النص المفهرس

صفحات 161-180

رسله ، فقال في الزمر: (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ.
يَوْمَالْقِيَامَةِ) الآية. وقال فى الحيج: (ضَهُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
مَاقَدَرُ واْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) وقال فى الأنعام: (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِةٍ
إِذْقَالُواْ مَا أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِمِّنْ شَىْءٍ ).
وفى المواضع الثلاثة ذم الذين ما قدروه حق قدره من الكفار ،
فدل ذلك على أنه يجب على المؤمن أن يقدر الله حق قدره، كما يجب
عليه أن يتقيه حق تقاته ، وأن يجاهد فيه حق جهاده ، قال تعالى :
(وَجَهِدُواْ فِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، ) وقال: ( أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، ) والمصدر
هنا مضاف إلى المفعول ، والفاعل مراد أي حق جهاده الذي أمركم به،
وحق تقاته التى أمركم بها ، واقدروه قدره الذي بينه لكم وأمركم به ،
فصدقوا الرسول فيما أخبر ، وأطيعوه فيما أوجب وأمر. وأما ما يخرج
عن طاقة البشر فذلك لا يذم أحد على تركه ، قالت عائشة: فاقدروا
قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو .
ودلت الآية على أن له قدرا عظيما ؛ لا سيما قوله : (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ
حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ،)
وفى تفسير ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال : من آمن بأن الله على
كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره .
١٦١

وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود أن النبى صلى
اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية، لما ذكر له بعض اليهود أن الله يحمل
السموات على أصبح، والأرضين على أصبع، والجيال على أصبح،
والشجر والثرى على أصبح، وسائر الخلق على أصبح ؛ فضحك رسول
الله صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا لقول الخبر ، وقرأ هذه الآية .
وعن ابن عباس قال : مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا أبا القاسم! ما تقول إذا وضع اللّه السماء على ذه ؟ والأرض على ذه،
والجبال والماء على ذه، وسائر الخلق على ذه ؟ فأنزل الله تعالى: ( وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِنَّتٌ
رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبى الضحى عن
بِيَمِينِهِ،)
ابن عباس، وقال غريب حسن صحيح .
وهذا يقتضي أن عظمته أعظم مما وصف ذلك الحبر ، فإن الذي
فى الآية أبلغ ، كما فى الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : ((يقبض اللّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ، ثم
يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ وفي الصحيحين عن ابن عمر قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يطوي الله السموات يوم
القيامة ثم بأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أين الملوك؟ أين الجبارون؟
١٦٢

أين المتكبرون؟)) ورواه مسلم أبسط من هذا، وذكر فيه أنه يأخذ
الأرض بيده الأخرى .
وقد روى ابن أبي حاتم حدثنا أبى ثنا عمرو بن رافع، تنا يعقوب بن
عبد الله عن جعفر عن سعيد بن جبير ، قال : تكلمت اليهود فى صفة
الرب تبارك وتعالى ، فقالوا ما لم يعلموا ولم يروا فأنزل الله على نبيه:
( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فجعل صفته التى وصفوه
بها شركا .
وقال : حدثنا أبى ، ثنا أبو نعيم، تنا الحكم يعني أبا معاذ عن
الحسن ، قال: عمدت اليهود فنظروا في خلق السموات والأرض
والملائكة ، فلما فرغوا أخذوا يقدرونه ، فأنزل الله تعالى على نبيه :
وهذا يدل على أنه أعظم مما وصفوه ،
( وَمَاقَدَرُواْاللَّهَحَقَّ قَدْرِهِ، )
وانهم لم يقدروه حق قدره .
وقوله: ( عَمَّايُشْرِكُونَ ) فكل من جعل مخلوقا مثلا للخالق فى
شيء من الأشياء فأحبه مثل ما يحب الخالق ، أو وصفه بمثل ما يوصف
به الخالق فهو مشرك سوى بين الله وبين المخلوق فى شيء من الأشياء
فعدل بربه . والرب تعالى لاكفؤله ولا سمى له ولا مثل له ، ومن
١٦٣

جعله مثل المعدوم والممتنع فهو شر من هؤلاء ، فإنه معطل ممثل ، والمعطل
شر من المشرك .
والله ثنى قصة فرعون في القرآن في غير موضع؛ لاحتياج الناس
إلى الاعتبار بها ، فإنه حصل له من الملك ودعوى الربوبية والإلهية والعلو
مالم يحصل مثله لأحد من المعطلين ، وكانت عاقبته إلى ماذكر الله
تعالى، وليس للّه صفة يماثله فيها غيره ؛ فلهذا لم يجز أن يستعمل فى
حقه قياس التمثيل ، ولا قياس الشمول الذي تستوي أفراده ، فإن
ذلك شرك ؛ إذ سوى فيه بالمخلوق ؛ بل قياس الأولى . فإنه سبحانه
فهو أحق من غيره بصفات
(لَهُ الْمَثَلُّ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ )
الكمال ، وأحق من غيره بالتنزيه عن صفات النقص .
وقد بسطت هذه الأمور فى غير هذا الموضع ، وبين أن من جعله
الوجود المطلق والمقيد بالسلب أو ذاتا مجردة فهؤلاء مثلوه بأنقص
المعقولات الذهنية ، وجعلوه دون الموجودات الخارجية . والنفاة الذين
قصدوا إثبات حدوث العالم بإثبات حدوث الجسم لم يثبتوا بذلك حدوث
شيء ، كما قد بين في موضعه .
ثم إنهم جعلوا عمدتهم في تنزيه الرب عن النقائص على نفي الجسم،
ومن سلك هذا المسلك لم ينزه الله عن شيء من النقائص ألبتة ، فإنه
١٦٤

ما من صفة ينفيها لأنها تستلزم التجسيم وتكون من صفات الأجسام
إلا يقال له فيما أثبته نظير ما يقوله هو فى نفس تلك الصفة .
فإن كان مثبتا لبعض الصفات قيل له : القول في هذه الصفة التى
تنفيها كالقول فيما أثبته ، فإن كان هذا تجسيما وقولا باطلا فهذا كذلك ،
وإن قلت : أنا أثبت هذا على الوجه الذي يليق بالرب قيل له :
وكذلك هذا. وإن قلت: أنا أتبته وأنفي التجسيم. قيل: وهذا
كذلك ، فليس لك أن تفرق بين المتماثلين .
وإن كان ممن يثبت الأسماء وينفي الصفات كالمعتزلة قيل له فى
الصفات ما يقوله هو في الأسماء ، فإذا كان يثبت حيا عالما قادراً ، وهو
لا يعرف من هو متصف بذلك إلا جسما كان إثبات أن له علماً وقدرة،
كما نطق به الكتاب والسنة كذلك .
وإن كان ممن لا يثبت لا الأسماء ولا الصفات كالجهمية المحضة
والملاحدة قيل له : فلا بد أن تثبت موجوداً قائما بنفسه، وأنت لا
تعرف ذلك إلا جسمها، وإن قال: لا أسميه باسم لا إثبات ولا نفي . قيل
له : سكوتك لا ينفي الحقائق ، ولا واسطة بين النفي والإثبات ، فإما
أن يكون حقا ثابتا موجوداً ، وإما أن يكون باطلا معدوماً .
١٦٥

وأيضاً فإن كنت لم تعرفه فأنت جاهل فلا تتكلم ، وإن عرفته
فلا بد أن تميز بينه وبين غيره بما يختص به ، مثل أن تقول : رب
العالمين ، أو القديم الأزلي، أو الموجود بنفسه ونحو ذلك، وحينئذ
فقد أثبت حيا موجوداً قائما بنفسه ، وأثبته فاعلا وأنت لا تعرف ما
هو كذلك إلا الجسم .
وإن قدر أنه جاحد له قيل له : فهذا الوجود مشهود ، فإن كان
قديما أزليا موجوداً بنفسه فقد يثبت جسم قديم أزلي موجود بنفسه
وهو ما فررت منه ، وإن كان مخلوقا مصنوعا فله خالق خلقه ، ولا بد
أن يكون قديما أزليا ؛ فقد ثبت الموجود القائم بنفسه القديم الأزلي
على كل تقدير . وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع .
وهنا قد نبهنا على ذلك، هو أنه كل من بني تنزيهه للرب عن النقائص
والعيوب على نفي الجسم فإنه لا يمكنه أن ينزهه عن عيب أصلا بهذه
الحجة ، وكذلك من جعل عمدته نفي التركيب .
ومن تدبر ماذكروه في كتبهم تبين له أنهم لم يقيموا حجة على
وجوده ، فلا هم أثبتوه وأثبتوا له ما يستحقه ، ولا نزهوه ونفوا عنه
مالا يجوز عليه ؛ إذ كان إثباته هو إثبات حدوث الجسم، ولم يقيموا
على ذلك دليلا ، والنفى اعتمدوا فيه على ذلك ، وم متناقضون فيه لو
١٦٦

كانوا أقاموا دليلا على نفى كونه جسما . فكيف إذا لم يقيموا على ذلك
دليلا وتناقضوا ؟ !.
وهذا مما يتبين لك أن من خرج عن الكتاب والسنة ، فليس معه
على لا عقلي ولا سمعي؛ لا سيما في هذا المطلوب الأعظم، لكنهم قد
يكونون معتقدين لعقائد صحيحة عرفوها بالفطرة العقلية ، وما سمعوه من
القرآن ودين المسلمين ، فقلوبهم تثبت ما تثبت وتنفي ما تنفي بناء على
هذه الفطرة المكملة بالشرعة المنزلة ؛ لكنهم سلكوا هذه الطرق
البدعية ، وليس فيها على أصلا ؛ ولكن يستفاد من كلامهم إيطال بعضهم
لقول المبطل الآخر ، وبيان تناقضه .
ولهذا لما ذكروا المقالات الباطلة في الرب جعلوا يردونها بأن ذلك
تجسيم ، كما فعل القاضي أبو بكر فى هداية المسترشدين وغيره ، فلم
يقيموا حجة على أولئك المبطلين ، وردوا كثيراً مما يقول اليهود بأنه
تجسيم ، وقد كان اليهود عند النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وكانوا
أحيانا يذكرون له بعض الصفات ، كمديث الحبر ، وقد ذم الله اليهود
على أشياء كقولهم : ( إن الله فقير ) وأن بده مغلولة وغير ذلك ،
ولم يقل النبى صلى الله عليه وسلم قط إنهم يحسمون، ولا أن فى التوراة
مجسيما ولا علهم بذلك ، ولا رد هذه الأقوال الباطلة بأن هذا تجسيم
كما فعل ذلك من فعله من النفاة .
١٦٧

فتبين أن هذه الطريقة مخالفة للشرع والعقل ، وأنها مخالفة لما
بعث اللّه به رسوله ، ولما فطر عليه عباده ، وأن أهلها من جنس
الذين (قَالُواْلَوَكُنَّا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكَانِ أَسْخَبِ السَّعِيرِ ) .
وقد بينا فى غير هذا الموضع فساد ماذكره الرازي من أن طريقة
الوجوب والإمكان من أعظم الطرق ، وبينا فسادها وأنها لا تفيد علماً ،
وأنهم لم يقيموا دليلا على إثبات واجب الوجود ، وأن طريقة الكمال
أشرف منها وعليها اعتماد العقلاء قديماً وحديثاً ، وهو قد اعترف فى
آخر عمره بأنه قد تأمل الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فما
وجدها تشفى عليلا ، ولا تروى غليلا، ووجد أقرب الطرق
طريقة القرآن .
وطريقة الوجوب والإمكان لم يسلكها أحد قبل ابن سينا ، وهو
أخذها من كلام المتكلمين الذين قسموا الوجود إلى محدث وقديم ،
فقسمه هو إلى واجب وممكن ؛ ليمكنه القول بأن الفلك ممكن مع قدمه
وخالف بذلك عامة العقلاء من سلفه وغير سلفه ، وخالف نفسه ،
فإنه قد ذكر فى المنطق ما ذكره سلفه من أن الممكن لا يكون إلا
محدثا ، كما قد بسط الكلام عليه فى غير هذا الموضع .
ثم إن هؤلاء الذين سلكوا هذه الطريقة انتهت بهم إلى قول فرعون ؛ فإن
١٦٨

فرعون جحد الخالق وكذب موسى في أن اللّه كمه، وهؤلاء ينتهي قولهم
إلى جحد الخالق ، وإن أثبتوه قالوا إنه لا يتكلم ، ولا نادى أحداً
ولا ناجاه .
وعمدتهم في نفي ذاته على نفي الجسم . وفى نفي كلامه وتكليمه
لموسى على أنه لا تحله الحوادث ، فلا يبقى عندم رب ولا مرسل ؛
فحقيقة قولهم يناقض شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛
فإن الرسول هو المبلغ لرسالة مرسله ، والرسالة هي كلامه الذي بعثه
به ، فإذا لم يكن متكلما لم تكن رسالة .
ولهذا اتفق الأنبياء على أن اللّه يتكلم ، ومن لم يقل إنه يتكلم
بمشيئته وقدرته كلاما يقوم بذاته لم يقل إنه يتكلم ، والنفاة منهم من
يقول : الكلام صفة فعل بمعنى أنه مخلوق بأن عنه ، ومنهم من يقول:
هو صفة ذات بمعنى أنه كالحياة يقوم بذاته ، وهو لا يتكلم بمشيئته
وقدرته ، وكل طائفة مصيبة فى إبطال باطل الأخرى .
والدليل يقوم على أنه صفة ذات وفعل تقوم بذات الرب، والرب يتكلم
بمشيئته وقدرته ، فأدلة من قال : إنه صفة فعل كلها إنما تدل على أنه
يتكلم بقدرته ومشيئته وهذا حق ، وأدلة من قال إنه صفة ذات إنما
تدل على أن كلامه يقوم بذاته وهذا حق ، وأما من أثبت أحدهما
١٦٩

كمن قال إن كلامه مخلوق أو قال إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته فهؤلاء
فى الحقيقة لم يثبتوا أنه يتكلم ، ولا أثبتوا له كلاما؛ ولهذا يقولون:
مالا يعقل . هذا يقول : إنه معنى واحد قام بالذات ، وهذا يقول: حروف
أو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لذاته وهذا يقول: مخلوق بائن عنه .
ولهذا لما ظهر لطائفة من أتباعهم ما في قولهم من الفساد ، ولم
يعرفوا عين هذه الأقوال الثلاثة حاروا وتوقفوا ، وقالوا : نحن نقر بما
عليه عموم المسلمين من أن القرآن كلام الله ، وأما كونه مخلوقا أو
بحرف وصوت أو معنى قائم بالذات فلا نقول شيئاً من هذا .
ومعلوم أن الهدى في هذه الأصول ومعرفة الحق فيها هو معرفة
ما جاء به الرسول ، وهو الموافق لصريح المعقول أنفع وأعظم من كثير
مما يتكلمون فيه من العلم ، لاسيما والقلوب تطلب معرفة الحق فى هذه
بالفطرة ، ولما قد رأوا من اختلاف الناس فيها .
وهؤلاء يذكرون هذا الوقف فى عقائدهم ، وفيما صنفوه في أصول
الدين ، كما قد رأيت منهم من أكبر شيوخ العلم والدين بمصر والشام
قد صنفوا فى أصول الدين ما صنفوه، ولما تكلموا فى ((مسألة القرآن))
وهل هو مخلوق؟ أو قديم ؟ أو هو الحروف والأصوات ؟ أو معنى قائم
بالذات ؟ نهوا عن هذه الأقوال ، وقالوا : الواجب أن يقال ما قاله
١٧٠

المسلمون كلهم : أن القرآن كلام الله، ويمسك عن هذه الأقوال .
وهؤلاء توقفوا عن حيرة وشك، ولهم رغبة في العلم والهدى
والدين ، وهم من أحرص الناس على معرفة الحق في ذلك وغيره ،
لكن لم يعلموا إلا هذه الأقوال الثلاثة : قول المعتزلة ، والكلابية ،
والسالمية ، وكل طائفة تبين فساد قول الأخرى ، وفى كل قول من
الفساد ما يوجب الامتناع من قبوله ، ولم يعلموا قولا غير هذه فرضوا
بالجهل البسيط ، وكان أحب إليهم من الجهل المركب ، وكان أسباب
ذلك أنهم وافقوا هؤلاء على أصل قولهم ودينهم ، وهو الاستدلال على
حدوث الأجسام وحدوث العالم بطريقة أهل الكلام المبتدع ، كما سلكها
من ذكرته من أجلاء شيوخ أهل العلم والدين ، والاستدلال على إمكانها
بكونها مركبة كما سلك الشيخ الآخر ، وهذا ينفي عن الواجب أن
يكون جسما بهذه الطريقة ، وذلك نفى عنه أنه جسم بتلك الطريقة ،
وحذاق النظار الذين كانوا أخبر بهذه الطرق وأعظم نظراً واستدلالاً
بها وبغيرها قد عرفوا فسادها ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
واللّه سبحانه قد أخبر أنه (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ,
وأخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا فى الحياة
عَلَى الدِّينِ كُلّهِ)
الدنيا ، والله سبحانه يجزي الإنسان بجنس عمله ، فالجزاء من جنس
العمل ؛ فمن خالف الرسل عوقب بمثل ذنبه ؛ فإن كان قد قدح فيهم
١٧١

ونسب ما يقولونه إلى أنه جهل وخروج عن العلم والعقل ابتلى في عقله
وعلمه ، وظهر من جهله ما عوقب به .
ومن قال: عنهم إنهم تعمدوا الكذب أظهر الله كذبه، ومن قال:
إنهم جهال أظهر الله جهله ، ففرعون وهامان وقارون لما قالوا عن موسى
إنه ساحر كذاب أخبر اللّه بذلك عنهم فى قوله: (وَلَقَدْأَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَاِنَا
وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْسَحِرُ كَذَابٌ) وطلب فرعون
إهلا كه بالقتل وصار يصفه بالعيوب ، كقوله : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِّ
أَقْتُلٌ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَُّ، إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْأَنْ يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ).
وقال: ( أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَمَهِينٌ وَلَا يَكَادُيُبِينُ )
أهلك الله فرعون وأظهر كذبه وافتراءه على الله وعلى رسله
وأذله غاية الإذلال ، وأعجزه عن الكلام النافع ؛ فلم يبين حجة ،
وفرعون هذه الأمة أبو جهل كان يسمى أبا الحكم ، ولكن النبى صلى
الله عليه وسلم سماه أبا جهل ، وهو كما سماه رسول الله صلى الله عليه
وسلم أبو جهل أهلك به نفسه وأتباعه في الدنيا والآخرة .
والذين قالوا عن الرسول إنه أبتر وقصدوا أنه يموت فينقطع ذكره
عوقبوا بانبتارم، كما قال تعالى: (إِثَ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبْرُ) فلا يوجد
من شنأ الرسول إلا بتره الله حتى أهل البدع المخالفون لسنته . قيل
لأبي بكر بن عياش إن بالمسجد قوماً يجلسون للناس ويتكلمون بالبدعة ،
١٧٢

فقال : من جلس للناس جلس الناس إليه ، لكن أهل السنة يبقون
ويبقى ذكرهم ، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم .
وهؤلاء المشبهون لفرعون الجهمية نفاة الصفات ، الذين وافقوا
فرعون فى جحده، وقالوا إنه ليس فوق السموات ، وإن الله لم يكلم
موسى تكليماً، كما قال فرعون: (يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ
السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَإِلَهِ مُوسَى وَإِنِّى لَأَظُنُّهُ كَذِبًا).
وكان فرعون جاحداًللرب، فلولا أن موسى أخبره أن ربه فوق
العالم لما قال: (فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّهُ كَذِبًا ) قال تعالى:
(وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِى
وقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ
بَابٍ )
إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِى أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى
وَإِنِّي لَأَظُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ * وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَهُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ
أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَأَ يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ، فَنَبَذْنَهُمْ فِ اَلْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ
اُلْقِيمَةِ لَأَيُصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِالدُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم
مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ).
ومحمد صلى الله عليه وسلم لما عرج به إلى ربه وفرض عليه الصلوات
١٧٣

الخمس ، ذكر أنه رجع إلى موسى ، وأن موسى قال له : ارجع إلى
ربك فسله التخفيف إلى أمتك ، كما تواتر هذا فى أحاديث المعراج ،
فموسى صدق محمداً فى أن ربه فوق ، وفرعون كذب موسى فى أن ربه
فوق ، فالمقرون بذلك متبعون لموسى ومحمد ، والمكذبون بذلك
موافقون لفرعون .
وهذه الحجة مما اعتمد عليها غير واحد من النظار ، وهي مما اعتمد
عليها أبو الحسن الأشعري في كتابه ((الإبانة)) وذكر عدة أدلة عقلية
وسمعية ، على أن اللّه فوق العالم وقال فى أوله :
فإن قال قائل : قد أنكرتم قول الجهمية ، والقدرية ، والخوارج
والروافض ، والمعتزلة ، والمرجئة ، فعرفونا قولكم الذي به تقولون ،
ودیاتكم التى بها تدينون .
قيل له : قولنا الذي نقول به وديانتنا التى ندين بها : التمسك
بكتاب ربنا ، وسنة نبينا ، وما جاء عن الصحابة والتابعين، وأئمة
المسلمين ، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل
قائلون ، ولما خالف قوله مجانبون ، فإنه الإمام الكامل ، والرئيس
الفاضل ، الذي أبان الله به الحق ، وأوضح به المناهج ، وقمع به بدع
المبتدعين ، وزيغ الزائغين ، وشك الشاكين ؛ فرحمه الله من إمام مقدم
١٧٤

وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين . وذكر حملة الاعتقاد والكلام
على علو الله على العرش، وعلى الرؤية ومسألة القرآن ونحو ذلك،
وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع .
و ((المقصود هنا)» أن المعطلة نفاة الصفات أو نفاة بعضها
لا يعتمدون في ذلك على ما جاء به الرسول ؛ إذ كان ما جاء به الرسول
إنما يتضمن الإثبات لا النفي ؛ لكن يعتمدون في ذلك على ما يظنونه أدلة
عقلية ، ويعارضون بذلك ما جاء به الرسول .
وحقيقة قولهم أن الرسول لم يذكر فى ذلك ما يرجع إليه لا من
سمع ولا عقل ، فلم يخبر بذلك خبراً بين به الحق على زعمهم ، ولا
ذكر أدلة عقلية تبين الصواب فى ذلك على زعمهم ، بخلاف غير هذا،
فإنهم معترفون بأن الرسول ذكر فى القرآن أدلة عقلية على ثبوت الرب،
وعلى صدق الرسول .
وقد يقولون أيضاً : إنه أخبر بالمعاد ؛ لكن نفوا الصفات لما رأوا
أن ما ذكروه من النفي لم يذكره الرسول، فلم يخبر به ولا ذكر
دليلا عقلياً عليه ؛ بل إنما ذكر الإثبات ، وليس هو فى نفس الأمر
حقاً ، فأحوج الناس إلى التأويل أو التفويض، فلما نسبوا ما جاء به
الرسول إلى أنه ليس فيه لا دليل سمعي ولا عقلي ، لا خبر يبين الحق
١٧٥

ولا دليل يدل عليه عاقبهم الله بجنس ذنوبهم ، فكان ما يقولونه في
هذا الباب خارجاً عن العقل والسمع ، مع دعواهم أنه من العقليات
البرهانية ، فإذا اختبره العارف وجده من الشبهات الشيطانية ،
من جنس شبهات أهل السفسطة والإلحاد ، الذين يقدحون فى
العقليات والسمعيات .
وأما السمع خلافهم له ظاهر لكل أحد ، وإنما بظن من يعظمهم
ويتبعهم أنهم أحكموا العقليات، فإذا حقق الأمر وجدهم كما قال أهل النار:
(لَ كُنَانَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكَفِ أَصْخَبِ السَّعِيرِ ) وكما قال تعالى: (وَلَّذِينَ كَفَرُوْ
أَعْمَلُهُمْ كَسَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَآءَ حَتَّى إِذَاجَآءَ هُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ.
فَوَقَّتُهُ حِسَابَةٌ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابٍ * أَوْكَعُمَتٍ فِ مَحْرِأُجِّ يَفْشَتُهُ مَوْجُ مِنِفَوْقِهِ،
مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ مُظْلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجُ يَدَهُ لَمْ يَكَدِيَرَهَا وَمَن لََّ يَجْعَلِ اللَّهُ
لَهُنُورًا فَمَالَهُ مِن نُودٍ )
فلما كان حقيقة قولهم أن القرآن والحديث ليس فيه في هذا
الباب دليل سمعي ولا عقلي سلبهم الله فى هذا الباب معرفة الأدلة السمعية
والعقلية ، حتى كانوا من أضل البرية مع دعواهم أنهم أعلى من الصحابة
والتابعين، وأئمة المسلمين ، بل قد يدعون أنهم أعلى من النبيين .
وهذا ميراث من فرعون وحزبه اللعين .
١٧٦

وقد قيل : إن أول من عرف أنه أظهر في الإسلام التعطيل
الذي تضمنه قول فرعون هو الجعد بن درهم ، فضحى به خالد بن
عبد الله القسري، وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، إني
مضح بالجعد بن درهم ، أنه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم
يكلم موسى تكليما ، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً . ثم نزل
فذبحه ، وشكر له علماء المسلمين ما فعله ، كالحسن البصري وغيره.
وهذا الجعد إليه ينسب مروان بن محمد الجعدى آخر خلفاء بني
أمية ، وكان شؤمه عاد عليه حتى زالت الدولة ؛ فإنه إذا ظهرت البدع
التى تخالف دين الرسل انتقم اللّه ممن خالف الرسل ، وانتصر لهم ؛
ولهذا لما ظهرت الملاحدة الباطنية وملكوا الشام وغيرها ظهر فيها
النفاق والزندقة الذي هو باطن أمرم ، وهو حقيقة قول فرعون
((إنكار الصانع وإنكار عبادته)) وخيار ما كانوا يتظاهرون به الرفض
فكان خيارهم وأقربهم إلى الإسلام الرافضة وظهر بسببهم الرفض
والإلحاد ، حتى كان من كان ينزل الشام مثل بني حمدان الغالية ونحوهم
متشيعين ؛ وكذلك من كان من بني بوبه فى المشرق .
وكان ابن سينا وأهل بيته من أهل دعوتهم ، قال : وبسبب ذلك
اشتغلت في الفلسفة ، وكان مبدأ ظهورهم من حين تولى المقتدر ، ولم
يكن بلغ بعد ، وهو مبدأ انحلال الدولة العباسية ؛ ولهذا سي حينئذ
بأمير المؤمنين الأموي الذي كان بالأندلس ، وكان قبل ذلك لا يسمى
١٧٧

بهذا الاسم، ويقول : لا يكون للمسلمين خليفتان ، فلما ولي المقتدر
قال هذا صى لا نصح ولايته فسمى بهذا الاسم .
وكان بنو عبيد الله القداح الملاحدة يسمون بهذا الاسم ، لكن
هؤلاء كانوا في الباطن ملاحدة زنادقة منافقين ، وكان نسبهم باطلا
كدينهم: بخلاف الأموي والعباسي فإن كلاهما نسبه صحيح ، وهم
مسلمون كأمثالهم من خلفاء المسلمين .
فلما ظهر النفاق والبدع والفجور المخالف لدين الرسول سلطت
عليهم الأعداء ، فخرجت الروم النصارى إلى الشام والجزيرة مرة بعد
مرة، وأخذوا الثغور الشامية شيئاً بعد شيء، إلى أن أخذوا بيت
المقدس فى أواخر المائة الرابعة ، وبعد هذا بمدة حاصروا دمشق ، وكان
أهل الشام بأسوأ حال بين الكفار النصارى والمنافقين الملاحدة؛ إلى
أن تولى نور الدين الشهيد، وقام بما قام به من أمر الإسلام وإظهاره
والجهاد لأعدائه ، ثم استنجد به ملوك مصر بنو عبيد على النصارى
فأنجدم ، وجرت فصول كثيرة إلى أن أخذت مصر من بنى عبيد أخذها
صلاح الدين يوسف بن سادي ، وخطب بها لبنى العباس ؛ فمن حينئذ
ظهر الإسلام بمصر بعد أن مكثت بأيدي المنافقين المرتدين عن دين
الإسلام مائة سنة .
١٧٨

فكان الإيمان بالرسول والجهاد عن دينه سبباً لخير الدنيا والآخرة
وبالعكس البدع والإلحاد ومخالفة ما جاء به سبب لشر الدنيا والآخرة.
فلما ظهر في الشام ومصر والجزيرة الإلحاد والبدع سلط عليهم
الكفار ، ولما أقاموا ما أقاموه من الإسلام وقهر الملحدين والمبتدعين
نصرم اللّه على الكفار: تحقيقاً لقوله: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَرَةِ
تُجِكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَبِلَّهِوَرَسُولَِتُجَهِدُ ونَ فِي سَبِيلِاللَّهِأَمْوَلِكُمْوَأَنفُسِكُمْ ذَ لِكُمْ غَيْلَّكُ
إِنَكُنَعَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْذُ نُوبَكُمْوَيٌ ◌ِكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِ مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُوَمَسَكِنَ طِبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ
ذَلِكَ الْفَوْزُالْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُونَهَانَصْرٌ مِنَ الَّهِ وَفَتْحٌ فَرِيبٌ وَيَشِّرِالْمُؤْمِنِينَ).
وكذلك لما كان أهل المشرق قائمين بالإسلام كانوا منصورين على
الكفار المشركين من الترك والهند والصين وغيرهم ، فلما ظهر منهم
ما ظهر من البدع والإلحاد والفجور سلط عليهم الكفار ، قال تعالى :
(وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَءِيِلَ فِى الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوَّا كَبِيرًا
* فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَئُهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْهِكُمْ عِبَادًا لَّنَّا أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَاسُوْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ
وَعْدَّا مَّفْعُولًا * ثُمَّرَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِيِنَ وَجَعَلْنَكُمْ
أَكْثَرَ نَفِيْرًا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمُ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُاُ لْآَخِرَةِ
لِيَسُوْوُجُوهَكُمْ وَلِيَدْ خُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَّبِرُواْ مَا عَلَوْاْ
١٧٩

تَسِيرًاً عَسَى رَبِّكُمْأَنْ يَرَّحَكُمْوَإِنَّ عُدْ تُمْ عُدْتًا وَجَعَلْنَا جَهَنَمَ لِلْكَفِرِينَ حَصِيرًا ).
وكان بعض المشايخ يقول : هولا كو - ملك الترك التتار الذي
قهر الخليفة بالعراق ، وقتل ببغداد مقتلة عظيمة جداً ، يقال : قتل منهم
ألف ألف ، وكذلك قتل بحلب دار الملك حينئذ ، كان بعض الشيوخ
بقول هو - للمسلمين بمنزلة بخت نصر لبنى إسرائيل .
وكان من أسباب دخول هؤلاء ديار المسلمين ظهور الإلحاد والنفاق
والبدع ، حتى أنه صنف الرازي كتابا في عبادة الكواكب والأصنام
وعمل السحر، سماه (( السر المكتوم فى السحر ومخاطبة النجوم))
ويقال : إنه صنفه لأم السلطان علاء الدين محمد بن لكش بن جلال
الدين خوارزم شاه، وكان من أعظم ملوك الأرض ، وكان للرازي به
اتصال قوي ، حتى أنه وصى إليه على أولاده ، وصنف له كتابا سماء
((الرسالة العلائية فى الاختيارات السماوية)).
وهذه الاختيارات لأهل الضلال بدل الاستخارة التى علمها النبى
صلى الله عليه وسلم المسلمين ، كما قال جابر فى الحديث الصحيح الذي
رواه البخاري وغيره: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا
١٨٠