النص المفهرس
صفحات 401-420
ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. فأخبر صلى اللّه عليه وسلم: أن نزول الملك عليه تارة يكون في الباطن بصوت مثل صلصلة الجرس . وتارة يكون متمثلا بصورة رجل يكلمه ، كما كان جبريل بأنى فى صورة دحية الكلبى ، وكما تمثل لمريم بشراً سويا ، وكما جاءت الملائكة لإبراهيم وللوط فى صورة الآدميين ، كما أخبر الله بذلك فى غير موضع وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء الملك، وخطابه وحيا؛ لما فى ذلك من الخفاء؛ فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء فى مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت . و(( القسم الثالث)) التكليم من وراء حجاب ، كما كلم موسى عليه السلام؛ ولهذا سمى الله هذا ((نداء)) و ((نجاء)) فقال تعالى: وقال تعالى: (فَلَمَّآ (وَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْطُورِلْأَيَّمَنِ وَقَرَّبْنَهُ نَجِيًّا) أَثَنِهَا نُودِىَ يَمُوسَىَ * إِّ أَنَاْرَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى * وَأَنَا وهذا التكليم مختص ببعض اخْتَرْتُكَ فَأَسْتَمِعْ لِمَايُوحَى ) الرسل، كما قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ) وقال تعالى: (وَلَمَّاجَآءَ مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُرَبُّهُ) وقال بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) فمن جعل هذا من جنس الوحى الأول - كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ٤٠١ ومن تكلم فى التصوف على طريقهم كما فى ((مشكاة الأنوار)) وكما فى ((كتاب خلع النعلين)) وكما في كلام الاتحادية كصاحب ((الفصوص)) وأمثاله - فضلاله ومخالفته للكتاب والسنة والإجماع ؛ بل وصريح المعقول من أبين الأمور . وكذلك من زعم : أن تكليم الله لموسى إنما هو من جنس الإلهام والوحي ؛ وأن الواحد منا قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى - كما يوجد مثل ذلك فى كلام طائفة من فروخ الجهمية الكلابية ونحوم - فهذا أيضاً من أعظم الناس ضلالا . وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام فى كتاب الله فيهما عموم وخصوص . فإذا كان أحدهما عاماً اندرج فيه الآخر ، كما اندرج الوحي فى التكليم العام في هذه الآية ، واندرج التكليم فى الوحي العام حيث قال تعالى: (فَأُسْتَمِعْ لِمَايُوحَى) وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي : الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم ، كما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص الكامل ؛ كما قال تعالى لزكريا: (ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ) ثم قال تعالى: (لَرَجَ عَلى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ ) ((فالإيحاء)) ليس بتكليم ، ولا يناقض الكلام ، وقوله تعالى فى الآية الأخرى: (أَلَّاتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلََّّرَمْزًا) إن جعل ٤٠٢ معنى الاستثناء منقطعاً اتفق معنى التكليم فى الآيتين ، وإن جعل متصلا كان التكليم مثل التكليم فى سورة الشورى ، وهو التكليم العام ؛ وقد تبين أنه إنما كلم موسى تكليما خاصاً كاملا بقوله : (مِنْهُم مَّن ◌َكَلَّمَ اللَّهُ ) مع العلم بأن الجميع أوحى إليهم ، وكلمهم التكليم العام ، وبأنه فرق بين تكليمه وبين الإيحاء إلى النبيين ، وكذا التكليم بالمصدر وبأنه جعل التكليم من وراء حجاب قسما غير إيحائه ، وبما تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من تكليمه الخاص لموسى منه إليه، وقد ثبت أنه كلمه بصوت سمعه موسى ، كما جاءت الآثار بذلك عن سلف الأمة وأئمتها موافقة لما دل عليه الكتاب والسنة . وغلطت هنا ((الطائفة الثالثة)) الكلابية. فاعتقدت أنه إنما أوحى إلى موسى عليه السلام معنى مجردا عن صوت . واختلفت هل يسمح ذلك ؟ فقال بعضهم يسمح ذلك المعنى بلطيفة خلقها فيه ، قالوا : إن السمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، واللمس معان تتعلق بكل موجود ، كما قال ذلك الأشعري، وطائفة ، وقال بعضهم لم يسمع موسى كلام الله، فإنه عنده معنى، والمعنى لا يسمح، كما قال ذلك القاضي أبو بكر وطائفة . وهذا الذي أثبتوه في جنس الوحي العام الذي فرق الله عز وجل ٤٠٣ بينه وبين تكليمه لموسى عليه السلام حيث قال: (إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَآ إِلَى نُوحِ وَالنَّبِنَ مِنْ بَعْدِهِ ) إلى قوله: (وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وفرق بين إيحائه وبين تكليمه من وراء حجاب حيث قال : وحيث فرق بين الرسول المكلم (إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآمٍحِجَابٍ ) وغيره بقوله تعالى: ( مِّنْهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ) . لكن هؤلاء يثبتون أن لله كلاما هو معنى قائم بنفسه هو متكلم به ، وبهذا صاروا خيراً ممن لا يثبت له كلاما إلا ما أوحى فى نفس النبى من المعنى ؛ أو ما سمعه من الصوت المحدث، ولكن لفرط ردم على هؤلاء زعموا: أنه لا يكون كلاما للّه بحال إلا ما قام به ؛ فإنه لا يقوم به إلا المعنى . فأنكروا أن تكون الحروف كلام الله، وأن يكون القرآن العربي كلام الله . وجاءت ((الطائفة الرابعة)) فردوا على هؤلاء دعوات أن يكون الكلام مجرد المعنى فزعم بعضهم أن الكلام ليس إلا الحرف أو الصوت فقط وإن المعانى المجردة لا تسمى كلاما أصلا : وليس كذلك؛ بل الكلام المطلق اسم للمعاني والحروف جميعاً، وقد يسمى أحدهما كلاماً مع التقييد كما يقول النحاة: ((الكلام)) اسم، وفعل، وحرف. فالمقسوم هنا اللفظ ، وكما قال الحسن البصري : ما زال أهل العلم يعودون بالتكلم على التفكر ، وبالتفكر على التدبر ، ويناطقون القلوب حتى نطقت . وكما قال ٤٠٤ الجنيد: ((التوحيد)) قول القلب ((والتوكل)) عمل القلب . فجعلوا للقلب نطقاً ، وقوة ، كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم للنفس حديثاً فى قوله: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها - ثم قال -: ما لم تتكلم به ، أو تعمل به)). فعلم أن ((الكلام المطلق)) هو ما كان بالحروف المطابقة للمعنى ، وإن كان مع التقييد قد يقع بغير ذلك ، حتى إنهم قد يسمون كل إفهام ودلالة يقصدها الدال قولا ، سواء كانت باللفظ أو الإشارة ، أو العقد - عقد الأصابع - وقد يسمون أيضا الدلالة قولا ، وإن لم تكن بقصد من الدال مثل دلالة الجامدات كما يقولون: قالت: ((انساع بطنه)). وامتلأ الحوض وقال قطنى قطنى رويداً قد ملأت بطني وقالت له العينان سمعا وطاعة ويسمى هذا لسان الحال ودلالة الحال ومنه قولهم: سل الأرض من فجر أنهارك ، وسقى تمارك ، وغرس أشجارك؟ فإن لم يجبك حوارا أحابتك اعتباراً . ومنه قولهم : تخبرني العينان ما القلب كاتم ولاخير فى الحياء والنظر الشزر ومنه قولهم : ٤٠٥ سألت الدار تخبرنى عن الأحباب ما فعلوا فقالت لي أناخ القو م أياما وقد رحلوا وقد يسمى شهادة ، وقد زعم طائفة أن ما ذكر فى القرآن من تسبيح المخلوقات هو من هذا الباب ، وهو دلالتها على الخالق تعالى؛ ولكن الصواب أن ثم تسبيحاً آخر زائدا على ما فيها من الدلالة كما قد سبق فى موضع آخر ؛ لكن هذا كله يكون مع التقييد والقرينة ؛ ولهذا يصح سلب الكلام والقول عن هذه الأشياء كما قال تعالى: (أَلَمْيَرَوْاْ أَنَّهُ, لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) وقال تعالى: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّ يَزَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا ) وقال الخليل عليه السلام: (فَتْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِفُونَ) وقال تعالى: (هَذَايَوْمُ لَيَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ ) وقال تعالى: (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَذِينَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) وقال تعالى: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) وهذا معلوم بالضرورة والتواتر، وهو سلب القول والكلام عن الحى الساكت والعاجز ، فكيف عن الموات ؟! وقد على أن الله تعالى موصوف بغاية صفات الكمال ، وأن الرسل قد أثبتوا أنه متكلم بالكلام الكامل التام فى غاية الكمال ، فمن لم يجعل كلامه إلا مجرد معنى ، أو مجرد حروف ، أو مجرد حروف وأصوات ، فما قدر الله حق قدره، ومن لم يجعل كلامه إلا ما يقوم ٤٠٦ بغيره فقد سلبه الكمال، وشبهه بالموات ، وكذلك من لم يجعله يتكلم بمشيئته ، أو جعله يتكلم بمشيئته وقدرته ولكن جعل الكلام من جملة المخلوقات وجعله يوصف بمخلوقاته ، أو جعله يتكلم بعد أن لم يكن متكلما فكل من هذه الأقوال وإن كان فيه إثبات بعض الحق ففيه رد لبعض الحق ونقص لما يستحقه الله من الكمال . فصل وكل من هؤلاء أدرك من درجات الكلام وأنواعه بعض الحق. وكذلك «الأصل الثانى)» وهو تكلمنا بكلام الله ؛ فإن الكتاب والسنة والإجماع دل على أن هذا الذي يقرؤه المسلمون هو كلام الله لا كلام غيره ، ولو قال أحد : إن حرفا منه ، أو معنى ليس هو من كلام الله، أو أنه كلام غير الله وسمع ذلك منه النبى صلى الله عليه وسلم؛ أو أحد من أصحابه لعلم بالاضطرار أنهم كانوا يقابلونه بما يقابلون أهل الجحود والضلال ؛ بل قد أجمع الخلائق على نحو ذلك في كل كلام . فجميع الخلق الذين يعلمون أن قوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل ٤٠٧ من شعر لبيد يعلمون أن هذا كلام لبيد وأن قوله : قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل هو من كلام امرئ القيس ، مع علمهم أنهم إنما سمعوها من غيره بصوت ذلك الغير ، فجاء المؤمنون ببعض الحق دون بعض فقالوا : ليس هذا، أو لا نسمع إلا صوت العبد ولفظه؛ ثم قال ((النفاة)): ولفظ العبد محدث ، وليس هو كلام الله، فهذا المسموع محدث، وليس هو كلام الله. وقالت ((المثبتة)): بل هذا كلام اللّه وليس إلا لفظه أو صوته فيكون لفظه أو [صوته] كلام الله، وكلام الله غير مخلوق ، أو قديم ، فيكون لفظه أو صوته غير مخلوق أو قديم . وكل من الفريقين قد علم الناس بالضرورة من دين الأمة ؛ بل وبالعقل أنه مخطئ فى بعض ما قاله، مبتدع فيه ؛ ولهذا أنكر الأئمة ذلك، وإذا رجع أحدم إلى فطرته وجد الفرق بين أن يشير إلى الكلام المسموع فيقال : هذا كلام زيد ، وبين أن يقول هذا صوت زيد ، ويجد فطرته تصدق بالأول وتكذب بالثاني ، قال الله تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اْللَّهِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)). وكل أحد يعلم بفطرته ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الكلام ٤٠٨ كلام الباري والصوت صوت القاري؛ ولهذا قال ((الإمام أحمد)) لأبي طالب لما قرأ عليه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) وقال له : هذا غير مخلوق فحكى عنه أنه قال : لفظى بالقرآن غير مخلوق ، قال له : أنا قلت لك لفظى غير مخلوق ؟ قال : لا . ولكن قرأت عليك: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ) فقلت : هذا غير مخلوق . فبين أحمد الفرق بين أن يقول : هذا الكلام غير مخلوق ، أو يقول: لفظ هذا المتكلم غير مخلوق؛ لأن قوله لفظي ((مجمل)) يدخل فيه فعله ، ويدخل فيه صوته . فإذا قيل: لفظي ، أو تلاونى ، أو قراءتى غير مخلوقة ، أو هي المتلو أشعر ذلك أن فعل العبد وصوته قديم ، وأن ما قام به من المعنى والصوت هو عين ما قام بالله من المعنى والصوت ، وإذا قال : لفظي بالقرآن، أو تلاوتى للقرآن ، أو لفظ القرآن ، أو تلاوته مخلوقة ، أو التلاوة غير المتلو ، أو القراءة غير المقروء أفهم ذلك أن حروف القرآن ليست من كلام اللّه بحال ، وأن نصف القرآن كلام الله ونصفه كلام غيره، وأفهم ذلك أن قراءة الله للقرآن مباينة المقروئه ، وتلاوته للقرآن مباينة لمتلوه ، وأن قراءة العبد للقرآن مباينة لمقروء العبد ، وتلاوته له مباينة لمتلوه ، وأفهم ذلك أنما نزل إلينا ليس هو كلام الله؛ لأن المقروء والمتلو هو كلام الله، والمغايرة عند هؤلاء تقتضي المباينة ، فما باين كلامه لم يكن كلاماً له فلا يكون هذا الذي أنزله كلامه . ٤٠٩ ولما كان الكلام إنما يكون بحركة وفعل تنشأ عنه حروف ومعان صار الكلام يدخل فى اسم الفعل والعمل : تارة باعتبار الحركة والفعل، ويخرج عنه تارة باعتبار الحروف والمعاني ؛ ولهذا يجيء في الكتاب والسنة قسما منه تارة كما فى قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَرَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَإِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ) وقسيماً له أخرى كما في قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ ) . ولهذا تنازع العلماء فيما إذا حلف لا يعمل عملاً في هذا المكان ولم يكن له نية ولا سبب يفيد ، هل يحنث بالكلام؟ على قولين في مذهب الإمام أحمد وغيره ، وذكروهما روايتين عن أحمد ؛ ولهذا قال أبو محمد ابن قتيبة في كتابه الذي ألفه في بيان ((اللفظ)) أن القراءة قرآن وعمل لا يتميز أحدهما عن الآخر ، فمن قال : إنها قرآن فهو صادق ، ومن حلف إنها عمل فهو بار ، وأخطأ من أطلق : أن القراءة مخلوقة ، وأخطأ من زعم أنها غير مخلوقة ، ونسبها جميعاً إلى قلة العلم ، وقصور الفهم ؛ فإن هذه المسألة خفيت على الطائفتين لغموضها ؛ فإن إحدى الطائفتين وجدت القراءة تسمى قرآنا فنفت الخلق عنها ، والأخرى وجدت القراءة فعلا يثاب صاحبه عليه فأثبتت حدوثه . ٤١٠ قلت : والخطأ فى هذا الأصل في طرفين ، كما أنه فى الأصل الأول فى طرفين . ففي الأصل الأول من قال : إنه ليس له كلام قائم به ومن قال: ليس كلامه إلا معنى مجرد أو صوت مجرد . وفي هذا الأصل من قال : كلامه لا يقوله غيره ، أو لا يسمع من غيره ، ومن قال : كلامه إذا أبلغه غيره وأداء فحاله كماله إذا سمعه منه وتلاه بل كلامه بقوله : رسله وعباده ، ويتكلمون به ، ويتلونه ، ويقرأونه فهو کلامہ حیث تصرف ، وحيث تلي ، وحيث كتب ، وكلامه ليس بمخلوق حيث تصرف ؛ وهو مع هذا فليس حاله إذا قرأء العباد وكتبوه كماله إذا قرأء الله وسمعوه منه ، ولا من يسمعه من القارئ بمنزلة موسى بن عمران الذي سمع كلام رب العالمين منه، كما جاء فى الحديث : (( إذا سمع الخلائق القرآن يوم القيامة من اللّه فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك)) بل ولا تلاوة الرسول وسمعه منه كتلاوة غيره وسمعه منه ؛ بل ولا تلاوة بعض الناس والسماع منه كتلاوة بعض الناس والسماع منه ، وهو كلام الله تعالى الذي ليس بمخلوق في جميع أحواله، وإن اختلفت أحواله . ومما يجب أن يعرف أن قول الله ورسوله والمؤمنين لما أنزله الله: هذا كلام الله ؛ بل وقول الناس لما يسمعونه من كلام الناس : هذا كلام فلان، كقولهم لمثل قوله: ((إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل ٤١١ امرئ ما نوى)» هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمثل قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل هذا شعر لبيد . فليس قولهم : هذا هو هذا ؛ لأنه مساو له في النوع ، كما يقال : هذا السواد هو هذا السواد ؛ فإن هذا يقولونه لما اتفق من الكلامين ، والعلمين ؛ والقدرتين ، والشخصين . ويقولون في مثل ذلك: وقع الخاطر على الخاطر ، كوقع الحافر على الحافر . وفى الحقيقة فهو إنما هو مثله، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِثْلَ قَوْلِهِمْ) وهم يقولون : هذا هو هذا مع انفاقها في الصفات ، وقد يكون مع اختلافها اختلافا غير مقصود ، كما أنهم يقولون للعين الواحدة إذا اختلفت صفتها هذه [ عين (١) ] هذه، ولا هو أيضاً بمنزلة من تمثل بكلام لغيره سواء كان نظا أو نثراً مثل أن يتمثل الرجل بقول لغيره فيصير متكلما به متشبهاً بالمتكلم به أولاً ، وهذا مثل أن نقول قولاً قاله غيرنا موافقين لذلك القائل في صحة القول . ولهذا قال الفقهاء : إن من قال ما يوافق لفظ القرآن على وجه (١) بالأصل غير . ٤١٢ الذكر والدعاء مثل أن يقول عند ابتداء الفعل بسم الله ، وعند الأكل الحمد لله، ونحو ذلك لم يكن قارئاً، وجاز له ذلك مع الجنابة ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الكلام بعد القرآن ((أربع)) وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) رواه مسلم. فيعملها أفضل الكلام بعد القرآن، وأخبر أنها من القرآن فهي من القرآن . وإذا قالها على وجه الذكر لم يكن قارئاً . لكن هذا الوجه قد يضاف فيه الكلام إلى الأول وإن لم يقصد الثاني تبليغ كلامه؛ لأنه هو الذي أنشأ الحقيقة ابتداء ، والثاني قالها احتذاء فإذا تمثل الرجل بقول الشاعر وإن لم يقصد تبليغ شعره : ألا كل شيء ما خلا الله باطل قيل له هذا كلام لبيد ؛ لكن الثاني قد لا يقصد إلا أن يتكلم به ابتداء لاعتقاده صحة معناه . ومن هنا تنازع أهل العلم في ((حروف الهجاء)) وفى ((الأسماء)) المنزلة فى القرآن وفى ((كلمات)) فى القرآن إذا تمثل الرجل بها ولم يقصد بها القراءة، هل يقال: ليست مخلوقة لأنها من القرآن ؟ أو يقال: إذا لم يقصد بها القرآن وكلام اللّه فليست من كلام اللّه فتكون ٤١٣ مخلوقة ، على قولين لأهل السنة . وأما الإنسان إذا قال ما هو كلام لغيره يقصد تبليغه وتأديته ، أو التكلم به معتقداً أنه إنما قصد التكلم بكلام غيره الذي هو الآمر بأمره ، المخبر بخبره ، المتكلم ابتداء بحروفه ومعانيه ، فهنا الكلام كلام الأول قطعاً ، ليس كلاماً للثاني بوجه من الوجوه ، وإنما وصل إلى الناس بواسطة الثانى . وليس للكلام نظير من كل وجه فيشتبه به ، وإنما هو أمر معقول بنفسه ، فإن كلام زيد المخلوق وإن كان قد عدم مثلا ، وعدم أيضاً ما قام به من الصفة ، فإذا رواه عنه راو آخر ، وقلنا : هذا كلام زيد، فإنما نشير إلى الحقيقة التى ابتدأ بها زيد وانصف بها ، وهذه هي تلك بعينها : أعني الحقيقة الصورية ؛ لا المادة ؛ فإن الصوت المطلق بالنسبة إلى الحروف الصوتية المقطعة بمنزلة المادة والصورة ، وهو لم يكن كلاما للمتكلم الأول ؛ لأجل الصوت المطلق الذي يشترك فيه صوت الآدميين والبهائم العجم والجمادات ، وإنما هو لأجل الصورة التى ألفها زيد مع تأليفه لمعانيها . ووجود هذه الصورة فى المادتين ليس بمنزلة وجود الأنواع والأشخاص في الأعيان ، ولا بمنزلة وجود الأعراض في الجواهر ، ولا ٤١٤ هو بمنزلة سائر الصور فى موادها الجوهرية ؛ بل هو حقيقة قائمة بنفسها وليس لكل حقيقة نظير مطابق من كل وجه . وإذا قالوا : هذا شعر لبيد ، فإما يشيرون إلى اللفظ والمعنى جميعاً. ثم مع هذا لو قال القائل : أنا أُنشأت لفظ هذا الشعر ، أو هذا اللفظ من إنشائي، أو لفظى بهذا الشعر من إنشائي لكذبه الناس كلهم ، وقالوا له : بل أنت رويته ، وأنشدته . أما أن تكون أحدثت لفظه ، أو هو محدث البارحة بلفظك ؛ أو لفظك به محدث البارحة فكذب ؛ لأن لفظ هذا الشعر موجود من دهر طويل ، وإن كنت أنت أديته بحركتك وصوتك ، فالحركة والصوت أمر طبيعي يشركك فيه الحيوان ، ناطقه وأعجمه ، فليس لك فيه حظ من حيث هو كلام ، ولا من حيث هو كلام ذلك الشاعر ؛ إذكونه كلاما ، أو كلاما لمتكلم هو مما يختص به المتكلم ؛ إنما أديته بآلة يشركك فيها العجماوات ، والجمادات ؛ لكن الحمد لله الذي جعل لك من العقل والتمييز ما تهتدى به ويسير به لسانك ولم يجعل ذلك للعجماوات ؛ فجعل فعلك وصفتك تعينك على عقل الكلام والتكلم به ولم يجعل فعل العجم وصفتها كذلك . فإذا كان هذا فى مخلوق بلغ كلام مخلوق مثله ، فكيف الظن بكلام الخالق جل جلاله الذي فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ؟! ٤١٥ فإن له شأنًا آخر يختص به لا يشبه بتبليغ سائر الكلام ، كما أنه في نفسه لا يشبه سائر الكلام ، وليس له مثل يقدر عليه أحد من الخلق ؛ بخلاف سائر ما يبلغ من كلام البشر ؛ فإن مثله مقدور فلا يجوز إضافة هذا الكلام المسموع الذي هو القرآن إلى غير الله بوجه من الوجوه؛ إلا على سبيل التبليغ، كقوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيرٍ)، والله سبحانه قد خاطبنا به بواسطة الرسول كما تقدم . وقد بسطت الكلام فى هذه المواضع التى هي محارات العقول التى اضطربت فيها الخلائق فى الموضع الذي يليق به ؛ فإن هذا جواب فتيا لا يليق به إلا التنبيه على جمل الأمور ، وإثبات وجوب نسبة الكلام إلى من بدأ منه لفظه ومعناه دون من بلغه عنه وأداه ، وأنه كلام المتصف به مبتدئاً حقيقة، سواء سمع منه أو سمع ممن بلغه وأداء بفعله وصوته ، مع العلم بأن أفعال العباد وصفاتهم مخلوقة وأن قول الله ورسوله والمؤمنين : هذا كلام الله، وما بين اللوحين كلام الله حقيقة لاريب فيه، وأن ((القرآن)) الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه ويحفظونه هو كلام الله تعالى، وكلام اللّه حيث تصرف غير مخلوق. وأما ما اقترن بتبليغه وقراءته من أفعال العباد وصفاتهم فإنه مخلوق . لكن هذا الموضع فيه اشتباه وإشكال لا تحتمل تحريره وبسطه هذه الفتوى ؛ لأن صاحبها مستوفز عجلان يريد أخذها ؛ ولأن في ٤١٦ ذلك من الدقة والغموض ما يحتاج إلى ذكر النصوص ، وبيان معانيها ، وضرب الأمثال التى توضح حقيقة الأمر ، وليس هذا موضعه . بل الذي يعلم من حيث ((الجملة)) أن الإمام أحمد والأئمة ، الكبار الذين لهم فى الأمة لسان صدق عام لم يتنازعوا في شيء من هذا الباب؛ بل كان بعضهم أعظم علماً به وقياما بواجبه من بعض . وقد غلط فى بعض ذلك من أكابر الناس جماعات . وقد رد الإمام أحمد عامة البدع في هذا الباب هو والأئمة. فأول ما ابتدع الجهمية القول ((بخلق القرآن)) و((نفي الصفات)» فأنكرها من كان فى ذلك الوقت من التابعين ثم تابعي التابعين ومن بعدهم من الأمة وكفروا قائلها . ثم ابتدع بعض أهل الحديث والكلام الذين ناظروا الجهمية : القول بأن القرآن المنزل مخلوق ، أو أنه ليس بكلام الله ، أو أنه ليس فى المصاحف ولا فى الصدور ، وأنكر بعضهم أن تكون حروف القرآن كلام الله، أو أن يكون الله تكلم بالصوت، وأنكر الإمام أحمد وأئمة وقته ذلك . وقابلهم قوم من أهل الكلام والحديث ؛ فزعموا أن ألفاظ العباد وأصوات العباد غير مخلوقة ، أو ادعوا أن بعض أفعال العباد أو صفاتهم غير مخلوقة ، أو أن ما يسمع من الناس من القرآن هو مثل ما يسمع ٤١٧ من الله تعالى من كل وجه، ونحو ذلك. فأنكر الإمام أحمد وعامة أئمة وقته وأصحابه وغيرهم من العلماء ذلك . وإنكار جميع هذه البدع وردها موجود عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة في الكتب الثابتة مثل ((كتاب السنة)) للخلال و((الإبانة)) لابن بطة و((كتب المحنة)) التى رواها حنبل وصالح و((كتاب السنة)) لعبد الله بن أحمد و((السنة)) للالكائي، و((السنة)) لابن أبى حاتم وما شاء الله من الكتب . فأما الرد على ((الجهمية)) القائلين بنفى الصفات وخلق القرآن ففي كلام التابعين وتابعيهم والأئمة المشاهير من ذلك شيء كثير ، وفي ((مسألة القرآن)) من ذلك آثار كثيرة جداً. مثل ماروى ابن أبي حاتم وابن شاهين واللالكائي وغيرم من غير وجه عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قيل له يوم صفين: حكمت رجلين، فقال: ما حكمت مخلوقا، ما حكمت إلا القرآن ، وعن عكرمة قال : كان ابن عباس في جنازة ، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال : اللهم رب القرآن اغفر له ، فوثب إليه ابن عباس فقال له : مه ! القرآن منه. وفي رواية : القرآن كلام الله، وليس بمربوب، منه خرج، وإليه يعود. وعن عبد الله بن مسعود قال: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية كفارة ، فمن كفر بحرف منه فقد كفر به أجمع . ٤١٨ ومن المستفيض عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، - وربما وقفه بعضهم على سفيان والأول هو المشهور - قال : أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ ، وإليه يعود ، ومشايخ عمرو من لقي عمرو من الصحابة والتابعين . وعن علي بن الحسين زين العابدين ، وابنه جعفر ابن محمد : ليس القرآن بخالق ولا مخلوق ، ولكنه كلام الله . ومثل هذا مأثور عن الحسن البصري ، وأيوب السختياني ، وحماد ابن أبى سليمان ، وابن أبى ليلى، وأبى حنيفة ، وابن أبى ذئب ، وابن الماجشون ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأبي بكر بن عياش ، وهشيم ، وعلي بن عاصم ، وعبد الله بن المبارك، وأبي اسحق الفزاري ، ووكيع ابن الجراح ، والوليد بن مسلم ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحي بن سعيد القطان ، ومعاذ بن معاذ ، وأبى يوسف ، ومحمد ، والإمام أحمد ابن حنبل ، وإسحق بن راهويه ، وبشر بن الحارث ، ومعروف الكرخي وأبى عبيد القاسم بن سلام ، وأبي ثور ، والبخاري ، ومسلم ، وأبى زرعة، وأبى حاتم ، ومن لا يحصى كثرة. قال أبو القاسم اللالكائى - وقد سمى علماء القرون الفاضلة ومن يليهم الذين نقل عنهم فى كتابه ((أن القرآن كلام الله غير مخلوق))- فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفساً من التابعين ، وأتباع التابعين ، والأئمة ٤١٩ المرضيين - سوى الصحابة - على اختلاف الأعصار ومضى السنين والأعوام ، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتمذهبوا بمذاهبهم ، ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين لبلغت أسماؤم ألوفا كثيرة ، فنقلت عن هؤلاء عصراً بعد عصر لا ينكر عليهم المنكر، ومن أنكر قولهم استابوه، أو أمروا بقتله، أو نفيه، أو صلبه. قال : ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: القرآن مخلوق ((الجعد بن درم)» ثم ((الجهم بن صفوان)) وكلاهما قتله المسلمون، وممن أفتى بقتل هؤلاء: مالك بن أنس ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ، وسفيان ابن عيينة ، وأبو جعفر المنصور الخليفة ، ومعتمر بن سليمان ، ويحي ابن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ومعاذ بن معاذ ، ووكيع بن الجراح ، وأبوه، وعبد الله بن داود الخريى، وبشر بن الوليد - صاحب أبى يوسف - وأبو مصعب الزهري ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو ثور ، وأحمد بن حنبل ، وغير هؤلاء من الأئمة . وكذلك ذم ((الواقفة)» وتضليلهم - الذين لا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق ـ مأثور عن جمهور هؤلاء الأئمة مثل ابن الماجشون وأبى مصعب، ووكيع بن الجراح، وأبى الوليد، وأبي [الوليد] الجارودي صاحب الشافعي ، والإمام أحمد بن حنبل ، وأبى ثور ، وإسحق بن راهويه، ٤٢٠