّزَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبِّ وَكُلََّجَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَالَهُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْلِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ).
فهو سبحانه يقول: (فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)
وهؤلاء الملحدون يقولون : ما عبدنا غير الله فى كل معبود .
( وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ خُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا
وقال تعالى :
١٩٥

*
لَُّ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِينَ
وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيِهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا
( إِنَّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
إلى قوله :
لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ)
الْعِجْلَ سَيَنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ ) .
ج
قال أبو قلابة : هي لكل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله .
والجهمية النفاة كلهم مفترون ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل إنما
بقودون قولهم إلى فرية على الله، وهؤلاء من أعظمهم افتراء على الله
فإن القائلين بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق هم أعظم افتراء
ممن يقول إنه يحل فيه ، وهؤلاء يجهلون من يقول بالحلول أو يقول
بالاتحاد ، وهو أن الخالق اتحد مع المخلوق ، فإن هذا إنما يكون
إذا كان شيئان متباينان ، ثم اتحد أحدهما بالآخر ، كما يقوله
النصارى من اتحاد اللاهوت مع الناسوت ، وهذا إنما يقال فى
شيء معين .
وهؤلاء عندهم ما ثم وجود لغيره حتى يتحد مع وجوده ، وهم
من أعظم الناس تناقضا ، فإنهم يقولون ما ثم غير ولا سوى ، وتقول
السبعينية ليس إلا الله بدل قول المسلمين لا إله إلا الله ، ثم يقولون
١٩٦

هؤلاء المحجوبون لا يرون هذا . فإذا كان ما ثم غير ولا سوى فمن
المحجوب ومن الحاجب ؟ ومن الذي ليس بمحجوب وعم حجب ؟ فقد
أثبتوا أربعة أشياء : قوم محجوبون ، وقوم ليسوا بمحجوبين ، وأمها
انكشف لهؤلاء وحجب عن أولئك .
فأين هذا من قولهم ما ثم اثنان ولا وجودان ؟ كما حدثني الثقة
أنه قال للتلمسانى : فعلى قولكم لا فرق بين امرأة الرجل وأمه وابنته؟
قال : نعم ! الجميع عندنا سواء ؛ لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا
حرام عليكم ، فقيل لهم : فمن المخاطب للمحجوبين أهوم أم غيرم ؟
فإن كانوا م فقد حرم على نفسه لما زعم أنه حرام عليهم دونه ، وإن
كانوا غيره فقد أثبت غيرين وعندهم ما ثم غير .
وهؤلاء اشتبه عليهم الواحد بالنوع بالواحد بالعين ، فإنه يقال :
الوجود واحد ، كما يقال : الإنسانية واحدة ، والحيوانية
واحدة، أي يغنى واحد كلى وهذا الكلى لا يكون كلياً إلا فى
الذهن لا فى الخارج ، فظنوا هذا الكلى ثابتا في الخارج ، ثم ظنوه
هو الله، وليس في الخارج كلى مع كونه كليا وإنما يكون كليا فى الذهن
وإذا قدر فى الخارج كلى فهو جزء من المعينات وقائم بها ، ليس هو
متميزا قائما بنفسه ، فحيوانية الحيوان وإنسانية الإنسان سواء قدرت معينة
أو مطلقة هي صفة له ، ويمتنع أن تكون صفة الموصوف مبدعة له ، ولو
١٩٧

قدر وجودها مجردا عن العيان على رأي من أثبت ((المثل الأفلاطونية))
فتثبت الماهيات الكلية مجردة عن الموصوفات ، ويدعى أنها قديمة أزلية ،
مثل إنسانية مجردة وحيوانية مجردة ، وهذا خيال باطل .
وهذا الذي جعله مجردا هو مجرد فى الذهن وليس فى الخارج كلي
مجرد، وإذا قدر ثبوت كلى مجرد فى الخارج وهو مسمى الوجود فهذا
يتناول وجود المحدثات كلها ، كما يتناول وجود القديم ، وهذا لا يكون
مبدعا لشيء ولا اختصاص له بصفات الكمال ، فلا يوصف بأنه حي عليم
قدير ؛ إذ ليس وصفه بذلك بأولى من وصفه بأنه عاجز جاهل ميت ،
والخالق لا بد أن يكون حيا عليما قديرا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون
علوا كبيرا .
ثم لو قدر أن هذا هو الخالق فهذا غير الأعيان الموجودة المخلوقة،
فقد ثبت وجودان أحدهما غير الآخر ، وأحدهما محدث مخلوق ، فيكون
الآخر الخالق غير المخلوق ، ولا يمكن جحد وجود الأعيان المعينة ، ولكن
الواحد من هؤلاء قد يغيب عن شهود المغيبات كما يغيب عن شهود
نفسه ، فيظن أن ما لم يشهده قد عدم فى نفسه وفى وليس كذلك ، فإن ماعدم
وفتى شهوده له وعلمه به ونظره إليه ، فالمعدوم الفانى صفة هذا الشخص .. وإلا
فالموجودات في نفسها باقية على حالها لم تتغير ، وعدم العلم ليس علما بالمعدوم ،
وعدم المشهود ليس شهودا للعدم؛ ولكن هذه الحال يعتري كثيرا من السالكين
١٩٨

يغيب أحدهم عن شهود نفسه وغيره من المخلوقات ، وقد يسمون هذا
فناء واصطلاما ، وهذا فناء عن شهود تلك المخلوقات ؛ لا أنها فى نفسها
فنيت ، ومن قال : فنى ما لم يكن وبقى ما لم يزل ، فالتحقيق - إذا
كان صادقا - أنه فتى شهوده لما لم يكن ، وبقي شهوده لما لم يزل ، لا أن
ما لم يكن فى فى نفسه ، فإنه باق موجود ؛ ولكن يتوهمون إذا لم يشهدوه
أنه قد عدم فی نفسه .
ومن هنا دخلت طائفة فى الاتحاد والحلول ، فأحدم قد يذكر
اللّه حتى يغلب على قلبه ذكر الله ويستغرق فى ذلك فلا يبقى له مذكور
مشهود لقلبه إلا الله ، ويفنى ذكره وشهوده لما سواه ، فيتوهم
أن الأشياء قد فنيت ، وأن نفسه فنيت حتى يتوهم أنه هو الله ، وأن
الوجود هو الله.
ومن هذا الباب غلط أبى زيد ونحوه حيث قال : ما فى الجبة
إلا الله .
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع ، وبين أنه يعبر بالفناء عن
ثلاثة أمور :
((أحدها)) أنه يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه. وبمحبته وطاعته
١٩٩

وخشيته ورجائه والتوكل عليه عن محبة ما سواه وطاعته وخشيته ورجائه
والتوكل عليه ، وهذا هو حقيقة التوحيد الذي بعث اللّه به الرسل ،
وأنزل به الكتب ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فقد فنى من
قلبه التأله لغير الله، وبقي في قلبه تأله الله وحده، وفى من قلبه حب
غير الله وخشية غير الله والتوكل على غير الله، وبقي فى قلبه حب الله
وخشية الله والتوكل على الله.
وهذا الفناء يجامع البقاء ، فيتخلى القلب عن عبادة غير الله مع
تحلي القلب بعبادة الله وحده، كما قال صلى الله عليه وسلم لرجل ((قل:
أسلمت لله وتخليت)) وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللّه بالنفي مع
الإثبات ؛ نفي إلهية غيره مع إثبات إلهيته وحده ، فإنه ليس في الوجود
إله إلا الله، ليس فيه معبود يستحق العبادة إلا الله؛ فيجب أن يكون
هذا ثابتاً في القلب ؛ فلا يكون فى القلب من بألهه القلب ويعبده إلا
الله وحده، ويخرج من القلب كل تأله لغير الله، ويثبت فيه تأله الله
وحده ؛ إذ كان ليس ثم إله إلا الله وحده .
وهذه الولاية لله مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن
عبدهم ، قال تعالى عن الخليل عليه السلام : (وَإِذْقَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ.
إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِى فَطَرَنِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِعَقِبِهِ،
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) وقال: ( أَفَهَيْتُمُ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَبَاؤُكُمُ
٢٠٠