النص المفهرس
صفحات 121-140
فصل فههنا ثلاثة أشياء ((أحدها)) الظن الراجح فى نفس المستدل المجتهد. و((الثاني)) الأدلة - التى يسميها بعض المتكلمين أمارات - التى تعارضت، وعلم المستدل بأن التى أوجبت ذلك الظن أقوى من غيرها . ((الثالث)) أنه قد يكون في نفس الأمر دليل آخر على القول الآخر لم يعلم به المستدل ، وهذا هو الواقع في عامة موارد الاجتهاد ؛ فإن الرجل قد يسمع نصاً عاماً ، كما سمع ابن عمر وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن قطع الخفين ، وأنه أمر أن لا يخرج أحد حتى يودع البيت ، أو أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير وظاهره العموم ، وهذا راجح على الاستصحاب النافي للتحريم ، فعملوا بهذا الراجح ، وهم يعلمون قطعاً أن النهي أولى من الاستصحاب ؛ لكن يجوز أن يكون مع الاستصحاب دليل خاص ؛ ولكن لما لم يعلموه لم يجز لهم أن يعدلوا عما علموه إلى ما لم يعلموه ، فكانوا يفتون بأن الحائض عليها الوداع ، وعليها قطع الخفين ، وأن قليل الحرير وكثيره حرام . ١٢١ وابن الزبير كان يحرمه على الرجال والنساء؛ لعموم قوله: (( من لبس الحرير فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة )) وكان فى نفس الأمر نصوص خاصة بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للحائض أن تنفر بلا وداع ، وأنها تلبس الخفين وغيرهما مما نهى عنه المحرم ، ولكن تجتذب النقاب والقفازين، وأنه رخص في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربعة من الحرير ، كما بين ذلك فى الصحيح فى رواية عمر ، ولم يعرف به ابنه عبد الله ، وكان له جبة مكفوفة بالحرير فلما سمع ابن عمر ونحوه هذه النصوص الخاصة رجعوا ، وعلموا حينئذ أنه كان في نفس الأمر دليل أقوى من الدليل الذي يستصحبوه ولم يعلموا به ، وهم فى الحالين إنما حكموا بعلم لم يكونوا ممن لم يتبع إلا الظن ، فإنهم أولاً رجحوا العموم على استصحاب البراءة الأصلية ، وهذا ترجيح بعلم ، فإن هذا راجح بلا ريب ، والشرع طافح بهذا . فما أوجبه اللّه أو حرمه فى كتابه كالوضوء والصلاة والحجج وغيرهما هي نصوص عامة ، وما حرمه كالميتة والدم ولحم الخنزير حرمه بنصوص عامة، وهي راجحة ومقدمة على البراءة الأصلية النافية للوجوب والتحريم ، ثمن رجح ذلك فقد حكم بعلم ، وحكم بأرجح الدليلين المعلوم الرجحان ، ولم يكن ممن لم يتبع إلا الظن، لكن لتجويزه أن يكون النص مخصوصا صار عنده ظن راجح، ولو علم أنه لا تخصيص هناك قطع بالعموم ، وكذلك ١٢٢ لو علم إرادة نوع قطع بانتفاء الخصوص ، وهذا القول في سائر الأدلة . مثل أن يتمسك بنصوص ، وتكون منسوخة، ولم يبلغه الناسخ كالذين نهوا عن الانتباذ في الأوعية، وعن زيارة القبور ، ولم يبلغهم النص الناسخ. وكذلك الذين صلوا إلى بيت المقدس قبل أن يبلغهم النسخ، مثل من كان من المسلمين بالبوادي وبمكة والحبشة وغير ذلك ؛ وهؤلاء غير الذين كانوا بالمدينة ، وصلى بعضهم صلاة إلى القبلتين : بعضها إلى هذه القبلة وبعضها إلى هذه القبلة ، لما بلغهم النسخ وم فى أثناء الصلاة فاستداروا فى صلاتهم من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة ، من جهة الشام إلى جهة اليمن . فالقاضي أبو بكر ونحوه من الذين ينفون أن يكون فى الباطن حكم مطلوب بالاجتهاد أو دليل عليه ، ويقولون : ما تم إلا الظن الذي فى نفس المجتهد ، والأمارات لا ضابط لها وليست أمارة أقوى من أمارة ؛ فإنهم إذا قالوا ذلك لزمهم أن يكون الذي عمل بالمرجوح دون الراجح مخطئاً، وعندم ليس فى نفس الأمر خطأ . وأما السلف والأئمة الأربعة والجمهور فيقولون : بل الأمارات بعضها أقوى من بعض فى نفس الأمر ، وعلى الإنسان أن يجتهد ويطلب الأقوى ، فإذا رأى دليلا أقوى من غيره ولم ير ما يعارضه عمل به ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وإذا كان فى الباطن ما هو أرجح منه ١٢٣ كان مخطئاً معذورا ، وله أجر على اجتهاده وعمله بما بين له رجحانه وخطؤه مغفور له ، وذلك الباطن هو الحكم ؛ لكن بشرط القدرة على معرفته ، فمن عجز عن معرفته لم يؤاخذ بتركه . فإذا أريد بالخطأ الإثم فليس المجتهد بمخطىء ؛ بل كل مجتهد مصيب مطيع له فاعل ما أمره الله به، وإذا أريد به عدم العلم بالحق فى نفس الأمر فالمصيب واحد وله أجران ، كما فى المجتهدين في جهة الكعبة إذا صلوا إلى أربع جهات ، فالذي أصاب الكعبة - واحد وله أجران لاجتهاده وعمله - كان أكمل من غيره، والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ومن زاده الله علما وعملا زاده أجرا بما زاده من العلم والعمل قال تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآءَاتَّيْنَهَ إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ) قال مالك عن زيد بن أسلم بالعلم ، وكذلك قال في قصة يوسف : (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِ دِينِ الْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ). وقد تبين أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم ، واتبعوا العلم ، وأن ((الفقه)) من أجل العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن ، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر ؛ إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر، وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر كما قال تعالى: (وَدَاوُدَوَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ إِذْنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّالِحُكْمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَّمْنَهَا ١٢٤ سُلَيْمَنَّ وَكُلَاءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) . وهذه حال أهل الاجتهاد والنظر والاستدلال في الأصول والفروع، ولم يفرق أحد من السلف والأئمة بين أصول وفروع . بل جعل الدين ((قسمين)) أصولا ، وفروعا لم يكن معروفا فى الصحابة والتابعين ، ولم يقل أحد من السلف والصحابة والتابعين إن المجتهد الذي استفرغ وسعه فى طلب الحق يأثم لا فى الأصول ولا فى الفروع ، ولكن هذا التفريق ظهر من جهة المعتزلة وأدخله فى أصول الفقه من نقل ذلك عنهم، وحكموا عن عبيد الله بن الحسن العنبرى أنه قال: كل مجتهد مصيب ، ومراده أنه لا يأثم. وهذا قول عامة الأئمة كأبى حنيفة والشافعي وغيرهما . ولهذا يقبلون شهادة أهل الأهواء ويصلون خلفهم ، ومن ردها - كمالك وأحمد - فليس ذلك مستلزما لإيمها ؛ لكن المقصود إنكار المنكر وهجر من أظهر البدعة ، فإذا هجر ولم يصل خلفه ولم تقبل شهادته كان ذلك منعا له من إظهار البدعة ؛ ولهذا فرق أحمد وغيره بين الداعية للبدعة المظهر لها وغيره ، وكذلك قال الخرقى : ومن صلى خلف من يجهر ببدعة أو منكر أعاد ، وبسط هذا له موضع آخر. ١٢٥ والذين فرقوا بين الأصول والفروع لم يذكروا ضابطا يميز بين النوعين ، بل تارة يقولون : هذا قطعي وهذا ظني ، وكثير من مسائل الأحكام قطعي ، وكثير من مسائل الأصول ظني عند بعض الناس ، فإن كون الشيء قطعيا وظنيا أمر إضافي ، وتارة يقولون : الأصول هي العلميات الخبريات والفروع العمليات وكثير من العمليات من جحدها كفر ، كوجوب الصلاة والزكاة ، والصيام والحج ، وتارة يقولون : هذه عقليات وهذه سمعيات ، وإذا كانت عقليات لم يلزم تكفير المخطئ فإن الكفر حكم شرعى يتعلق بالشرع ، وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع . وإذا تدبر الإنسان تنازع الناس وجد عند كل طائفة من العلم ما ليس عند الأخرى ، كما فى مسائل الأحكام . مثال ذلك ما تقدم فى الأصول الخمسة : التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، ومسائل الأسماء والأحكام وإنفاذ الوعيد ، وهي التى توالي المعتزلة من وافقهم عليها ويتبراون ممن خالفهم فيها ، وقد قدمنا أنهم قصدوا توحيد الرب وإثبات عدله وحكمته ورحمته وصدقه، وطاعة أمره ، لكن غلطوا في كل واحدة من هذه الأمور كما تقدم . وكذلك الذين ناقضوم من الجهمية ومن سلك مسلكهم ، كأبى الحسن الأشعري وأصحابه - فإنهم ناقضوم في الأصول الخمسة ، وكان عنده علم ١٢٦ ليس عند أولئك، وكان عند أولئك علم ليس عند هؤلاء، وكل من الطائفتين لم تحط علما بما في الكتاب والسنة من بيان هذه الأمور ؛ بل علموا بعضا وجهلوا بعضا ؛ فإن هؤلاء المجبرة ثم فى الحقيقة لا يثبتون لله عدلا ولا حكمة ، ولا رحمة ولا صدقا . فأولئك قصدوا إثبات هذه الأمور . أما العدل فعنده كل ممكن فهو عدل ، والظلم عندهم هو الممتنع ، فلا يكون ثم عدل يقصد فعله وظلم يقصد تركه ؛ ولهذا يجوزون عليه فعل كل شىء وإن كان قبيحا ، ويقولون: القبيح هو مانهى عنه ، وهو لاناهي له . ويجوزون الأمر بكل شيء وإن كان منكراً وشركا، والنهي عن كل شيء وإن كان توحيداً ومعروفا ، فلا ضابط عندهم للفعل ؛ فلهذا ألزموم جواز إظهار المعجزات على يد الكاذب ، ولم يكن لهم عن ذلك جواب صحيح ، ولم يذكروا فرقا بين المعجزات وغيرها ، ولا مابه يعلم صدق النبى صلى الله عليه وسلم إلا إذا نقضوا أصلهم، وقد قال الله تعالى: (شَهِدَ اللّهُأَنَّهُ لَا إِلَهَإِلَّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَبِمًا بِالْقِسْطِ ) وعندم هذا لا فائدة فيه ، فليس فى الممكن قسط وجور ، حتى يكون قائماً بهذا دون هذا ، وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع . وكذلك ((الحكمة)) عندم لا يفعل لحكمة، وقد فسروا ((الحكمة)) إما بالعلم ، وإما بالقدرة ، وإما بالإرادة ، ومعلوم أن القادر قد يكون ١٢٧ حكيما ويكون غير حكيم ، كذلك المريد قد تكون إرادته حكمة وقد تكون سفها ، والعلم يطابق المعلوم سواء كان حكمة أو سفها ، فليس عندم فى نفس الأمر أن الله حكيم، وكذلك ((الرحمة)) ما عندم في نفس الأمر إلا إرادة ترجيح أحد المثلين بلا مرجح نسبتها إلى نفع العباد وضررهم سواء ، فليس عندم فى نفس الأمر رحمة ولا محبة أيضاً . وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع ، وبين تناقضهم في الصفات والأفعال ؛ حيث أثبتوا الإرادة مع نفي المحبة والرضا ، ومع نفي الحكمة وبين تناقضهم وتناقض كل من أثبت بعض الصفات دون بعض ، وأن المتفلسفة نفاة الإرادة أعظم تناقضا منهم ؛ فإن الرازي ذكر فى المطالب العالية (( مسألة الإرادة)) ورجح فيها نفي الإرادة؛ لأنه لم يمكنه أن يجيب عن حجة المتفلسفة على أصول أصحابه الجهمية والمعتزلة ففر إليهم، وكذلك في غير هذا من المسائل فهو تارة يرجح قوله قول المتفلسفة ، وتارة يرجح قول المتكلمة، وتارة يحار ويقف ، واعترف فى آخر عمره بأن طريق هؤلاء وهؤلاء لاتشفى عليلا ولا تروى غليلا . وقال : قد تأملت الطرق الكلامية ، والمناهج الفلسفية ، فما رأيتها تشفي عليلا ، ولا تروى غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ اقرأ فى الإثبات : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى) ١٢٨ الطَّيِّبُ ) واقرأ فى النفي: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا) ومن جرب مثل تجربتى عرف مثل معرفتى . فقد تبين أنهم لا يثبتون عدل الرب ولا حكمته ولا رحمته ، وكذلك الصدق فإنهم لما أرادوا أن يقيموا الدليل على أن اللّه صادق تعذر ذلك عليهم ، فقالوا : الصدق فى الكلام النفسانى واجب ؛ لأنه يعلم الأمور ومن يعلم يمتنع أن يقوم في نفسه خبر بخلاف علمه ، وعلى هذا اعتمد الغزالي وغيره . فقيل لهم : هذا ضعيف لوجهين : ((أحدهما)) الصدق فى ذلك المعنى لا ينفع إن لم يثبت الصدق فى العبارات الدالة عليه ، ويميز بين الأفعال عنده . ((الثانى)) أنهم أثبتوا الخبر النفسانى فإن الإنسان يخبرك بالكذب، فيقوم فى نفسه معنى ليس هو العلم ، وهو معنى الخبر ، فهذا يقتضي أنهم يقولون : إن العالم قد يقوم فى نفسه خبر بخلاف علمه ، والرازي لما ذكر مسألة أنه لا يجوز أن يتكلم بكلام ولا يعني به شيئاً خلافا للحشوية ، قيل له : هل قال أحد من طوائف الأمة إن الله لا يعني بكلامه شيئاً ؟ وإنما النزاع هل يتكلم بمالا يفهم العباد معناه . وقيل ١٢٩ له : هب أن في هذا نزاعا فهو لم يقم دليلا على امتناع ذلك ؛ بل قال هذا عيب أو نقص والله منزه عنه ، فقيل له : إما أن يريد المعنى القائم بالذات أو العبارات المخلوقة ، أما الأول فلا يجوز إرادته هنا ؛ لأن المسألة هى فيمن بتكلم بالحروف المنظومة ، ولا يعني به شيئاً وذلك القائم بالذات هو نفس المعنى ، وإن أردت الحروف - وهو مراده - فتلك عندك مخلوقة ، ويجوز عندك أن يخلق كل شيء ليس منزها عن فعل من الأفعال ، والعيب عندك هو مالا تريده، فهذا ممتنع . فتبين أنه ليس لهم حجة لا على صدقه ، ولا على تنزيهه عن العيب فى خطابه ؛ فإن ذلك إنما يكون ممن ينزهه عن بعض الأفعال ، وتبين بذلك أنهم لا يثبتون عدله ولا حكمته ، ولا رحمته ولا صدقه، والمعتزلة قصدهم إثبات هذه الأمور ؛ ولهذا يذكرونها في خطبة الصفات ، كما يذكرها أبو الحسين البصري وغيره، كما ذكر فى أول صور الأدلة خطبة مضمونها: أن الله واحد عدل (لَيَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) و (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) وأظن فيها إثبات صدقه ؛ ولهذا يكفرون من يجوره ، أو يكذبه ، أو يسفه ، أو يشبهه ؛ ولكن قد غلطوا فى مواضع كثيرة ، كما قد نبه على هذا فى غير موضع ، فكلا الطائفتين معها حق وباطل ، ولم يستوعب الحق إلا من اتبع المهاجرين والأنصار ، وآمن بما جاء به الرسول كله على ١٣٠ وجهه لم يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، وهؤلاء م أهل الرحمة الذين لا يختلفون؟ بخلاف أولئك المختلفين. قال تعالى: ( وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَقَهُمْ ) . فصل والجهمية والمعتزلة مشتركون في نفى الصفات ، وابن كلاب ومن تبعه ـ كالأشعري وأبي العباس القلانسي ومن تبعهم - أثبتوا الصفات : لكن لم يثبتوا الصفات الاختيارية مثل كونه يتكلم بمشيئته . ومثل كون فعله الاختياري يقوم بذاته ، ومثل كونه يحب ويرضى عن المؤمنين بعد إيمانهم ، ويغضب ويبغض الكافرين بعد كفرهم ، ومثل كونه يرى أفعال العباد بعد أن يعملوها، كما قال تعالى: ( وَقُلِ أَعْمَلُوْ فَسَيَرَ اللهُ عَمَلَكُمْ فأثبت رؤية مستقبلة ، وكذلك قوله تعالى : وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ( ثُمَّجَعَلْنَكُمْ خَلَِفَ فِ اُلْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ )، ومثل كونه نادى موسى حين أتى ، لم يناد. قبل ذلك بنداء قام بذاته ؛ فإن المعتزلة والجهمية يقولون : خلق نداء في الهواء. والكلابية والسالمية يقولون : النداء قام بذاته وهو قديم ؛ لكن سمعه موسى ، فاستجدوا سماع موسى ، وإلا فما زال عندم مناديا . ١٣١ والقرآن والأحاديث وأقوال السلف والأئمة كلها تخالف هذا وهذا، وتبين أنه ناداه حين جاء ، وأنه يتكلم بمشيئته فى وقت بكلام معين . كما قال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لَّدَمَ ) وقال تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَآدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). والقرآن فيه مئون من الآيات تدل على هذا الأصل ، وأما الأحاديث فلا تحصى . وهذا قول أئمة السنة والسلف وجمهور العقلاء؛ ولهذا قال عبد الله بن المبارك والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما : لم يزل متكلما إذا شاء وكيف شاء، وهذا قول عامة أهل السنة ؛ فلهذا اتفقوا على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، ولم نعرف عن أحد من السلف أنه قال : هو قديم لم يزل . والذين قالوا من المتأخرين : هو قديم كثير منهم من لم يتصور المراد ؛ بل منهم من يقول : هو قديم فى علمه ، ومنهم من يقول : قديم أي متقدم الوجود ، متقدم على ذات زمان المبعث ؛ لا أنه أزلي لم يزل ، ومنهم من يقول بل مرادنا بقديم أنه غير مخلوق ، وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع . و((المقصود هنا)) أنه على هذا الأصل إذا خلق المخلوقات رآها وسمع أصوات عباده ، وكان ذلك بمشيئته وقدرته ؛ إذ كان خلقه لهم بمشيئته وقدرته ، وبذلك صاروا يرون ويسمع كلامهم ، وقد جاء فى ١٣٢ القرآن والسنة فى غير موضع أنه يخص بالنظر والاستماع بعض المخلوقات كقوله: (( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم: ملك كذاب ، وشيخ زان ، وعائل مستكبر)) وكذلك فى «الاستماع)» قال تعالى: (وَأَذِنَتْ لِرَتِهَا وَحُقَّتْ ) أي استمعت. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: (( ما أذن الله لشيء كإذنه لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)) وقال: ((لله أشد أذنا إلى صاحب القرآن من صاحب القينة إلى قينته)) فهذا تخصيص بالإذن وهو الاستماع لبعض الأصوات دون بعض . وكذلك (سمع الإجابة) كقوله: ((سمع الله لمن حمده)» وقول الخليل: ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) وقوله: ( إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ) يقتضي التخصيص بهذا السمع ، فهذا التخصيص ثابت في الكتاب والسنة ، وهو تخصيص بمعنى يقوم بذاته بمشيئته وقدرته - كما تقدم - وعند النفاة هو تخصيص بأمر مخلوق منفصل ، لا بمعنى يقوم بذاته. وتخصيص من يحب بالنظر والاستماع المذكور يقتضي أن هذا النوع منتف عن غيرهم . لكن مع ذلك هل يقال : إن نفس الرؤية والسمع الذي هو مطلق الإدراك هو من لوازم ذاته فلا يمكن وجود مسموع ومرئى إلا ١٣٣ وقد تعلق به كالعلم ؟ أو يقال : إنه أيضاً بمشيئته وقدرته فيمكنه أن لا ينظر إلى بعض المخلوقات ؟ هذا فيه قولان : والأول قول من لا يجعل ذلك متعلقاً بمشيئته وقدرته ، وأما الذين يجعلونه متعلقاً بمشيئته وقدرته فقد يقولون : متى وجد المرئى والمسموع وجب تعلق الإدراك به . والقول الثانى : أن جنس السمع والرؤية يتعلق بمشيئته وقدرته ، فيمكن أن لا ينظر إلى شيء من المخلوقات ، وهذا هو المأثور عن طائفة من السلف ، كما روى ابن أبي حاتم عن أبى عمران الجونى قال : مانظر اللّه إلى شيء من خلقه إلا رحمه، ولكنه قضى أن لا ينظر إليهم . وقد يقال : هذا مثل الذكر والنسيان ، فإن الله تعالى قال : (فَأَذْكُرُونِيّ أَذْكُرْكُمْ) وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسي ، وإن ذكرني فى ملا ذ کرته فى ملا خير منهم ، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتانى يمشي أتيته هرولة)) فهذا الذكر يختص بمن ذكره، فمن لا يذكره لا يحصل له هذا الذكر، ومن آمن به وأطاعه ذكره برحمته ، ومن أعرض عن الذكر الذي أنزله أعرض عنه كما قال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَءَايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ ١٣٤ اَلْيَوْمَ نُنَسَى ) ومثله قوله: (الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهُوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِ يَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ) . وقد فسروا هذا النسيان بأنه (١) وهذا النسيان ضد ذلك الذكر وفى الصحيح فى حديث الكافر يحاسبه قال: ((أفظننت أنك ملاقى ؟ قال : لا . قال فاليوم أنساك كما نسيتني)) فهذا يقتضي أنه لا يذكره كما يذكر أهل طاعته ، هو متعلق بمشيئته وقدرته أيضاً ، وهو سبحانه قد خلق هذا العبد وعلم ما سيعمله قبل أن يعمله ، ولما عمل علم ما عمل ورأى عمله ، فهذا النسيان لا يناقض ما علمه سبحانه من حال هذا . فصل جماع ((الفرقان)) بين الحق والباطل ، والهدى والضلال، والرشاد والفي ، وطريق السعادة والنجاة ، وطريق الشقاوة والهلاك : أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه ، وبه (١) بياض بالأصل ١٣٥ يحصل الفرقان والهدى والعلم والإيمان ، فيصدق بأنه حق وصدق ، وما سواء من كلام سائر الناس يعرض عليه ، فإن وافقه فهو حق ، وان خالفه فهو باطل ، وإن لم يعلم هل وافقه أو خالفه لكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه ، أو قد عرف مراده ولكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه ، أو تكذيبه ، فإنه يمسك فلا يتكلم إلا بعلم . والعلم ما قام عليه الدليل ، والنافع منه ماجاء به الرسول . وقد يكون علم من غير الرسول؛ لكن في أمور ((دنيوية)) مثل الطب والحساب ، والفلاحة والتجارة . وأما الأمور ((الإلهية، والمعارف الدينية)) فهذه العلم فيها مأخذه عن الرسول ، فالرسول أعلم الخلق بها ، وأرغبهم فى تعريف الخلق بها ، وأقدرهم على بيانها وتعريفها ، فهو فوق كل أحد فى العلم والقدرة والإرادة ، وهذه الثلاثة بها يتم المقصود ، ومن سوى الرسول إما أن يكون فى علمه بها نقص أو فساد ، وإما أن لا يكون له إرادة فيما علمه من ذلك ، فلم يبينه إما لرغبة وإما لرهبة وإما لغرض آخر ، وإما أن يكون بيانه ناقصاً ليس بيانه البيان عما عرفه الجنان . وبيان الرسول على وجهين . ١٣٦ قارة يبين ((الأدلة العقلية)) الدالة عليها، والقرآن مملوء من الأدلة العقلية والبراهين اليقينية على المعارف الإلهية والمطالب الدينية . وتارة يخبر بها خبراً مجرداً لما قد أقامه من الآيات البينات ، والدلائل اليقينيات على أنه رسول الله المبلغ عن الله، وأنه لا يقول عليه إلا الحق ، وأن الله شهد له بذلك، وأعلم عباده وأخبره أنه صادق مصدوق فيما بلغه عنه ، والأدلة التى بها نعلم أنه رسول الله كثيرة متنوعة ، وهي أدلة عقلية تعلم صحتها بالعقل ، وهي أيضاً شرعية سمعية ، لكن الرسول بينها ودل عليها وأرشد إليها، وجميع طوائف النظار متفقون على أن القرآن اشتمل على الأدلة العقلية فى المطالب الدينية ، وم يذكرون ذلك فى كتبهم الأصولية ، وفى كتب التفسير ، وعامة النظار أيضاً يحتجون بالأدلة السمعية الخبرية المجردة فى المطالب الدينية ، فإنه إذا ثبت صدق الرسول وجب تصديقه فيما يخبر به . و ((العلوم ثلاثة أقسام)) منها مالا يعلم إلا بالأدلة العقلية، وأحسن الأدلة العقلية التى بينها القرآن وأرشد إليها الرسول ، فينبغي أن يعرف أن أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها مأخوذ عن الرسول ؛ فإن من الناس من يذهل عن هذا ، فمنهم من يقدح فى الدلائل العقلية مطلقاً لأنه قد صار فى ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه من أحدثه من المتكلمين . ومنهم من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل اليقينية ١٣٧ العقلية منه ؛ لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط ، فلابد أن يعلم بالعقل قبل ذلك ثبوت النبوة وصدق الخبر، حتى يستدل بعد ذلك بخبر من ثبت بالعقل صدقه ، ومنها ما لا يعلمه غير الأنبياء إلا بخبر الأنبياء ، وخبرم المجرد هو دليل سمعي ، مثل تفاصيل ما أخبروا به من الأمور الإلهية ، والملائكة والعرش ، والجنة والنار ، وتفاصيل ما يؤمر به وينهى عنه . فأما نفس إثبات الصانع ووحدانيته ، وعلمه وقدرته ، ومشيئته وحكمته ، ورحمته ونحو ذلك فهذا لا يعلم بالأدلة العقلية ، وإن كانت الأدلة والآيات التى يأتى بها الأنبياء هي أكمل الأدلة العقلية ؛ لكن معرفة هذه ليست مقصورة على الخبر المجرد ، وإن كانت أخبار الأنبياء المجردة تفيد العلم اليقيني أيضاً ؛ فيعلم بالأدلة العقلية التى أرشدوا إليها ، ويعلم بمجرد خبرهم لما علم صدقهم بالأدلة والآيات والبراهين التى دلت على صدقهم . وقد تنازع الناس فى (( العلم بالمعاد ، ويحسن الأفعال وقبحها)) فأكثر الناس يقولون : إنه يعلم بالعقل مع السمع ، والقائلون بأن العقل يعلم به الحسن والقبح أكثر من القائلين بأن المعاد يعلم بالعقل، قال أبو الخطاب : هو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ، ومنهم من يقول: المعاد والحسن والقبح لا يعلم إلا بمجرد الخبر ، وهو قول الأشعري ١٣٨ وأصحابه ومن وافقهم من أتباع الأئمة كالقاضي أبي يعلى ، وأبى المعالي الجويني ، وأبى الوليد الباجي وغيرهم ، وكلهم متفقون على أن من العلوم ما يعلم بالعقل والسمع الذي هو مجرد الخبر ، مثل كون أفعال العباد مخلوقة لله أو غير مخلوقة ، وكون رؤيته ممكنة أو ممتنعة ونحو ذلك . وكتب أصول الدين لجميع الطوائف مملوءة بالاحتجاج بالأدلة السمعية الخبرية ؛ لكن الرازي طعن في ذلك فى ((المطالب العالية)) قال : لأن الاستدلال بالسمع مشروط بأن لا يعارضه قاطع عقلي ، فإذا عارضه العقلي وجب تقديمه عليه ، قال : والعلم بانتفاء المعارض العقلي متعذر ، وهو إنما يثبت بالسمع ما علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به كالمعاد ، وقد يظن أن هذه طريقة أمته الواقفة في الوعيد . كالأشعري ، والقاضي أبى بكر وغيرهما ، وليس كذلك ؛ فإن هؤلاء إنما وقفوا فى أخبار الوعيد خاصة ؛ لأن العموم عندهم لا يفيد القطع ، أو لأنهم لا يقولون بصيغ العموم ، وقد تعارضت عندهم الأدلة ؛ وإلا فهم يثبتون الصفات الخبرية لله. كالوجه واليد بمجرد السمع والخبر، ولم يختلف قول الأشعري فى ذلك ، وهو قول أئمة أصحابه ، لكن أبو المعالي وأتباعه لا يثبتون الصفات الخبرية ؛ بل فيهم من ينفيها ومنهم من يقف فيها كالرازي والآمدي ، فيمكن أن يقال : قول الأشعري ينتزع من قول هؤلاء ١٣٩ بأن يقال : لا يعرف أنهم اعتمدوا في الأصول على دليل سمعي ؛ لكن يقال : المعاد يحتجون عليه بالقرآن والأحاديث ؛ ولكن الرازي هو الذي سلك فيه طريق العلم الضروري أن الرسول جاء به . وفى ((الحقيقة)) جميع الأدلة اليقينية توجب علماً ضرورياً، والأدلة السمعية الخبرية توجب علماً ضرورياً بأخبار الرسول ؛ لكن منها ما نكثر أدلته كخبر الأخبار المتواترة ، ويحصل به علم ضروري من غير تعيين دليل ، وقد يعين الأدلة ويستدل بها ، وبسط هذا له موضع آخر . و«المقصود هنا)) أن يؤخذ من الرسول العلوم الإلهية الدينية سمعيها وعقليها ، ويجعل ما جاء به هو الأصول لدلالة الأدلة اليقينية البرهانية على أن ما قاله حق جملة وتفصيلا ، فدلائل النبوة عامتها تدل على ذلك جملة ، وتفاصيل الأدلة العقلية الموجودة فى القرآن والحديث تدل على ذلك تفصيلا . وأيضاً فإن الأنبياء والرسل إنما بعثوا بتعريف هذا، فهم أعلم الناس به وأحقهم بقيامه وأولاهم بالحق فيه . وأيضاً فمن جرب ما يقولونه ويقوله غيرهم وجد الصواب معهم . ١٤٠