النص المفهرس

صفحات 581-600

بصوت قائم بغيره ، والمعنى قديم قائم به .
فلما أظهرت الأشعرية - كالقاضي أبى بكر بن الباقلانى وغيره
فى أواخر المائة الرابعة - أن الكلام ليس بحرف ، ولا صوت ، ولا
لغة ، وقد تبعهم قوم من الفقهاء من أصحاب مالك ، والشافعي ، وأبى
حنيفة ، وقليل من أصحاب أحمد رأى أهل الحديث ، وجمهور أهل
السنة من الفقهاء وأهل الحديث ما فى ذلك من البدعة ؛ فأظهروا
خلاف ذلك، وأطلق من أطلق منهم أن كلام اللّه حرف وصوت (١).
(١) بياض بالاصل مقدار خمسة أسطر تقريبا .
٥٨١

سئل رحمه الله
عن رجلين تباحثا، فقال أحدهما: القرآن حرف وصوت. وقال
الآخر : ليس هو بحرف ولا صوت ، وقال أحدهما : النقط التى فى
المصحف والشكل من القرآن ، وقال الآخر : ليس ذلك من القرآن ،
فما الصواب فى ذلك ؟
فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين. هذه ((المسألة))
يتنازع فيها كثير من الناس ويخلطون فيها الحق بالباطل ، فالذي قال :
إن القرآن حرف وصوت إن أراد بذلك أن هذا القرآن الذي يقرؤه
المسلمون هو كلام الله الذي نزل به الروح الأمين على محمد صلى الله
عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين ، وأن جبريل سمعه من الله والنبى صلى
الله عليه وسلم سمعه من جبريل ، والمسلمون سمعوه من النبى صلى الله
عليه وسلم كما قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ )
( وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْخِّ)
وقال :
فقد أصاب فى ذلك ؛ فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها ، والدلائل
على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع .
٥٨٢

ومن قال : إن القرآن العربى لم يتكلم الله به وإنما هو كلام
جبريل أو غيره عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول
ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما فهو قول باطل من وجوه كثيرة.
فإن هؤلاء يقولون : إنه معنى واحد قائم بالذات ، وإن معنى التوراة
والإنجيل والقرآن واحد ، وانه لا يتعدد ولا يتبعض ، وإنه إن عبر عنه
بالعربية كان قرآناً ، وبالعبرانية كان توراة ، وبالسريانية كان إنجيلا ،
فيجعلون معنى آية الكرسي وآية الدين و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) و( تَبَّتْ
يَدَآَ أَبِى لَهَبٍ ) ، والتوراة والإنجيل وغيرهما معنى واحداً، وهذا قول
فاسد بالعقل والشرع، وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره
من السلف .
وإن أراد القائل بالحرف والصوت أن الأصوات المسموعة من
القراء ، والمداد الذي فى المصاحف قديم أزلي ، أخطأ وابتدع ، وقال
ما يخالف العقل والشرع؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((زينوا
القرآن بأصواتكم )) فبين أن الصوت صوت القارئ ، والكلام كلام
البارئ ، كما قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى
فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام اللّه لا كلام
يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ )
غيره كما ذكر الله ذلك، وفي السنن عن جابر بن عبد الله أن النبى
صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس بالموسم فيقول:
٥٨٣

(( ألا رجل يحملنى إلى قومه لأبلغ كلام ربى، فإن قريشاً قد منعونى أن
أبلغ كلام ربى)) وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم: (الّمَ *
غُلِبَتِ الرُومُ) أهذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال: ليس بكلامي ولا
كلام صاحبى ؛ ولكنه كلام الله تعالى .
والناس إذا بلغوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: ((إنما
الأعمال بالنيات )) فإن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي صلى الله عليه
وسلم تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه ، والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه
لا بصوت النبي صلى الله عليه وسلم، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله
إذا بلغته الرسل عنه ، وقرأته الناس بأصواتهم .
والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه ، ونادى موسى
بصوت نفسه ؛ كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ، وصوت العبد
ليس هو صوت الرب ولا مثل صوته ؛ فإن الله ليس كمثله شئ: لا فى
ذاته ، ولا فى صفاته ، ولا فى أفعاله .
وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به
الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم
به بحرف وصوت ليس منه شيء كلاما لغيره ، لا جبريل ولا غيره ،
وأن العباد يقرؤونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم ، فالصوت المسموع من العبد
٥٨٤

صوت القارئ والكلام كلام البارئ .
وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت
الرب؛ بل يجعل هذا هو هذا فينفيها جميعا أو يثبتهما جميعاً ، فإذا نفى الحرف
والصوت نفى أن يكون القرآن العربى كلام الله، وأن يكون مناديا لعباده
بصوته ، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام اللّه كما نفى أن
يكون صوت العبد صفة لله عز وجل، ثم جعل كلام الله المتنوع شيئاً
واحداً لا فرق بين القديم والحادث ، هو مصيب في هذا الفرق دون
ذاك الثانى الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل ، حيث جعل الكلام
المتنوع شيئاً واحداً لا حقيقة له عند التحقيق .
وإذا ثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن التمييز
بينهما مع قوله إن الحروف متعاقبة فى الوجود مقترنة فى الذات قديمة
أزلية الأعيان فجعل عين صفة الرب تحل فى العبد أو تتحد بصفته ،
فقال بنوع من الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل
وقد على أن عدم الفرق والمباينة بين الخالق وصفاته والمخلوق
وصفاته خطأ وضلال لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة وأئمتها ؛ بل
م متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد ، ومتفقون أن الله
تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم حروفه ومعانيه
٥٨٥

وأنه ينادي عباده بصوته ، ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من
القراء أصوات العباد ، وعلى أنه ليس شيء من أصوات العباد ولامداد
المصاحف قديماً ، بل القرآن مكتوب فى مصاحف المسلمين مقروء
بألسنتهم محفوظ بقلوبهم وهو كله كلام الله. والصحابة كتبوا المصاحف
لما كتبوها بغير شكل ولا نقط، لأنهم كانوا عربا لا يلحنون ، ثم لما
حدث اللحن نقط الناس المصاحف وشكلوها ، فإن كتبت بلا شكل
ولا نقط جاز، وإن كتبت بنقط وشكل جاز ولم يكره فى أظهر قولي
العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد .
وحكم (( النقط والشكل)) حكم الحروف ، فإن الشكل يبين إعراب
القرآن كما يبين النقط الحروف . والمداد الذي يكتب به الحروف
ويكتب به الشكل والنقط مخلوق ، وكلام الله العربى الذي أنزله وكتب
في المصاحف بالشكل والنقط وبغير شكل ونقط ليس بمخلوق ، وحكم
الإعراب حكم الحروف ؛ لكن الإعراب لا يستقل بنفسه بل هو تابع
للحروف المرسومة ؛ فلهذا لا يحتاج لتجريدها وإفرادها بالكلام ؛ بل
القرآن الذي يقرؤه المسلمون هو كلام اللّه: معانيه وحروفه، وإعرابه،
والله تكلم بالقرآن العربي الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم
والناس يقرءونه بأفعالهم وأصواتهم . والمكتوب فى مصاحف المسلمين
هو كلام الله، وهو القرآن العربي الذي أنزل على نبيه: سواء كتب
٥٨٦

بشكل ونقط أو بغير شكل ونقط ، والمداد الذي كتب به القرآن
ليس بقديم ؛ بل هو مخلوق، والقرآن الذي كتب في المصحف بالمداد
هو كلام اللّه منزل غير مخلوق ، والمصاحف يجب احترامها باتفاق
المسلمين؛ لأن كلام اللّه مكتوب فيها، واحترام النقط والشكل إذا
كتب المصحف مشكلا منقوطاً كاحترام الحروف باتفاق علماء المسلمين
كما أن حرمة إعراب القرآن كرمة حروفه المنقوطة باتفاق المسلمين .
ولهذا قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: حفظ إعراب القرآن أحب
إلينا من حفظ بعض حروفه .
والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه ، جميعه كلام الله ، فلا يقال
بعضه كلام الله وبعضه ليس بكلام الله ، وهو سبحانه نادى موسى
بصوت سمعه موسى ، فإنه قد أخبر أنه نادى موسى في غير موضع من
القرآن كما قال تعالى: (هَلْ أَنَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْنَادَنُ رَبُّ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى)
والنداء لا يكون إلا صوتا بانفاق أهل اللغة ، وقد قال تعالى :
(إِنَّا أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْ حَيْنَا إِلَى نُوحِ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا
دَاوُ دَ زَبُورًا*وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًّا لَّمْ نَقِّصُصْهُمْ عَلَيْكَْ وَكَّمَ
اُللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) فقد فرق الله بين إيحائه إلى النبيين وبين
تكليمه لموسى ، فمن قال : إن موسى لم يسمع صوتا ؛ بل ألهم معناه
٥٨٧

لم يفرق بين موسى وغيره، وقد قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ
عَلَى بَعْضِ مِّنْهُمْ مَن كَلَّمَاللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) وقال تعالى: (وَمَا كَانَ
لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ ◌ِحِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَايَشَآءُ)
فقد فرق بين الإيحاء والتكلم من وراء حجاب كما كلم الله موسى ،
فمن سوى بين هذا وهذا كان ضالا .
وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه وغيره من الأئمة : لم يزل الله
متكلما إذا شاء . وهو يتكلم بمشيئته وقدرته ، بتكلم بشيء بعد شيء ،
كما قال تعالى: (فَلَمَّا أَنَنْهَا نُودِىَ يَمُوسَى) فناداه حين أتاها ولم يناده
قبل ذلك ، وقال تعالى: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَاسَوْءَ تُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَثِهُمَا رَبُهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَنَ
لَكُمَا عَدُوٌّمُبِينٌ) فهو سبحانه ناداهما حين أكلا منها ولم ينادهما قبل
ذلك ، وكذلك قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ
أَسْجُدُواْ لِلَدَمَ) بعد أن خلق آدم وصوره ، ولم يأمرهم قبل ذلك ،
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ
وكذا قوله :
فأخبر أنه قال له كن فيكون بعد أن خلقه من
لَهُكُنْ فَيَكُونُ )
تراب ، ومثل هذا الخبر فى القرآن كثير : يخبر أنه تكلم فى وقت
معین ، ونادى فى وقت معين .
٥٨٨

وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه لما خرج إلى الصفا
قرأ قوله تعالى: (إِنَّالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِاللّهِ) وقال: ((نبدأ
بما بدأ الله به)) فأخبر أن الله بدأ بالصفا قبل المروة.
والسلف اتفقوا على أن كلام اللّه منزل غير مخلوق منه بدأ
وإليه يعود . فظن بعض الناس أن مرادم أنه قديم العين ، ثم قالت
طائفة: هو معنى واحد ، هو الأمر بكل مأمور ، والنهي عن كل
منهي ، والخبر بكل مخبر ، إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً ، وإن عبر
عنه بالعبرانية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . وهذا
القول مخالف للشرع والعقل .
وقالت طائفة : هو حروف وأصوات قديمة الأعيان لازمة لذات
اللّه لم تزل لازمة لذاته ، وإن الباء والسين والميم موجودة مقترنة بعضها
ببعض معاً أزلا وأبداً لم نزل ولا تزال لم يسبق منها شيء شيئاً .
وهذا أيضاً مخالف للشرع والعقل .
وقالت طائفة: إن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، وإنه في الأزل
كان متكلما بالنداء الذي سمعه موسى ، وإنما تجدد استماع موسى لا أنه
ناداه حين أتى الوادي المقدس ؛ بل ناداه قبل ذلك بما لا يتناهى ،
ولكن تلك الساعة سمع النداء . وهؤلاء وافقوا الذين قالوا إن القرآن
٥٨٩

مخلوق فى أصل قولهم . فإن أصل قولهم أن الرب لا تقوم به الأمور
الاختيارية . فلا يقوم به كلام ، ولا فعل باختياره ومشيئته ، وقالوا :
هذه حوادث ، والرب لا تقوم به الحوادث . فى الفوا صحيح المنقول
وصريح المعقول ، واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ، ويثبتون
حدوث العالم ، وأخطأوا فى ذلك ، فلا للإسلام نصروا ، ولا للفلاسفة
كسروا، وادعوا أن الرب لم يكن قادراً فى الأزل على كلام يتكلم به
ولا فعل يفعله ، وأنه صار قادراً بعد أن لم يكن قادراً بغير أمر حدث،
أو يغيرون العبارة فيقولون: لم يزل قادراً؛ لكن يقولون : إن المقدور
كان ممتنعاً ، وإن الفعل صار ممكناً له بعد أن صار ممتنعاً عليه من
غير تجدد شيء .
وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا : كان قادراً في الأزل على ما
يمكن فيما لا يزال، لا على مالا يمكن في الأزل، فيجمعون بين النقيضين
حيث يثبتونه قادراً في حال كون المقدور عليه ممتنعاً عندهم ، ولم يفرقوا
بين نوع الكلام والفعل وبين عينه ، كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا
وهذا ؛ بل الفلاسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم بقدمه ، فضلوا في
ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول : فإن الأدلة لاتدل على
قدم شيء بعينه من العالم بل تدل على أن ما سوى الله مخلوق حادث بعد
أن لم يكن ؛ إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته كما تدل على ذلك الدلائل
٥٩٠

القطعية ، والفاعل بمشيئته لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته بصريح
العقل واتفاق عامة العقلاء ؛ بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله
لازماً لذاته ، ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له ، ولو قدر أنه فاعل
بغير إرادة فكيف بالفاعل بالإرادة .
وما يذكر بأن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل
يجري مجرى الشروط فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط بل
قد يقارنه كما تقارن الحياة العلم، وأما ما كان فاعلا سواء سمي علة
أو لم يسم علة فلا بد أن يتقدم على الفعل المعين ، والفعل المعين لا يجوز أن
يقارنه شيء من مفعولاته ، ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلزمه مفعول
معين . وقول القائل حركت يدي فتحرك الخاتم هو من باب الشرط
لامن باب الفاعل ؛ ولأنه لو كان العالم قديماً لكان فاعله موجباً بذاته
فى الأزل ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه ، ولو كان كذلك لم يحدث
شيء من الحوادث ، وهذا خلاف المشاهدة .
وإن كان هو سبحانه لم يزل قادراً على الكلام والفعل؛ بل لم يزل متكلما
إذا شاء فاعلا لما يشاء ، ولم يزل موصوفاً بصفات الكمال ، منعوتا
بنعوت الجلال والإكرام ، والعالم فيه من الإحكام والإتقان مادل على
علم الرب ، وفيه من الاختصاص مادل على مشيئته، وفيه من الإحسان
مادل على رحمته ، وفيه من العواقب الحميدة مادل على حكمته ، وفيه
٥٩١

من الحوادث مادل على قدرة الرب تعالى، مع أن الرب مستحق
لصفات الكمال لذاته ؛ فإنه مستحق لكل كمال ممكن الوجود لا نقص
فيه، منزه عن كل نقص ، وهو سبحانه ليس له كفؤ في شيء من
أموره ، فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل منزه فيها عن
التشبيه والتمثيل ، ومنزه عن النقائص مطلقاً ؛ فإن وصفه بها من أعظم
الأباطيل ، وكماله من لوازم ذاته المقدسة لا يستفيده من غيره بل هو
المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء وما جعله فيهم من صفات الأحياء ،
وخالق صفات الكمال أحق بها ، ولا كفؤ له فيها
وأصل اضطراب الناس فى ((مسألة كلام الله)) أن الجهمية والمعتزلة
لما ناظرت الفلاسفة فى «مسألة حدوث العالم » اعتقدوا أن ما يقوم به
من الصفات والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا بناء على أن مالا يتناهى لا
يمكن وجوده، والتزموا أن الرب كان فى الأزل غير قادر على الفعل
والكلام ؛ بل كان ذلك ممتنعاً عليه . وكان معطلا عن ذلك ، وقد يعبرون
عن ذلك بأنه كان قادراً فى الأزل على الفعل فيما لا يزال مع امتناع
الفعل عليه فى الأزل ، فيجمعون بين النقيضين حيث بصفونه بالقدرة
في حال امتناع المقدور لذاته ؛ إذ كان الفعل يستلزم أن يكون
له أول والأزل لا أول له والجمع بين إثبات الأولية ونفيها جمع
بين النقيضين .
٥٩٢

ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل
المعين والمفعول المعين، وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام ؛
بل هذا يكون دائماً وإن كان كل من آحاده حادثاً، كما يكون دائما في المستقبل،
وإن كان كل من آحاده فانيا ، بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائماً
فإن هذا هو الباطل فى صريح العقل وصحيح النقل ؛ ولهذا اتفقت فطر
العقلاء على إنكار ذلك لم ينازع فيه إلا شرذمة من المتفلسفة کابن سينا
وأمثاله الذين زعموا أن الممكن المفعول قد يكون قديماً واجب الوجود
بغيره ، خالفوا فى ذلك جماهير العقلاء مع مخالفتهم لسلفهم أرسطو
وأتباعه ؛ فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك، وإن قالوا بقدم الأفلاك، وأرسطو
أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين ، بناء على إثبات علة غائية
لحركة الفلك بتحرك الفلك للتشبه بها، لم يثبتوا له فاعلا مبدعا، ولم
يثبتوا ممكناً قديما واجبا بغيره، وم وإن كانوا أجهل بالله واكفر من
متأخريهم فهم يسلمون لجمهور العقلاء أن ما كان ممكنا بذاته فلا
يكون إلا محدثاً مسبوقا بالعدم ، فاحتاجوا أن يقولوا كلامه مخلوق
منفصل عنه .
وطائفة وافقتهم على امتناع وجود ما لا نهاية له ؛ لكن قالوا تقوم
به الأمور الاختيارية فقالوا إنه فى الأزل لم يكن متكلماً بل ولا كان
الكلام مقدوراً له ثم صار متكلماً بلا حدوث حادث بكلام يقوم به ،
وهو قول الهاشمية والكرامية وغيرهم .
٥٩٣

وطائفة قالت إذا كان القرآن غير مخلوق فلا يكون إلا قديم العين
لازماً لذات الرب ، فلا يتكلم بمشيئته وقدرته ، ثم منهم من قال : هو
معنى واحد قديم ، فجعل آية الكرسي وآية الدين وسائر آيات القرآن
والتوراة والإنجيل وكل كلام بتكلم الله به معنى واحداً لا يتعدد ولا
يتبعض ، ومنهم من قال : إنه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات .
وهؤلاء أيضاً وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم إنه متكلم
بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته ، وإنه لا تقوم به الأمور
الاختيارية ، وإنه لم يستو على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض ،
ولا يأتى يوم القيامة، ولم يناد موسى حين ناداه ، ولا تغضبه المعاصي
ولا ترضيه الطاعات ولا تفرحه توبة التائبين. وقالوا في قوله : (وَقُلِ
أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) ونحو ذلك: إنه لا يراها
إذا وجدت ؛ بل إما أنه لم يزل رائياً لها ، وإما أنه لم يتجدد شيء
موجود بل تعلق معدوم ، إلى أمثال هذه المقالات التى خالفوا فيها
نصوص الكتاب والسنة مع مخالفة صريح العقل .
والذي ألجأم لذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم في أنه سبحانه
لا يقدر في الأزل على الفعل والكلام وخالفوا السلف والأئمة فى قولهم:
لم يزل الله متكلماً إذا شاء ثم افترقوا أحزاباً أربعة كما تقدم: الخلقية ،
والحدوثية، والاتحادية ، والاقترانية.
٥٩٤

وشر من هؤلاء الصابئة والفلاسفة الذين يقولون: إن الله لم يتكلم
لا بكلام قائم بذاته ، ولا بكلام بتكلم به بمشيئته وقدرته : لا قديم
النوع ، ولا قديم العين ، ولا حادث ، ولا مخلوق ؛ بل كلامه عندهم
ما يفيض على نفوس الأنبياء . ويقولون إنه كلم موسى من سماء عقله ،
وقد يقولون : إنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات ؛ فإنه إنما يعلمها
على وجه كلي ، ويقولون مع ذلك : إنه يعلم نفسه ويعلم ما يفعله .
وقولهم يعلم نفسه ومفعولاته حق، كما قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
خَلَقَ وَهُوَاللَّطِيفُ الْخَيرُ ) ؛ لكن قولهم مع ذلك: إنه لا يعلم الأعيان
المعينة جهل وتناقض فإن نفسه المقدسة معينة ، والأفلاك معينة ، وكل
موجود معين . فإن لم يعلم المعينات لم يعلم شيئاً من الموجودات ، إذ
الكليات إنما تكون كليات فى الأذهان لا في الأعيان ، فمن لم يعلم إلا
الكليات لم يعلم شيئاً من الموجودات . تعالى الله عما يقول الظالمون
علواً كبيراً .
وثم إنما ألجأم إلى هذا الإلحاد فرارم من تجدد الأحوال للباري
تعالى ، مع أن هؤلاء يقولون إن الحوادث تقوم بالقديم ، وإن الحوادث
لا أول لها ؛ لكن نفوا ذلك عن الباري لاعتقادم أنه لا صفة له ؛ بل
هو وجود مطلق ، وقالوا : إن العلم نفس عين العالم ، والقدرة
نفس عين القادر ، والعلم والعالم شيء واحد ، والمريد والإرادة
٥٩٥

شيء واحد ، فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى ، وجعلوا الصفات
هي الموصوف .
ومنهم من يقول بل العلم كل المعلوم كما يقوله الطوسي صاحب
((شرح الإشارات)) فإنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما
يصدر عن نفسه ، وابن سينا أقرب إلى الصواب لكنه تناقض مع ذلك
حيث نفى قيام الصفات به ، وجعل الصفة عين الموصوف وكل صفة
هي الأخرى .
ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول معاني
الكلام شيء واحد ؛ لكنهم ألزموا قولهم لأولئك ، فقالوا : إذا جاز أن
تكون المعاني المتعددة شيئاً واحداً جاز أن يكون العلم هو القدرة، والقدرة
هي الإرادة . فاعترف حذاق أولئك بأن هذا الإلزام لا جواب عنه .
ثم قالوا: وإذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى جاز أن تكون
الصفة هي الموصوف ، فجاء ابن عربي وابن سبعين والقونوي ومحوم
من الملاحدة فقالوا : إذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى والصفة
هي الموصوف جاز أن يكون الموجود الواجب القديم الخالق هو الموجود
الممكن المحدث المخلوق ، فقالوا : إن وجود كل مخلوق هو عين وجود
الخالق ، وقالوا: الوجود واحد ، ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد
٥٩٦

بالعين، كما لم يفرق أولئك بين الكلام الواحد بالعين والكلام
الواحد بالنوع .
وكان منتهى أمر أهل الإلحاد فى الكلام إلى هذا التعطيل والكفر
والاتحاد الذي قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد فى الخالق والمخلوقات،
كما أن الذين لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه وقالوا هو يتكلم بحرف
وصوت قديم ، قالوا أولا : إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا تسبق
الباء السين؛ بل لما نادى موسى فقال (إِنَِّىَ أَنَا الَّهُلَآ إِلَهَإِلََّ أَنَاْ
فَأَعْبُدْنِى ) (إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) كانت الهمزة والنون وما بينهما
موجودات فى الأزل يقارن بعضها بعضاً ، لم تزل ولا تزال لأزمة
لذات الله تعالى .
ثم قال فريق منهم : إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة
من القراء . وقال بعضهم : بل المسموع صوتان قديم ومحدث - وقال
بعضهم : أشكال المداد قديمة أزلية . وقال بعضهم : محل المداد قديم
أزلي . وحكي عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي، وأكثرهم يتكلمون
بلفظ القديم ولا يفهمون معناه ؛ بل منهم من يظن أن معناه أنه قديم
فى علمه ، ومنهم من يظن أن معناه متقدم على غيره ، ومنهم من يظن
أن معنى اللفظ أنه غير مخلوق ، ومنهم من لا يميز بين ما يقول ، فصار
هؤلاء حلولية اتحادية في الصفات ، ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد فى
٥٩٧

الذات والصفات ، وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل .
والصواب في هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها : أنه
سبحانه لم يزل متكلماً إذا شاء ، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته ، وأن كماته
لا نهاية لها ، وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى ، وإنما ناداه حين
أتى ؛ لم يناده قبل ذلك ، وأن صوت الرب لا يماثل أصوات العباد ،
كما أن علمه لا يماثل علمهم ، وقدرته لا يماثل قدرتهم ، وأنه سبحانه
بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته وصفاته
القائمة بذاته ، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته ، وإن أقوال أهل التعطيل
والاتحاد ، الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال باطلة،
وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول فى الذات أو الصفات باطلة ،
وهذه الأمور مبسوطة فى غير هذا الموضع وقد بسطناها فى الواجب
الكبير والله أعلم بالصواب .
٥٩٨

وسئل رحمه الله
عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به ؟ ومن كتب شيئاً من
القرآن ثم محاه بماء أو حرقه فهل له حرمة أم لا ؟
فأجاب: الحمد لله. أما المصحف العتيق والذي تخرق ، وصار
بحيث لا ينتفع به بالقراءة فيه ، فإنه بدفن في مكان يصان فيه ، كما
أن كرامة بدن المؤمن دفنه فى موضع بصان فيه ، وإذا كتب شيء من
القرآن أو الذكر فى إناء أو لوح ومحى بالماء وغيره ، وشرب ذلك فلا
بأس به ، نص عليه أحمد وغيره ، ونقلوا عن ابن عباس - رضي الله
عنها - أنه كان يكتب كلمات من القرآن والذكر ، ويأمر بأن تسقى
لمن به داء ، وهذا يقتضي أن لذلك بركة .
والماء الذي توضأ به النبى صلى الله عليه وسلم هو أيضاً ماء مبارك؛
صب منه على جابر وهو مريض . وكان الصحابة يتبركون به، ومع
هذا فكان يتوضأ على التراب وغيره ، فما بلغني أن مثل هذا الماء ينهى
عن صبه فى التراب ونحوه ، ولا أعلم فى ذلك نهياً ، فإن أثر الكتابة
لم يبق بعد المحو كتابة ، ولا يحرم على الجنب مسه . ومعلوم أنه ليس
٥٩٩

له حرمة كرمته ما دام القرآن والذكر مكتوبان ، كما أنه لو صيغ فضة
أو ذهب أو نحاس على صورة كتابة القرآن والذكر ، أو نقش حجر
على ذلك على تلك الصورة ، ثم غيرت تلك الصياغة وتغير الحجر لم
يجب لتلك المادة من الحرمة ما كان لها حين الكتابة .
وقد كان العباس بن عبد المطلب يقول فى ماء زمزم : لا أحله
لمغتسل، ولكن الشارب حل وبل . وروى عنه أنه قال: الشارب ومتوضئ
ولهذا اختلف العلماء هل يكره الغسل والوضوء من ماء زمزم، وذكروا
فيه روايتين عن أحمد . والشافعي احتج بحديث العباس ، والمرخص
احتج بحديث فيه أن النبى صلى اللّه عليه وسلم توضأ من ماء زمزم ،
والصحابة توضأوا من الماء الذي نبع من بين أصابعه مع بركته ؛ لكن
هذا وقت حاجة .
والصحيح : أن النهي من العباس إنما جاء عن الغسل فقط لا عن
الوضوء ، والتفريق بين الغسل والوضوء هو لهذا الوجه ، فإن الغسل
يشبه إزالة النجاسة ؛ ولهذا يجب أن يغسل فى الجنابة ما يجب أن
يغسل من النجاسة ؛ وحينئذ فصون هذه المياه المباركة من النجاسات
متوجه ، بخلاف صونها من التراب ونحوه من الطاهرات . والله أعلم .
آخر المجلد الثانى عشر
٦٠٠