النص المفهرس

صفحات 521-540

ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما وجده مكتوباً كانت
العبارة عبارة جبريل ، وكان القرآن كلام جبريل ترجم به عن الله ، كما
يترجم عن الأخرس الذي كتب كلاما ولم يقدر أن يتكلم به . وهذا
خلاف دين المسلمين .
ذِى قُوَّةِ
( إِنَّهُ لَقَوّلُ رَسُولٍكِرٍ *
وإن احتج محتج بقوله :
إِنَّهُ لَقَوْلُ
عِنْدَ ذِى الْعَشِ مَكِينٍ ) قيل له فقد قال فى الآية الأخرى : (
رَسُولٍکَرِيمٍ
وَمَا هُوَبِقَوّلِ شَاعِرِقَلِيلًا مَّانُؤْمِنُونَ * وَلَ بِقَوْلِ كَإِنٍ قَلِلًا مَّانَذَّكَّرُونَ )
*
فالرسول فى هذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم
والرسول في الأخرى جبريل ، فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته
لتناقض الخبران . فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث
ولهذا قال: (لَقَوَّلُ رَسُولٍ ) ولم يقل ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول
بلغه، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّكَ ) فكان النبى
صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول: ((ألا رجل
يحملني إلى قومه لأ بلغ كلام ربى، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي؟))
ولما أنزل الله: (الّ * غُلِبَتِ الرُوم ) خرج أبو بكر الصديق فقرأها على
على الناس فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال : ليس بكلامي
ولا كلام صاحبى ولكنه كلام الله .
وإن احتج بقوله (مَايَأْتِهِمْ مِّن ذِكْرِمِن رَّبِّهِمْ تُحْدَثٍ ) قيل له
٥٢١

هذه الآية حجة عليك ، فإنه لما قال: (مَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرِمِن رَّبِّهِم
تُحْدَثٍ) علم أن الذكر منه محدث ومنه ما ليس بمحدث ؛ لأن النكرة
إذا وصفت ميز بها بين الموصوف وغيره ، كما لو قال : ما يأتينى من
رجل مسلم إلا أكرمته ، وما آكل إلا طعاما حلالا ونحو ذلك ،
ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي ولكنه الذي
أنزل جديداً ، فإن الله كان ينزل القرآن شيئاً بعد شيء، فالمنزل أولاً
هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخراً . وكل ما تقدم على غيره فهو قديم
فى لغة العرب، كما قال: (كَلْعُونِ الْقَدِيمِ ) وقال: (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِى
ضَلِكَ الْقَدِيمِ ) وقال: (وَإِذْلَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ )
وقال: ( أَفَرَءَيْتُمْمَاكُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ) وكذلك قوله :
(جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّا عَرَبِيًّا ) لم يقل جعلناه فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه؛
ولكن قال: ( جَعَلْنَهُ قُرْءَ نَّاعَرَبِيّا ) أي صيرناه عربيا لأنه قد كان
قادراً على أن ينزله عجمياً ، فلما أنزله عربيا كان قد جعله عربياً دون
مجمي . وهذه المسئلة من أصول أهل الإيمان والسنة التى فارقوا بها
الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوم ، والكلام عليها مبسوط في غير
هذا الموضع والله أعلم.
٥٢٢

وسئل شيخ الإسلام
رحمه الله
عمن قال: إن اللّه لم يكلم موسى تكليما، فقال له آخر: بل كلمه
تكليما، فقال : إن قلت كله فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت، والحرف
والصوت محدث ، ومن قال : إن اللّه كلم موسى بحرف وصوت فهو
كافر، فهل هو كما قال أو لا ؟
فأجاب: الحمد لله، أما من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما فهذا
إن كان لم يسمع القرآن فإنه يعرف أن هذا نص القرآن ، فإن أنكر.
بعد ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل ، ولا يقبل منه إن كان كلامه بعد
أن يجحد نص القرآن ، بل لو قال : إن معنى كلامي أنه خلق صوتا فى
الهواء فأسمعه موسى كان كلامه أيضاً كفراً، وهو قول الجهمية الذين
كفرم السلف وقالوا : يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا ؛ لكن من كان
مؤمناً بالله ورسوله مطلقا ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب فإنه لا يحكم
بكفره حتى تقوم عليه الحجة التى من خالفها كفر. إذ كثير من الناس
٥٢٣

يخطئء فيما يتأوله من القرآن ويجهل كثيراً مما يرد من معاني الكتاب
والسنة ، والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة ، والكفر لا يكون
إلا بعد البيان .
والأئمة الذين أمروا بقتل مثل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله فى
الآخرة ويقولون : القرآن مخلوق ونحو ذلك ، قيل إنهم أمروا بقتلهم
لكفرهم ، وقيل لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس فقتلوا
لأجل الفساد فى الأرض وحفظا لدين الناس أن يضلوم .
وبالجملة فقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الجهمية من شر طوائف
أهل البدع، حتى أخرجهم كثير عن الثنتين والسبعين فرقة .
ومن الجهمية : المتفلسفة والمعتزلة الذين يقولون: إن كلام الله مخلوق
وإن الله إنما كلم موسى بكلام مخلوق خلقه في الهواء، وإنه لا يرى فى
الآخرة ، وإنه ليس مباينا لخلقه، وأمثال هذه المقالات التى تستلزم تعطيل
الخالق وتكذيب رسله وإبطال دينه .
وأما قول الجهمي : إن قلت كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف
وصوت ، والحرف والصوت محدث ، ومن قال إن الله كلم موسى بحرف
وصوت فهو كافر . فيقال لهذا الملحد : أنت تقول إنه كلمه بحرف وصوت
٥٢٤

لكن تقول بحرف وصوت خلقه في الهواء ونقول : إنه لا يجوز أن تقوم
به الحروف والأصوات لأنها لا تقوم إلا بمتحيز ، والباري ليس بمتحيز ،
ومن قال إنه متحيز فقد كفر . ومن المعلوم أن من جحد ما نطق به
الكتاب والسنة كان أولى بالكفر ممن أقر بما جاء به الكتاب والسنة ..
وإن قال الجاحد لنص الكتاب والسنة إن العقل معه قال له الموافق
للنصوص : بل العقل معي وهو موافق للكتاب والسنة ، فهذا يقول
إن معه السمع والعقل، وذاك إنما يحتج لقوله بما يدعيه من العقل الذي
يبين منازعه فساده ، ولو قدر أن العقل معه .
((والكفر)) هو من الأحكام الشرعية وليس كل من خالف شيئا على
بنظر العقل يكون كافراً، ولو قدر أنه جحد بعض صرائح العقول لم
يحكم بكفره حتى يكون قوله كفراً فى الشريعة .
وأما من خالف ما علم أن الرسول جاء به فهو كافر بلانزاع؛ وذلك
أنه ليس فى الكتاب والسنة ولا فى قول أحد من سلف الأمة وأمتها الإخبار
عن الله بأنه متحيز أو أنه ليس بمتحيز ، ولا فى الكتاب والسنة أن من
قال هذا وهذا يكفر . وهذا اللفظ مبتدع والكفر لا يتعلق بمجرد
أسماء مبتدعة لا أصل لها فى الكتاب والسنة ؛ بل يستفسر هذا القائل
إذا قال: إن الله متحيز أو ليس بمتحيز ، فإن قال : أعني بقولي إنه متحيز
٥٢٥

أنه دخل فى المخلوقات وإن المخلوقات قد حازته وأحاطت به فهذا باطل .
وإن قال أعني به أنه منحاز عن المخلوقات مباين لها ، فهذا حق .
وكذلك قوله: ليس متحيز ، إن أراد به أن المخلوق لا يحوز
الخالق فقد أصاب ، وإن قال إن الخالق لا يباين المخلوق وينفصل عنه
فقد أخطأ .
وإذا عرف ذلك فالناس فى الجواب عن حجته الداحضة - وهي قوله
« لو قلت إنه كلمه فالكلام لا يكون إلا بحرف وصوت والحرف والصوت
محدث)) - ثلاثة أصناف : صنف منعوه المقدمة الأولى، وصنف منعوه المقدمة
الثانية ، وصنف لم يمنعوه المقدمتين ، بل استفسروه ، وبينوا أن ذلك
لا يمنع أن يكون الله كلم موسى تكليما .
فـ ((الصنف الأول)) أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن
علي بن إسماعيل الأشعري ومن اتبعها قالوا: لا نسلم أن الكلام لا يكون
إلا بحرف وصوت بل الكلام معنى قائم بذات المتكلم والحروف والأصوات
عبارة عنه ، وذلك المعنى القائم بذات الله تعالى يتضمن الأمر بكل ما أمر
به والخبر عن كل ما أخبر عنه، إن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وقالوا:
إنه اسم الكلام حقيقة، فيكون اسم الكلام مشتركا أو مجازاً في كلام
الخالق ، وحقيقة فى كلام المخلوق .
٥٢٦

و «الصنف الثاني)» سلموا لهم أن الكلام لا يكون إلا بحرف
وصوت، ومنعوم المقدمة الثانية ، وهو أن الحرف والصوت لا يكون
إلا محدثا .
وصنف قالوا : إن المحدث كالحادث سواء كان قائما بنفسه أو بغيره ،
وهو يتكلم بكلام لا يكون قديما، وهو بحرف وصوت، وهذا قول من
يقول القرآن قديم وهو بحرف وصوت كأبى الحسن بن سالم وأتباعه
السالمية وطوائف ممن اتبعه، وقال هؤلاء في الحرف والصوت نظير ما قاله
الذين قبلهم في المعانى.
وقالوا كلام لا بحرف ولا صوت لا يعقل ، ومعنى يكون أمراً
ونهياً وخبراً ممتنع فى صريح العقل ، ومن ادعى أن معنى التوراة
والإنجيل والقرآن واحد وإنما اختلفت العبارات الدالة عليه - فقوله
معلوم الفساد بالاضطرار عقلا وشرعا ، وإخراج الحروف عن مسمى
الكلام مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات ، وإن جاز أن يقال :
إن الحروف والأصوات المخلوقة فى غير كلام الله حقيقة أمكن حينئذ أن
يكون كلم موسى بكلام مخلوق فى غيره .
وقالوا لإخوانهم الأولين : إذا قلتم إن الكلام هو مجرد المعنى
٥٢٧

وقد خلق عبارة بيان (١) فإن قلتم إن تلك العبارة كلامه حقيقة بطلت
حجّكم على المعتزلة؛ فإن أعظم حجتكم عليهم قولكم إنه يمتنع أن يكون
متكلماً بكلام يخلقه فى غيره ، كما يمتنع أن يعلم بعلم قائم بغيره ، وأن
يقدر بقدرة قائمة بغيره ، وأن يريد بإرادة قائمة بغيره ، وإن قلتم هي
كلام مجازاً لزم أن يكون الكلام حقيقة فى المعنى مجازاً فى اللفظ ،
وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من جميع اللغات .
و ((الصف الثالث)): الذين لم يمنعوا المقدمتين ولكن استفسروم
وبينوا أن هذا لا يستلزم صحة قولكم ، بل قالوا : إن قلتم : إن
الحرف والصوت محدث بمعنى أنه يجب أن يكون مخلوقاً منه منفصلا
عنه ، فهذا دليل على فساد قولكم وتناقضه ، وهذا قول ممنوع ،
وإن قلتم: بمعنى أنه لا يكون قديماً فهو مسلم لكن هذه
التسمية محدثة .
وهؤلاء ((صنفان)): صنف قالوا : إن المحدث هو المخلوق
المنفصل عنه فإذا قلنا : الحرف والصوت لا يكون إلا محدثاً كان بمنزلة
قولنا لا يكون إلا مخلوقاً ، وحينئذ فيكون هذا المعتزلي أبطل قوله
(١) بياض بالأصل .
٥٢٨

بقوله حيث زعم أنه بتكلم بحرف وصوت مخلوق ، ثم استدل على
ذلك بما يقتضي أنه يتكلم لا يتكلم بكلام مخلوق فيه تلبيس .
ونحن لا نقول كلم موسى بكلام قديم ولا بكلام مخلوق ، بل
هو سبحانه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء ، كما أنه سبحانه وتعالى
خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوى على العرش ، وأنه
سبحانه استوى إلى السماء وهي دخان ، وأنه سبحانه يأتي فى ظلل من
الغمام والملائكة، كما قال (وَجَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًا ) وقال :
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِى رَبُّكَ أَوْيَأْنِىَ بَعْضُءَايَتِ رَبِّكَ
(
وقال تعالى: ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُوَكُنْ فَيَكُونُ ) وقال
تعالى: ( وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وأمثال ذلك فى
القرآن والحديث كثير .
يبين الله سبحانه أنه إذا شاء فعل ما أخبر عنه من تكليمه وأفعاله
القائمة بنفسه ، وما كان قائماً بنفسه هو كلامه لا كلام غيره . والمخلوق
لا يكون قائماً بالخالق ، ولا يكون الرب محلا للمخلوقات ، بل هو
سبحانه يقوم به ما شاء من كلماته وأفعاله ، وليس من ذلك شيء
مخلوقاً ، إنما المخلوق ما كان بائناً عنه . وكلام اللّه من الله ليس ببائن
منه ، ولهذا قال السلف : القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ
٥٢٩

وإليه يعود ، فقالوا : منه بدأ أي هو المتكلم به ، لا أنه خلقه فى بعض
الأجسام المخلوقة .
وهذا ((الجواب)) هو جواب أئمة أهل الحديث والتصوف والفقه
وطوائف من أهل الكلام من أئمتهم : من الهشامية ، والكرامية ،
وغيرهم .
وأتباع الأئمة الأربعة: أصحاب أبى حنيفة ، ومالك ، والشافعي ،
وأحمد: منهم من يختار جواب الصنف الأول ، وهم الذين يرتضون
قول ابن كلاب فى القرآن . وهم طوائف من متأخري أصحاب مالك
والشافعي وأحمد وأبى حنيفة ، ومنهم من يختار جواب الصنف الثانى ،
وهم الطوائف الذين ينكرون قول ابن كلاب ويقولون إن القرآن قديم:
كالسالمية ، وطوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبى حنيفة ،
ومنهم من يختار جواب الطائفة الثالثة ، وهم الذين ينكرون قول الطائفتين
المتقدمتين الكلابية والسالمية .
ثم من هؤلاء من يقول بقول الكرامية - والكرامية ينتسبون
إلى أبى حنيفة - ومنهم من لا يختار قول الكرامية أيضاً لما فيه من
تناقض آخر ؛ بل يقول بقول أئمة الحديث : كالبخاري ، وعثمان بن
سعيد الدارمي ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة ، ومن قبلهم من السلف:
٥٣٠

كأبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ومحمد بن كعب
القرظي ، والزهري، وعبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق
ابن راهويه ، وما نقل من ذلك عن الصحابة والتابعين ، وفى ذلك آثار
كثيرة معروفة فى كتب السنن والآثار تضيق عنها هذه الورقة .
وبين الأصناف الثلاثة منازعات ودقائق تضيق عنها هذه الورقة ،
وقد بسطنا الكلام عليها فى مواضع وبينا حقيقة كل قول ، وما هو
القول الصواب فى صريح المعقول وصحيح المنقول؛ لكن هؤلاء الطوائف
كلهم متفقون على تضليل من يقول إن كلام اللّه مخلوق. والأمة متفقة
على أن من قال إن كلام الله مخلوق لم يكلم موسى تكليماً يستتاب فإن
تاب وإلا يقتل .
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
تسليماً كثيراً .
٥٣١

وسئل أيضا رحم الله
عمن قال : كلم الله موسى تكليماً ، وسمعته أذناه ، ووعاء قلبه ،
وإن الله كتب التوراة بيده، وناوله إياه من يده إلى يده ، وقال
آخر : لم يكلمه إلا بواسطة .
فأجاب : القائل الذي قال : إن الله كلم موسى تكليماً - كما
أخبر فى كتابه - مصيب ، وأما الذي قال : كلم الله موسى بواسطة
فهذا ضال مخطئ ؛ بل قد نص الأئمة على أن من قال ذلك فإنه
يستتاب فإن تاب وإلا قتل ؛ فإن هذا الكلام إنكار لما قد علم
بالاضطرار من دين الإسلام ، ولما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع .
قال الله تعالى :
( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا
أَوْ مِن وَرَآبٍ حِجَابٍ ) الآية ففرق بين تكليمه من وراء حجاب - كما
كلم موسى - وبين تكليمه بواسطة رسول ، كما أوحى إلى غير
موسى ، قال الله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَِّنَ مِنْ بَعْدِهِ)
إلى قوله : ( وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ).
٥٣٢

والأحاديث بذلك كثيرة في الصحيحين والسنن وفي الحديث المحفوظ
عن النبى صلى الله عليه وسلم حديث ((التقى آدم وموسى، قال آدم:
أنت موسى الذي كمك الله تكليماً، لم يجعل بينك وبينه رسولاً
من خلقه )).
وسلف الأمة وأئمتها كفروا الجهمية ، الذين قالوا : إن الله خلق
كلاماً فى بعض الأجسام ، سمعه موسى ، وفسر التكليم بذلك . وأما
قوله: (( إن الله كتب التوراة بيده)) فهذا قد روى فى الصحيحين ،
فمن أنكر ذلك فهو مخطئ ضال ، وإذا أنكره بعد معرفة الحديث
الصحيح يستحق العقوبة. وأما قوله ((ناولها بيده إلى يده )) فهذا
مأثور عن طائفة من التابعين ، وهو هكذا عند أهل الكتاب ؛ لكن
لا أعلم غير هذا اللفظ مأثوراً عن النبى صلى الله عليه وسلم، فالمتكلم
به إن أراد ما يخالف ذلك فقد أخطأ . والله أعلم .
٥٣٣

ما نقول السادة الأعلام
أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين - هل هذا القرآن الذي
نتلوه القائم بنا حين التلاوة هو كلام الله الذي قام به حين تكلم به
وكان صفة له أم لا ؟ وإذا كان كلامه فهل إذا تلوناه وقام بنا يطلق
عليه كلام اللّه وصفته؟ أم يطلق عليه كلام الله دون صفته ؟ أم فى
ذلك تفصيل يجب بيانه ؟ وهل إذا قام بنا كان منتقلا عن الله بعد
أن قام به ؟ أم يكون قائماً بنا وبه معاً ؟ أم الذي قام بنا يكون عبارة
عن كلام الله ، أو حكاية عنه ، ويكون إطلاق كلام اللّه عليه مجازاً؟
وهل يكون صفة لنا محدثة قامت بمحدث ؛ إذ القديم لا يقوم بمحدث،
والمحدث لا يكون قديماً، وهل ((التلاوة )) هي نفس المتلو أم لا؟؟
أفتونا مأجورين .
فأجاب شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية قدس الله
روحه: الحمد لله رب العالمين.
هذه ((المسألة)) جوابها يحتمل البسط ، ويمكن فيه الاختصار ،
ثم بسط الجواب بعض البسط ؛ فأما الجواب المختصر فإنه يقال : جواب
٥٣٤

هذه المسألة مبني على ((مقدمة)) وهي أن يعرف الإنسان معنى قول
القائل لما بلغه عن غيره : هذا كلام ذلك الغير ؛ فإن المحدث إذا حدث
عن النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل
امرئ ما نوى)) أو قوله: ((الحلال بين، والحرام بين ، وبين ذلك
أمور مشتبهة لا يعلمها كثير من الناس)) أو قوله: ((من عمل عملا
ليس عليه أمرنا فهو رد )» ونحو ذلك .
فإنه من المعلوم أن هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به
بلفظه ومعناه ، فهو الذي أخبر بمعناه ، وهو الذي ألف حروفه وتكلم
بها بصوته . ثم المبلغ بذلك عنه بلغ كلامه ، كما قال النبي صلى الله عليه
وسلم ((نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب حامل
فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )) فدعى بالنضرة
لمن سمع منه حديثاً فبلغه كما سمعه . فبين أن الحديث المسموع منه هو
الحديث المبلغ عنه ، مع العلم بأن المبلغ عنه بلغه بأفعاله وأصواته ، وأن
الصوت المسموع منه هو صوته لا صوت النبى صلى الله عليه وسلم.
وإن كان النبى صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك الحديث بصوته
المختص به ، فالمبلغ عنه هو حديثه الذي سمع منه ، وليس الصوت
المسموع صوته .
فإذا قال القائل : هل هذا الحديث الذي قرأه المحدث القائم به
٥٣٥

حين القراءة هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قام به حين تكلم
به وكان صفة له أم لا ؟ قيل له : إن كنت تريد أن نفس الحديث
من حيث هو هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي قام به حين
تكلم به كان صفة له ؛ فنعم ! هذا الحديث من حيث هو هو كلام
النبى صلى الله عليه وسلم، وإن كنت تريد أن ما اختص بالقارئ
من حركاته وأصواته هو القائم بالرسول ، فليس كذلك .
وكذلك إن أردت أن نفس ما اختص به الرسول من حركاته
وأصواته ، والصفات القائمة بنفسه هي بعينها انتقلت عن الرسول ،
وقامت بالقارئ فليس كذلك .
وقول القائل : هذا هو هذا وليس هو إياه ، وهذا هو عين
هذا وليس هو عينه: لفظ فيه إجمال ، فإن من نقل لفظ غيره ، كما
سمعه وکتبه فی کتاب ، فإنه يقول : هذا كلام فلان بعينه ، وهذا نفس كلامه،
وهذا عين كلامه . ومراده أن نفس ما قاله هو الذي بلغه عنه ، وهو
المكتوب فى الكتاب ، لم يزد فيه ولم ينقص منه .
فإذا قال القائل: لما سمع من القارئ ، هذا عين كلام الله ، أو
هذا كلام اللّه بعينه، أو هذا نفس كلام الله، أو قال لما بين لوحي
المصحف : هذا كلام الله بعينه، وهذا عين كلام الله كان صادقا ،
٥٣٦

ومن أنكر ذلك بهذا الاعتبار كان مقتضى قوله : أن القرآن زيد فيه
ونقص ؛ ولهذا كان الناس مطبقين على أن مابين اللوحين كلام الله:
والإنكار على من نفي ذلك .
وقد يقال لكلام المتكلم المسموع منه : هذا كلام زيد بعينه ؛
وهذا عين كلام زيد ، وهذا نفس كلام زيد ، بمعنى أنه مسموع منه
بلا واسطة ؛ بحيث يسمح صفة ذلك المتكلم المختص به بذلك، كما قال أيوب
السختياني . كان الحسن يتكلم بكلام فيأتى مثل الدر ؛ فتكلم به بعده
قوم فجاء مثل البعر . والمتكلم بالكلام من البشر له صوت يخصه ،
ونغمة تخصه، كما له سجية تخصه، كما قال تعالى: (وَأَخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَنِكُمْ ) . وله أيضاً - إن كان أمراً أو نهياً أو خبراً - من
الحال والصفة والكيفية ما يختص به ، فإذا سمع كلامه بالصفة المختصة به
وقيل : هذا كلامه بعينه ، وهذا عين كلامه ، ونفس كلامه ، وأدخلت
الصفة المختصة به فى مسمى العين والنفس ، لم يصدق هذا عليه ، إذا
كان مرویا .
لكن لما كان الناس فى زماننا يعلمون أن أحداً لا يسمع كلام النبى
صلى الله عليه وسلم منه : لم يسبق هذا المعنى إلى ذهن أحد ، بل كل
أحد يعلم أنا إذا قلنا سمعنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كلام
النبى صلى الله عليه وسلم بعينه ، وهذا عين كلامه ، فإنما المراد به
٥٣٧

المعنى الأول ، وهو كونه مسموعا من المبلغ عنه ، لا أنه مسموع منه،
ولا أن تكلمه الذى يختص بالكلام وجد .
وإذا كان هذا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم: فكلام اللّه
سبحانه أولى بذلك ، فإن الناس يعلمون أن أحداً منهم لم يسمعه من
الله، كما سمع موسى كلام الله من اللّه؛ بل يعلمون أن كلام الله إنما
سمع من المبلغين له ، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
لِيَعْلَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ
رَّبِّكَّ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَابَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) وقال تعالى: (
رِسَلَتِ رَبِهِمْ ) وقال نوح: (وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ
رِسَلَتِ رَبٍِّ )
وفى سنن أبى داود عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول
بالموقف: (( ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربى ؟ فإن قريشاً
منعوني أن أبلغ كلام ربى ))
فلما كان هذا مستقراً في قلوب المستمعين علموا أن قوله تعالى :
) إنما
وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اْللَّهِ
)
هو سماعه من المبلغين له ، لا سماعه منه ، وإن هذا السماع ليس كسماع
موسى كلام اللّه من الله ؛ فإن موسى سمعه منه بلا واسطة ، ونحن إذا
سمعنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة لم يكن كسمع الصحابة
٥٣٨

من النبى صلى الله عليه وسلم، مع أنهم يبلغون حديثه كما سمعوه، مع
العلم بأنهم لم يحكوا صوت النبى صلى الله عليه وسلم، فلا هي
أصواتهم صوته ، ولا مثل صوته ، مع أنهم بلغوا حديثه كما سمعوه .
فالقرآن أولى أن يكون جبريل بلغه كما سمعه ، والرسول بلغه كما سمعه ،
والأمة بلغته كما سمعته ، وأن يكون ما بلغته هو ما سمعته، وهو كلام الله
عز وجل في الحالين ؛ مع أن الرسول بشر من جنس البشر، والله
تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ).
والتفاوت الذي بين صفات الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت بين
أدنى المخلوقات وأعلاها، فإذا كان سمع التابعين لكلام النبي صلى الله
عليه وسلم من الصحابة ليس كسمع الصحابة من النبى صلى الله عليه
وسلم: فسماع كلام اللّه من الله أبعد من مماثلة سماع شيء لهي.
من المخلوقات .
والقائل إذا قال لما سمعه من المبلغ عن الرسول هذا كلام الرسول
أو هذا كلام صواب ، أو حق أو صحيح، أو هذا حديث رسول الله
أداه كما سمعه، أو هذا نفس كلام الرسول أو عينه ، فإنما قصد إلى
مجرد الكلام ، وهو ما يوجد حال سماعه من المبلغ ، والمبلغ عنه لم يشر
إلى ما يختص بأحدهما ؛ فلم يشر إلى مجرد صوت المبلغ ، ولا مجرد صوت
المبلغ عنه ، ولا إلى حركة أحد منها ؛ بل هناك أمر يتحد فى الحالين
٥٣٩

وهذا أمر يتعدد يختص كل منها منه بما يخصه .
فإذا قيل : هذا هو كلامه كانت الإشارة إلى المتحد المتفق عليه
بينهما . وإذا قيل : هذا صوته كانت الإشارة إلى المختص المتعدد ،
فيقال: هذا صوت غليظ ، أو رقيق ، أو حسن ، أو ليس حسناً ؛
كما فى الحديث الذي فى سنن ابن ماجه عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من
صاحب القينة إلى قينته)) وفى الحديث المشهور: ((زينوا القرآن
بأصواتكم )) قال أحمد : يحسنه بصوته ما استطاع . فبين الإمام أحمد
أن الصوت صوت القارئ، مع أن الكلام كلام الباري . وهذا كما
أنه معلوم من تبليغ كلام الله ورسوله ، فكذلك فى تبليغ كلام كل
أحد ، فإذا سمع الناس منشداً ينشد :
ألا كل شىء ما خلا الله باطل
قالوا : هذا شعر لبيد لفظه ومعناه ، وهذا كلام لبيد ، كما قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد : ألا
كل شيء ما خلا اللّه باطل)).
ولو قال المنشد : هذا شعري أو كلامي لكذبه الناس ، كما يكذبونه
لو قال: هذا صوت لبيد ، وإذا قال : هذا لفظ لبيد بالمعنى المعروف -
٥٤٠