النص المفهرس
صفحات 21-40
يقتلهم النبي صلى اللّه عليه وسلم. وبهذا يجيب من لم يقتل الزنادقة . ويقول: إذا أخفوا زندقتهم لم يمكن قتلهم ، ولكن إذا أظهروها قتلوا بهذه الأية ؛ بقوله: (مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقِفُوْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) قال قتادة: ذكر لنا أن المنافقين كانوا يظهرون ما فى أنفسهم من النفاق؛ فأوعدم اللّه بهذه الآية، فلما أوعدم بهذه الآية أسروا ذلك وكتموه (سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْمِن قَبْلُ ) يقول: هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق . قال مقاتل ابن حيان : قوله : (سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ ) يعنى كما قتل أهل بدر وأسروا فذلك قوله : ( سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ ). قال السدي: كان النفاق على ((ثلاثة أوجه )) : ((نفاق)) مثل نفاق عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نفيل، ومالك بن داعس ، فكان هؤلاء وجوهاً من وجوه الأنصار ، فكانوا يستحيون أن يأتوا الزنا يصونون بذلك أنفسهم . (وَالَّذِنَ فِى قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ ) قال : الزناة. إن وجدوه عملوا به وإن لم يجدوه لم يتبعوه. و ((نفاق)) يكابرون النساء مكابرة. وم هؤلاء الذين يجلسون ٢١ على الطريق، ثم قال: (مَّلْعُونِينَ) ثم فصلت الآية (أَيْنَمَا تُقِفُواْ ) يعملون هذا العمل مكابرة النساء ، قال السدي : هذا حكم فى القرآن ليس يعمل به ، لو أن رجلا أو أكثر من ذلك اقتصوا أثر امرأة فغلبوها على نفسها ففجروا بها كان الحكم فيهم غير الجلد والرجم ؛ أن يؤخذوا فتضرب أعناقهم . قال السدي: قوله: ( سُنَّةَ ) كذلك كان يفعل بمن مضى من الأمم . قال : فمن كبر امرأة على نفسها فقتل فليس على قاتله دية لأنه مكابر . قلت : هذا على وجهين : (( أحدهما )) أن يقتل دفعاً لصوله منها ، مثل أن يقهرها فهذا دخل فى قوله: (( من قتل دون حرمته فهو شهيد، وهذه لها أن تدفعه بالقتل ؛ لكن إذا طاوعت ففيه نزاع وتفصيل ، وفيه قضيتان عن عمر وعلي معروفتان، وأما إذا غير بها مستكرها ولم تجد من يعينها عليه فهؤلاء نوعان: ((أحدهما)) أن يكون له شوكة كالمحاربين لأخذ المال، وهؤلاء محاربون للفاحشة فيقتلوا . قال السدي قد قاله غيره . وذكر أبو اللوبي أن هذه جرت عنده ورأى أن هؤلاء أحق بأن يكونوا محاربين . و ((الثاني)» أن لا يكونوا ذوي شوكة ، بل يفعلون ذلك غيلة ٢٢ واحتيالا ، حتى إذا صارت عندهم المرأة أكرهوها فهذا المحارب غيلة كما قال السدي . يقتل أيضاً وإن كانوا جماعة فى المصر ، فهم كالمحاربين في المصر ، وهذه المسائل لها مواضع أخر . و ((المقصود)) أن اللّه أخبر أن سنته لن تبدل ولن تتحول، وسنته عادته التى يسوى فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي ، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم فى الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة ؛ ولهذا قال: (أَكُفَّارُ كُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَبِّكُمْ)؟ وقال: (أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ) أي أشباههم ونظراءهم ، وقال : ( وَإِذَالنُّفُوسُ زُوِّجَتْ) قرن النظير بنظيره ، وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ ) وقال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِ إِنََّهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَا لُوْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَءَّ ؤ ◌ْمِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَيَبْنَكُمُ اُلْعَدَاوَةُ وَاُلْبَغْضَآءُ أَبْدًا ) وقال: ( وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أُتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِى اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَآَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . تجعل التابعين لهم بإحسان مشاركين لهم فيما ذكر من الرضوان والجنة، وقد قال تعالى: ( وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْمَعَكُمْ (وَالَّذِينَ جَاءُ و مِنْ بَعْدِ هِمْ يَقُولُونَ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُرْ ) وقال تعالى : ٢٣ رَبَّنَا أَغْفِرْلَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) وقال تعالى: ( وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَايَلْ حَقُواْبِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خير الناس بعد الأنبياء ، فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس ، وأولئك خير أمة محمد ، كما ثبت فى الصحاح من غير وجه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)). ولهذا كان معرفة أقوالهم فى العلم والدين وأعمالهم خيراً وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم فى جميع علوم الدين وأعماله ، كالتفسير وأصول الدين ، وفروعه ، والزهد ، والعبادة ، والأخلاق ، والجهاد ، وغير ذلك ؛ فإنهم أفضل ممن بعدم كما دل عليه الكتاب والسنة ، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم وزاعهم. وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً ، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم ، فيمكن طلب الحق فى بعض أقاويلهم ، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه ، قال تعالى: (أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنِ تَمَزَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ٢٤ وَالرَّسُولِ إِنَ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ). وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ، ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم ، بل م فى كثير مما يتكلمون به فى العلم ويعملون به ، لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين فى ذلك ، من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف . فهؤلاء تجد عمدتهم فى كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع ، وهم لا يعرفون فى ذلك أقوال السلف ألبتة ، أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها ، فتارة يحلون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين ؛ طائفة أو طائفتين أو ثلاث ، وتارة عرفوا أقوال بعض السلف، والأول كثير فى ((مسائل أصول الدين وفروعه)) كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك ، يحكون إجماعاً ونزاعاً ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك ألبتة ؛ بل قد يكون قول السلف خارجاً عن أقوالهم ، كما تجد ذلك في مسائل أقوال اللّه وأفعاله وصفاته؛ مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك . وثم إذا ذكروا إجماع المسلمين لم يكن لهم على بهذا الإجماع ، فإنه لو أمكن العلم بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به ؛ لعدم علمهم بأقوال السلف ، فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع ٢٥ بإجماعهم فى مسائل النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيراً . وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التى يكون كل قول من تلك الأقوال سائغاً لم يخالف إجماعا ؛ لأن كثيراً من أصول المتأخرين محدث مبتدع فى الإسلام ، مسبوق بإجماع السلف على خلافه ، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعاً ، كلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ، ممن قد اشتهرت لهم أقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة ، المعلومة وإجماع الصحابة . بخلاف ما يعرف من نزاع السلف فإنه لا يمكن أن يقال : إنه خلاف الإجماع وإنما يرد بالنص ، وإذا قيل : قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع النزاع . فمثل هذا مبني على مقدمتين : (( إحداهما)) العلم بأنه لم يبق في الأمة من يقول بقول الآخر. وهذا متعذر . (١) مشهور قنزاع السلف ((الثانية)) أن مثل هذا هل يرفع النزاع (١) بياض بالأصل . ٢٦ يمكن القول به إذا كان معه حجة؛ إذ (١) على خلافه ، ونزاع المتأخرين لا يمكن (١) لأن كثيراً منه قد تقدم الإجماع على خلافه ، كما دلت النصوص على خلافه ، ومخالفة إجماع السلف خطأ قطعاً . و ((أيضاً)) فلم يبق مسألة فى الدين إلا وقد تكلم فيها السلف فلابد أن يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه ، وقد بسطنا في غير هذا الموضع أن الصواب فى أقوالهم أكثر وأحسن، وأن خطأم أخف من خطأ المتأخرين ، وأن المتأخرين أكثر خطأ وأفخمش ، وهذا فى جميع علوم الدين ؛ ولهذا أمثلة كثيرة يضيق هذا الموضع عن استقصائها والله سبحانه أعلم . فصل ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة ، فإنه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبى صلى الله عليه وسلم لم يحتج فى ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرم؛ ولهذا (١) بياضات بالأصل ٢٧ قال الفقهاء ((الأسماء ثلاثة أنواع)) نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة ، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر ، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف فى قوله (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة ، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن ، لا برأيه ولا ذوقه ، ولا معقوله ، ولا قياسه ، ولا وجده ، فإنهم ثبت منهم بالبراهين القطعيات والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق ، وأن القرآن يهدي للتى هي أقوم : فيه نبأ من قبلهم ، وخبر ما بعدم ، وحكم ما بينهم ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، فلا يستطيع أن يزيغه إلى هواه ، ولا يحرف به لسانه، ولا يخلق عن كثرة الترداد ، فإذا ردد مرة بعد مرة لم يخلق ولم يمل كغيره من الكلام ، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم . فكان القرآن هو الإمام الذى يقتدى به ؛ ولهذا لا يوجد فى ٢٨ كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس ، ولا بذوق ووجد ومكاشفة ، ولا قال قط قد تعارض فى هذا العقل والنقل ، فضلا عن أن يقول : فيجب تقديم العقل . والنقل - يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين - إما أن يفوض وإما أن يؤول . ولا فيهم من يقول: إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث ؛ فضلا عن أن يدعى أحدم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول ، وأنه يأخذ من ذلك المعدن علم التوحيد ، والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته . أو يقول : الولي أفضل من النبى ونحو ذلك من مقالات أهل الإلحاد ، فإن هذه الأقوال لم تكن حدثت بعد فى المسلمين . وإنما يعرف مثل هذه إما عن ملاحدة اليهود أو النصارى، فإن فيهم من يجوز أن غير النبى أفضل من النبى ، كما قد يقوله فى الحواريين فإنهم عندم رسل ، وهم يقولون : أفضل من داود وسليمان ؛ بل ومن إبراهيم وموسى وإن سموم أنبياء ، إلى أمثال هذه الأمور . ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتفسخها ؛ أو بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسرها . فإن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخا لها ، فالنسخ عندهم اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل ، وإن كان ذلك المعنى لم ٢٩ يرد بها، وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية ؛ بل قد لايفهم منها وقد فهمه منها قوم فيسمون ما رفع ذلك الإبهام والإفهام نسخا ، [ و] هذه التسمية لا تؤخذ عن كل واحد منهم . وأصل ذلك [ من إلقاء ] الشيطان، ثم يحكم الله آياته، فما ألقاه الشيطان فى الأذهان من ظن دلالة الآية على معنى لم بدل عليه ، سمى هؤلاء ما يرفع ذلك الظن نسخا ، كما سموا قوله: (فَأَنَّقُواْ اللَّهَمَا اسْتَطَعْتُمْ ) ناسخاً لقوله: (أَتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ ) وقوله : ( لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُنَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ناسخاً لقوله: (وَإِن تُبْدُواْمَا فِىَ أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ) وأمثال ذلك مما ليس هذا موضع بسطه . إذ المقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه إلا قرآن لا رأي ومعقول وقياس ، ولا ذوق ووجد وإلهام ومكاشفة . وكانت البدع الأولى مثل ((بدعة الخوارج)) إنما هي من سوء فهمهم للقرآن ، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه ، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب ؛ إذ كان المؤمن هو البر التقي . قالوا: فمن لم يكن براً تقياً فهو كافر وهو مخلد فى النار . ثم قالوا : وعثمان ٣٠ وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان . (الواحدة)) أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر . (((والثانية)) أن عثمان وعليا ومن والاهما كانوا كذلك؛ ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا ، فإنه أول بدعة ظهرت فى الإسلام ، فكفر أهلها المسلمين ، واستحلوا دماءهم وأموالهم ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث صحيحة فى ذمهم والأمر بقتالهم. قال الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه : صح فيهم الحديث من عشرة أوجه؛ ولهذا قد أخرجها مسلم فى صحيحه ، وأفرد البخاري قطعة منها ، وم مع هذا النم إنما قصدوا اتباع القرآن ، فكيف بمن تكون بدعته معارضة القرآن والإعراض عنه، وهو مع ذلك يكفر المسلمين، كالجهمية؟! ثم ((الشيعة)) لما حدثوا لم يكن الذي ابتدع التشيع قصده الدين ؛ بل كان غرضه فاسداً ، وقد قيل إنه كان منافقاً زنديقاً ، فأصل بدعتهم مبنية على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكذيب الأحاديث الصحيحة ؛ ولهذا لا يوجد في فرق الأمة من الكذب أكثر مما يوجد فيهم ، بخلاف الخوارج فإنه لايعرف فيهم من يكذب . ٣١ ( والشيعة) لا يكاد يوثق برواية أحد منهم من شيوخهم لكثرة الكذب فيهم ؛ ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح ، فلا يروى البخاري ومسلم أحاديث علي إلا عن أهل بيته كأولاده ، مثل الحسن ، والحسين ومثل محمد بن الحنفية ، وكانبه عبيد الله بن أبى رافع ، أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم ، مثل عبيدة السلماني ، والحارث التيمي ، وقيس بن عباد وأمثالهم ؛ إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن علي ؛ فلهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم . وهاتان الطائفتان ((الخوارج والشيعة)) حدثوا بعد مقتل عثمان، وكان المسلمون فى خلافة أبى بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان فى السنة الأولى من ولايته متفقين لا تنازع بينهم ، ثم حدث فى أواخر خلافة عثمان أمور أوجبت نوعا من التفرق ، وقام قوم من أهل الفتنة والظلم ، فقتلوا عثمان فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان ، ولما اقتتل المسلمون بصفين واتفقوا على تحكيم حكمين خرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبى طالب وفارقوه ، وفارقوا جماعة المسلمين إلى مكان يقال له حروراء ، فكف عنهم أمير المؤمنين ، وقال : لكم علينا أن لا يمنعكم حقكم من الفيء ، ولا تمنعكم المساجد ، إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم ، فقتلوا عبد الله بن خباب، وأغاروا على سرح المسلمين ؛ فعلم علي أنهم الطائفة التى ذكرها رسول الله صلى الله عليه ٣٢ وسلم حيث قال: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، آيتهم فيهم رجل مخدج اليد عليها بضعة عليها شعرات)) وفى رواية: ((يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)» خطب الناس وأخبرم بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ثم هؤلاء القوم ، قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس فقاتلهم ، ووجد العلامة بعد أن كاد لايوجد فسجد لله شكراً . وحدث فى أيامه الشيعة لكن كانوا مختفين بقولهم ، لا يظهرونه لعلي وشيعته ؛ بل كانوا ثلاث طوائف : ((طائفة )) تقول : إنه إله، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، وخدلهم أخاديد عند باب مسجد بني كندة وقيل إنه أنشد : لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قنبرا وقد روى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس قال : أتى على زنادقة تحرقهم بالنار ، ولو كنت أنا لم أحرقهم ؛ لنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب بعذاب الله ولضربت أعناقهم لقوله: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ٣٣ وهذا الذي قاله ان عباس هو مذهب أكثر الفقهاء ، وقد روى أنه أجلهم ثلاثاً . والثانية ((السابة)) وكان قد بلغه عن أبى السوداء أنه كان يسب أبا بكر وعمر فطلبه . قيل : إنه طلبه ليقتله فهرب منه . والثالثة ((المفضلة)) الذين يفضلونه على أبى بكر وعمر ، فتواتر عنه أنه قال : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ثم عمر ، وروى ذلك البخاري في صحيحه عن محمد بن الحنفية أنه سأل أباه من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: أبو بكر . قال : ثم من ؟ قال : عمر . وكانت الشيعة الأولى لا يتنازعون فى تفضيل أبى بكر وعمر ، وإنما كان النزاع فى علي وعثمان؛ ولهذا قال شريك بن عبد الله: إن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر . فقيل له تقول هذا وأنت من الشيعة ؟ فقال : كل الشيعة كانوا على هذا . وهو الذي قال هذا على أعواد منبره أفنكذبه فيما قال ؟ ولهذا قال سفيان الثوري : من فضل عليا على أبي بكر وعمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار ، وما أرى يصعد له إلى الله عز وجل عمل وهو كذلك. رواه أبو داود في سننه، وكأنه يعرض بالحسن بن صالح ابن حي ، فإن الزيدية الصالحة وثم أصلح طوائف الزيدية ينسبون إليه . ٣٤ ولكن الشيعة لم يكن لهم فى ذلك الزمان جماعة ولا إمام ، ولا دار ولا سيف يقاتلون به المسلمين ؛ وإنما كان هذا للخوارج تميزوا بالإمام والجماعة والدار ، وسموا دارم دار الهجرة ، وجعلوا دار المسلمين دار كفر وحرب . وكلا الطائفتين تطعن بل تكفر ولاة المسلمين ، وجمهور الخوارج يكفرون عثمان وعليا ومن تولاهما، والرافضة يلعنون أبا بكر وعمر وعثمان ومن تولام ، ولكن الفساد الظاهر كان فى الخوارج : من سفك الدماء. وأخذ الأموال ، والخروج بالسيف ؛ فلهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بقتالهم ، والأحاديث فى ذمهم والأمر بقتالهم كثيرة جداً، وهي متواترة عند أهل الحديث مثل أحاديث الرؤية، وعذاب القبر وفتنته ، وأحاديث الشفاعة والحوض . وقد رويت أحاديث فى ذم القدرية والمرجئة : روى بعضها أهل السنن ، كأبي داود وابن ماجه ، وبعض الناس يثبتها ويقويها ، ومن العلماء من طعن فيها وضعفها ، ولكن الذي ثبت في ذم القدرية ومحوم هو عن الصحابة كابن عمر وابن عباس . وأما لفظ ( الرافضة ) فهذا اللفظ أول ما ظهر في الإسلام ، لما خرج زيد بن علي بن الحسين فى أوائل المائة الثانية فى خلافة هشام بن ٣٥ عبد الملك ، واتبعه الشيعة ، فسئل عن أبي بكر وعمر فتولاهما وترحم عليهما ، فرفضه قوم فقال : رفضتموني رفضتمونى فسموا الرافضة ، فالرافضة تتولى أخاه أبا جعفر محمد بن علي والزيدية يتولون زيداً وينسبون إليه ، ومن حينئذ انقسمت الشيعة إلى زيدية ورافضة إمامية . ثم فى آخر عصر الصحابة حدثت ((القدرية)) وأصل بدعتهم كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله، والإيمان بأمره ونهيه ، ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع، وكانوا قد آمنوا بدين الله، وأمره ونهيه ووعده ووعيده ، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي ؛ لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه ولا يطيعه، وظنوا أيضاً أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يعلم أنه يفسد ، فلما بلغ قولهم بإنكار القدر السابق الصحابة أنكروا إنكاراعظيما وتبرؤوا منهم، حتى قال عبد الله بن عمر: أخبر أولئك أنى برى. منهم وأنهم منى برءآء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، وذكر عن أبيه حديث جبريل وهذا أول حديث فى صحيح مسلم ، وقد أخرجه البخاري ومسلم من طريق أبى هريرة أيضاً مختصراً . ثم كثر الخوض فى ((القدر)) وكان أكثر الخوض فيه بالبصرة والشام ٣٦ وبعضه في المدينة ، فصار مقتصدوم وجمهورم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار نزاع الناس فى ((الإرادة)) و ((خلق أفعال العباد)) فصاروا فى ذلك حزبين : ((النفاة)) يقولون: لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به ، ولم يخلق شيئاً من أفعال العباد . وقابلهم الخائضون فى القدر من ((المجبرة)) مثل الجهم بن صفوان وأمثاله ، فقالوا : ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة ، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا : العبد لا فعل له ألبتة ولا قدرة ، بل الله هو الفاعل القادر فقط ، وكان جهم مع ذلك ينفى الأسماء والصفات ، يذكر عنه أنه قال لا يسمى الله شيئا، ولا غير ذلك من الأسماء التى تسمى بها العباد إلا القادر فقط ؛ لأن العبد ليس بقادر. وكانت ((الخوارج)) قد تكلموا فى تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة ، وقالوا : إنهم كفار مخلدون فى النار ، فخاض الناس في ذلك ، وخاض فى ذلك القدرية بعد موت الحسن البصري ، فقال عمرو بن عبيد وأصحابه : لاهم مسلمون ولا كفار : بل لهم منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون فى النار ، فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون ، وعلى أنه ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفاراً، واعتزلوا ٣٧ حلقة أصحاب الحسن البصري ، مثل قتادة وأيوب السختيانى وأمثالهما. فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن . وقيل: إن قتادة كان يقول أولئك المعتزلة . وتنازع الناس فى ((الأسماء والأحكام)) أي في أسماء الدين، مثل مسلم ومؤمن ، وكافر وفاسق ، وفى أحكام هؤلاء فى الدنيا والآخرة ، فالمعتزلة وافقوا الخوارج على حكمهم فى الآخرة دون الدنيا ، فلم يستحلوا من دمائهم وأموالهم ما استحلته الخوارج، وفى الأسماء أحدثوا المنزلة بين المنزلتين ، وهذه خاصة المعتزلة التى انفردوا بها ، وسار أقوالهم قد شاركهم فيها غيرهم . وحدثت ((المرجئة)) وكان أكثرهم من أهل الكوفة ، ولم يكن أصحاب عبد الله من المرجئة ولا إبراهيم النخعي وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة ، فقالوا : إن الأعمال ليست من الإيمان، وكانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيرا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم؛ إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول ، مثل حماد ابن أبى سليمان ، وأبى حنيفة وغيرهما . هم مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من بعذبه من أهل الكبائر بالنار ، ثم يخرجهم بالشفاعة ، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك ، وعلى أنه لا بد فى الإِيمان ٣٨ أن يتكلم بلسانه . وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب ، فكان فى الأعمال هل هي من الإيمان وفي الاستثناء ونحو ذلك ، عامته نزاع لفظي ؛ فإن الإيمان إذا أطلق دخلت فيه الأعمال ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وستون شعبة - أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان )) وإذا عطف عليه العمل كقوله: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ ) فقد ذكر مقيداً بالعطف، فهنا قد يقال : الأعمال دخلت فيه وعطفت عطف الخاص على العام، وقد يقال: لم تدخل فيه ولكن مع العطف كما فى اسم الفقير والمسكين - إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا عطف أحدهما على الآخر فيها صنفان كما فى آية الصدقات، كقوله: ( إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ ) وكما فى آية الكفارة، كقوله: (فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ ) وفى قوله: ( وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌلَكُمْ ) فالفقير والمسكين شيء واحد . وهذا التفصيل فى الإيمان هو كذلك في لفظ البر والتقوى والمعروف وفى الإثم والعدوان والمنكر ، تختلف دلالتها فى الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن ، وقد بسط هذا بسطاً كبيراً في الكلام على الإيمان ، وشرح حديث جبريل الذي فيه بيان أن الإيمان أصله في القلب ؛ وهو الإيمان بالله وملائكته ، وكتبه ورسله، كما فى ٣٩ المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإسلام علانية والإيمان فى القلب)) وقد قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((ألا إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب)) فإذا كان الإيمان فى القلب فقد صلح القلب ، فيجب أن يصلح سائر الجسد ؛ فلذلك هو ثمرة ما فى القلب ؛ فلهذا قال بعضهم الأعمال ثمرة الإيمان . وصحته لما كانت لازمة لصلاح القلب دخلت في الاسم ، كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع . وفى ((الجملة)) الذين رموا بالإرجاء من الأكابر ، مثل طلق بن حبيب ، وإبراهيم التيمي ونحوهما : كان إرجاؤهم من هذا النوع ، وكانوا أيضا لا يستثنون فى الإيمان ، وكانوا يقولون : الإيمان هو الإيمان الموجود فينا، ونحن نقطع بأنا مصدقون، ويرون الاستثناء شكا، وكان عبد اللّه ابن مسعود وأصحابه يستثنون ، وقد روى في حديث أنه رجع عن ذلك لما قال له بعض أصحاب معاذ ما قال ؛ لكن أحمد أنكر هذا وضعف هذا الحديث ، وصار الناس في الاستثناء على ثلاثة أقوال : قول أنه يجب الاستثناء ومن لم يستثن كان مبتدعا . وقول أن الاستثناء محظور . فإنه يقتضى الشك فى الإيمان . ٤٠