النص المفهرس

صفحات 361-380

أن أبا عبد الله قد نهى أن يقال لفظي بالقرآن غير مخلوق . خرج أبو
طالب فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم: أن أبا عبد الله نهاه أن يقول
لفظي بالقرآن غير مخلوق .
ومع هذا فكل واحدة من (( الطائفتين)) الذين يقولون لفظنا
بالقرآن غير مخلوق والذين يقولون لفظنا وتلاوتنا مخلوقة ينتحل أبا
عبد الله ويحكى قولها عنه وتزعم أنه كان على مقالتها ، لأنه إمام مقبول
عند الجميع ؛ ولأن الحق الذي مع كل طائفة يقوله أحمد، والباطل
الذي شكره كل طائفة على الأخرى يرده أحمد . فمحمد بن داود
المصيصي أحد علماء الحديث وأحد شيوخ أبي داود ، وجماعة فى زمانه
كأبى حاتم الرازي وغيره يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق ، وتبعهم
طائفة على ذلك : كأبى عبد الله بن حامد ، وأبي نصر السجزي ، وأبي
عبد الله بن مندة ، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري ، وأبى العلاء
الهمدانى ، وأبي الفرج المقدسى ، وغير هؤلاء يقولون : إن ألفاظنا
بالقرآن غير مخلوقة ، ويروون ذلك عن أحمد ، وأنه رجع إلى ذلك ، كما
ذكره أبو نصر في كتابه ((الإبانة)) وهي روايات ضعيفة بأسانيد مجهولة
لا تعارض ما تواتر عنه عند خواص أصحابه ، وأهل بيته ، والعلماء الثقات
لاسيما وقد علم أنه فى حياته خطأ أبا طالب في النقل عنه حتى رده أحمد
عن ذلك وغضب عليه غضباً شديداً .
٣٦١

وقد رأيت بعض هؤلاء طعن فى تلك النقول الثابتة عنه . ومنهم
من حرفها لفظاً ، وأما تحريف معانيها فذهب إليه طوائف فأما الذين
ثبتوا النقل عنه ووافقوه على إنكاره الأمرين وم جمهور أهل السنة
ومن انتسب إليهم من أهل الكلام كأبى الحسن الأشعري وأمثاله فإنه
ذكر في ((مقالات أهل السنة والحديث)) أنهم ينكرون على من
قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، ومن قال : لفظي به غير مخلوق ، وأنه
يقول بذلك .
لكن من هؤلاء من تأول كلام أحمد وغيره فى ذلك بأنه منع
أن يقال : إن القرآن يلفظ به، وهذا قاله الأشعرى وابن الباقلاني
والقاضى أبو يعلى وأتباعه ، كأبى الحسن بن الزاغونى وأمثاله .
ثم هؤلاء الذين تأولوا كلامه على ذلك منهم من قال : المعنى الذي
أنكره أحمد على من قال لفظي بالقرآن مخلوق كما فعل ذلك الأشعري
وأتباعه . ومنهم من قال : بل المعنى الذي أنكره أحمد على من قال
لفظي به غير مخلوق كما فعل ذلك القاضي وابن الزاغونى وأمثالهما ؛
فإن أحمد وسائر الأئمة ينكرون أن يكون شيء من كلام اللّه مخلوقا حروفه
أو معانيه، أو أن يكون معنى التوراة هو معنى القرآن، وأن كلام الله إذا عبر
عنه بالعربية يكون قرآناً ، وإذا عبر عنه بالعبرانية يكون هو التوراة ،
وينكرون أن يكون القرآن المنزل ليس هو كلام الله، أو أن يطلق
٣٦٢

القول على ما هو كلام الله بأنه مخلوق، وأحمد والأئمة ينكرون على
من يجعل شيئاً من أفعال العباد أو أصواتهم غير مخلوق ؛ فضلا عن
أن يكون قديماً! وكلام أحمد فى ((مسألة التلاوة والإيمان والقرآن))
من نمط واحد منع إطلاق القول بأن ذلك مخلوق ؛ لأنه يتضمن القول
بأن من صفات الله ما هو مخلوق ، ولما فيه من الذريعة ، ومنع أيضاً .
إطلاق القول بأنه غير مخلوق لما فى ذلك من البدعة والضلال .
ولما كان أحمد قد صار هو إمام السنة كان من جاء بعده ممن
ينتسب إلى السنة ينتحله إماماً كما ذكر ذلك الأشعرى فى ((كتاب
الإبانة)) وغيره فقال إن قال قائل: قد أنكرتم قول ((الجهمية))
و ((المعتزلة)) و((الخوارج)) و((الروافض)) و((المرجئة)) فعرفونا
قولكم الذي به تقولون ودياتكم التى بها تدينون .
قيل له : قولنا الذي نقول به وديانتنا التى ندين بها التمسك بكتاب ربنا
وسنة نبينا ، وما روي عن الصحابة والتابعين ، وبما كان يقول به أبو
عبد الله ((أحمد بن حنبل)) قائلون ، ولما خالفه مجانبون : فإنه الإمام
الكامل ، والرئيس الفاضل الذي أبان الله به الحق، وأوضح به
المنهاج ، وقمع به بدع المبتدعين ، وزيغ الزائغين ، وشك الشاكين ،
وذكر جملا من المقالات .
٣٦٣

فلهذا صار من بعده متنازعين فى هذا الباب. ((فالطائفة)) الذين
يقولون لفظنا وتلاوتنا غير مخلوقة ينتسبون إليه ، ويزعمون أن هذا
آخر قوليه ، أو يطعنون فيما يناقض ذلك عنه ، أو يتأولون كلامه
بما لم يرده.
و «الطائفة)) الذين يقولون إن التلاوة مخلوقة، والقرآن المنزل
الذي نزل به جبريل مخلوق ، وإن اللّه لم يتكلم بحروف القرآن:
يقولون: إن هذا قول أحمد، وأنهم موافقوه ، كما فعل ذلك أبو
الحسن الأشعري. فيما ذكره عن أحمد ، وفسر به كلامه، وذكر أنه
موافقه، وكما ذكر القاضي أبو بكر الباقلانى فى تنزيه أصحابه من مخالفة
السنة وأئمتها كالإمام أحمد ، وكما فعله أبو نعيم الأصبهانى فى كتابه
المعروف فى ذلك ، وكما فعله أبو ذر الهروي ، والقاضي عبد الوهاب
المالكي ، وكما فعله أبو بكر البيهقي فى الاعتقاد فى مناقب الإمام أحمد .
وروى عنه أنه قال لفظي بالقرآن مخلوق وتأول ما استفاض عنه من
الإنكار على من قال لفظي بالقرآن [ غير ] مخلوق على أنه أراد الجهمي
المحض الذي يزعم أن القرآن الذي لم ينزل مخلوق .
وكذلك أيضا افترى بعض الناس على البخاري الإمام صاحب
((الصحيح)) أنه كان يقول : لفظي بالقرآن مخلوق ، وجعلوه من
((اللفظية)) حتى وقع بينه وبين أصحابه: مثل محمد بن يحيى الذهلي.
٣٦٤

وأبي زرعة ، وأبى حاتم ، وغيرهم بسبب ذلك ، وكان فى القضية أهواء
وظنون، حتى صنف (( كتاب خلق الأفعال)) وذكر فيه ما رواه عن أبي
قدامة ، عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال : ما زلت أسمع أصحابنا
يقولون : أفعال العباد مخلوقة . وذكر فيه ما يوافق ما ذكره في آخر
كتابه ((الصحيح)) من أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن الله
يتكلم بصوت ، وينادي بصوت . وساق فى ذلك من الأحاديث الصحيحة
والآثار ما ليس هذا موضع بسطه ، وبين الفرق بين الصوت الذي
ينادي الله به وبين الصوت الذي يسمع من العباد، وأن الصوت الذي
تكلم الله به ليس هو الصوت المسموع من القارئ، وبين دلائل ذلك،
وأن أفعال العباد وأصواتهم مخلوقة ، والله تعالى بفعله وكلامه غير مخلوق.
وقال فى قوله: (مَايَأْنِهِمْ مِّن ذِكْرٍمِن ◌َّيِّهِمْ تُحْدَثٍ ) إن حدثه
ليس كحدث المخلوقين. وذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إن
اللّه يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة))
وذكر عن علماء السلف : أن خلق الرب للعالم ليس هو المخلوق : بل
فعله القائم به غير مخلوق ، وذكر عن نعيم بن حماد الخزاعى: أن الفعل
من لوازم الحياة ، وأن الحي لا يكون إلا فعالا . إلى غير ذلك من
المعاني التى تدل على علمه وعلم السلف بالحق الموافق لصحيح المنقول
وصريح المعقول .
٣٦٥

وذكر أن كل واحدة من طائفتى ((اللفظية المثبتة والنافية)) تنتحل أبا عبد
الله، وأن أحمد بن حنبل كثير مما ينقل عنه كذب ، وأنهم لم يفهموا
بعض كلامه لدقته وغموضه ، وأن الذي قاله وقاله الإمام أحمد هو
قول الأئمة والعلماء ، وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة .
ورأيت بخط القاضي أبي يعلى - رحمه الله - على ظهر ((كتاب
العدة)) بخطه، قال: نقلت من آخر ((كتاب الرسالة)) للبخاري فى أن
القراءة غير المقروء . وقال : وقع عندي عن أحمد بن حنبل على اثنين
وعشرين وجها كلها يخالف بعضها بعضا ، والصحيح عندي أنه قال ما
سمعت عالما يقول : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، قال وافترق أصحاب أحمد
ابن حنبل على نحو من خمسين . قال أبو عبد الله البخاري قال ابن
حنبل ((اللفظي)) الذي يقول : القرآن بألفاظنا مخلوق.
وكان « أيضاً)) قد نبغ فى أواخر عصر أبي عبد الله من الكلابية
ونحوم - أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري: الذي
صنف مصنفات رد فيها على الجهمية والمعتزلة وغيرهم ، وهو من متكلمة
الصفاتية ، وطريقته يميل فيها إلى مذهب أهل الحديث والسنة ؛ لكن
فيها نوع من البدعة ؛ لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله ولم يثبت
قيام الأمور الاختيارية بذاته ؛ ولكن له في الرد على الجهمية - نفاة
الصفات والعلو - من الدلائل والحجج وبسط القول ما بين به فضله
٣٦٦

في هذا الباب، وإفساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من الأدلة والخطاب،
وصار ماذكره معونة ونصيراً وتخليصاً من شبههم لكثير من أولى الألباب،
حتى صار قدوة وإماما لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا
الصفات ، وناقضوا نفاتها ؛ وإن كانوا قد شركوم في بعض أصولهم
الفاسدة : التى أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ، ومخالفته
لسنة الرسول .
وكان ممن اتبعه الحارث المحاسبى ، وأبو العباس القلانسي، ثم أبو
الحسن الأشعري ، وأبو الحسن بن مهدي الطبري ، وأبو العباس الضبعي،
وأبو سليمان الدمشقي ، وأبو حاتم البستى ، وغير هؤلاء: المثبتين للصفات ،
المنتسبين إلى السنة والحديث ، المتلقبين بنظار أهل الحديث .
وسلك طريقة ابن كلاب - في الفرق بين ((الصفات اللازمة)) كالحياة
و ((الصفات الاختيارية)) وأن الرب يقوم به الأول دون الثانى - كثير
من المتأخرين: من أصحاب مالك ، والشافعي، وأحمد : كالتميميين أبى
الحسن التميمي ، وابنه أبى الفضل التميمي ، وابن ابنه رزق الله التميمي،
وعلى عقيدة الفضل التى ذكر أنها عقيدة أحمد اعتمد أبو بكر البيهقي
فيما ذكره من مناقب أحمد من الاعتقاد .
وكذلك سلك طريقة ابن كلاب هذه أبو الحسن بن سالم وأتباعه
٣٦٧

((السالمية)) والقاضي أبو يعلى وأتباعه: كابن عقيل، وأبى الحسن بن
الزاغونى ، وهي طريقة أبي المعالي الجويني، وأبي الوليد الباجي، والقاضي
أبى بكر بن العربى وغيرهم ؛ لكنهم افترقوا في القرآن، وفى بعض المسائل
على قولين - بعد اشتراكهم فى الفرق الذي قرره ابن كلاب - كما
قد بسط كلام هؤلاء فى مواضع أخر .
والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن
هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ، ويحذرون عن أصحابه ،
وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه
من الكلابية .
ولما ظهر هؤلاء ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من
يقول : إن الله لم يتكلم بصوت ، فأنكر أحمد ذلك ، وجهم من يقوله،
وقال : هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل ، وروى الآثار في أن
اللّه يتكلم بصوت ، وكذلك أنكر على من يقول إن الحروف مخلوقة .
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل فى ((كتاب السنة)): قلت لأبى :
إن ههنا من يقول إن الله لا يتكلم بصوت، فقال : يابني ! هؤلاء جهمية
زنادقة، إنما يدورون على التعطيل، وذكر الآثار فى
خلاف قولهم .
٣٦٨

وكذلك البخاري صاحب ((الصحيح)) وسأر الأئمة أنكروا ذلك
أيضاً، وروى البخاري في آخر ((الصحيح)) وفي (( كتاب خلق الأفعال))
ما جاء فى ذلك من الآثار ، وبين الفرق بين صوت الله الذي يتكلم به
وبين أصوات العباد بالقرآن . موافقة منه للإمام أحمد وغيره من الأئمّة،
حيث بين أن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الآثار ، وأن ذلك ليس
صوت العبد بالقراءة ؛ بل ذلك هو صوت العبد ، كما قد نص على ذلك
كله في مواضع ، وعامة أئمة السنة والحديث على هذا الإثبات والتفريق :
لا يوافقون قول من يزعم أن الكلام ليس فيه حرف ولا صوت ، ولا
يوافقون قول من يزعم أن الصوت المسموع من القراء وألفاظهم قديمة ،
ولا يقولون : إن القرآن ليس إلا الحروف والأصوات .
وقد كتبت كلام « الإمام أحمد )) ونصوصه ، وكلام الأئمة قبله وبعده
فى غير هذا الموضع؛ فإن جواب هذه ((المسألة)) لا يحتمل البسط
الكثير ؛ ولم يكن فى كلام الإمام أحمد ولا الأئمة أن الصوت الذي
تكلم اللّه به قديم؛ بل يقولون لم يزل اللّه متكلما، وقد يقولون لم يزل
الله متكلما إذا شاء بما شاء ، كما يقول ذلك الإمام أحمد ، وابن
المبارك ، وغيرهما .
وكذلك قد تنازع الناس في زمنهم وبعده ـ من أصحابهم وغيرهم ..
فى معنى كون القرآن غير مخلوق هل المراد به أن نفس الكلام قديم
٣٦٩

أزلي كالعلم ؟ أو أن اللّه لم يزل موصوفا بأنه متكلم يتكلم إذا شاء ؟
على قولين . ذكرهما الحارث المحاسبى عن أهل السنة ، وأبو بكر عبد
العزيز فى ((كتاب الثافى)) عن أصحاب الإمام أحمد، وذكرها أبو عبد الله
ابن حامد فى كتابه « أصول الدين )). والنزاع فى ذلك بين سائر طوائف
السنة والحديث ، وهذا مبنى على أصل ((الصفات الفعلية الاختيارية))
والنزاع فيه بين جميع الطوائف من أهل الحديث والسنة والفقه والتصوف
ومن دخل معهم من أهل المذاهب الأربعة وبين سائر الفرق ، حتى بين
الفلاسفة أيضاً ، وقد حققت ذلك في غير هذا الموضع .
وهذا منشأ نزاع الذين وافقوا السلف على أن القرآن كلام الله
غير مخلوق ؛ فإن هؤلاء تنازعوا فى أن الرب هل يتكلم بمشيئته
وقدرته ؟ على قولين . فالذين وافقوا ابن كلاب قالوا : إنه لا يتكلم
بمشيئته وقدرته ؛ بل كلامه لازم لذاته حياته . ثم من هؤلاء من عرف
أن الحروف والأصوات لا تكون قديمة العين فلم يمكنه أن يقول: القديم
هو الحروف والأصوات ؛ لأنها لا تكون إلا متعاقبة ، والصوت لا يبقى
زمانين ، فضلا عن أن يكون قديماً . فقال: القديم هو معنى واحد، لامتناع
معانى لا نهاية لها ، وامتناع التخصيص بعدد دون عدد . فقالوا : هو
معنى واحد ، وقالوا : إن الله لا يتكلم بالكلام العربى والعبري ،
وقالوا : إن معنى التوراة والإنجيل والقرآن وسأر كلام الله معنى واحد،
٣٧٠

ومعنى آية الكرسى وآية الدين معنى واحد . إلى غير ذلك من اللوازم
التى يقول جمهور العقلاء إنها معلومة الفساد بضرورة العقل ، ومن
هؤلاء من عرف أن اللّه تكلم بالقرآن العربى والتوراة العبرية، وأنه
نادى موسى بصوت وينادي عباده بصوت ، وأن القرآن كلام الله حروفه
ومعانيه؛ لكن اعتقدوا مع ذلك أنه قديم العين، وأن اللّه لم يتكلم
بمشيئته وقدرته . فالتزموا أنه حروف وأصوات قديمة الأعيان لم تزل ولا
تزال ، وقالوا: إن الباء لم تسبق السين ، والسين لم تسبق الميم ،
وأن جميع الحروف مقترنة بعضها ببعض اقتراناً قديماً أزلياً لم يزل ولا
يزال ، وقالوا : هي مترتبة فى حقيقتها وماهيتها غير مترتبة في وجودها.
وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد، إلى غير ذلك
من «اللوازم)) التى يقول جمهور العقلاء إنها معلومة الفساد
بضرورة العقل .
ومن هؤلاء من يقول: هو قديم ، ولا يفهم معنى القديم . فإذا
سئل عن ذلك قال : هي قديمة فى العلم ، ولا يعلم أن المخلوقات كالسماء
والأرض بهذه المثابة مع أنها مخلوقة ، ومنهم من يقول : قديم بمعنى
أنه متقدم على غيره ، ولا يعرف أن الذين قالوا : إنه مخلوق لاينازعون
في أنه قديم بهذا المعنى ، ومنهم من يقول : إن مرادنا بأنه قديم أنه
غير مخلوق ، ولا يفهم أنه مع ذلك يكون أزليا لم يزل ، وهؤلاء سمعوا
٣٧١

من يوافقهم على أنه غير مخلوق : قالوا هو قديم ، فوافقوا على أنه
قديم ، ولم يتصوروا ما يقولونه .
كما أن من الناس من قال: هو غير مخلوق، وأراد بذلك أنه غير
مكذوب ، وهذا مما لم يتنازع فيه الناس ، كما لم يتنازعوا فى أنه قديم
بمعنى أنه متقدم على غيره .
و ((القول الثانى)) قول من يقول إن الله بتكلم بمشيئته وقدرته مع
أن كلامه غير مخلوق . وهذا قول جماهير أهل السنة والنظر ، وأئمة
السنة والحديث ، لكن من هؤلاء من اعتقد أن اللّه لم يكن يمكنه أن
يتكلم فى الأزل بمشيئته، كما لم يكن يمكنه عندهم أن يفعل فى الأزل
شيئاً ، فالتزموا أنه تكلم بمشيئته بعد أن لم يكن متكلما ، كما أنه فعل
بعد أن لم يكن فاعلا ، وهذا قول كثير من أهل الكلام
والحديث والسنة .
وأما السلف والأئمة فقالوا : إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته ، وإن كان مع
ذلك قديم النوع - بمعنى أنه لم يزل متكلما إذا شاء ؛ فإن الكلام صفة كمال ،
ومن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يتكلم بمشيئه وقدرته أكمل ممن لا يكون
متكلما بمشيئته وقدرته ، ومن لا يزال متكلما بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون
الكلام ممكنا له بعد أن يكون ممتنعاً منه، أو قدر أن ذلك ممكن ، فكيف إذا
٣٧٢

كان ممتنعا؟ لامتناع أن يصير الرب قادراً بعد أن لم يكن ، وأن يكون
التكلم والفعل ممكنا بعد أن كان غير ممكن ؟ كما قد بسط هذا فى
مواضع أخر.
وكانت «اللفظية الخلقية)) من أهل الحديث يقولون : نقول : إن
ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإن التلاوة غير المتلو . والقراءة غير المقروء.
و «اللفظية المثبتة)) يقولون: نقول: إن ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة،
والتلاوة هي المتلو ، والقراءة هي المقروء .
وأما المنصوص الصريح عن الإمام أحمد ، وأعيان أصحابه ، وسائر
أئمة السنة والحديث فلا يقولون مخلوقة ولا غير مخلوقة ، ولا يقولون
التلاوة هي المتلو مطلقاً، ولا غير المتلو مطلقاً كما لا يقولون : الاسم
هو المسمى ، ولا غير المسمى.
وذلك أن ((التلاوة ، والقراءة )) كاللفظ قد يراد به مصدر تلا يتلو
تلاوة ، وقرأ يقرأ قراءة ، ولفظ يلفظ لفظا، ومسمى المصدر هو فعل
العبد وحركاته ، وهذا المراد باسم التلاوة والقراءة ، واللفظ مخلوق ،
وليس ذلك هو القول المسموع : الذي هو المتلو. وقد يراد باللفظ
الملفوظ ، وبالتلاوة المتلو ، وبالقراءة المقروء ، وهو القول المسموع ،
وذلك هو المتلو ، ومعلوم أن القرآن المتلو : الذي يتلوه العبد ، ويلفظ
٣٧٣

به غير مخلوق ، وقد يراد بذلك مجموع الأمرين . فلا يجوز إطلاق
الخلق على الجميع ولا نفي الخلق عن الجميع.
وصار ((ابن كلاب)) يريد بالتلاوة القرآن العربى، وبالمتلو المعنى
القائم بالذات، وهؤلاء إذا قالوا : التلاوة غير المتلو ، وهي مخلوقة : كأن
مرادهم أن الله لم يتكلم بالقرآن العربى، بل عندهم أن القرآن العربى
مخلوق . وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة والحديث . ويظن هؤلاء أنهم
يوافقون البخاري أو غيره ممن قد يفرق بين التلاوة والمتلو ، وليس
الأمر كذلك .
ومن الآخرين من يقول: ((التلاوة)) هي المتلو ، ويريد بذلك أن
نفس ما تكلم الله به من الحروف والأصوات هو الأصوات المسموعة من
القراء ، حتى يجعل الصوت المسموع من العبد هو صوت الرب ، وهؤلاء
يقولون : نفس صوت المخلوق وصفته هي عين صفة الخالق ، وهؤلاء
((اتحادية، حلولية فى الصفات)) يشبهون النصارى من بعض الوجوه ،
وهذا لم يقله أحد من أئمة السنة .
ويظن هؤلاء أنهم يوافقون أحمد وإسحق وغيرهما ممن ينكر على
((اللفظية)) وليس الأمر كذلك؛ فلهذا كان المنصوص عن الإمام أحمد
وأئمة السنة والحديث أنه لا يقال : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، ولا غير
٣٧٤

مخلوقة . ولا أن التلاوة هي المتلو مطلقاً ، ولا غير المتلو مطلقاً ؛ فإن
اسم القول والكلام قد يتناول هذا وهذا ؛ ولهذا يجعل الكلام قسيا
للعمل ليس قسماً منه فى مثل قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُالطَّيِّبُ
وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ). وقد يجعل قسما منه كما فى قوله: ( فَوَرَبِّكَ
لَنَسَْلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوْيَعْمَلُونَ ) . قال طائفة من السلف عن قول
لا إله إلا الله، ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث
الصحيح: (( لا حسد إلا فى اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه
آ ناء الليل والنهار فقال رجل لو أن لي مثل مالفلان لعملت فيه مثل
ما يعمل )) ولهذا تنازع أصحاب أحمد فيمن حلف لا يعمل اليوم عملا
هل يحنث بالكلام ؟ على قولين . ذكرهما القاضي أبو يعلى وغيره .
ولم تكن ((اللفظية الخلقية)» ينكرون كون القرآن كلام الله حروفه
ومعانيه وأن اللّه يتكلم بصوت ؛ بل قد يقولون: القرآن كله كلام الله
حروفه ومعانيه ؛ فإن اللّه يتكلم بصوت، كما نص عليه أحمد والبخاري
وغيرهما من الأئمة، وكما جاءت به الآثار ؛ ولكن يقولون المنزل إلى
الأرض من الحروف والمعانى ليس هو نفس كلام الله الذي ليس بمخلوق؛
بل ربما سموها حكاية عن كلام اللّه، كما يقوله ابن كلاب ، أو عبارة
عن كلام الله كما يقوله الأشعري ، وربما سموها كلام الله ؛ لأن المعنى
مفهوم عندهم.
٣٧٥

ولكن لما حدث أبو محمد بن كلاب وناظر المعتزلة بطريق قياسية سلم
لهم فيها أصولا - م واضعوها : من امتناع تكلمه تعالى بالحروف ،
وامتناع قيام ((الصفات الاختيارية)) بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من
الأفعال والكلام وغير ذلك ؛ لأن ذلك يستلزم أنه لم يخل من
الحوادث ، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث - اضطره ذلك إلى أن
يقول : ليس كلام الله إلا مجرد المعنى ، وإن الحروف ليست من كلام
الله، وتابعه على ذلك أبو الحسن الأشعري ؛ وإن تنازعا فى أن الرب
كان في الأزل آمراً ناهياً، أو صار آمراً ناهياً بعد أن لم يكن . وفى
أن ((الكلام)) هل هو صفة واحدة كما يقوله الأشعري ، أو خمس
صفات كما يقوله ابن كلاب.
وصار هؤلاء مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين .
( أحدهما ) أن نصف القرآن من كلام الله ، والنصف الآخر ليس
كلام اللّه عندهم؛ بل خلقه الله فى الهواء، أو في اللوح المحفوظ، أو
أحدثه جبريل ، أو محمد صلى الله عليه وسلم . وهؤلاء فى كونهم جعلوا
نصف القرآن مخلوقاً موافقين لمن قال بخلقه ؛ لكن هؤلاء يقولون : إن
هذا النصف المخلوق كلام اللّه، وأولئك يقولون: هو مخلوق منفصل
عن الله ، وهو كلامه ؛ لكن أولئك لا يجعلون الله كلاماً متصلا به قائماً
بنفسه ، ولا معانى ولا حروفا . وهؤلاء يقولون: لله كلام قائم به
٣٧٦

متصل به هو معنى . فصار أولئك أشد بدعة في نفيهم حقيقة الكلام
عن الله، وفى جعلهم كلام الله مخلوقاً. وهؤلاء أشد بدعة في إخراجهم
ما هو من كلام الله عن أن يكون من كلام الله، وصاروا فى هذا
موافقين الوحيد في بعض قوله لا فى كله ، وهو قولهم : إن نصف
القرآن ليس قول الله ؛ بل قول البشر .
وربما استدل بعضهم بأنه مضاف إلى الرسول فيكون هو أُحدث
حروفه ولم يتأمل هذا القائل فيرى أنه أضافه تارة إلى رسول هو
جبريل ، وتارة إلى رسول هو محمد بقوله في الآية الأولى :
مُطَارِ ثَمََّمِينٍ
*
ذِى قُوٍَّ عِندَ ذِى الْعَزَشِمَكِنِ
( إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِ
( إِنَّهُ وَلَقَوَّلُ رَسُولٍ
فهذا جبريل [ وقال فى الآية الأخرى ] :
كَرِمٍ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِلًا مَّانُؤْمِنُونَ * وَلَ بِقَوْلِ كَاِهِنَّ قَلِيلًا مَّ نَذَّكَّرُونَ )
وهذا محمد ، فلو كانت إضافته إليه لأنه ابتدأ حروفه وأحدثها لم يصلح
أن يضاف إلى كل منها ؛ لا متناع أن يكون كل منها هو أحدث
حروفه؛ ولأنه قال: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ) وهذا إخبار عن القرآن
الذي هو بالمعنى أحق عندهم وعند أهل السنة أيضاً ، فلو كان الرسول
ابتدأه لكان القرآن من عنده لا من عند الله، وإنما أضافه الله إلى
الرسول لأنه بلغه وأداه وجاء به من عند الله؛ ولهذا قال: (لَقَوَّلُ
رَسُولٍ ) ولم يقل لقول ملك ولا نبى ؛ بل جاء باسم الرسول ليتبين
٣٧٧

أنه واسطة فيه وسفير ، والكلام كلام لمن اتصف به مبتدئا منشئاً ؛
لا لمن تكلم به مبلغاً مؤدياً ، كما يقال مثل ذلك فى جميع كلام الناس
فكيف بكلام الله ؟ وهذا على القول المشهور فى التفسير المطابق لظاهر
القرآن : أن الرسول في أحد الموضعين محمد صلى الله عليه وسلم ،
وفى الآخر جبريل عليه السلام .
وأما على قول طائفة جعلته في الموضعين جبريل فيكون الجواب هو
الثاني ، والإثبات في الحقيقة حجة لمن يقول إنما يتكلم بكلام الله ويقول
قوله ؛ لأنه جعل الرسول يقول قول الله الذي أرسله به ، والمعنى
يراد من هذا قطعاً كما أريد منه اللفظ أيضا
وأيضا فإن هؤلاء جعلوا الكلام الذي يتصف اللّه به معنى واحداً
وهو الأمر والنهي والخبر والاستخبار ، وأنه إن عبر عنه بالعربية كان
هو القرآن ، وإن عبر عنه بالعبرية كان هو التوراة ، وإن عبر عنه
بالسريانية كان هو الإنجيل ، وهذا مما أجمع جمهور العقلاء على أن
فساده معلوم بالضرورة .
و ((المغنى الثانى)» الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إن
القرآن المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله لا حروفه ولا معانيه بل
هو مخلوق عندهم ، ويقولون : هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس ؛ لأن
٣٧٨

العبارة لا تشبه المعبر عنه؛ بخلاف الحكاية والمحكى ، وهذا فيه من
زيادة البدع ما لم يكن في قول ((اللفظية)) من أهل الحديث الذين
أنكر عليهم أئمة السنة وقالوا م ((جهمية)) إذ جعلوا الحروف من
إحداث الرسول ، وليست مما تكلم الله به بحال، وقالوا : إنه ليس
للّه في الأرض كلام، ولم يكن أيضاً في ((اللفظية)) القدماء الذين
يقولون : لفظنا بالقرآن غير مخلوق من يقول إن صوت العبد غير
مخلوق ، أو أن الصوت القديم بسمع من العبد ، أو أن هذا الصوت
صوت اللّه، أو يسمع معه صوت الله؛ وإنما أحدث هذا أيضاً
المتطرفون منهم ، كما أحدث المتطرفون من أولئك أن حروف القرآن
ليست كلام الله؛ فإن هاتين ((البدعتين)) الشفيعتين لم تكونا بعد
ظهرتا في أولئك المنحرفين الذين أنكر الإمام أحمد وغيره قولهم من
الطائفتين ، وأن القرآن ليس إلا مجرد معنى قائم بالنفس ، وذلك المعنى
إليه يعود كلام اللّه من التوراة والإنجيل والقرآن.
و ((الأخرى)) قد رأت حروف القرآن من كلام الله، وأن
القرآن كلام الله حروفه ومعانيه ، وأن المعنى الواحد يمتنع أن يكون
هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار ، وأنه يمتنع أن يكون مدلول
التوراة والإنجيل والقرآن واحداً، وعلموا أنا إذا ترجمنا التوراة بالعربية
لم يصر معناها معنى القرآن، وأن هذه الأقوال معلومة الفساد
٣٧٩

بالضرورة ، عارضها بعضها ؛ لأن القرآن حرف وصوت ، واعتقد بعضهم
أنه ليس القرآن والكلام إلا مجرد الحروف والأصوات ، وأولئك
يقولون ليس الكلام إلا مجرد المعنى القائم بالنفس .
وكلا هذين السلبين الجحودين الحادثين خلاف ما كان عليه الأئمة
كالإمام أحمد وغيره من الأئمة ، وأعيان العلماء من سائر الطوائف .
فإن الكلام عندم اسم للحروف والمعانى جميعاً، كما أن ((الإنسان))
الناطق المتكلم اسم للجسد والروح جميعاً، ومن قال : إن الإنسان
ليس إلا هذه الجملة المشاهدة فهو بمنزلة من قال ليس الكلام إلا
الأصوات المقطعة ، ومن قال : إن الإنسان ليس إلا لطيفة وراء هذا
الجسد فهو بمنزلة من قال : إن الكلام ليس إلا معنى وراء هذه
الحروف والأصوات ، وكلاهما جحد لبعض حقائق مسميات الأسماء وإنكار
لحدود ما أنزل الله على رسوله .
فصل
ثم إن فروخ ((اللفظية النافية)) الذين يقولون بأن حروف القرآن
ليست من كلام اللّه تروي عن منازعيها أنهم يقولون: القرآن ليس
هو إلا الأصوات المسموعة من العبد ، وإلا المداد المكتوب في الورق
٣٨٠