النص المفهرس

صفحات 1-20

مجموع فتاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ))
جَمعْ وَتَرَتِبُ
عَبْدِ الرَّحمن بنْمُحَمَّدَ رْقَاسْم «رَحَهُ لَّه)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه))
المجلّد الثالث عشر.
طُبعَ بِأمْر
خَادِمُ الجرّهَيْنِ الشَّرِفَيْنِ الملكِ فَهْ دِبْ عَبْدِ الْعَزْ لُود
أجْزَل اللَّه مَتُوُبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
مُجَعَ الَلِ فَهْدِ لِطْبَّاسَةِ المُصُنِِّ الشّريف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّهُوَمَ وَالإِنْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٤٤٨ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٨-٣٣-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٣)
أ - العنوان
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٨-٣٣-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٣ )

كتاب
مُقَدّمَةُ الْتَفْسِيّْ

قال شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية قدس الله روحه
فيما صنفه بقلعة دمشق أخيراً :-
3
3
١٠٤
الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا،
ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلا
هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.
٥

فصل
في الفرقان بين الحق والباطل(١)
وأن الله بين ذلك بكتابه ونبيه ، فمن كان أعظم اتباعا لكتابه الذي
أنزله ونبيه الذي أرسله كان أعظم فرقاناً ، ومن كان أبعد عن اتباع
الكتاب والرسول كان أبعد عن الفرقان ، واشتبه عليه الحق بالباطل ،
كالذين اشتبه عليهم عبادة الرحمن بعبادة الشيطان ، والتى الصادق بالمتنىء
الكاذب ، وآيات النبيين بشبهات الكذابين ، حتى اشتبه عليهم
الخالق بالمخلوق .
فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمداً بالهدى ودين الحق ؛ ليخرج
الناس من الظلمات إلى النور ، ففرق به بين الحق والباطل ، والهدى
والضلال ، والرشاد والفي ، والصدق والكذب ، والعلم والجهل ،
والمعروف والمنكر ، وطريق أولياء الله السعداء وأعداء الله الأشقياء:
-
(١) تسمى : رسالة الفرقان بين الحق والباطل.
٦

وبين ما عليه الناس من الاختلاف، وكذلك النبيون قبله ، قال الله تعالى:
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ
بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَّهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدٍ مَاجَاءَتْهُمُ
اٌلْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى
وقال تعالى: (ثَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَرِ مِّن
مَن يَشَآءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ إِلَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أُخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
وقال سبحانه وتعالى: (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا)
(الَّ * الَّهُلَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَالْحَىُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ
وقال تعالى :
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ * مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ).
قال جماهير المفسرين : هو القرآن . روى ابن أبى حاتم بإسناد.
عن الربيع بن أنس قال: هو الفرقان فرق بين الحق والباطل . قال:
وروى عن عطاء ومجاهد ومقسم وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك ،
وروى بإسناده عن شيبان عن قتادة فى قوله: ( وَأَنَ اُلْفُرْقَانَ ) قال:
هو القرآن الذي أنزله الله على محمد ، ففرق به بين الحق والباطل ،
وبين فيه دينه وشرع فيه شرائعه ، وأحل حلاله وحرم حرامه ، وحد
٧

حدوده ، وأمر بطاعته ونهى عن معصيته . وعن عباد بن منصور سألت
الحسن عن قوله تعالى: ( وَنَ الْفُرْقَانَ ) قال: هو كتاب بحق .
و ((الفرقان)) مصدر فرق فرقانا مثل الرجحان ، والكفران ،
والخسران، وكذلك ((القرآن)) هو فى الأصل مصدر قرأ قرآنا،
( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ, * فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَأَعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَإِنَّ عَلَيْنَا
ومنه قوله :
ويسمى الكلام المقروء نفسه ((قرآنا)) وهو كثير كما فى
بَيَانَهُ)
كما أن
( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ)
قوله :
الكلام هو اسم مصدر كلم تكليما ، وتكلم تكلما ، ويراد به الكلام
نفسه ؛ وذلك لأن الإنسان إذا تكلم كان كلامه بفعل منه وحركة هي
مسمى المصدر ، وحصل عن الحركة صوت يقطع حروفا هو نفس
التكلم ، فالكلام والقول ونحو ذلك يتناول هذا وهذا ؛ ولهذا كان
الكلام تارة يجعل نوعا من العمل إذا أريد به المصدر ، وتارة يجعل
قسيما له إذا أريد ما يتكلم به ، وهو يتناول هذا وهذا . وهذا مبسوط
في غير هذا الموضع .
والمقصود هنا أن لفظ ((الفرقان)) إذا أريد به المصدر كان المراد
أنه أنزل الفصل والفرق بين الحق والباطل ، وهذا منزل فى الكتاب،
فإن فى الكتاب الفصل وإنزال الفرق هو إنزال الفارق ، وإن أريد
بالفرقان ما يفرق فهو الفارق أيضاً ، فها في المعنى سواء ، وإن أريد
٨

بالفرقان نفس المصدر فيكون إنزاله كإنزال الإيمان وإنزال العدل ، فإنه
جعل فى القلوب التفريق بين الحق والباطل بالقرآن ، كما جعل فيها
الإيمان والعدل ، وهو سبحانه وتعالى أنزل الكتاب والميزان ، والميزان
قد فسر بالعدل ، وفسر بأنه ما يوزن به ليعرف العدل ، وهو كالفرقان
يفسر بالفرق ، ويفسر بما يحصل به الفرق ، وهما متلازمان ؛ فإذا
أريد الفرق نفسه فهو نتيجة الكتاب وتمرته ومقتضاه ، وإذا أُريد
الفارق فالكتاب نفسه هو الفارق ، ويكون له اسمان كل اسم يدل
على صفة ليست هي الصفة الأخرى ، سمي كتابا باعتبار أنه مجموع مكتوب
تحفظ حروفه ويقرأ ويكتب ، وسمى فرقانا باعتبار أنه يفرق بين الحق
والباطل كما تقدم ، كما سمى هدى باعتبار أنه يهدي إلى الحق ، وشفاء
باعتبار أنه يشفي القلوب من مرض الشبهات والشهوات ونحو ذلك
من أسمائه .
وكذلك أسماء ((الرسول)) كالمقفى، والماحى ، والحاشر . وكذلك
((أسماء الله الحسنى)) كالرحمن، والرحيم، والملك، والحكيم
،
ونحو ذلك .
والعطف يكون لتغاير الأسماء والصفات ، وإن كان المسمى واحداً
(سَبِّحِ أَسْمَرَبِّكَ اَلْأَعْلَى * الَّذِى خَقَ فَسَوَى * وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى)
كقوله :
ونحو ذلك.
(هُوَاُلْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَاُلَّهِرُ وَالْبَاطِنُ )
وقوله :
٩

وهنا ذكر أنه نزل الكتاب ، فإنه نزله متفرقا ، وأنه أنزل التوراة
والإنجيل، وذكر أنه أنزل الفرقان ، وقد أنزل سبحانه وتعالى الإيمان
فى القلوب، وأنزل الميزان، والإيمان. و((الميزان)) مما يحصل به
الفرقان أيضاً ، كما يحصل بالقرآن ، وإذا أنزل القرآن حصل به الإيمان
والفرقان، ونظير هذا قوله: (وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءَ
وَذِكْرًا )
قيل : الفرقان هو التوراة ، وقيل هو الحكم بنصره
على فرعون ، كما فى قوله: ( إِن كُنتُمْ ءَآمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَايَوْمَ
اٌلْفُرْقَانِ ) .
وكذلك قوله: (قَدْ جَاءَ كُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِيٌ) قيل:
((النور)) هو محمد عليه الصلاة والسلام، وقيل: هو الإسلام. وقوله:
(قَدْ جَآءَ كُمْبُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًّا ◌ُبِينًا) قيل: ((البرهان)»
هو محمد، وقيل هو الحجة والدليل . وقيل: القرآن والحجة والدليل
تناول الآيات التى بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لكنه هناك
جاء بلفظ آتينا وجاءكم. وهنا قال: ( وَنَ الْفُرْقَانَ ) جاء بلفظ
الإنزال؛ فلهذا شاع بينهم أن القرآن والبرهان يحصل بالعلم والبيان
كما حصل بالقرآن، ويحصل بالنظر والتمييز بين أهل الحق والباطل
بأن ينجي هؤلاء وينصرم ويعذب هؤلاء ، فيكون قد فرق بين
الطائفتين كما يفرق المفرق بين أولياء الله وأعدائه بالإحسان إلى
هؤلاء وعقوبة هؤلاء .
١٠

وهذا كقوله فى القرآن فى قوله: (إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَآ أَنَزَلْنَا
عَلَى عَبْدِ نَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَّقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ)
قال الوالى عن ابن عباس ( يَوْمَ الْفُرْقَانِ ) يوم بدر ، فرق الله فيه
بين الحق والباطل .
قال ابن أبى حاتم وروى عن مجاهد ومقسم وعبيد الله بن عبد الله
والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك؛ وبذلك فسر أكثرم ( إِن
تَنَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) كما فى قوله: (وَمَن يَتَّقِاللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا )
أي : من كل ما ضاق على الناس ، قال الوالى عن ابن عباس
فى قوله: (إِن تَشَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) أي مخرجا، قال ابن أبى
حاتم : وروى عن مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدى ومقاتل
ابن حيان كذلك ، غير أن مجاهداً قال مخرجا فى الدنيا والآخرة ،
وروى عن الضحاك عن ابن عباس قال نصراً ، قال : وفي آخر قول
ابن عباس والسدى نجاة .
وعن عروة بن الزبير ( يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا ) أي : فصلا بين
الحق والباطل ، يظهر الله به حقكم ويطفيء به باطل من خالفكم،
وذكر البغوي عن مقاتل بن حيان قال مخرجا في الدنيا من الشبهات ،
لكن قد يكون هذا تفسيراً لمراد مقاتل بن حيان، كما ذكر أبو
الفرج بن الجوزي عن ابن عباس ، ومجاهد وعكرمة ، والضحاك وان
١١

قتيبة: أنهم قالوا هو المخرج . ثم قال : والمعنى يجعل لكم مخرجا فى الدنيا
من الضلال ، وليس مرادهم ، وإنما مرادم المخرج المذكور في قوله :
والفرقان المذكور فى قوله : ( وَمَآ
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)
أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِ نَايَوْمَ الْفُرْقَانِ )
وقد ذكر عن ابن زيد أنه قال هدى فى قلوبهم يعرفون به الحق
من الباطل ، ونوعا الفرقان فرقان الهدى والبيان ، والنصر والنجاة
هما نوعا «الظهور)) فى قوله تعالى: (هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِلْهُدَى وَدِينِ
اُلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الذِينِ كُلّهِ) يظهره بالبيان والحجة والبرهان ، ويظهر باليد
والعز والسنان .
وكذلك ((السلطان)) فى قوله: (وَأَجْعَل لِِّ مِن لَّدُنكَ سُلْطَانَا نَصِيرًا ) فهذا
النوع وهو الحجة والعلم كما فى قوله: ( أَمْ أَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَنَّا فَهُوَبَتَكَلَّمُ بِمَا
كَانُواْيِهِ يُشْرِكُونَ) وقوله: (الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ
أَتَمُهُمْ إِن فِي صُدُورِ هِمْ إِلَّا كِبْرٌ ) وقوله: (إِنْ هِىَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ
وَءَآبَا ؤُكُمَّا أَنزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍ )
وقد فسر ((السلطان)) بسلطان القدرة واليد ، وفسر بالحجة
والبيان فمن الفرقان ما نعته الله به فى قوله: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْكُلّ
شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ
يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ
١٢

وَآلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ اَلَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ )
ففرق بين المعروف والمنكر ، أمر بهذا ونهى عن هذا ، وبين الطيب
والخبيث ، أحل هذا وحرم هذا .
ومن ((الفرقان)) أنه فرق بين أهل الحق المهتدين المؤمنين
المصلحين أهل الحسنات ، وبين أهل الباطل الكفار الضالين المفسدين
أهل السيئات ، قال تعالى : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّمِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ )
وقال تعالى: (أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ
الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) وقال تعالى: (أَفَجْعَلُ الْسْلِينَ كَالْرِمِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَحْكُمُونَ)
وقال تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا نَذَكَرُونَ )
وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَقَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمَا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْرَحْمَةَ رَبِّهِ، قُلْ
هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذينَ لَا يَعْلَمُونَّإِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ )
وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا
الِظِلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَايَسْتَوِى الْأَعْيَةُ وَ الأَمْوَثُّ إِنَّالَّهَيُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِع ◌َن
فِ الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلََّنَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْتَكَ بِالْحَقِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا )
١٣

وقال تعالى : (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِىِ النَّاسِ كَمَنْ
وقال تعالى: ( أَفَمَنْكَانَ مُؤْمِنًا
مَثَلُهُ فِى الْظُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)
فهو سبحانه بين الفرق بين أشخاص
كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُنَ)
أهل الطاعة لله والرسول، والمعصية الله والرسول، كما بين الفرق بين
ما أمر به وبين مانهى عنه .
وأعظم من ذلك أنه بين الفرق بين الخالق والمخلوق ، وأن المخلوق
لا يجوز أن يسوى بين الخالق والمخلوق فى شيء ، فيجعل المخلوق نداً
للخالق، قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُونَهُمْ
كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَشَدُ حُبَّالِلّهِ) وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) ( وَلَمْ
يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ) وضرب الأمثال فى القرآن
على من لم يفرق ؛ بل عدل بربه وسوى بينه وبين خلقه ؛ كما قالوا
: (قَالَّهِإِن كُنَّالَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ *
ے
- وهم في النار بصطرخون فيها --
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ) وقال تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
* وَإِن تَعُدُّواأَنِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَاللَّهُيَعْلَمُ مَا شُرُونَ
وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ
أَخْيَأٌٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
فهو سبحانه الخالق العليم ، الحق الحي الذي لا يموت ، ومن سواء
لا يخلق شيئاً، كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِلَن يَخْلُقُواْذُبَابًا
١٤

وَلَوْ أَجْتَمَعُوْلٌَّ، وَإِن يَسْلُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنِقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ
وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُ واْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) .
وهذا مثل ضربه الله؛ فإن الذباب من أصغر الموجودات ، وكل
من يدعى من دون الله لا يخلقون ذبابا ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم
الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه. فإذا تبين أنهم لا يخلقون ذبابا، ولا يقدرون
على انتزاع ما يسلبهم فهم عن خلق غيره وعن مغالبته أعجز وأعجر :
و ((المثل)) هو الأصل والنظير المشبه به، كما قال: (وَلَمَا ضُرِبَ ابْنُ
مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ )
أي لما جعلوه نظيراً قاسوا
عليه آلهتهم ، وقالوا إذا كان قد عبد وهو لا يعذب فكذلك آلهتنا ،
فضربوه مثلا لآلهتهم ، وجعلوا بصدون أي يضجون ويعجبون منه
احتجاجا به على الرسول ، والفرق بينه وبين آلهتهم ظاهر ، كما بينه فى
قوله تعالى: (إِنَّالَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ )
وقال في فرعون : ( فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ) أي مثلا يعتبر
به ويقاس عليه غيره ، فمن عمل بمثل عمله جوزي بجزائه ؛ ليتعظ الناس
به فلا يعمل بمثل عمله .
وقال تعالى: ( وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُرُ ءَنْتٍ مُّبَغِنَتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن
قَبْلِكُمُ) وهو ما ذكره من أحوال الأمم الماضية، التى يعتبر
١٥

بها ويقاس عليها أحوال الأمم المستقبلة، كما قال: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) فمن كان من أهل الإيمان قيس بهم ، وعلم ان
الله يسعده في الدنيا والآخرة، ومن كان من أهل الكفر قيس بهم،
وعلم أن الله يشقيه فى الدنيا والآخرة ، كما قال في حق هؤلاء :
وقد قال :
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَبِكُمْ أَوْلَكُمُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ)
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )
وقال فى حق المؤمنين: (وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْوَ عَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)
وقال : ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ
لَّ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنَّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَخَيْنَهُ
وقال فى قصة أيوب :
مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ)
(رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ )
(رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ)
وقال: ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ ثُهُمُ أَقْتَدِهُ ) وقال :
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْ خُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ
وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوْحَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)
وقال : ( وَكُلُّاَنَّقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ).
فلفظ (( المثل)) يراد به النظير الذي يقاس عليه ويعتبر به ، ويراد
١٦

به مجموع القياس ، قال سبحانه : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسیَخَلْقَهُقَالَ مَنيُخي
صلـ
أي لا أحد يحييها وهي رميم . فمثل
اَلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ)
الخالق بالمخلوق فى هذا النفى، فجعل هذا مثل هذا لا يقدر على إحيائها،
سواء نظمه فى قياس تمثيل أو قياس شمول ، كماقد بسط الكلام على
هذا فى غير هذا الموضع ، وبين أن معنى القياسين قياس الشمول
وقياس التمثيل [واحد ] - والمثل المضروب المذكور فى القرآن -
فإذا قلت : النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، وأقمت الدليل على المقدمة
الكبرى بقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل مسكر حرام)) فهو كقوله
صلى الله عليه وسلم قياسا على الخمر؛ لأن المر إنما حرمت لأجل الإسكار،
وهو موجود فى النبيذ . فقوله: (ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْلَهُ ) جعل ما
هو من أصغر المخلوقات مثلا ونظيراً يعتبر به ، فإذا كان أدون خلق الله
لا يقدرون على خلقه ولا منازعته فلا يقدرون على خلق ما سواه ،
فيعلم بها من عظمة الخالق وأن كل ما يعبدون من دون الله فى السماء
والأرض لا يقدرون على ماهو أصغر مخلوقاته . وقد قيل : إنهم جعلوا
آلهتهم مثلا لله فاستمعوا لذكرها؛ وهذا لأنهم لم يفقهوا المثل الذي
ضربه اللّه ، جعلوا المشركين م الذين ضربوا هذا المثل.
ومثل هذا في القرآن قد ضربه الله ليبين أنه لا يقاس المخلوق
بالخالق، ويجعل له نداً ومثلا كقوله: (قُلْ مَن يَرْزُقُّكُم مِّنَ السَّمَاءِ
١٧

وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَ مَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ
وَمَنْ يُدَيُِّالْأَمْنَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ * فَالِكُمُ اللهُ ◌َبُّكُمُالْحَنَّ فَمَاذَابَعْدَ اَلْحَقِّ
إِلَّا الضَّلَالْ فَ نُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ*
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَّكَبِكُ مَّنْ يَبْدَؤُالْخَلْقَ ثُمَيُعِدُّهُ عُلِ اللهُيَسْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدٌّفَ تُؤْفَكُونَ *
قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُمَنِيَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يُهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ
أَمَنْلَا يَهِدّىَ إِلَّ أَنْيُهْدَىْ فَ لَكُمْكَيْفَ تَّحْكُمُونَ * وَمَايَنَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّ إِنَالظَّنَّلَا يُغْنِى
مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِمَايَفْعَلُونَ ) .
ولما قرر الوحدانية قرر النبوة كذلك، فقال: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ
أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِنَبِلَارَیْبَ فِيهِمِنرَّبِّ
اُلْعَلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن
كُ صَدِقِينَ * بَّ كَذَّبُواْ بِمَالَمْ يُحِيطُواْبِعِلْمِهِ، وَلَمَّايَأْتِهِمْ تَأْوِيُ) وهؤلاء مثلوا المخلوق
بالخالق ، وهذا من تكذبيهم إياه، ولم يكن المشركون يسوون بين آلهتهم
وبين اللّه فى كل شيء، بل كانوا يؤمنون بأن الله هو الخالق المالك لهم،
وهم مخلوقون مملوكون له. ولكن كانوا يسوون بينه وبينها فى المحبة
والتعظيم ، والدعاء والعبادة ، والنذر لها ونحو ذلك مما يخص به الرب،
١٨

فمن عدل باللّه غيره فى شيء من خصائصه سبحانه وتعالى فهو مشرك ؛
بخلاف من لا يعدل به ولكن يذنب مع اعترافه بأن الله ربه وحده
وخضوعه له خوفا من عقوبة الذنب ، فهذا يفرق بينه وبين من لا
يعترف بتحريم ذلك .
فصل
وهو سبحانه وتعالى كما يفرق بين الأمور المختلفة فإنه يجمع ويسوي
بين الأمور المتماثلة، فيحكم فى الشيء خلقا وأمراً بحكم مثله ، لا يفرق
بين متماثلين ، ولا يسوي بين شيئين غير متماثلين ؛ بل إن كانا مختلفين
متضادين لم يسو بينهما .
ولفظ ((الاختلاف)) فى القرآن يراد به التضاد والتعارض ؛ لايراد
به مجرد عدم التمائل - كما هو اصطلاح كثير من النظار - ومنه قوله:
وقوله : (إِنَّكُمْ
( وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِاللَّهِلَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا)
لَفِى قَوْلٍ مُخْتَلِفِ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ )
وقوله : ( وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم
مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّنْ كَفَرَ ) .
وقد بين سبحانه وتعالى أن السنة لا تتبدل ولا تتحول فى غير
١٩

موضع، و((السنة)) هي العادة التى تتضمن أن يفعل فى الثانى مثل
ما فعل بنظيره الأول ؛ ولهذا أمر سبحانه وتعالى بالاعتبار ، وقال: ( لَقَدْ
كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ).
والاعتبار أن يقرن الشيء بمثله فيعلم أن حكمه مثل حكمه ، كما قال
ابن عباس : هلا اعتبرتم الأصابع بالأسنان؟ فإذا قال: (فَأَعْتَبِرُوا يَتَّأُؤلِى
اُلْأَبْصَرِ ) وقال: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) أفاد أن
من عمل مثل أعمالهم جوزي مثل جزائهم ؛ ليحذر أن يعمل مثل أعمال
الكفار ؛ وليرغب فى أن يعمل مثل أعمال المؤمنين أتباع الأنبياء ، قال
تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةٌ
وقال تعالى: (وَإِن كَادُ واْلَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ
اُلْمُكَذِّبِينَ )
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِلًا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ
وقال تعالى: (لَّيِنِ لَّيَنْنَهِ
مِن رُسُلِنَّا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا)
اُلْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ
*
لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا
سُنَّةَ اللَّهِفِىِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلٌ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً )
وهذه الآية أنزلها الله قبل الأحزاب ، وظهور الإسلام ، وذل المنافقين
فلم يستطيعوا أن يظهروا بعد هذا ما كانوا يظهرونه قبل ذلك ، قبل
بدر وبعدها ، وقبل أحد وبعدها ، فأخفوا النفاق وكتموه ؛ فلهذا لم
٢٠