النص المفهرس
صفحات 81-100
قلت (( الاستمتاع بالشيء )، هو أن يتمتع به فينال به ما يطلبه ويريده ويهواه ، ويدخل في ذلك استمتاع الرجال بالنساء بعضهم ببعض كما قال: (فَمَا اسْتَمْتَعْثُمْ بِهِ، مِنْهُنَّ فَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَ فَرِيضَةً ) ومن ذلك الفواحش ، كاستمتاع الذكور بالذكور والإناث بالإناث . ويدخل في هذا الاستمتاع بالاستخدام وأئمة الرياسة كما يتمتع الملوك والسادة بجنوده ومماليكهم ، ويدخل فى ذلك الاستمتاع بالأموال كاللباس، ومنه قوله: ( وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِقَدَرُهُ) وكان من السلف من يمتع المرأة بخادم فهي تستمتع بخدمته ، ومنهم من يمتع بكسوة أو نفقة ، ولهذا قال الفقهاء : أعلى المتعة خادم ، وأدناها كسوة تجزى فيها الصلاة . وفي ((الجملة)) استمتاع الإنس بالجن والجن بالإنس يشبه استمتاع الإنس بالإنس، قال تعالى: ( الْأَخِلَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) وقال تعالى: (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) قال مجاهد : هي المودات التى كانت لغير الله، وقال الخليل: ( إِنَّمَا أَتَّخَذْتُممِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ) فالمشرك وقال تعالى: (أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ ) يعبد ما يهواه ، واتباع الهوى هو استمتاع من صاحبه بما يهواه ، وقد وقع فى الإنس والجن هذا كله . ٨١ وتارة يخدم هؤلاء لهؤلاء فى أغراضهم ، وهؤلاء لهؤلاء فى أغراضهم فالجن تأتيه بما يريد من صورة أو مال أو قتل عدوه ، والإنس تطيع الجن ، فتارة تسجد له، وتارة تسجد لما يأمره بالسجود له ، وتارة تمكنه من نفسه ، فيفعل به الفاحشة ، وكذلك الجنيات منهن من يريد من الإنس الذي يخدمنه ما يريد نساء الإنس من الرجال ، وهذا كثير فى رجال الجن ونسائهم ، فكثير من رجالهم ينال من نساء الإنس ما يناله الإنسى ، وقد يفعل ذلك بالذكران . وصرع الجن للإنس هو لأسباب ثلاثة : تارة يكون الجني يحب المصروع فيصرعه ليتمتع به . وهذا الصرع يكون أرفق من غيره وأسهل ، وتارة يكون الإنسي آذام إذا بال عليهم ، أو صب عليهم ماء حاراً ، أو يكون قتل بعضهم أو غير ذلك من أنواع الأذى وهذا أشد الصرع ، وكثيراً ما يقتلون المصروع ، وتارة يكون بطريق العبث به كما يعبث سفهاء الإنس بأبناء السبيل . ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم فى الأخبار بالأمور الغائبة ، كما يخبر الكهان ، فإن في الإنس من له غرض فى هذا ؛ لما يحصل به من الرياسة والمال وغير ذلك ، فإن كان القوم كفاراً كما كانت العرب لم تبال بأن يقال: إنه كاهن كما كان بعض العرب كهاناً، وقدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة وفيها كهان ، وكان المنافقون يطلبون التحاكم إلى ٨٢ الكهان ، وكان أبو أبرق الأسلمي أحد الكهان قبل أن يسلم ، وإن كان القوم مسلمين لم يظهر أنه كاهن ، بل يجعل ذلك من باب الكرامات، وهو من جنس الكهان ، فإنه لا يخدم الإنسي بهذه الأخبار إلا لما يستمتع به من الإنسي ، بأن يطيعه الإنسي فى بعض ما يريده إما في شرك وإما فى فاحشة وإما فى أكل حرام ، وإما فى قتل نفس بغير حق . فالشياطين لهم غرض فيما هى اللّه عنه من الكفر والفسوق والعصيان، ولهم لذة في الشر والفتن يحبون ذلك وإن لم يكن فيه منفعة لهم ، وم يأمرون السارق أن يسرق ويذهبون إلى أهل المال ، فيقولون : فلان سرق متاعكم ؛ ولهذا يقال : القوة الملكية والبهيمية والسبعية والشيطانية ، فإن الملكية فيها العلم النافع والعمل الصالح ، والبهيمية فيها الشهوات كالأكل والشرب ، والسبعية فيها الغضب وهو دفع المؤذى ، وأما الشيطانية فشر محض ليس فيها جلب منفعة ولا دفع مضرة. والفلاسفة وبحوم ممن لا يعرف الجن والشياطين لا يعرفون هذه وإنما يعرفون الشهوة والغضب ، والشهوة والغضب خلقا لمصلحة ومنفعة؛ لكن المذموم هو العدوان فيها ، وأما الشيطان فيأمر بالشر الذي لا منفعة فيه ، ويحب ذلك ، كما فعل إبليس بآدم لما وسوس له ، وكما ٨٣ امتنع من السجود له ، فالحسد يأمر به الشيطان ، والحاسد لا ينتفع بزوال النعمة عن المحسود ، لكن يبغض ذلك ، وقد يكون بغضه لفوات غرضه ، وقد لا يكون . ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم فى إحضار بعض ما يطلبونه من مال وطعام ، وثياب ونفقة ؛ فقد يأتون ببعض ذلك ، وقد بدلونه على كنز وغيره . واستمتاع الجن بالإنس استعمالهم فيما يربده الشيطان من كفر وفسوق ومعصية . ومن استمتاع الإنس بالجن استخدامهم فيما يطلبه الإنس من شرك وقتل وفواحش ، فتارة يتمثل الجني في صورة الإنسي ، فإذا استغاث به بعض أتباعه أناء فظن أنه الشيخ نفسه ، وتارة يكون التابع قد نادى شيخه وهتف به ياسيدي فلان فينقل الجني ذلك الكلام إلى الشيخ بمثل صوت الإنسي حتى يظن الشيخ أنه صوت الإنسي بعينه ، ثم إن الشيخ يقول : نعم! وبشير إشارة يدفع بها ذلك المكروه ، فيأتى الجني بمثل ذلك الصوت والفعل ، فيظن ذلك الشخص أنه شيخه نفسه وهو الذي أجابه ، وهو الذي فعل ذلك حتى أن تابع الشيخ قد يكون يده فى إناء بأكل ، فيضع الجني بده فى صورة يد الشيخ ويأخذ من الطعام ؛ فيظن ذلك التابع أنه شيخه حاضر معه، والجني يمثل للشيخ نفسه مثل ذلك الإناء ؛ فيضع يده فيه حتى يظن الشيخ أن يده ٨٤ فى ذلك الإناء ، فإذا حضر المريد ذكر له الشيخ أن يدي كانت في الإناء فيصدقه، ويكون بينهما مسافة شهر، والشيخ موضعه، ويده لم تطل، ولكن الجني مثل للشيخ ومثل للمريد ، حتى ظن كل منهما أن أحدهما عند الآخر ، وإنما كان عنده ما مثله الخني وخيله . وإذا سئل الشيخ المخدوم عن أمر غائب إما سرقة وإما شخص مات وطلب منه أن يخبر بحاله ، أو علة فى النساء أو غير ذلك ، فإن الجني قد يمثل ذلك فيريه صورة المسروق ، فيقول الشيخ : ذهب لكم كذا وكذا ، ثم إن كان صاحب المال معظما ، وأراد أن يدله على سرقته ، مثل له الشيخ الذي أخذه أو المكان الذي فيه المال فيذهبون إليه فيجدونه كما قال ، والأكثر منهم أنهم يظهرون صورة المال ولا يكون عليه ؛ لأن الذي سرق المال معه أيضاً جني يخدمه، والجن يخاف بعضهم من بعض كما أن الإنس يخاف بعضهم بعضاً ، فإذا دل الجني عليه جاء إليه أولياء السارق فآذوه ، وأحيانا لا يدل لكون السارق وأعوانه يخدمونه ويرشونه ، كما يصيب من يعرف اللصوص من الإنس تارة يعرف السارق ولا يعرف به ، إما لرغبة ينالها منه وإما لرهبة وخوف منه ، وإذا كان المال المسروق لكبير يخافه ويرجوه عرف سارقه. فهذا وأمثاله من استمتاع بعضهم ببعض . والجن مكلفون كتكليف الإنس ، ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل ٨٥ إلى الثقلين الجن والإنس ، وكفار الجن يدخلون النار بالنصوص وإجماع المسلمين . وأما مؤمنوم: ففيهم قولان، وأكثر العلماء على أنهم يثابون أيضاً ويدخلون الجنة، وقد روى أنهم يكونون في ربضها يرام الإنس من حيث لا يرون الإنس عكس الحال في الدنيا ، وهو حديث رواه الطبرانى فى معجمه الصغير يحتاج إلى النظر فى إسناده . وقد احتج ابن أبى ليلى وأبو يوسف على ذلك بقوله تعالى : (وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِمَّا عَمِلُوا) وقد ذكر الجن والإنس: الأبرار والفجار في الأحقاف والأنعام. واحتج الأوزاعي وغيره بقوله تعالى: (لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَنٌ ) وقد قال تعالى في الأحقاف: (أُوْلَكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَّ أَمْرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ * وَلِكُلِ دَرَحَتٌ مِمَّا عَمِلُواْ ) وقد تقدم قبل هذا ذكر أهل الجنة، وقوله: (أُوْلَكَ الَّذِينَ تَتَقَبِّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَشَجَاوَزُ (وَلِكُلِ دَرَحَتٌ مِمَا عَمِلُواً ثم قال : عَن سَبِّئَاتِهِمْ فِى أَصْحَدٍ الْجَنَّةِ ) قال عبد الرحمن بن زيد وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَأَ يُظْلَمُونَ ) ابن أسلم : درجات أهل الجنة تذهب علوا ودرجات أهل النار تذهب سفلا، وقد قال تعالى عن قول الجن: (مِنَّا الصَّلِحُونَ وَمِنَّادُونَ ذَلِ كُنَّاً طَابِقَ قِدَدًا ) وقالوا: ( وَأَنَّامِنَالْمُسْلِمُونَ وَمِنَا الْقَسِطُونِّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَكَ ٨٦ تَحَرَّوْاْرَشَدًا * وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا ) ففيهم الكفار والفساق والعصاة ، وفيهم من فيه عبادة ودين بنوع من قلة العلم كما فى الإنس ، وكل نوع من الجن يميل إلى نظيره من الإنس . فاليهود مع اليهود ، والنصارى مع النصارى ، والمسلمون مع المسلمين ، والفساق مع الفساق ، وأهل الجهل والبدع مع أهل الجهل والبدع . واستخدام الإنس لهم مثل استخدام الإنس للإنس بشيء : منهم من يستخدمهم في المحرمات من الفواحش والظلم والشرك والقول على اللّه بلا علم، وقد يظنون ذلك من كرامات الصالحين، وإنما هو من أفعال الشياطين . ومنهم من يستخدمهم فى أمور مباحة ، إما إحضار ماله أو دلالة على مكان فيه مال ليس له مالك معصوم ، أو دفع من يؤذيه ونحو ذلك ، فهذا كاستعانة الإنس بعضهم ببعض فى ذلك . و ((النوع الثالث)) أن يستعملهم فى طاعة الله ورسوله، كما يستعمل الإنس في مثل ذلك، فيأمرم بما أمر الله به ورسوله، وينهاهم عما نهام اللّه عنه ورسوله كما يأمر الإنس وينهام، وهذه حال نبينا صلى الله عليه وسلم وحال من اتبعه واقتدى به من أمته ، وهم أفضل الخلق ، فإنهم يأمرون الإنس والجن بما أمرم الله به ورسوله، ٨٧ وينهون الإنس والجن عما نهاهم اللّه عنه ورسوله؛ إذ كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً بذلك إلى الثقلين الإنس والجن ، وقد قال الله له: (قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُوّاْإِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَ مَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ ( قُلْ إِنَ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ وقال : اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وعمر رضي الله عنه لما نادى يا سارية الجبل! قال: إن لله جنوداً يبلغون صوتي . وجنود الله ثم من الملائكة ومن صالحي الجن، فجنود اللّه بلغوا صوت عمر إلى سارية، وهو أنهم نادوه بمثل صوت عمر، وإلا نفس صوت عمر لا يصل نفسه في هذه المسافة البعيدة ، وهذا كالرجل يدعو آخر وهو بعيد عنه ، فيقول : يا فلان ! فيعان على ذلك فيقول : الواسطة بينهما يا فلان ، وقد يقول لمن هو بعيد عنه يا فلان احبس الماء ، تعال إلينا، وهو لا يسمع صوته ، فيناديه الواسطة بمثل ذلك يا فلان احبس الماء ، أرسل الماء ؛ إما بمثل صوت الأول إن كان لا يقبل إلا صوته وإلا فلا يضر بأي صوت كان إذا عرف أن صاحبه قد ناداه . وهذه حكاية : كان عمر مرة قد أرسل جيشاً فجاء شخص وأخبر أهل المدينة بانتصار الجيش وشاع الخبر ، فقال عمر : من أين لكم ٨٨ هذا ؟ قالوا شخص صفته كيت وكيت فأخبرنا ، فقال عمر ذاك أبو الهيثم بريد الجن ، وسيجىء بريد الإنسان بعد ذلك بأيام . وقد بأمر الملك بعض الناس بأمر ويستكتمه إياه فيخرج فيرى الناس يتحدثون به ، فإن الجن تسمعه وتخبر به الناس ، والذين يستخدمون الجن فى المباحات يشبه استخدام سليمان ، لكن أعطى ملكا لا ينبغي لأحد بعده ، وسخرت له الإنس والجن ، وهذا لم يحصل لغيره والنبي صلى الله عليه وسلم لما تغلت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال: ((فأخذته فذعته حتى سال لعابه على يدي ، وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد ، ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته » فلم يستخدم الجن أصلا ؛ لكن دعاهم إلى الإيمان بالله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم الرسالة ، وبايعهم كما فعل بالإنس . والذي أونيه صلى اللّه عليه وسلم أعظم مما أوتيه سليمان ؛ فإنه استعمل الجن والإنس فى عبادة الله وحده ، وسعادتهم في الدنيا والآخرة لا لغرض يرجع إليه إلا ابتغاء وجه اللّه وطلب مرضاته، واختار أن يكون عبداً رسولا على أن يكون نبياً ملكا ، فداود وسليمان ويوسف أنبياء ملوك ، وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد رسل عبيد، فهو أفضل، كفضل السابقين المقربين على الأبرار أصحاب اليمين ، وكثير ممن يرى هذه العجائب الخارقة يعتقد أنها من كرامات الأولياء ، وكثير من أهل ٨٩ الكلام والعلم لم يعرفوا الفرق بين الأنبياء والصالحين في الآيات الخارقة وما لأولياء الشيطان من ذلك - من السحرة والكهان والكفار من المشركين وأهل الكتاب، وأهل البدع والضلال من الداخلين فى الإسلام فجعلوا الخوارق جنساً واحداً، وقالوا : كلها يمكن أن تكون معجزة إذا اقترنت بدعوى النبوة والاستدلال بها والتحدي بمثلها . وإذا ادعى النبوة من ليس بنى من الكفار والسحرة فلا بد أن يسلبه اللّه ما كان معه من ذلك، وأن يقيض له من يعارضه، ولو عارض واحد من هؤلاء النبى لأعجزه الله ، خاصة المعجزات عندم مجرد كون المرسل إليهم لا يأتون بمثل ما أتى به النبى مما لم يكن معتاداً للناس ، قالوا : إن عجز الناس عن المعارضة خرق عادة ، فهذه هي المعجزات عندم ، وهم ضاهوا سلفهم من المعتزلة الذين قالوا المعجزات هي خرق العادة ، لكن أنكروا كرامات الصالحين ، وأنكروا أن يكون السحر والكهانة إلا من جنس الشعبذة والحيل ، لم يعلموا أن الشياطين تعين على ذلك ، وأولئك أثبتوا الكرامات ثم زعموا أن المسلمين أجمعوا على أن هذه لا تكون إلا لرجل صالح أو نى ، قالوا : فإذا ظهرت على بد رجل كان صالحاً بهذا الإجماع . وهؤلاء أنفسهم قد ذكروا أنها يكون للسحرة ما هو مثلها . وتناقضوا فى ذلك ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع . ٩٠ فصار كثير من الناس لا يعلمون ما للسحرة والكهان ، وما يفعله الشياطين من العجائب ، وظنوا أنها لا تكون إلا لرجل صالح ؛ فصار من ظهرت هذه له يظن أنها كرامة ، فيقوى قلبه بأن طريقته هي طريقة الأولياء ، وكذلك غيرم يظن فيه ذلك ثم يقولون : الولي إذا تولى لا يعترض عليه ، فمنهم من يراه مخالفاً لما علم بالاضطرار من دين الرسول مثل ترك الصلاة المفروضة ، وأكل الخبائث كالخمر والحشيشة والميتة وغير ذلك ، وفعل الفواحش ، والفحش والتفحش فى المنطق ، وظلم الناس وقتل النفس بغير حق ، والشرك بالله، وهو مع ذلك يظن فيه أنه ولي من أولياء الله قد وهبه هذه الكرامات بلا عمل فضلا من الله تعالى ولا يعلمون أن هذه من أعمال الشياطين ، وأن هذه من أولياء الشياطين تضل بها الناس وتغويهم . ودخلت الشياطين في أنواع من ذلك ، فتارة يأتون الشخص فى النوم يقول أحدهم: أنا أبو بكر الصديق، وأنا أتوبك لي ، وأصير شيخك ، وأنت تتوب الناس لي ، ويلبسه فيصبح وعلى رأسه ما ألبسه فلا يشك أن الصديق هو الذي جاءه ولا يعلم أنه الشيطان ، وقد جرى مثل هذا لعدة من المشايخ بالعراق والجزيرة والشام ، وتارة يقص شعره فى النوم فيصبح فيجد شعره مقصوصاً، وتارة يقول : أنا الشيخ فلان فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه وقص شعره . ٩١ وكثيراً ما يستغيث الرجل بشيخه الحى أو الميت ، فيأتونه في صورة ذلك الشيخ ، وقد يخلصونه مما يكره فلا يشك أن الشيخ نفسه جاءه ، أو أن ملكا تصور بصورته وجاءه، ولا يعلم أن ذلك الذي تمثل إنما هو الشيطان لما أشرك بالله أضلته الشياطين، والملائكة لا يجيب مشركا . وتارة يأتون إلى من هو خال فى البربة وقد يكون ملكا أو أميراً كبيراً ، ويكون كافراً، وقد انقطع عن أصحابه وعطش وخاف الموت ، فيأتيه فى صورة إنسى ويسقيه ويدعوه إلى الإسلام ويتوبه ، فيسلم على يديه ويتوبه وبطعمه ، ويدله على الطريق ، ويقول من أنت ؟ فيقول: أنا فلان ويكون [من مؤمني الجن](١). كما جرى مثل هذا لي . كنت فى مصر فى قلعتها ، وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق ، وقال له ذلك الشخص أنا ابن تيمية فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين ، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولا وكنت فى الحبس ؛ فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس ، ولكن كان هذا جنياً يحبنا فيصنع بالترك النتر مثل ماكنت أصنع بهم ؛ لما جاءوا إلى دمشق: كنت أدعوهم إلى الإسلام فإذا نطق أحدهم بالشهادتين أطعمتهم (١) بالأصل «فى موضع)). ٩٢ ما تيسر ، فعمل معهم مثل ماكنت أعمل ، وأراد بذلك إكرامى ليظن ذاك أبي أنا الذي فعلت ذلك . قال لي طائفة من الناس . فلم لا يجوز أن يكون ملكا ؟ قلت لا . إن الملك لا يكذب ، وهذا قد قال أنا ابن تيمية وهو يعلم أنه كاذب فى ذلك . وكثير من الناس رأى من قال إني أنا الخضر ، وإنما كان جنياً. ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكاراً لموت الخضر والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر، وكلا الطائفتين مخطئ فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر م كثيرون صادقون والحكايات متواترات ؛ لكن أخطأوا فى ظنهم أنه الخضر، وإنما كان جنياً ، ولهذا يجري مثل هذا لليهود والنصارى ، فكثيراً ما يأتيهم فى كنائسهم من يقول إنه الخضر ، وكذلك اليهود يأتيهم فى كنائسهم من يقول إنه الخضر ، وفي ذلك من الحكايات الصادقة ما يضيق عنه هذا الموضع ، يبين صدق من رأى شخصاً وظن أنه الخضر ، وأنه غلط فى ظنه أنه الخضر وإنما كان جنياً. وقد يقول: أنا المسيح، أو موسى، أو محمد أو أبو بكر ، أو عمر ، أو الشيخ فلان ، فكل هذا قد وقع ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من رآنى فى المنام فقد رآني حقاً ٩٣ فإن الشيطان لا يتمثل في صوربي)) قال ابن عباس : في صورته التى كان عليها فى حياته . وهذه رؤية فى المنام ، وأما في اليقظة فمن ظن أن أحداً من الموتى يجيء بنفسه للناس عياناً قبل يوم القيامة فمن جهله أني . ومن هنا ضلت النصارى حيث اعتقدوا أن المسيح بعد أن صلب - كما يظنون- أنه أتى إلى الحواربين وكلهم ووصام وهذا مذكور فى أناجيلهم ، وكلها تشهد بذلك ، وذاك الذي جاء كان شيطانا قال أنا المسيح ولم يكن هو المسيح نفسه ، ويجوز أن يشتبه مثل هذا على الحواربين كما اشتبه على كثير من شيوخ المسلمين ، ولكن ما أخبرهم المسيح قبل أن يرفع بتبليغه فهو الحق الذي يجب عليهم تبليغه ، ولم يرفع حتى بلغ رسالات ربه ، فلا حاجة إلى مجيئه بعد أن رفع إلى السماء . وأصحاب الحلاج لما قتل كان يأتيهم من يقول أنا الخلاج ، فيرونه في صورته عياناً ، وكذلك شيخ بمصر يقال له الدسوقي بعد أن مات كان يأتي أصحابه من جهته رسائل وكتب مكتوبة ، وأرانى صادق من أصحابه الكتاب الذي أرسله فرأيته بخط الجن - وقد رأيت خط الجن غير مرة - وفيه كلام من كلام الجن ، وذاك المعتقد يعتقد أن الشيخ حي ، وكان يقول : انتقل ثم مات، وكذلك شيخ آخر كان بالمشرق وكان له خوارق من الجن وقيل كان بعد هذا يأتى خواص ٩٤ أصحابه فى صورته فيعتقدون أنه هو ، وهكذا الذين كانوا يعتقدون بقاء علي أو بقاء محمد بن الخفية قد كان يأتى إلى بعض أصحابهم جني في صورته ، وكذا منتظر الرافضة قد يراه أحدم أحياناً ويكون المرئي جنياً . فهذا باب واسع واقع كثيراً ، وكما كان القوم أجهل كان عندم أكثر ، ففي المشركين أكثر مما فى النصارى ، وهو فى النصارى كما هو فى الداخلين فى الإسلام ، وهذه الأمور يسلم بسببها ناس ويتوب بسببها ناس يكونون أضل من أصحابها ، فينتقلون بسببها إلى ماهو خير مما كان عليه ، كالشيخ الذي فيه كذب وتفجور من الإنس قد يأتيه قوم كفار فيدعوهم إلى الإسلام فيسلمون ويصيرون خيراً مما كانوا ، وإن كان قصد ذلك الرجل فاسداً ، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ((إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم)) وهذا كالحجج والأدلة التى يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي ، فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل ، ويقوى بها قلوب كثير من أهل الحق ، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات ، فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه . ٩٥ وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين : من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار ، فأسلم على يديه خلق كثير ، وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين ، وهو خير من أن يكونوا كفاراً ، وكذلك بعض الملوك قد يغزو غزوا يظلم فيه المسلمين والكفار ويكون آثماً بذلك ، ومع هذا فيحصل به نفع خلق كثير كانوا كفاراً فصاروا مسلمين ، وذاك كان شراً بالنسبة إلى القائم بالواجب ، وأما بالنسبة إلى الكفار فهو خير . وكذلك كثير من الأحاديث الضعيفة فى الترغيب والترهيب والفضائل والأحكام والقصص ، قد يسمعها أقوام فينتقلون بها إلى خير مما كانوا عليه ، وإن كانت كذبا وهذا كالرجل يسلم رغبة فى الدنيا ورهبة من السيف ، ثم إذا أسلم وطال مكثه بين المسلمين دخل الإيمان فى قلبه ، فنفس ذل الكفر الذي كان عليه وانقهاره ودخوله فى حكم المسلمين خير من أن يبقى كافراً ، فانتقل إلى خير مما كان عليه، وخف الشر الذي كان فيه. ثم إذا أراد الله هدايته أدخل الإيمان في قلبه . والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، والنبى صلى الله عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان ٩٦ ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان، ( وَلِكُلِّ دَرَحَتٌّ ◌ِمَا عَمِلُواْ وَلِيُوَفَّهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ). وأكثر المتكلمين بردون باطلا بباطل ، وبدعة ببدعة ؛ لكن قد يردون باطل الكفار من المشركين وأهل الكتاب بيأطل المسلمين ، فيصير الكافر مسلماً مبتدعا ، وأخص من هؤلاء من يرد البدع الظاهرة كبدعة الرافضة ببدعة أخف منها وهي بدعة أهل السنة ، وقد ذكرنا فيما تقدم أصناف البدع . ولا ريب أن المعتزلة خير من الرافضة ومن الخوارج ؛ فإن المعتزلة تقر بخلافة الخلفاء الأربعة ، وكلهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان، وكذلك المعروف عنهم أنهم يتولون علياً ، ومنهم من يفضله على أبى بكر وعمر ؛ ولكن حكى عن بعض متقدميهم أنه قال: فسق يوم الجمل إحدى الطائفتين ، ولا أعلم عينها . وقالوا إنه قال : لو شهد علي والزبير لم أقبل شهادتهما لفسق أحدهما لا بعينه ، ولو شهد علي مع آخر ففي قبول شهادته قولان ، وهذا القول شاذ فيهم ، والذي عليه عامتهم تعظيم علي . ومن المشهور عندهم ذم معاوية وأبى موسى وعمرو بن العاص لأجل علي ، ومنهم من يكفر هؤلاء ويفسقهم ؛ بخلاف طلحة والزبير ٩٧ وعائشة فإنهم يقولون : إن هؤلاء تابوا من قتاله ، وكلهم يتولى عثمان ويعظمون أبا بكر وعمر ، ويعظمون الذنوب ، فهم بتحرون الصدق كالخوارج، لا يختلقون الكذب كالرافضة ، ولا يرون أيضاً اتخاذ دار غير دار الإسلام كالخوارج ، ولهم كتب فى تفسير القرآن ونصر الرسول ، ولهم محاسن كثيرة يترجحون على الخوارج والروافض، وهم قصدهم إثبات توحيد الله ورحمته ، وحكمته وصدقه، وطاعته، وأصولهم الخمس عن هذه الصفات الخمس ؛ لكنهم غلطوا فى بعض ما قالوه فى كل واحد من أصولهم الخمس، فجعلوا من ((التوحيد)) نفي الصفات وإنكار الرؤية ، والقول بأن القرآن مخلوق ، فوافقوا فى ذلك الجهمية، وجعلوا من ((العدل)) أنه لا يشاء ما يكون ، ويكون مالا يشاء ، وأنه لم يخلق أفعال العباد ، فنفوا قدرته ومشيئته وخلقه لإثبات العدل ، وجعلوا من الرحمة نفي أمور خلقها لم يعرفوا ما فيها من الحكمة . وكذلك م والخوارج قالوا بـ ((إنفاذ الوعيد)) ليثبتوا أن الرب صادق لا يكذب ؛ إذ كان عندم قد أخبر بالوعيد العام ، فمتى لم يقل بذلك لزم كذبه، وغلطوا في فهم الوعيد. وكذلك («الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسيف)) قصدوا به طاعة الله ورسوله ، كما يقصده الخوارج والزيدية ، فغلطوا في ذلك . وكذلك إنكارهم للخوارق غير المعجزات قصدوا به إثبات النبوة ٩٨ ونصرها وغلطوا فيما سلكوه ، فإن النصر لا يكون بتكذيب الحق . وذلك لكونهم لم يحققوا خاصة آيات الأنبياء . والأشعرية ما ردوه من بدع المعتزلة والرافضة والجهمية وغيرهم ، وبينوا ما بينوه من تناقضهم ، وعظموا الحديث والسنة ومذهب الجماعة ، فحصل بما قالوه من بيان تناقض أصحاب البدع الكبار وردهم ما انتفع به خلق كثير . فإن الأشعري كان من المعتزلة ، وبقي على مذهبهم أربعين سنة يقرأ على أبى علي الجبائى ، فلما انتقل عن مذهبهم كان خبيراً بأصولهم وبالرد عليهم وبيان تناقضهم ، وأما ما بقي عليه من السنة فليس هو من خصائص المعتزلة ، بل هو من القدر المشترك بينهم وبين الجهمية ، وأما خصائص المعتزلة فلم يوالهم الأشعري فى شيء منها ؛ بل ناقضهم فى جميع أصولهم، ومال فى ((مسائل العدل والأسماء والأحكام)) إلى مذهب جهم ونحوه . وكثير من الطوائف ((كالنجارية)) أتباع حسين النجار و ((الضرارية)) أتباع ضرار بن عمرو يخالفون المعتزلة فى القدر والأسماء والأحكام ، وإنفاذ الوعيد . والمعتزلة من أبعد الناس عن طريق أهل الكشف والخوارق والصوفية يذمونها ويعيبونها . ٩٩ وكذلك يبالغون فى ذم النصارى أكثر مما يبالغون في ذم اليهود، وهم إلى اليهود أقرب ، كما أن الصوفية ونحوم إلى النصارى أقرب ؛ فإن النصارى عندهم عبادة وزهد وأخلاق بلا معرفة ولا بصيرة فهم ضالون، واليهود عندهم علم ونظر بلا قصد صالح ولا عبادة ولا زهد ولا أخلاق كريمة فهم مغضوب عليهم والنصارى ضالون . قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم : ولا أعلم فى هذا الحرف اختلافا بين المفسرين . وروى بإسناده عن أبي روق عن ابن عباس وغير طريق الضالين وهم النصارى الذين أضلهم الله بفريتهم عليه ، يقول : فألهمنا دينك الحق - وهو لا إله إلا الله وحده لا شريك له- حتى لا تغضب علينا كما غضبت على اليهود ، ولا تضلنا كما أضللت النصارى فتعذبنا كما تعذبهم ، يقول : امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك ورافتك وقدرتك . قال ابن أبى حاتم : ولا أعلم فى هذا الحرف اختلافا بين المفسرين ، وقد قال سفيان بن عيينة : كانوا يقولون : من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد [ من] ( عبّادنا ففيه شبه من النصارى. فأهل الكلام أصل أمرهم هو النظر في العلم ودليله ، فيعظمون العلم وطريقه ، وهو الدليل ، والسلوك فى طريقه ، وهو النظر . وأهل الزهد يعظمون الإرادة والمريد ، وطريق أهل الإرادة . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١٠٠