النص المفهرس
صفحات 101-120
فهؤلاء يبنون أمرهم على الإرادة ، وأولئك يبنون أمرهم على النظر وهذه هي القوة العلمية ، ولا بد لأهل الصراط المستقيم من هذا وهذا ولا بد أن يكون هذا وهذا موافقا لما جاء به الرسول . فالإيمان قول وعمل وموافقة السنة ، وأولئك عظموا النظر وأعرضوا عن الإرادة، وعظموا جنس النظر ولم يلتزموا النظر الشرعي، فغلطوا من جهة كون جانب الإرادة لم يعظموه ، وإن كانوا يوجبون الأعمال الظاهرة ، فهم لا يعرفون أعمال القلوب وحقائقها ، ومن جهة أن النظر لم يميزوا فيه بين النظر الشرعي الحق الذي أمر به الشارع وأخبر به ، وبين النظر البدعي الباطل المنهى عنه . وكذلك ((الصوفية)) عظموا جنس الإرادة إرادة القلب ، وذموا الهوى وبالغوا فى الباب ، ولم يميز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله، وبين الإرادة البدعية، بل أقبلوا على طريق الإرادة دون طريقة النظر، وأعرض كثير منهم فدخل عليهم الداخل من هاتين الجهتين ؛ ولهذا صار هؤلاء يميل إليهم النصارى ويميلون إليهم، وأولئك يميل إليهم اليهود ويميلون إليهم ، وبين اليهود والنصارى غاية التنافر والتباغض . وكذلك بين أهل الكلام والرأي ، وبين أهل التصوف والزهد ١٠١ تنافر وتباغض ، وهذا وهذا من الخروج عن الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا . نسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين. فصل فإن قيل : فإذا كان فى كتب الأناجيل التى عندهم أن المسيح صلب، وأنه بعد الصلب بأيام أتى إليهم وقال لهم : أنا المسيح - ولا يقولون : إن الشيطان تمثل على صورته ، فالشيطان ليس هو لحم وعظم - وهذه أثر المسامير أو نحو هذا الكلام ، فأين الإنجيل الذي قال الله عز وجل فيه: ( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَآ أَنَزَّلَ اَللَّهُ فِيهِ) (وَقَفَيْنَا عَلَىّءَاثَرِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ وقال قبل هذا : الثَّوْرَةِ وَءَاتَيْنَهُ آلْإِنِجِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْرَنَةِ وَهُدَّى وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَخْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ) ١٠٢ وقد قال قبل هذا : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدَّى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ وقال أيضاً : ( وَلَوْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ) أَنَّهُمْأَقَامُواْ التَّوْرَنَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِّن رَّبِهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى وقال أيضاً : أَرْجُلِهِم ) تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدََ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَنَا وَكُفْرَّا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ). وهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لأهل الكتاب الذين بعث إليهم - وهم من كان في وقته ومن يأتى من بعدهم إلى يوم القيامة - لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم ، وكذلك قوله : إخبار عن اليهود (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) الموجودين، وأن عندهم التوراة فيها حكم الله، وكذلك قوله: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَآ أَنَزَلَ اَللَّهُفِيهِ ) هو أمر من الله على لسان محمد لأهل الإنجيل ، ومن لا يؤمر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . قيل قبل هذا: إنه قد قيل: ليس فى العالم نسخة بنفس ما أنزل الله فى التوراة والإنجيل ؛ بل ذلك مبدل ؛ فإن التوراة انقطع تواترها، والإنجيل ١٠٣ إنما أخذ عن أربعة . ثم من هؤلاء من زعم أن كثيراً مما فى التوراة أو الإنجيل باطل ليس من كلام الله ، ومنهم من قال : بل ذلك قليل . وقيل لم يحرف أحد شيئاً من حروف الكتب ، وإنما حرفوا معانيها بالتأويل ، وهذان القولان قال كلا منهما كثير من المسلمين ، والصحيح القول الثالث . وهو أن في الأرض نسخاً صحيحة ، وبقيت إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونسخاً كثيرة محرفة ، ومن قال إنه لم يحرف شيء من النسخ فقد قال ما لا يمكنه نفيه ، ومن قال جميع النسخ بعد النبي صلى الله عليه وسلم حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ ، والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل الله فى التوراة والإنجيل، ويخبر أن فيها حكمه، وليس في القرآن خبر أنهم غيروا جميع النسخ . وإذا كان كذلك فنقول: هو سبحانه قال: (وَلْيَخْكُمْ أَهْلُ الْإِنِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ) وما أنزله الله هو ما تلقوه عن المسيح، فأما حكايته الحاله بعد أن رفع فهو مثلها فى التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام. ومعلوم أن هذا الذي في التوراة والإنجيل من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيها ليس هو مما أنزله الله ومما تلقوه عن موسى وعيسى، بل هو مما كتبوه مع ذلك للتعريف بحال توفيها ، وهذا خبر محض من ١٠٤ الموجودين بعدها عن حالهما ، ليس هو مما أنزله الله عليهما ولا هو مما أمرا به فى حياتها ، ولا مما أخبرا به الناس . وكذلك: (لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ (وَلَوْأَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنجِيلَ وَمَا أَنْزِلَ إِلَيْهِم وقوله : مِّنرَّبِّكُمْ ) مِّن ◌َّتِهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم) فإن إقامة الكتاب العمل بما أمر الله به فى الكتاب من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول ، وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ، ولا مما أمر به ولا أخبر به ، وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة يصنف الشخص كتاباً ، فيذكر ناسخه فى آخره عمر المصنف ونسبه وسنه ، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف . ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن ، وأن لا يكتب فى المصحف غير القرآن ، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس والتعشير، ولا آمين ولا غير ذلك، والمصاحف القديمة كتبها أهل العلم على هذه الصفة ، وفى المصاحف من قد كتب ناسخها أسماء السور ، والتخميس ، والتعشير ، والوقف ، والابتداء ، وكتب فى آخر المصحف تصديقه ، ودعا ، وكتب اسمه ، ونحو ذلك ، وليس هذا من القرآن ، ١٠٥ فهكذا ما في الإنجيل من الخبر عن صلب المسيح وتوفيه ومجيئه بعد رفعه إلى الحواريين ليس هو مما قاله المسيح ، وإنما هو مما رآه من بعده ، والذي أنزله الله هو ما سمع من المسيح المبلغ عن الله. فإن قيل : فإذا كان الحواريون قد اعتقدوا أن المسيح صلب وأنه أتاهم بعد أيام ، وهم الذين نقلوا عن المسيح الإنجيل والدين فقد دخلت الشبهة . قيل : الحواريون وكل من نقل عن الأنبياء إنما يجب أن يقبل منهم ما نقلوه عن الأنبياء ، فإن الحجة فى كلام الأنبياء . وما سوى ذلك فموقوف على الحجة إن كان حقاً قبل وإلا رد ؛ ولهذا كان ما نقله الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن والحديث يجب قبوله؛ لا سيما المتواتر كالقرآن، وكثير من السنن . وأما ما قالوه فما أجمعوا عليه فإجماعهم معصوم ، وما تنازعوا فيه رد إلى الله والرسول ، وعمر قد كان أولاً أنكر موت النبى صلى الله عليه وسلم حتى رد ذلك عليه أبو بكر ، وقد تنازعوا في دفنه حتى فصل أبو بكر بالحديث الذي رواه ، وتنازعوا فى تجهيز جيش أسامة ، وتنازعوا فى قتال ما نعى الزكاة ، فلم يكن هذا قادحاً فيما نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. والنصارى ليسوا متفقين على صلب المسيح ، ولم يشهد أحد منهم ١٠٦ صلبه ؛ فإن الذي صلب إنما صلبه اليهود ، ولم يكن أحد من أصحاب المسيح حاضراً ، وأولئك اليهود الذين صلبوه قد اشتبه عليهم المصلوب بالمسيح ، وقد قيل: إنهم عرفوا أنه ليس هو المسيح، ولكنهم كذبوا وشبهوا على الناس ، والأول هو المشهور ، وعليه جمهور الناس. وحينئذ فليس عند النصارى خبر عمن يصدقونه بأنه صلب ؛ لكن عمدتهم على ذلك الشخص الذي جاء بعد أيام، وقال : أنا المسيح وذاك شيطان ، وهم يعترفون بأن الشياطين كثيراً ما مجيء ويدعي [أحدهم ] أنه نى أو صالح ، ويقول : أنا فلان النبى أو الصالح ويكون شيطانا وفي ذلك حكايات متعددة ، مثل حكاية الراهب الذي جاءه جاء وقال : أنا المسيح جئت لأهديك ، فعرف أنه الشيطان فقال : أنت قد بلغت الرسالة ، ومحن نعمل بها، فإن جئت اليوم بشيء يخالف ذلك لم نقبل منك. فليس عند النصارى واليهود علم بأن المسيح صلب كما قال تعالى: ( وَإِنَّالَّذِينَ أُخْتَلَغُواْ فِيهِ لَفِى شَكِ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا أَنْبَاعَ الَّنّ ) وأضاف الخبر عن قتله إلى اليهود بقوله : (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ فإنهم بهذا الكلام يستحقون العقوبة؛ إذ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) كانوا يعتقدون جواز قتل المسيح ، ومن جوز قتله فهو كمن قتله ، فهم فى هذا القول كاذبون وهم آتمون ، وإذا قالوه فخرا لم يحصل لهم الفخر لأنهم لم يقتلوه، وحصل الوزر لاستحلالهم ذلك وسعيهم فيه ، وقد قال ١٠٧ النبى صلى الله عليه وسلم: ( إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول فى النار ، قالوا يارسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)). قيل : هم اليهود (وَإِنَّاُلَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَئِ مِنْهُ ) وقوله : وقيل النصارى والآية تعم الطائفتين ، وقوله ( لَفِى شَكِ مِنْهُ ) قيل: من قتله ، وقيل : منه أي فى شك منه هل صلب أم لا ، كما اختلفوا فيه فقالت اليهود هو ساحر ، وقالت النصارى إنه إله ، فاليهود والنصارى اختلفوا هل صلب أم لا، وهم فى شك من ذلك: (مَالَهُم بِهِ مِنْ عِلّرٍ ) فإذا كان هذا فى الصلب فكيف فى الذي جاء بعد الرفع وقال إنه هو المسيح؟ . فإن قيل : [ إذا ] كان الحواريون الذين أدركوه قد حصل هذا (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَبَعُوكَ في إيمانهم فأين المؤمنون به الذين قال فيهم : فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَأْ) وقوله: (فَأَتَّدْنَا الَّذِينَءَامَنُوْ عَلَى عَدُوِّهِمْفَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ). قيل : ظن من ظن منهم أنه صلب لا يقدح فى إيمانه إذا كان لم بحرف ماجاء به المسيح . بل هو مقر بأنه عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فاعتقاده بعد هذا أنه صلب لا يقدح فى ١٠٨ إيمانه ، فإن هذا اعتقاد موته على وجه معين ، وغاية الصلب أن يكون قتلا له ، وقتل النبى لايقدح فى نبوته ، وقد قتل بنو إسرائيل كثيراً من الأنبياء . وقال تعالى (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبُّّونَ كَثِيرٌ ) الآية. وقال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَاِيْنِ مَاتَ أَوْقُتِلَ أَنقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ ) . وكذلك اعتقاد من اعتقد منهم أنه جاء بعد الرفع وكلهم هو ، مثل اعتقاد كثير من مشايخ المسلمين أن النبى صلى الله عليه وسلم جاءهم فى اليقظة ، فإنهم لا يكفرون بذلك ؛ بل هذا كان يعتقده من هو من أكثر الناس اتباعا للسنة واتباعا له ، وكان في الزهد والعبادة أعظم من غيره ، وكان يأتيه من يظن أنه رسول الله ، فهذا غلط منه لا يوجب كفره، فكذلك ظن من ظن من الحواريين أن ذلك هو المسيح لا يوجب خروجهم عن الإيمان بالمسيح ، ولا يقدح فيما نقلوه عنه ، وعمر لما كان يعتقد أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يمت ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ، وأنه لا يموت حتى يموت أصحابه ، لم يكن هذا قادما في إيمانه وإنما كان غلطاً ورجع عنه . ١٠٩ فصل هو وقوله تعالى فى هذه: (مَالَهُمْ بِهِ مِنْ عِلٍّ إِلََّ انِبَاعَ الظَّنِّ) ذم لهم على اتباع الظن بلا علم، وكذلك قوله: (إِنّهِىَ إِلَّا أَسْمٌَّ سَيْتُمُوهَاً أَنْتُمْ وَءَابَافَكُمَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَآءَ هُم وكذلك قوله : مِّن رَّهِمُ الْهُدَىّ) (وَمَالَهُمْ بِهِ ، مِنْ عِلٍَّ إِن يَّبِعُونَ إِلَّا الَّنِّ وَإِنَّ الظَنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) وقوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءٌ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) وقوله: (أَفَمَن يَهْدِىّ إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّأَنْ يُنَبَعَأَمَّنْ لََّهِدِىّ إِلَّا أَنْ يُهْدَىّ ◌َا لَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ * وَمَايَنَِّعُ أَكْثَرُهُمْ ◌َِّا ظَنَّا إِنَّالظَّنَ لَ يُغْنِىِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِمَايَفْعَلُونَ ). فهذه عدة مواضع يذم الله فيها الذين لا يتبعون إلا الظن ، وكذلك قوله: ( قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ صلى صِى مطالبة بالعلم ( وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ وذم لمن يتبع الظن وما عنده علم، وكذلك قوله: ( نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن ١١٠ كُنتُمْصَدِقِينَ ) وقوله: (وَإِذَّ كَثِيرُ الَّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِمْ بِغَيْ عِلْمٍ ) وأمثال ذلك ذم لمن عمل بغير علم . وعمل بالظن . وقد ثبت فى السنة المتواترة وإجماع الأمة أن الحاكم يحكم بشاهدين، وإن لم يكن شهود حلف الخصم . وفى الصحيحين من النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض وإنما أقضى بنحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار)). والاجتهاد فى ((تحقيق المناط)) مما اتفق المسلمون عليه ، ولا بد منه كمكم ذوي عدل بالمثل في جزاء الصيد ، وكالاستدلال على الكعبة عند الاشتباه ونحو ذلك ، فلا يقطع به الإنسان ؛ بل يجوز أن تكون القبلة فى غير جهة اجتهاده ، كما يجوز إذا حكم أن يكون قد قضى لأحدهما بشيءٍ من حق الآخر ، وأدلة الأحكام لابد فيها من هذا ؛ فإن دلالة العموم فى الظواهر قد تكون محتملة للنقيض ، وكذلك خبر الواحد والقياس ، وإن كان قوم نازعوا في القياس ، فالفقهاء منهم لم ينازعوا فى خبر الواحد كالظاهرية ، ومن نازع فى هذا وهذا لم ينازع في العموم كالمعتزلة البغداديين ، وإن نازع في العموم والقياس منازع ، كبعض الرافضة مثل الموسوي ونحوه لم ينازع فى الأخبار ؛ فإن الإمامية عمدتهم على ما نقل عن الاثنى عشر ، فلا بد لهم من الرواية ، ولا يوجد من ١١١ يستغني عن الظواهر والأخبار والأقيسة ، بل لابد أن يعمل ببعض ذلك مع بجويز نقيضه ، وهذا عمل بالظن ، والقرآن قد حرم اتباع الظن . وقد تنوعت طرق الناس فى جواز هذا ؛ فطائفة قالت : لا يتبع قط إلا العلم ولا يعمل بالظن أصلا، وقالوا إن خبر الواحد يفيد العلم ، وكذلك يقولون فى الظواهر ، بل يقولون نقطح بخطأ من خالفنا ، ونقض حكمه ، كما يقوله داود وأصحابه ، وهؤلاء عمدتهم إنما هو ما يظنونه ظاهراً - وأما الاستصحاب. فالاستصحاب فى كثير من المواضع من أضعف الادلة - وهم في كثير مما يحتجون به قد لا يكون ما احتجوا به ظاهر اللفظ ؛ بل الظاهر خلافه ؛ فطائفة قالت : لما قام الدليل على وجوب العمل بالظن الراجح كنا متبعين للعلم ، فنحن نعمل بالعلم عند وجود العلم ، لا نعمل بالظن وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأتباعه. وهنا السؤال المشهور فى (( حد الفقه)): أنه العلم بالأحكام الشرعية العملية ، وقال الرازي : العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها بحيث لا يعلم كونها من الدين ضرورة قال : فإن قلت : الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علماً ؟ قلت : المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط ١١٢ الحكم قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه ، فالعلم حاصل قطعاً ، والظن واقع في طريقه ، وحقيقة هذا الجواب أن هنا مقدمتين (إحداهما ) أنه قد حصل عندي ظن، و ( الثانية ) قد قام الدليل القطعي على وجوب اتباع هذا الظن . فـ ((المقدمة الأولى)) وجدانية و((الثانية)) عملية استدلالية ؛ فليس الظن هنا مقدمة فى الدليل كما توهمه بعضهم ، لكن يقال : العمل بهذا الظن هو حكم أصول الفقه ليس هو الفقه ، بل الفقه هو ذاك الظن الحاصل بالظاهر ؛ وخبر الواحد والقياس والأصول تفيد أن العمل بهذا الظن واجب ، وإلا فالفقهاء لا يتعرضون لهذا ، فهذا الحكم العملي الأصولي ليس هو الفقه ، وهذا الجواب جواب القاضي أبى بكر ، وهو بناه على أصله ، فإن عنده كل مجتهد مصيب ، وليس فى نفس الأمر أمر مطلوب ، ولا على الظن دليل يوجب ترجيح ظن على ظن ؛ بل الظنون عنده بحسب الاتفاق . وقال الغزالي وغيره ممن نصر قوله : قد يكون بحسب ميل النفس إلى أحد القولين دون الآخر ، كميل ذي الشدة إلى قول ، وذي اللين إلى قول . وحينئذ فعندم متى وجد المجتهد ظناً فى نفسه، فحكم الله فى حقه ١١٣ اتباع هذا الظن ، وقد أنكر أبو المعالي وغيره عليه هذا القول إنكاراً بليغاً، وهم معذورون فى إنكاره ، فإن هذا أولاً مكابرة ، فإن الظنون عليها أمارات ودلائل يوجب وجودها ترجيح ظن على ظن ، وهذا أمر معلوم بالضرورة ، والشريعة جاءت به ورجحت شيئاً على شيء ، والكلام فى شيئين : فى اتباع الظن ، وفى الفقه هل هو من الظنون ؟ أما الأول : فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث ، وهو أن كل ما أمر الله تعالى به فإنما أمر بالعلم ، وذلك أنه فى المسائل الخفية عليه أن ينظر فى الأدلة ، ويعمل بالراجح ، وكون هذا هو الراجح أمر معلوم عند أمر مقطوع به ، وإن قدر أن ترجيح هذا على هذا فيه شك عنده لم يعمل به ، وإذا ظن الرجحان فإنما ظنه لقيام دليل عنده على أن هذا راجح ، وفرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الإعتقاد ، أما اعتقاد الرجحان فقد يكون علما وقد لا يعمل حتى يعلم الرجحان ، وإذا ظن الرجحان أيضاً فلا بد أن يظنه بدليل يكون عنده أرجح من دليل الجانب الآخر ، ورجحان هذا غير معلوم ، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى رجحان معلوم عنده فيكون متبعاً لما علم أنه أرجح ، وهذا اتباع للعلم لا للظن وهو اتباع الأحسن، كما قال ( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ وقال : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْبِأَحْسَنِهَا ) وقال: (وَاتَّبِعُوْأَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم ) فإذا كان ١١٤ أحد الدليلين هو الأرجح فاتباعه هو الأحسن ، وهذا معلوم . فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره ، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين ، وحينئذ فما عمل إلا بالعلم وهذا جواب الحسن البصري ، وأبي وغيرهم ، والقرآن نم من لا يتبع إلا الظن فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا أرجح من غيره ؛ كما قال : وقال : ( هَلْ عِندَكُم مِّنْ (مَالَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا الْبَاعَ الظّنّ ) عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَاْ إِن تَشَِّعُونَ إِلَّا الَّنَّ ) وهكذا في سأر المواضع يذم الذين إن يتبعون إلا الظن ، فعندم ظن مجرد لا علم معه ، وهم يتبعونه ، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقاداً عملياً ؛ لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت فى نفس الأمر . وهذا كما ذكر النبى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع)) فإذا أتى أحد الخصمين بحجة ، مثل بينة تشهد له ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم علماً بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم؛ لكن الآخر قد يكون له حجة لا يعلمها أولا يحسن أن يبينها ، مثل أن يكون قد قضاه أو أبرأه ، وله بينة تشهد بذلك، وهو لا يعلمها أولا ١١٥ يذكرها أو لا يجسر أن يتكلم بذلك ، فيكون هو المضيع لحقه حيث لم يبين حجته ، والحاكم لم يحكم الا بعلم وعدل ، وضياع حق هذا كان من عجزه وتفريطه لا من الحاكم . وهكذا أدلة الأحكام ، فإذا تعارض خبران أحدهما مسند ثابت والآخر مرسل كان المسند الثابت أقوى من المرسل ، وهذا معلوم ؛ لأن المحدث بهذا قد علم عدله وضبطه ، والآخر لم يعلم عدله ولا ضبطه كشاهدين زكى أحدهما ولم يزك الآخر ، فهذا المزكى أرجح، وإن جاز أن يكون فى نفس الأمر قول الآخر هو الحق ؛ لكن المجتهد انما عمل بعلم، وهو علمه برجحان هذا على هذا: ليس ممن لم يتبع إلا الظن ، ولم يكن تبين له إلا بعد الاجتهاد التام فيمن أرسل ذلك الحديث ، وفى تركية هذا الشاهد ، فإن المرسل قد يكون راويه عدلا حافظاً ، كما قد يكون هذا الشاهد عدلا . ونحن ليس معنا علم بانتفاء عدالة الراوي ، لكن معنا عدم العلم بعدالتهما ، وقد لا تعلم عدالتها مع تقويتها ورجحانها فى نفس الأمر ، فمن هنا يقع الخطأ فى الاجتهاد : لكن هذا لا سبيل إلى أن يكلفه العالم أن يدع ما يعلمه إلى أمر لا يعلمه لإمكان ثبوته في نفس الأمر، فإذا كان لا بد من ترجيح أحد القولين وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على مالا يعلم ثبوته ، وإن لم يعلم انتفاؤه من جهته ، فإنهما إذا ١١٦ تعارضا وكانا متناقضين ، فإثبات أحدهما هو نفي الآخر ، فهذا الدليل المعلوم قد علم أنه يثبت هذا وينفى ذلك.، وذلك المجهول بالعكس، فإذا كان لابد من الترجيح وجب قطعاً ترجيح المعلوم ثبوته على مالم يعلم ثبوته . ولكن قد يقال : إنه لا يقطع بثبوته ، وقد قلنا : فرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد ، أما اعتقاد الرجحان فهو علم ، والمجتهد ما عمل إلا بذلك العلم ، وهو اعتقاد رجحان هذا على هذا ، وأما رجحان هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد فهو الظن ؛ لكن لم يكن ممن قال الله فيه: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) بل هنا ظن رجحان هذا وظن رجحان ذاك، وهذا الظن هو الراجح ، ورجحانه معلوم ، فحكم بما علمه من الظن الراجح ودليله الراجح ، وهذا معلوم له لا مظنون عنده ، وهذا يوجد فى جميع العلوم ، والصناعات ، كالطب ، والتجارة ، وغير ذلك . وأما الجواب عن قولهم الفقه من باب الظنون : فقد أحاب طائفة منهم أبو الخطاب بجواب آخر ، وهو أن العلم المراد به العلم الظاهر ، وإن جوز أن يكون الأمر بخلافه ، كقوله: ( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتِ ). والتحقيق أن عنه جوابين : ١١٧ ((أحدهما)) أن يقال: جمهور مسائل الفقه التى يحتاج إليها الناس ويفتون بها هي ثابتة بالنص أو الإجماع ، وإنما يقع الظن والنزاع فى قليل مما يحتاج إليه الناس ، وهذا موجود في سائر العلوم ، وكثير مسائل الخلاف هي فى أمور قليلة الوقوع ومقدرة، وأما ما لا بد للناس منه من العلم مما يجب عليهم ويحرم ويباح فهو معلوم مقطوع به ، وما يعلم من الدين ضرورة جزء من الفقه ، وإخراجه من الفقه قول لم يعلم أحد من المتقدمين قاله ، ولا احترز بهذا القيد أحد إلا الرازي وبحوه ، وجميع الفقهاء يذكرون فى كتب الفقه وجوب الصلاة والزكاة، والحبج واستقبال القبلة ، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة ، وتحريم الخمر والفواحش ، وغير ذلك مما يعلم من الدين ضرورة . و ((أيضاً)) فكون الشىء معلوماً من الدين ضرورة أمر إضافي، تحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا بالكلية، فضلا عن كونه يعلمه بالضرورة ، وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبى صلى الله عليه وسلم سجد للسهو ، وقضى بالدية على العاقلة ، وقضى أن الولد للفراش وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة ، وأكثر الناس لا يعلمه ألبتة . ((الجواب الثاني)) أن يقال: الفقه لا يكون فقهاً إلا من المجتهد المستدل ، وهو قد على أن هذا الدليل أرجح وهذا الظن أرجح ، ١١٨ فالفقه هو علمه برجحان هذا الدليل وهذا الظن ؛ ليس الفقه قطعه بوجوب العمل ، أي بما أدى إليه اجتهاده ، بل هذا القطع من أصول الفقه ، والأصولي يتكلم فى جنس الأدلة ، ويتكلم كلاماً كليلا، فيقول: يجب إذا تعارض دليلان أن يحكم بأرجحها ، ويقول أيضاً : إذا تعارض العام والخاص فالخاص أرجح ، وإذا تعارض المسند والمرسل فالمسند أرجح، ويقول أيضاً : العام المجرد عن قرائن التخصيص شموله الأفراد أرجح من عدم شموله ، ويجب العمل بذلك . فأما الفقيه : فيتكلم فى دليل معين فى حكم معين ، مثل أن يقول قوله: ( وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَا مُكُمْ حِلُّ ◌َهُمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْمُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ ) خاص فى أهل الكتاب ، ومتأخر عن قوله : (وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ ) وتلك الآية لا تتناول أهل الكتاب ، وإن تناولتهم فهذا خاص متأخر ؛ فيكون ناسخاً ومخصصاً ، فهو يعلم أن دلالة هذا النص على الحل أرجح من دلالة ذلك النص على التحريم ، وهذا الرجحان معلوم عنده قطعاً ، وهذا الفقه الذي يختص به الفقيه هو على قطعي لا ظني ، ومن لم يعلم كان مقلداً للأئمة الأربعة والجمهور الذين جوزوا نكاح الكتابيات ، واعتقاد المقلد ليس بفقه . ولهذا قال المستدل على أعيانها : والفقيه قد استدل على عين ١١٩ الحكم المطلوب والمسؤول عنه ، وحيث لا يعلم الرجحان فهو متوقف لا قول له ، وإذا قيل له: فقد قال: (وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ) قال : هذا نزل عام الحديبية ، والمراد به المشركات ، فإن سبب النزول يدل على أنهن مرادات قطعاً ، وسورة المائدة بعد ذلك ، فهي خاص متأخر وذاك عام متقدم ، والخاص المتأخر أرجح من العام المتقدم . ولهذا لما نزل قوله: (وَلَ تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ ) فارق عمر امرأة مشركة ، وكذلك غيره ، فدل على أنهم كانوا ينكون المشركات إلى حين نزول هذه الآية ، ولو كانت آية البقرة قد نزلت قبل هذه لم يكن كذلك ؛ فدل على أن آية البقرة بعد آية الممتحنة ، وآية المائدة بعد آية البقرة . فهذا النظر وأمثاله هو نظر الفقيه العالم برجحان دليل ، وظن على دليل ، وهذا على لا ظن . فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه ، وأن العالم إنما يعلم بما يوجب العلم بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه ، وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز اتباعه ، وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه : (إِن يَشَّعُونَ إِلَّا الََّنَّ ) فهم لا يتبعون إلا الظن ، ليس عندم على. ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علماً لم يكونوا ممن يتبع إلا الظن . والله أعلم . ١٢٠