النص المفهرس
صفحات 561-580
من العشرة غيرها، وأمثال ذلك، وقد يراد بلفظ ((الغير)) ما ليس هو الآخر ، وعلى هذا فتكون الصفة غير الموصوف ، لكن على هذا المعنى لا يكون ما هو غير ذات الله الموصوفة بصفاته مخلوقا ؛ لأن صفاته ليست هي الذات ؛ لكن قائمة بالذات ، والله سبحانه وتعالى هو الذات المقدسة الموصوفة بصفات كماله ، وليس الاسم اسماً لذات لا صفات لها ؛ بل يمتنع وجود ذات لا صفات لها . والصواب فى مثل هذا أن يقال : الكلام صفة المتكلم ، والقول صفة القائل ، وكلام اللّه ليس بايناً منه؛ بل أسمعه لجبريل ، ونزل به على محمد صلى اللّه عليه وسلم، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ ولا يجوز أن يقال : إن كلام الله ( يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِكَ بِالْحَقِ فارق ذاته ، وانتقل إلى غيره . بل يقال كما قال السلف : إنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. فقولهم: ((منه بدأ )) رد على من قال : إنه مخلوق في بعض الأجسام ، ومن ذلك المخلوق ابتدأ . فبينوا أن الله هو المتكلم به ((منه بدأ)) لا من بعض المخلوقات ((وإليه يعود )) أي فلا يبقى في الصدور منه آية ، ولا في المصاحف حرف، وأما القرآن فهو كلام الله . فمن قال : إن القرآن الذي هو كلام الله غير الله خطؤه وتلبيسه كخطأ من قال إن الكلام غير المتكلم . وكذلك من قال إن كلام ٥٦١ الله له مقروء غير القرآن الذي تكلم به خطؤه ظاهر، وكذلك من قال : إن القرآن الذي يقرؤه المسلمون غير المقروء الذي يقرؤه المسلمون فقد أخطأ . وإن أراد بـ ((القرآن)) مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآناً، وقال: أردت أن القراءة غير المقروء ؛ فلفظ القراءة مجمل ، قد يراد بالقراءة القرآن، وقد يراد بالقراءة المصدر فمن جعل ((القراءة)) التى هي المصدر غير المقروء، كما يجعل التكلم الذي هو فعله غير الكلام الذي هو يقوله ، وأراد بالغير أنه ليس هو إياه فقد صدق ، فإن الكلام الذي يتكلم به الإنسان يتضمن فعلا كالحركة ، ويتضمن ما يقترن بالفعل من الحروف والمعانى ؛ ولهذا يجعل القول قسيما للفعل تارة، وقسما منه أخرى . فالأول كما يقول : الإيمان قول وعمل . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به )) ومنه قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ). ومنه قوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِى شَأَنٍ وَمَانَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ) وأمثال ذلك مما يفرق بين القول والعمل . وأما دخول القول فى العمل ففي مثل قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ). أجمعين عما كانوا يعملون وقد فسروه بقول لا إله إلا الله ، ولما ٥٦٢ سئل صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله)) مع قوله: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله؛ وأدناها إماطة الأذى عن الطريق )) ونظائر ذلك متعددة . وقد تتوزع فيمن حلف لا يعمل عملا إذا قال قولا كالقراءة ونحوها هل يحنث ؟ على قولين فى مذهب أحمد وغيره ، بناء على هذا . فهذه الألفاظ التى فيها إجمال واشتباه إذا فصلت معانيها ، وإلا وقع فيها نزاع واضطراب . والله سبحانه وتعالى أعلم . ٥٦٣ وسل هل نفس المصحف هو نفس القرآن ، أم كتابته ؟ وما في صدور القراء هل هو نفس القرآن أو حفظه ؟ فأجاب : الواجب أن يطلق ما أطلقه الكتاب والسنة ، كقوله تعالى: ) وقوله: ( إِنَّهُ لَقُرْءَانُ كَرِيمٌ * بَلْ هُوَقُهَانْ تَجِيدٌ * فِلَوْجِ ◌َحْفُوظٍ فِي كِتَبٍ مَّكْنُونٍ * لََّيَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) وقوله: ( وَاَلُورِ * وَكَنَبٍ مَسْطُورٍ * فِ رَقِ مَّنْشُورٍ ) وقوله: (يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيَهَا كُنُبٌ قَيِّمَةٌ) وقوله تعالى: ( كَلَّا إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ * فَنْ شَآءَ ذَكَرَّهُ( * ◌ِ صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * . ( فَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ * بِأَيْدِى سَفَرَةِ * كِرَامِ بَرَدَةٍ وكذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يسافر بالقرآن إلى أرض العدو)) وقوله: ((استذكروا القرآن، فلهو أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم فى عقلها )) وكلاهما فى الصحيحين ، وقوله : ((الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب)) قال الترمذي: حديث صحيح . ٥٦٤ فمن قال : القرآن فى المصاحف والصدور فقد صدق ، ومن قال : فيها حفظه وكتابته فقد صدق ، ومن قال : القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور فقد صدق ، ومن قال : إن المداد أو الورق . أو صفة العبد أو فعله ، أو حفظه وصوته قديم ، أو غير مخلوق فهو مخطىء ضال ، ومن قال : إنما في المصحف ليس هو كلام الله، أو ما فى صدور القراء ليس هو كلام اللّه ، أو قال: إن القرآن العزيز لم يتكلم به الله، ولكن هو مخلوق، أو صنفه جبريل أو محمد، وقال: إن القرآن فى المصاحف كما أن محمداً فى التوراة والإنجيل ، فهو أيضاً مخطىء ضال . فإن القرآن كلام ، والكلام نفسه يكتب فى المصحف. بخلاف الأعيان ، فإنه إنما يكتب اسمها وذكرها. فالرسول مكتوب في التوراة والإنجيل ذكره ونعته، كما أن القرآن فى زبر الأولين ، وكما أن أعمالنا فى الزبر. قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِى زُ الْأَوَِّينَ ) وقال تعالى: (وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ) ومحمد مكتوب فى التوراة والإنجيل ، كما أن القرآن في تلك الكتب ، وكما أن أعمالنا في الكتب وأما القرآن فهو نفسه مكتوب في المصاحف . ليس المكتوب ذكره والخبر عنه ، كما يكتب اسم الله فى الورق ، ومن لم يفرق بين كتابة الأسماء والكلام ، وكتابة المسميات والأعيان - كما جرى لطائفة من الناس - فقد غلط غلطاً سوى فيه بين الحقائق المختلفة . كما قد ٥٦٥ يجعل مثل هؤلاء الحقائق المختلفة شيئاً واحداً ، كما قد جعلوا جميع أنواع الكلام معنى واحداً . وكلام المتكلم بسمع تارة منه، وتارة من المبلغ. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء مانوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)» فهذا الكلام قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه ومعناه ؛ فلفظه لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعناه معنى الرسول . فإذا بلغه المبلغ عنه بلغ كلام الرسول بلفظه ومعناه ؛ ولكن صوت الصحابي المبلغ ليس هو صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه ، سمعه منه جبريل ، وبلغه عن الله إلى محمد ؛ ومحمد سمعه من جبريل وبلغه إلى أمته، فهو كلام الله حيث سمع وكتب وقرىء ، كما قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ الَّهِثُمَّأَ بِغْهُ مَأْمَنَهُ ). وکلام الله تكلم الله به بنفسه ، تكلم به باختياره وقدرته ، ليس مخلوقاً بائناً عنه ؛ بل هو قائم بذاته ، مع أنه تكلم به بقدرته ومشيئته، ليس قائماً بدون قدرته ومشيئته . ٥٦٦ والسلف قالوا: لم يزل اللّه تعالى متكلماً إذا شاء. فإذا قيل: كلام الله قديم؛ بمعنى أنه لم يصر متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، ولا كلامه مخلوق ، ولا معنى واحد قديم قائم بذاته ؛ بل لم يزل متكلماً إذا شاء فهذا كلام صحيح. ولم يقل أحد من السلف إن نفس الكلام المعين قديمٌ. وكانوا يقولون : القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود . ولم يقل أحد منهم إن القرآن قديم ، ولا قالوا : إن كلامه معنى واحد قائم بذاته ، ولا قالوا : إن حروف القرآن أو حروفه وأصواته قديمة أزلية قائمة بذات الله ، وإن كان جنس الحروف لم يزل الله متكلماً بها إذا شاء ؛ بل قالوا : إن حروف القرآن غير مخلوقة ، وأنكروا على من قال : إن الله خلق الحروف . وكان أحمد وغيره من السلف ينكرون على من يقول : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق . يقولون : من قال هو مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع؛ فإن ((اللفظ)) يراد به مصدر لفظ يلفظ لفظاً ، ويراد باللفظ الملفوظ به ، وهو نفس الحروف المنطوقة، وأما أصوات العباد ومداد المصاحف فلم يتوقف أحد من السلف فى أن ذلك مخلوق ، وقد نص أحمد وغيره على أن صوت القارىء صوت العبد، وكذلك غير أحمد من الأئمة . وقال أحمد : من ٥٦٧ قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي ، فالإنسان وجميع صفاته مخلوق ، حركاته وأفعاله وأصواته مخلوقة ، وجميع صفاته مخلوقة؛ ثمن قال عن شيء من صفات العبد إنها غير مخلوقة أو قديمة فهو مخطىء ضال ، ومن قال عن شيء من كلام الله أو صفاته إنه مخلوق فهو مخطىء ضال . وأما أصوات العباد بالقرآن والمداد الذي فى المصحف فلم يكن أحد من السلف يتوقف فى ذلك ؛ بل كلهم متفقون أن أصوات العباد مخلوقة. والمداد كله مخلوق . وكلام الله الذي يكتب بالمداد غير مخلوق، قال الله تعالى: (قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًالِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَاٌ لْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْجِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا). وهذه المسائل قد بسط الكلام عليها، وذكر أقوال الناس واضطرابهم فيها في مواضع أخر . ٥٦٨ و قال قمس الل روحـ فصل والقرآن الذي بين لوحي المصحف متواتر : فإن هذه المصاحف المكتوبة انفق عليها الصحابة ، ونقلوها قرآنا عن النبى صلى الله عليه وسلم وهي متواترة من عهد الصحابة ، نعلم علماً ضروريا أنها ما غيرت ، والقراءة المعروفة عن السلف الموافقة للمصحف تجوز القراءة بها بلا نزاع بين الأئمة ، ولا فرق عند الأئمة بين قراءة أبي جعفر ويعقوب ، وخلف، وبين قراءة حمزة والكسائي، وأبى عمرو ونعيم ، ولم يقل أحد من سلف الأمة وأئمتها إن القراءة مختصة بالقراء السبعة . فإن هؤلاء: إنما جمع قراءاتهم أبو بكر ابن مجاهد بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة ، واتبعه الناس على ذلك ، وقصد أن ينتخب قراءة سبعة من قراء الأمصار ، ولم يقل هو ولا أحد من الأئمة إن ما خرج عن هذه السبعة فهو باطل ، ولا إن قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف)) أريد به قراءة هؤلاء السبعة؛ ولكن ٥٦٩ هذه السبعة اشتهرت فى أمصار لا يعرفون غيرها ، كأرض المغرب . فأولئك لا يقرؤون بغيرها ؛ لعدم معرفتهم باشتهار غيرها . فأما من اشتهرت عندهم هذه كما اشتهر غيرها ؛ مثل أرض العراق وغيرها فلهم أن يقرأوابهذا وهذا ، والقراءة الشاذة مثل ما خرج عن مصحف عثمان ، كقراءة من قرأ : ( الحي القيام) و ( صراط من أنعمت عليهم ) و( إن كانت إلا زقية واحدة ) ( والليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى ، والذكر والأنثى ) وأمثال ذلك. فهذه إذا قرئ بها في الصلاة ففيها قولان مشهوران للعلماء ، هما روايتان عن الإمام أحمد . ((أحدهما)) تصح الصلاة بها ؛ لأن الصحابة الذين قرأوا بها كانوا يقرؤونها في الصلاة ، ولا ينكر عليهم . (( والثانى)) لا؛ لأنها لم تتواتر إلينا، وعلى هذا القول فهل يقال: إنها كانت قرآنا فنسخ ، ولم يعرف من قرأ [ با] الناسخ؟ أو لم تنسخ، ولكن كانت القراءة بها جائزة لمن ثبتت عنده دون من لم تثبت ، أو لغير ذلك ، هذا فيه نزاع مبسوط فى غير هذا الموضع . وأما من قرأ بقراءة أبى جعفر ويعقوب ونحوهما : فلا تبطل الصلاة بها باتفاق الأئمة ؛ ولكن بعض المتأخرين من المغاربة ذكر في ذلك كلاما وافقه عليه بعض من لم يعرف أصل هذه المسألة . ٥٧٠ وقال شيخ الإسلام ابن تیمیة قدس الله روحه وأما ((الحروف)) هل هي مخلوقة أو غير مخلوقة ؟ فالخلاف فى ذلك بين الخلف مشهور ، فأما السلف فلم ينقل عن أحد منهم أن حروف القرآن وألفاظه وتلاوته مخلوقة ، ولا ما يدل على ذلك ؛ بل قد ثبت عن غير واحد منهم الرد على من قال : إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة . وقالوا : هو جهمي . ومنهم من كفره ، وفي لفظ بعضهم تلاوة القرآن ، ولفظ بعضهم الحروف . وممن ثبت ذلك عنه أحمد بن حنبل ، وأبو الوليد الجارودي صاحب الشافعي ، وإسحاق بن راهويه ، والحميدي ، ومحمد بن أسلم الطوسي ، وهشام بن عمار ، وأحمد بن صالح المصري . ومن أراد الوقوف على نصوص كلامهم فليطالع الكتب المصنفة فى السنة؛ مثل ((الرد على الجهمية)) للإمام عبد الرحمن بن أبى حاتم، وكتاب ((الشريعة)) للآجرى و((الإبانة)) لابن بطة، و((السنة)) للالكائى، و((السنة)) للطبرانى ٥٧١ وغير ذلك من الكتب الكثيرة ، ولم ينسب أحد منهم إلى خلاف ذلك ، إلا بعض أهل الغرض نسب البخاري إلى أنه قال ذلك . وقد ثبت عنه بالإسناد المرضي أنه قال : من قال عني أنى قلت لفظي بالقرآن مخلوق فقد كذب . وتراجمه في آخر صحيحه تبين ذلك . وهنا ثلاثة أشياء : ((أحدها)) حروف القرآن التى هي لفظه قبل أن ينزل بها جبريل ، وبعد ما نزل بها ، فمن قال : إن هذه مخلوقة فقد خالف إجماع السلف ، فإنه لم يكن فى زمانهم من يقول هذا ، إلا الذين قالوا : إن القرآن مخلوق ، فإن أولئك قالوا بالخلق للألفاظ ؛ ألفاظ القرآن ، وأما ما سوى ذلك فهم لا يقرون بثبوته ، لا مخلوقا ولا غير مخلوق ، وقد اعترف غير واحد من حول أهل الكلام بهذا : منهم عبد الكريم الشهرستانى مع خبرته بالملل والنحل ، فإنه ذكر أن السلف مطلقاً ذهبوا إلى أن حروف القرآن غير مخلوقة، وقال : ظهور القول بحدوث القرآن محدث ، وقرر مذهب السلف فى كتابه المسمى بـ «نهاية الكلام)). ((الثاني)) أفعال العباد. وهي حركاتهم التى تظهر عليها التلاوة. فلا خلاف بين السلف أن أفعال العباد مخلوقة ؛ ولهذا قيل : إنه بدع ٥٧٢ أكثم من قال : لفظي بالقرآن مخلوق ؛ لأن ذلك قد يدخل فيه فعله . ((الثالث)) التلاوة الظاهرة من العبد عقيب حركة الآية ، فهذه منهم من يصفها بالخلق ، وأول من قال ذلك - فيما بلغنا - حسين الكرابيسي ، وتلميذه داود الأصبهاني، وطائفة؛ فأنكر ذلك عليهم علماء السنة فى ذلك الوقت ، وقالوا فيهم كلاما غليظا ، وجمهورم - وم اللفظية عند السلف - الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق ، أو القرآن بألفاظنا مخلوق ، ونحو ذلك . وعارضهم طائفة من أهل الحديث والسنة كثيرون ، فقالوا : لفظنا بالقرآن غير مخلوق ، والذي استقرت عليه نصوص الإمام أحمد وطبقته من أهل العلم : أن من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ، هذا هو الصواب عند جماهير أهل السنة، أن لا يطلق واحد منهما ، كما عليه الإمام أحمد وجمهور السلف ؛ لأن كل واحد من الإطلاقين يقتضى إيهاما لخطأ ؛ فإن أصوات العباد محدثة بلا شك ، وإن كان بعض من نصر السنة ينفي الخلق عن الصوت المسموع من العبد بالقرآن ، وهو مقدار ما يكون من القرآن المبلغ . فإن جمهور أهل السنة أنكروا ذلك وعابوه . جريا على منهاج أحمد ٥٧٣ وغيره من أئمة الهدى ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم )). وأما التلاوة في نفسها التى هي حروف القرآن وألفاظه ، فهي غير مخلوقة، والعبد إنما يقرأ كلام اللّه بصوته، كما أنه إذا قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات)) فهذا الكلام لفظه ومعناه إنما هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قد بلغه بحركته وصوته ، كذلك القرآن لفظه ومعناه كلام اللّه تعالى؛ ليس للمخلوق فيه إلا تبليغه وتأديته وصوته ، وما يخفى على لبيب الفرق بين التلاوة فى نفسها ؛ قبل أن يتكلم بها الخلق ، وبعد أن يتكلموا بها ، وبين ما للعبد في تلاوة القرآن من عمل وكسب ، وإنما غلط بعض الموافقين والمخالفين، فجعلوا البابين بابا واحداً، وأرادوا أن يستدلوا على نفس حدوث حروف القرآن بما دل على حدوث أفعال العباد وما تولد عنها، وهذا من أقبح الغلط ، وليس فى الحجج العقلية ، ولا السمعية ما يدل على حدوث نفس حروف القرآن ، إلا من جنس ما يحتج به على حدوث معانيه . والجواب عن الحجج مثل الجواب عن هذه لمن استهدى الله فهداه . وأما ما ذكروه من آيات الصفات وأحاديثها : فمذهب سلف الأمة من الصحابة والتابعين ، وسائر الأئمة المتبوعين الإقرار والإمرار . قال ٥٧٤ أبو سليمان الخطابى ، وأبو بكر الخطيب: مذهب السلف فى آيات الصفات، وأحاديث الصفات، إجراؤها على ظاهرها مع نفى الكيفية، والتشبيه عنها . وقالا فى ذلك : إن الكلام فى الصفات فرع على الكلام فى الذات ، يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله ، فإذا كان إثبات ذاته إثبات وجود لا إثبات كيفية : فكذلك إثبات صفاته إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فلا نقول : إن معنى اليد القدرة ، ولا إن معنى السمع العلم ، هذا كلامها . وقال بعضهم: إذا قال لك الجهمي : كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ فقل له : كيف هو فى نفسه ؟ فإن قال : نحن لا نعلم كيفية ذاته . فقل : ونحن لا نعلم كيفية صفاته ، وكيف نعلم كيفية صفة ، ولا نعلم كيفية موصوفها . ومن فهم من صفات الله تعالى ما هو مستلزم للحدوث ، مجانس لصفات المخلوقين ، ثم أراد أن ينفي ذلك عن اللّه فقد شبه وعطل ؛ بل الواجب أن لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، لا تتجاوز القرآن والحديث . وأن نعلم مع ذلك أن الله تعالى ليس كمتاه شيء ، لا في نفسه ، ولا في أوصافه ، ولا فى أفعاله ، وأن الخلق لا تطيق عقولهم كنه معرفته ، ولا تقدر ألسنتهم على بلوغ صفته (سُبْحَانَرَِكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ٥٧٥ وسئل رحمه الله عمن بقول : إن الشكل والنقط من كلام الله تبارك وتعالى، وهل ذلك حق أم باطل ؟ وما الحكم فى الأحرف ؟ هل هي كلام الله أم لا ؟ بينوا لنا ذلك مثابين مأجورين؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين. المصاحف التى كتبها الصحابة لم يشكلوا حروفاً ، ولم ينقطوها ؛ فإنهم كانوا عرباً لا يلحنون ، ثم بعد ذلك فى أواخر عصر الصحابة لما نشأ اللحن صاروا ينقطون المصاحف ويشكلونها وذلك جائز عند أكثر العلماء ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وكرهه بعضهم، والصحيح أنه لا يكره ؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك ، ولا نزاع بين العلماء أن [ حكم] الشكل والنقط حكم الحروف المكتوبة، فإن النقط تميز بين الحروف ، والشكل يبين الإعراب ، لأنه كلام من تمام الكلام . ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: ((إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه)) فإذا قرأ القارئ (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ) كانت الضمة والفتحة والكسرة من تمام لفظ القرآن . وإذا كان كذلك فالمداد الذي يكتب به الشكل والنقط كالمداد الذي ٥٧٦ يكتب به الحروف ، والمداد كله مخلوق ، ليس منه شيء غير مخلوق . والصوت الذي يقرأ به الناس القرآن هو صوت العباد ؛ لكن الكلام كلام اللّه تعالى، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) فالكلام كلام الباري ، والصوت صوت القارئ ، وهذا ليس هو الصوت الذي ينادى الله به عباده ، ويسمعه موسى وغيره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة . وكلام الله غير مخلوق عند سلف الأمة وأئمتها ، وهو أيضاً يتكلم بمشيئته وقدرته عندهم، لم يزل متكلما إذا شاء فهو قديم النوع ، وأما نفس ((النداء)) الذي نادى به موسى ونحو ذلك فحينئذ ناداه به ، كما قال تعالى: (فَلَمَّا أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَى)، وكذلك نظاره، فكان السلف يفرقون بين نوع الكلام وبين الكلمة المعينة . قال تعالى: (قُللَّو كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَالْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَذَ كَلِمَتُّ رَبِّ وَلَوْحِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًّا ). وكلام اللّه وما يدخل في كلامه من ندائه . وغير ذلك ليس بمخلوق بأن منه ، بل هو منه ، والقرآن سمعه جبرئيل من اللّه، ونزل به إلى محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالْحَقِّ ) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) وقال تعالى: (تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) ونحو ذلك. ٥٧٧ والنبى صلى الله عليه وسلم بلغه إلى الأمة، والمسلمون يسمعه بعضهم من بعض ، وليس ذلك كسماع موسى كلام الله ، فإنه سمعه بلا واسطة والذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه فى مصاحفهم هو كلام الله لا كلام غيره وم يقرؤونه بأصواتهم ، ويكتبونه بمدادم فى ورقهم. وأفعالهم ، وأصواتهم، ومدادم ، مخلوق . والقرآن الذي يقرؤونه ويكتبونه هو كلام الله تعالى غير مخلوق، سواء قرؤوه قراءة يثابون عليها، أو لا يثابون عليها ، وسواء كتبوه مشكولا منقوطا أو كتبوه غير مشكول ولا منقوط ؛ فإن ذلك لا يخرجه عن أن يكون المكتوب هو القرآن ، وهو كلام الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وما بين اللوحين كلام اللّه ، سواء كان مشكولا منقوطاً، أو كان غير مشكول ولا منقوط، وكلام الله منزل غير مخلوق ، وأصوات العباد والمداد مخلوقان . والقرآن العربي كلام الله تكلم به ليس بعضه كلام اللّه وبعضه ليس كلام الله، وليس لجبريل ولا لمحمد منه إلا التبليغ ، لم يحدث واحد منها شيئاً من حروفه ؛ بل الجميع كلام الله تبارك وتعالى. وهذه ((المسائل)) مبسوطة فى غير هذا الجواب؛ ولكن هذا قدر ما وسعته هذه الورقة . والله أعلم . ٥٧٨ وقال شيخ الإسلام رحمه اللّه فصل الكلام فى (( القرآن)) و((الكلام)) هل هو حرف وصوت ، أم ليس بحرف وصوت محدث : حدث فى حدود المائة الثالثة ، وانتشر في المائة الرابعة ؛ فإن أبا سعيد بن كلاب ثم أبا الحسن الأشعري ونحوهما لما ناظروا المعتزلة فى إثبات الصفات ، وأن القرآن ليس بمخلوق ورأوا أن ذلك لا يتم إلا إذا كان القرآن قديماً ، وأنه لا يمكن أن يكون قديماً إلا أن يكون معنى قائماً بنفس الله كعلمه، وزادوا أن الله لا يتكلم بصوت ، ولا لغة، لا قديم ولا غير قديم، لما رأوه من امتناع قيام أمر حادث به ، وخالفوا فى ذلك جمهور المسلمين : من أهل الحديث ، والفقه ، والكلام والتصوف ، وإن تنوعت ما خذم فإن الآثار شاهدة بأن الله يتكلم بصوت. ولهذا جهم الإمام أحمد وغيره من أنكر ذلك . قال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي: إن أقواما يقولون: إن الله لا يتكلم بصوت . ٥٧٩ فقال : هؤلاء جهمية ؛ إنما يدورون على التعطيل ، وذكر حديث ابن مسعود ، وكذلك رواه غير واحد عن أحمد . وكذلك البخاري ترجم فى صحيحه بابا فى قوله: (حََّ إِذَا فُزَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) بين فيه الحجة على أن اللّه يتكلم بصوت . وكذلك المصنفون فى السنة من أئمة الحديث وثم كثير ، وكذلك أئمة الصوفية ، كالحارث المحاسبى ، وأبى الحسن بن سالم وغيرهما ، وكذلك الفقهاء من جميع الطوائف: المالكية ، والشافعية والحنفية ، والحنبلية ، المصنفون فى أصول الفقه، يقررون أن الأمر والنهي ، والخبر ، والعموم له صيغ موضوعة في اللغة تدل بمجردها على أنها أمر ونهي ، وخبر ، وعموم ، ويذكرون خلاف الأشعرية فى أن الأمر لا صيغة له . ثم المثبتون للصوت منهم المعتزلة ، الذين يقولون: القرآن مخلوق يقولون كلامه صوت قائم بغيره ، ومنهم الكرامية ، وطوائف من أهل الحديث من الحنبلية ، وغيرهم ، يقولون : يتكلم بصوت قائم به ، لكن ليس الصوت بقديم . ومنهم طائفة من متكلمة أهل السنة من الحنبلية وغيرهم يقولون: يتكلم بصوت قديم قائم به . ومنهم طائفة من الفقهاء من الحنفية وغيرهم ، يقولون يخاطب ٥٨٠