النص المفهرس

صفحات 61-80

لا يسبقونه بالقول، وأنهم بأمره يعملون ، فلا يخبرون عن شيء من
صفاته ولا غير صفاته إلا بعد أن يخبر سبحانه بما يخبر به ؛ فيكون
خبرهم وقولهم تبعاً لخبره وقوله، كما قال: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ )
وأعمالهم تابعة لأمره ، فلا يعملون إلا ما أمرم هو أن يعملوا به ، فهم
مطيعون لأمره سبحانه .
وقد وصف سبحانه بذلك ملائكة النار ، فقال: (قُواْ أَنفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَبِكُهُ غِلَاظٌ شِدَارٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
وقد ظن بعضهم أن هذا
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )
توكيد ، وقال بعضهم : بل لا يعصونه فى الماضي ، ويفعلون ما أمروا به
فى المستقبل . وأحسن من هذا وهذا أن العاصى هو الممتنع من طاعة
الأمر مع قدرته على الامتثال ، فلو لم يفعل ما أمر به لعجزه لم يكن
عاصياً، فإذا قال: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ ) لم يكن في هذا بيان
أنهم يفعلون ما يؤمرون فإن العاجز ليس بعاص ولا فاعل لما أمر به ،
وقال: ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ليبين أنهم قادرون على فعل ما أمروا به،
فهم لا يتركونه لا عجزاً ولا معصية . والمأمور إنما يترك ما أمر به لأحد
هذين ، إما أن لا يكون قادراً وإما أن يكون عاصياً لا يريد الطاعة ،
فإذا كان مطيعاً يريد طاعة الآمر وهو قادر وجب وجود فعل
ما أمر به ، فكذلك الملائكة المذكورون لا يعصون الله ما أمرهم
ويفعلون ما يؤمرون .
٦١

(عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ.
وقد وصف الملائكة بأنهم
بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِ يهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ
إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ
نَجْزِيِهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ)
فالملائكة مصدقون بخبر ربهم ، مطيعون لأمره ، ولا يخبرون حتى
يخبر ، ولا يعملون حتى يأمر، كما قال تعالى: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وقد أمر الله المؤمنين أن يكونوا مع الله ورسوله
كذلك ، فإن البشر لم يسمعوا كلام الله منه ؛ بل بينهم وبينه رسول
من البشر ، فعليهم أن لا يقولوا حتى يقول الرسول ما بلغهم عن الله ،
ولا يعملون إلا بما أمرهم به، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَىِ اٌللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُوْاُللَّهَ إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
قال مجاهد : لا تفتاتوا عليه بشيء حتى يقضيه الله على لسانه
( تقدموا) معناه تتقدموا وهو فعل لازم وقد قرىء (يقدموا) يقال :
قدم وتقدم ، كما يقال : بين وتبين ، وقد يستعمل قدم متعديا أي قدم
غيره ، لكن هنا هو فعل لازم ، فلا تقدموا معناه لا تتقدموا بين يدي
الله ورسوله .
فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعاً لما جاء به
٦٢

الرسول ، ولا يتقدم بين يديه ؛ بل ينظر ما قال ، فيكون قوله تبعاً
لقوله ، وعلمه تبعاً لأمره . فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من
التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين ؛ فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض
النصوص بمعقوله ، ولا يؤسس ديناً غير ما جاء به الرسول ، وإذا أراد
معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول ، فمنه يتعلم
وبه يتكلم ، وفيه ينظر ويتفكر ، وبه يستدل ، فهذا أصل أهل السنة
وأهل البدع لا يجعلون اعتمادم فى الباطن ونفس الأمر على ما تلقوه
عن الرسول ؛ بل على مارأوه أو ذاقوه ، ثم إن وجدوا السنة توافقه
وإلا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضاً أو
حرفوها تأويلا .
فهذا هو الفرقان بين أهل الإيمان والسنة ، وأهل النفاق والبدعة ،
وإن كان هؤلاء لهم من الإيمان نصيب وافر من اتباع السنة ، لكن
فيهم من النفاق والبدعة بحسب ما تقدموا فيه بين يدي الله ورسوله ،
وخالفوا الله ورسوله ، ثم إن لم يعلموا أن ذلك يخالف الرسول ، ولو
علموا لما قالوه لم يكونوا منافقين ، بل ناقصي الإيمان مبتدعين ،
وخطؤم مغفور لهم لا يعاقبون عليه وإن نقصوا به .
٦٣

فصل
وكل من خالف ماجاء به الرسول لم يكن عنده علم بذلك ولا
عدل ، بل لا يكون عنده إلا جهل وظلم وظن (وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُّ
وذلك لأن ما أخبر به الرسول فهو حق
وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِن رَّتِهِمُ الْهُدَىَ)
باطناً وظاهراً ، فلا يمكن أن يتصور أن يكون الحق فى نقيضه ؛
وحينئذ فمن اعتقد نقيضه كان اعتقاده باطلا ، والاعتقاد الباطل لا يكون
علماً ، وما أمر به الرسول فهو عدل لا ظلم فيه ، فمن نهى عنه فقد
نهى عن العدل ، ومن أمر بضده فقد أمر بالظلم ؛ فإن ضد العدل
الظلم ، فلا يكون ما يخالفه إلا جهلا وظلماً ظنا وما تهوى الأنفس ،
وهو لا يخرج عن قسمين أحسنهما أن يكون كان شرعا لبعض الأنبياء
ثم نسخ، وأدناهما أن يكون ما شرع قط : بل يكون من المبدل ،
فكل ما خالف حكم الله ورسوله ، فإما شرع منسوخ وإما شرع مبدل
ما شرعه الله؛ بل شرعه شارع بغير إذن من الله، كما قال: (أَمْ
لَهُمْ شُرَكَؤُ شَرَعُوْلَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِاللَّهُ) لكن هذا وهذا
قد يقعان في خفى الأمور ودقيقها باجتهاد من أصحابها استفرغوا فيه
٦٤

وسعهم فى طلب الحق ، ويكون لهم من الصواب والاتباع ما يغمر ذلك
كما وقع مثل ذلك من بعض الصحابة في مسائل الطلاق والفرائض ونحو
ذلك ؛ ولم يكن منهم مثل هذا فى جلي الأمور وجليلها ؛ لأن بيان
هذا من الرسول كان ظاهراً بينهم فلا يخالفه إلا من يخالف الرسول
وثم معتصمون بحبل الله يحكمون الرسول فيما شجر بينهم ، لا يتقدمون
بين يدي الله ورسوله ، فضلا عن تعمد مخالفة الله ورسوله .
فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهراً لهم ،
ودق على كثير من الناس ما كان جلياً لهم، فكثر من المتأخرين
مخالفة الكتاب والسنة مالم يكن مثل هذا فى السلف .
وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطايام ،
ویئیهم على اجتهادم .
وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين
رجلا يعملها فى ذلك الزمان : لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك
وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك ؛ لكن تضعيف الأجر
لهم فى أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة
ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة ؛ فإن الذي سبق إليه الصحابة من
الإيمان والجهاد ، ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه ،
٦٥

وطاعته فيما يخبر به ويوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كمته ، وتكثر
أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته ، بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين
والمنافقين ، وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل
تلك الحال أمر ما بقى يحصل مثله لأحد ، كما فى الصحيحين عنه صلى
الله عليه وسلم ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم
مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))
وقد استفاضت النصوص الصحيحة عنه أنه قال صلى الله عليه وسلم:
((خير القرون قرني الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين
يلونهم )) جملة القرن الأول أفضل من القرن الثاني ، والثانى أفضل
من الثالث ، والثالث أفضل من الرابع ، لكن قد يكون في الرابع
من هو أفضل من بعض الثالث ، وكذلك فى الثالث مع الثاني ، وهل
يكون فيمن بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة المفضولين
لا الفاضلين ؟ هذا فيه نزاع ، وفيه قولان حكاهما القاضي عياض وغيره
ومن الناس من يفرضها فى مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز ، فإن
معاوية له مزية الصحبة والجهاد مع النبى صلى الله عليه وسلم ، وعمر
له مزبة فضيلته من العدل والزهد ، والخوف من الله تعالى، وبسط
هذا له موضع آخر .
و ((المقصود هنا)) أن من خالف الرسول فلا بد أن يتبع الظن
٦٦

وما تهوى الأنفس ، كما قال تعالى في المشركين الذين يعبدون اللات
والعزى :
(إِن يَتَّعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُّ وَلَقَدْجَاءَ هُم مِّن رَّيِّهِمُ اَلْهُدَىّ).
وقال فى الذين يخبرون عن الملائكة أنهم إناث: (إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَ * وَمَا لَهُ بِهِ، مِنْ عِلَّ إِن ◌َتَبِعُونَ إِلَّا الََّنِّ وَإِنَّ الظَّنَّ
لَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّشَيْئًا ﴾ فَأَعْرِضِ عَنْ مَن تَوَلَّ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم
وثم جعلوهم
مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَأَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ آَهْتَدَى)
إناثاً كما قال: (وَجَعَلُوْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنًَّا) وفى
(عِندَ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا أَشَهِدُ واْخَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ
ج
القراءة الأخرى
وَيُسْئَلُونَ ) وهؤلاء قال عنهم: (إِن يَشَّعُونَ إِلَّا الَّنَّ ) لأنه خبر
محض ليس فيه عمل، وهناك: (وَمَا تَهْوَى اُلْأَنفُسُ) لأنهم كانوا
يعبدونها ويدعونها ، فهناك عبادة وعمل بهوى أنفسهم ، فقال : ( إِن
والذي جاء به الرسول كما قال:
يَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَاتَهْوَى اُلْأَنْفُسُ )
( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَ * إِنْ هُوَ إِلَّ وَحِىٌ
وكل من خالف الرسول
يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)
لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس ، فإن كان ممن يعتقد ماقاله وله
فيه حجة يستدل بها ، كان غايته الظن الذي لا يغنى من الحق شيئاً ،
٦٧

كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب ، أو خطاب ألقى إليهم اعتقدوا
أنه من اللّه وكان من إلقاء الشيطان.
وهذه الثلاثة هي عمدة من يخالف السنة بما يراه حجة ودليلا ، أما
أن يحتج بأدلة عقلية ويظنها برهانا وأدلة قطعية ، وتكون شبهات فاسدة
مركبة من ألفاظ مجملة ، ومعان متشابهة. لم يميز بين حقها وباطلها ، كما
يوجد مثل ذلك فى جميع ما يحتج به من خالف الكتاب والسنة ، إنما
يركب حججه من ألفاظ متشابهة ، فإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين
الحق من الباطل، وهذه هي الحجج العقلية، وإن تمسك المبطل بحجج
سمعية فإما أن تكون كذبا على الرسول ، أو تكون غير دالة على ما احتج
بها أهل البطول ، فالمنع إما فى الإسناد وإما فى المتن ودلالته على
ما ذكر ، وهذه الحجة السمعية هذه حجة أهل العلم الظاهر .
وأما حجة أهل الذوق والوجد والمكاشفة والمخاطبة فإن أهل الحق
من هؤلاء لهم إلهامات صحيحة مطابقة ، كما فى الصحيحين عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد كان فى الأمم قبلكم محدثون ، فإن
يكن فى أمتى أحد فعمر )) وكان عمر يقول اقتربوا من أفواه المطيعين
واسمعوا منهم ما يقولون فإنها تجلى لهم أمور صادقة.
وفى الترمذي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
٦٨

قال: ((اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ قوله: (إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَتِ لِلْمُنَوَسّمِينَ ) وقال بعض الصحابة: أظنه والله للحق يقذفه
الله على قلوبهم وأسماعهم . وفى صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل
حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي
يبصر به ، ويده التى يبطش بها ورجله التي يمشي بها )) وفى رواية
((في يسمع وبي يبصر وبى يبطش وبى يمشى)) فقد أخبر أنه يسمع
بالحق ويبصر به.
وكانوا يقولون إن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله عنه ،
وقال صلى الله عليه وسلم: ((من سأل القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم
يسأله ولم يستعن عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده)) وقال الله تعالى (ثُورُ
عَلَى نُورٍ ) نور الإيمان مع نور القرآن. وقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّنرَّبِّهِ،
وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِنْهُ) وهو المؤمن على بينة من ربه، ويتبعه شاهد من الله ، وهو
القرآن شهد الله فى القرآن بمثل ما عليه المؤمن من بينة الإيمان ، وهذا القدر مما
أقر به حذاق النظار لما تكلموا فى وجوب النظر وتحصيله للعلم، فقيل لهم : أهل
النصفية والرياضة والعبادة والتأله تحصل لهم المعارف والعلوم اليقينية بدون
النظر، كما قال الشيخ الملقب بالكبيري - الرازى ورفيقه وقد قالا له ياشيخ!
بلغنا أنك تعلم علم اليقين فقال : نعم ! فقالا : كيف تعلم ونحن نتناظر
٦٩

في زمان طويل كما ذكر شيئاً أفسدته . وكما ذكرت شيئا أفسده ؟
فقال : - هو واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها ، فجعلا
يعجبان من ذلك ويكرران الكلام ، وطلب أحدهما أن تحصل
له هذه الواردات فعلمه الشيخ وأدبه حتى حصلت له ، وكان من
المعتزلة النفاة .
فتبين له أن الحق مع أهل الإثبات ، وأن الله سبحانه فوق سمواته ،
وعلم ذلك بالضرورة ، رأيت هذه الحكاية بخط القاضى مجم الدين أحمد
ابن محمد بن خلف المقدسي، وذكر أن الشيخ الكبيري حكاهاله، وكان
قد حدثني بها عنه غير واحد حتى رأيتها بخطه ، وكلام المشايخ فى مثل
هذا كثير ، وهذا الوصف الذي ذكره الشيخ جواب لهم بحسب
ما يعرفون ، فإنهم قد قسموا العلم إلى ضروري ونظري ، والنظري
مستند إلى الضروري ، والضروري هو العلم الذي يلزم نفس المخلوق
لزوما لا يمكنه معه الانفكاك عنه ، هذا حد القاضي أبى بكر بن الطيب
وغيره. فخاصته أنه يلزم النفس لزوما لا يمكن مع ذلك دفعه ، فقال
لهم : علم اليقين عندنا هو من هذا الجنس ، وهو علم يلزم النفس لزوما
لا يمكنه مع ذلك الانفكاك عنه ، وقال : واردات ؛ لأنه يحصل مع العلم
طمأنينة وسكينة توجب العمل به ، فالواردات تحصل بهذا وهذا ، وهذا
قد أقر به كثير من حذاق النظار ، متقدميهم كالكيا الهراسى والغزالى
٧٠

وغيرهما - ومتأخريهم - كالرازي والآمدى - وقالوا نحن لا تنكر أن
يحصل لناس علم ضروري بما يحصل لنا بالنظر ، هذا لا ندفعه . لكن
إن لم يكن علماً ضروريا فلا بد له من دليل والدليل يكون مستلزما
للمدلول عليه ، بحيث يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول عليه . قالوا :
فإن كان لو دفع ذلك الاعتقاد الذي حصل له لزم دفع شيء مما يعلم
بالضرورة ، فهذا هو الدليل ، وإن لم يكن كذلك فهذا هوس لا يلتفت
إليه ، وبسط هذا له موضع آخر .
والمقصود أن هذا الجنس واقع لكن يقع أيضا ما يظن أنه منه كثير .
أو لا يميز كثير منهم الحق من الباطل، كما يقع فى الأدلة العقلية والسمعية.
فمن هؤلاء من يسمع خطابا أو يرى من يأمره بقضية ويكون ذلك
الخطاب من الشيطان ، ويكون ذلك الذي يخاطبه الشيطان وهو يحسب
أنه من أولياء الله من رجال الغيب.
ورجال الغيب م الجن ، وهو يحسب أنه إنسى، وقد يقول له: أنا
الخضر ، أو إلياس ، بل أنا محمد، أو إبراهيم الخليل أو المسيح،
أو أبو بكر، أو عمر ، أو أن الشيخ فلان، أو الشيخ فلان ممن
يحسن بهم الظن ، وقد يطير به فى الهواء أو يأتيه بطعام أو شراب
أو نفقة ، فيظن هذا كرامة ؛ بل آية ومعجزة تدل على أن هذا من
رجال الغيب أو من الملائكة ، ويكون ذلك شيطاناً لبس عليه ، فهذا
٧١

ومثله واقع كثيراً أعرف منه وقائع كثيرة ، كما أعرف من الغلط فى
السمعيات والعقليات .
فهولاء يتبعون ظنا لا يغني من الحق شيئاً ولو لم يتقدموا بين
يدي الله ورسوله؛ بل اعتصموا بالكتاب والسنة لتبين لهم أن هذا
من الشيطان ، وكثير من هؤلاء يتبع ذوقه ووجده وما يجده محبوبا
إليه بغير علم ولا هدى ولا بصيرة ، فيكون متبعاً لهواء بلا ظن ،
وخيارهم من يتبح الظن وما تهوى الأنفس . وهؤلاء إذا طلب من
أحدم حجة ذكر تقليده لمن يحبه من آبائه وأسلافه ، كقول المشركين:
( إِنَّا وَجَدْنَاءَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَّءَاتَِّهِم ◌ُقْتَدُونَ) وإن عكسوا احتجوا
بالقدر ، وهو أن اللّه أراد هذا وسلطنا عليه، فهم يعملون بهوام
وإرادة نفوسهم بحسب قدرتهم كالملوك المسلطين ، وكان الواجب عليهم
أن يعملوا بما أمر الله ، فيتبعون أمر الله وما يحبه ويرضاه ، لا يتبعون
إرادتهم وما يحبونه هم ويرضونه، وأن يستعينوا بالله ، فيقولون:
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ) لا حول ولا قوة إلا بالله، لا يعتمدون
على ما أوتوه من القوة والتصرف والحال ؛ فإن هذا من الجد ، وقد
كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول عقب الصلاة وفى الاعتدال بعد
الركوع: ((اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا
الجد منك الجد)).
٧٢

فالذوق والوجد هو يرجع إلى حب الإنسان ووجده بحلاوته
وذوقه وطعمه ، وكل صاحب محبة فله فى محبوبه ذوق ووجد ، فإن لم
يكن ذلك بسلطان من اللّه وهو ما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم
كان صاحبه متبعاً لهواه بغير هدى ، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ
مِمَّنِ أَتَّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهِّ) وقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا
تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُ كِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ
كَثِيرَالَُّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَأَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ).
وكذلك من اتبع ما يرد عليه من الخطاب أو ما يراه من الأنوار
والأشخاص الغيبية ، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسنة فإنما يتبع ظنا لا
يغني من الحق شيئاً .
فليس فى المحدثين الملهمين أفضل من عمر ، كما قال صلى الله
عليه وسلم (( إنه قد كان فى الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى
منهم أحد فعمر منهم)) وقد وافق عمر ربه فى عدة أشياء ، ومع هذا
فكان عليه أن يعتصم بما جاء به الرسول مهر ولا يقبل ما يرد عليه حتى
يعرضه على الرسول ﴿ ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله ؛ بل يجعل ما
ورد عليه إذا تبين له من ذلك أشياء خلاف ما وقع له فيرجع
إلى السنة ، وكان أبو بكر يبين له أشياء خفيت عليه ، فيرجع إلى بيان
٧٣

الصديق وإرشاده وتعليمه، كما جرى يوم الحديبية، ويوم مات الرسول عليه
ويوم ناظره في مانعي الزكاة وغير ذلك ، وكانت المرأة ترد عليه ما يقوله
وتذكر الحجة من القرآن ، فيرجع إليها كما جرى في مهور النساء ، ومثل
هذا كثير .
فكل من كان من أهل الإلهام والخطاب والمكاشفة لم يكن أفضل
من عمر ، فعليه أن يسلك سبيله في الاعتصام بالكتاب والسنة تبعا لما
جاء به الرسول : لا يجعل ما جاء به الرسول تبعاً لما ورد عليه، وهؤلاء
الذين أخطأوا وضلوا وتركوا ذلك واستغنوا بما ورد عليهم ، وظنوا أن
ذلك يغنيهم عن اتباع العلم المنقول .
وصار أحدهم يقول : أخذوا علمهم ميتا عن ميت ، وأخذنا علمنا
عن الحي الذي لا يموت ، فيقال له : أما ما نقله الثقات عن المعصوم فهو
حق ، ولولا النقل المعصوم لكنت أنت وأمثالك إما من المشركين ،
وإما من اليهود والنصارى ، وأما ما ورد عليك فمن أين لك أنه وحي
من اللّه ؟ ومن أين لك أنه ليس من وحي الشيطان ؟
و ((الوحي)) وحيان: وحي من الرحمن ، ووحي من الشيطان،
قال تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ ) وقال
تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
٧٤

وقال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى
بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا )
مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) وقد كان المختار بن أبى عبيد من هذا الضرب ،
حتى قيل لابن عمر وابن عباس قيل لأحدهما إنه يقول إنه يوحى إليه ،
فقال: (وَإِنَّالشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَ بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ ) وقيل
(هَلْ أُنِّيِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ
للآخر : أنه يقول إنه ينزل عليه ، فقال
الشَّيَاطِينُ ) .
فهؤلاء يحتاجون إلى الفرقان الإيمانى القرآ نى النبوي الشرعى أعظم
من حاجة غيرم ، وهؤلاء لهم حسيات يرونها ويسمعونها . والحسيات
يضطر إليها الإنسان بغير اختياره ، كما قد يرى الإنسان أشياء ويسمع
أشياء بغير اختياره ، كما أن النظار لهم قياس ومعقول، وأهل السمع
لهم أخبار منقولات ، وهذه الأنواع الثلاثة هي طرق العلم: الحس والخبر
والنظر ، وكل إنسان [ يستدل] من هذه الثلاثة فى بعض الأمور؛ لكن يكون
بعض الأنواع أغلب على بعض الناس فى الدين وغير الدين ، كالطب
فإنه تجربات وقياسات ، وأهله منهم من تغلب عليه التجربة ومنهم من
يغلب عليه القياس ، والقياس أصله التجربة، والتجربة لا بد فيها من
قياس ؛ لكن مثل قياس العاديات لا تعرف فيه العلة والمناسبة ، وصاحب
القياس من يستخرج العلة المناسبة ويعلق الحكم بها ، والعقل
خاصة القياس والاعتبار والقضايا الكلية ، فلا بد له من الحسيات التى
٧٥

هي الأصل ليعتبر بها، والحس إن لم يكن مع صاحبه عقل وإلا
فقد يغلط .
والناس يقولون : غلط الحس ، والغلط تارة من الحس ، وتارة
من صاحبه ؛ فإن الحس يرى أمراً معيناً ، فيظن صاحبه فيه شيئا آخر
فيؤتى من ظنه ، فلابد له من العقل .
ولهذا النائم يرى شيئا وتلك الأمور لها وجود وتحقيق ؛ ولكن هي
خيالات وأمثلة ؛ فلما عزب ظنها الرائى نفس الحقائق كالذي يرى نفسه
فى مكان آخر بكلم أمواتاً ويكلمونه ، ويفعل أموراً كثيرة وهو فى
النوم ، يجزم بأنه نفسه الذي يقول ويفعل ، لأن عقله عزب عنه ،
وتلك الصورة التى رآها مثال صورته وخيالها ؛ لكن غاب عقله عن
نفسه ، حتى ظن أن ذلك المثال هو نفسه فلما ثاب إليه عقله علم أن
ذلك خيالات ومثالات ، ومن الناس من لا يغيب عقله بل يعلم فى المنام
أن ذلك فى المنام ، وهذا كالذي يرى صورته في المرآة أو صورة غيره،
فإذا كان ضعيف العقل ظن أن تلك الصورة هي الشخص ، حتى أنه
يفعل به ما يفعل بالشخص . وهذا يقع للصبيان والبله ، كما يخيل
لأحدم في الضوء شخص يتحرك ويصعد وينزل ، فيظنونه شخصاً
حقيقة، ولا يعلمون أنه خيال، فالحس إذا أحس [ حساً] صحيحاً لم يغلط ،
لكن معه عقل لم يميز بين هذا العين والمثال ؛ فإن العقل قد عقل قبل
٧٦

هذا أن مثل هذا يكون مثالا ، وقد عقل لوازم الشخص بعينه ، وأنه
لا يكون فى الهواء ولا فى المرآة ، ولا يكون بدنه في غير مكانه ، وأن
الجسم الواحد لا يكون فى مكانين .
وهؤلاء الذين لهم مكاشفات ومخاطبات يرون ويسمعون ماله وجود
فى الخارج ، وما لا يكون موجوداً إلا فى أنفسهم كمال النائم ، وهذا
يعرفه كل أحد ، ولكن قد يرون فى الخارج أشخاصاً يرونها عياناً ،
وما في خيال الإنسان لا يراه غيره ويخاطبهم أولئك الأشخاص،
ويحملونهم ويذهبون بهم إلى عرفات فيقفون بها، وإما إلى غير
عرفات ، ويأتونهم بذهب وفضة ، وطعام ولباس ، وسلاح وغير ذلك،
ويخرجون إلى الناس ويأتونهم أيضاً بمن يطلبونه ، مثل من يكون له
إرادة في امرأة أو صى ، فيأتونه بذلك إما محمولا فى الهواء وإما
بسعى شديد ، ويخبر أنه وجد فى نفسه من الباعث القوي ما لم يمكنه
المقام معه أو يخبر أنه سمع خطاباً ، وقد يقتلون له من يريد قتله من
أعدائه أو يمرضونه . فهذا كله موجود كثيراً ؛ لكن من الناس من يعلم
أن هذا من الشيطان ، وأنه من السحر ، وأن ذلك حصل بما قاله
وعمله من السحر .
ومنهم من يعلم أن ذلك من الجن ، ويقول : هذا كرامة أكرمنا
بتسخير الجن لنا ، ومنهم من لا يظن أولئك الأشخاص إلا آدميين أو

ملائكة ، فإن كانوا غير معروفين قال هؤلاء رجال الغيب وإن تسموا
فقالوا: هذا هو الخضر ، وهذا هو إلياس ، وهذا هو أبو بكر وعمر،
وهذا هو الشيخ عبد القادر أو الشيخ عدي أو الشيخ أحمد الرفاعى
أو غير ذلك ، ظن أن الأمر كذلك .
فهنا لم يغلط لكن غلط عقله حيث لم يعرف أن هذه شياطين
تمثلت على صور هؤلاء ، وكثير من هؤلاء يظن أن النبي صلى الله عليه
وسلم نفسه أو غيره من الأنبياء أو الصالحين يأتيه في اليقظة ، ومن
يرى ذلك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو الشيخ وهو صادق فى
أنه إياه من قال إنه النبى ، أو الشيخ، أو قيل له ذلك فيه ، لكن
غلط حيث ظن صدق أولئك .
والذي له عقل وعلم يعلم أن هذا ليس هو النبي صلى الله عليه
وسلم، تارة لما يراه منهم من مخالفة الشرع ، مثل أن يأمروه بما
يخالف أمر الله ورسوله، وتارة يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم
ما كان يأتي أحداً من أصحابه بعد موته في اليقظة ، ولا كان يخاطبهم
من قبره ، فكيف يكون هذا لي ، وتارة يعلم أن الميت لم يقم من قبره،
وأن روحه فى الجنة لا تصير فى الدنيا هكذا .
وهذا يقع كثيراً لكثير من هؤلاء ، ويسمون تلك الصورة رقيقة
٧٨

فلان ، وقد يقولون : هو معناه تشكل ، وقد يقولون : روحانيته .
ومن هؤلاء من يقول : إذا مت فلا تدعوا أحداً يغسلني ولا فلاناً
يحضرنى ، فإني أنا أغسل نفسي ، فإذا مات رأوه قد جاء وغسل
ذلك البدن ، ويكون ذلك جنياً قد قال لهذا الميت إنك تجيء بعد
الموت ، واعتقد ذلك حقاً ؛ فإنه كان فى حياته يقول له أموراً وغرض
الشيطان أن يضل أصحابه ، وأما بلاد المشركين كالهند فهذا كثيراً مايرون
الميت بعد موته جاء وفتح حانوته ، ورد ودائع وقضى ديوناً ، ودخل
إلى منزله ثم ذهب ، وهم لا يشكون أنه الشخص نفسه وإنما هو شيطان
تصور في صورته .
ومن هؤلاء من يكون فى جنازة أبيه أو غيره ، والميت على سريره
وهو يراه آخذاً يمشي مع الناس بيد ابنه وأبيه قد جعل شيخاً بعد أبيه،
فلا يشك ابنه أن أباه نفسه هو كان الماشي معه الذي رآه هو دون
غيره ، وإنما كان شيطاناً ، ويكون مثل هذا الشيطان قد سمى نفسه
خالداً وغير خالد ، وقال لهم إنه من رجال الغيب ، وهم يعتقدون أنه من
الإنس الصالحين ويسمونه خالداً الغيى ، وينسبون الشيخ إليه فيقولون:
محمد الخالدي ونحو ذلك .
فإن الجن مأمورون ومنهيون ، كالإنس وقد بعث اللّه الرسل
من الإنس إليهم وإلى الإنس ، وأمر الجميع بطاعة الرسل ، كما قال
٧٩

تعالى: ( يَمَعْشَرَ الجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُصُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِى
وَيُنْذِرُ ونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَّ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ
وهذا بعد قوله :
عَ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوْ كَفِرِينَ )
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَمَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ أُسْتَكْثَرْتُم مِّنَ اُلْإِنسِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ
اَلْإِنِسِ رَبَّا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَابِبَعْضِ وَبَغْنَا أَجَنَا الَّذِىَّ أَجَّلْتَ لَنَّأَقَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ
فِيهَآَ إِلَّا مَاشَآءَ اللّهُ ).
قال غير واحد من السلف : أي كثير من أغويتم من الإنس
وأضالتموم . قال البغوي : قال بعضهم : استمتاع الإنس بالجن ما كانوا
يلقون لهم : من الأراجيف ، والسحر ، والكهانة ، وتزينهم لهم الأمور
التى يهيئونها ويسهل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس
لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي ، قال محمد بن كعب : هو
طاعة بعضهم لبعض ، وموافقة بعضهم بعضاً ، وذكر ابن أبى حاتم عن
الحسن البصري . قال : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن
أمرت وعملت الإنس ، وعن محمد بن كعب قال هو الصّحابة فى الدنيا ،
وقال ابن السائب استمتاع الإنس بالجن استعاذتهم بهم ، واستمتاع
الجن بالإنس أن قالوا : قد أسرنا الإنس مع الجن حتى عادوا بنا ،
فيزدادون شرفا في أنفسهم ، وعظماً فى نفوسهم ، وهذا كقوله :
(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِعَلٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا)
٨٠