النص المفهرس

صفحات 341-360

فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمَّ
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لِمَا اخْتَلَغُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ
مُسْتَقِيمٍ )
وقال تعالى: ( إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ )
وقال تعالى: (وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ) وقال تعالى:
(وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُوْ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْبَيْنَتُ وَأُوْلَكَ لَمْ عَذَابُ
قال ابن عباس :
عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهُ)
تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة .
وقال تعالى: (فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِّنِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَ نَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِينَ إِلَيْهِ
وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْمِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ
وَكَانُواْشِيَعًا كُلَّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)
وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِينِ مَا وَضَى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا
وَصَّيْنَابِهِ، إِرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَ نَنَفَرَّقُواْ فِيْهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا
نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْنَبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّإِلَيْهِ مَن يُذِيبُ * وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَا مِنْ
بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَابَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ
وَإِنَّالَّذِينَ أُوْرِئُواْالْكِنَبَ مِنْ بَعْدِ هِمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيدٍ * فَإِذَلِكَ فَادْعٌ
وَأَسْتَقِمْ حَكَ مَا أُمِرْتٌ وَلَِّعْأَهْوَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبِّ وَأُمِرْتُ
لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ).
٣٤١

فأمر الله نبيه أن يؤمن بجميع الكتب المنزلة ، وأن يعدل بين
الناس كلهم فيعطي كل ذي حق حقه ، ويمنح كل مبطل عن باطله ؛
فإن القسط والعدل فى جميع أمور الدين والدنيا فيما جاء به ، وهو
المقصود بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب، كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا
رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)
وقال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ
وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ- لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ، وَقَالُواْسَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) إلخ السورة .
وهاتان الآيتان قد ثبت في الصحيح ((أن النبي صلى الله عليه
وسلم أعطيها من كنز تحت العرش، وأنه لم يقرأ بشيء منها إلا أعطيه))
وقد ثبت فى الصحيح ((أنه من قرأهما في ليلة كفتاه)) وقال تعالى :
(قُولُوَأْءَامَنَا بِلَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَّ إِنْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ
وَمَآ أُوتَِ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَغَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ * فَإِنْ ءَامَنُواْبِمِثْلِ مَآءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن ◌َوَلَّوْ فَإِّمَا هُمْ فِ شِقَافٍ
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ).
٣٤٢

فصل
فلما كان فى الأمم كفار ومنافقون يكفرون ببعض الرسالة دون
بعض إما فى القدر وإما في الوصف ، كما أن فيهم كفار ومنافقون يكفرون
بأصل الرسالة ، وكان فى الكفار بأصل الرسالة من قال: إن الرسول
شاعر ، وساحر ، وکاهن ، ومعلم ، ومجنون ، ومفتری ، کما کان رئیس
قريش وفيلسوفها وحكيمها الوليد بن المغيرة الوحيد المذكور فى قوله
تعالى: (ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا مَمْدُودًا * وَبَنِيِنَ شُهُودًا *
وَمَهَدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَيَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَّ إِنَّهُ كَانَ لَيَكِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا *
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَّدَّرَ * فَقُئِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّقُئِلَ كَيْفَ قَّذَّرَ * ثُمَنَظَرَ * ثُمَّعَسَ وَسَرَ * ثُمَّأَذَبَرَ
وَأُسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَآَإِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ).
فإنه صنع صنع الفيلسوف المخالف للرسل فى تفكيره أولاً : الذي
هو طلب الانتقال من تصور طرفى القضية إلى المبادىء الموجبة للتصديق
ليظفر بالحد الأوسط، ثم قدر ثانياً، والتقدير هو ((القياس)) وهو
الانتقال من المبادىء إلى المطلوب بالقياس المنطقي الشمولي ؛ ولعمري
٣٤٣

إنه لصواب إذا صحت مقدماته ، وإن كانت النتيجة فى الأغلب أموراً
كلية ذهنية ، ثبوتها فى الأذهان لا فى الأعيان ، كالعلوم الرياضية من
الأعداد والمقادير ؛ فإن العدد المجرد عن المعدود والمقدار المجرد عن
الأجسام إنما يوجد فى الذهن، لكن أنَّى وأكثر مقدماته فى الإلهيات
دعاوى يدعى فيها بعموم؟ وأن القضية من المسلمات بلا حجة ، ومتى لم
يكن فى القياس قضية كلية معلومة لم تفد المطلوب وهم يلبسون المهملات
التى هي فى معنى الجزئيات بالكليات العامة المسلمات أو يدعى فيها العموم
بنوع من قياس التمثيل .
ومعلوم أنه لا بد فى كل قياس من ((قضية كلية)) وعامة ((القضايا
الكلية )) التى لهم فيها المطالب الإلهية لا يعلم كونها كلية عامة ؛ إذ عمومها
لا يعلم إلا بمجرد قياس التمثيل الذي قد يكون من أفسد القياس المقتضى
لتشبيه الله بخلقه، كما يقولون: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، وليس
معهم إلا تشبيه خالق السموات والأرض ورب العالمين بالطبائع، كطبيعة
الماء والنار ، مع أن الواحد الذي يثبتونه فى الإلهيات ، وفى المنطق أيضاً
الذين يجعلون قضية الأنواع مركبة منه وهو ((الجنس)) و((الفصل))
لا حقيقة لها ولا توجد إلا فى الأذهان لا فى الأعيان ، وقد بسطنا
الكلام على ذلك فى مواضع .
وبينا أن ما يثبتونه من العقليات التى هي ((الجواهر العقلية)) المجردة
٣٤٤

عن المادة ، وهي العقل والنفس ، والمادة والصورة التى ليست
بجسم ولا عرض لا حقيقة لها فى الخارج، وإنما تقدر في الأذهان ، لا فى
الأعيان ، وكذلك ما يثبتونه من الواحد الذي يصفون به واجب الوجود
ومن الواحد الذي يجعلون الأنواع تتركب منه إنما يوجد فى الأذهان
لا فى الأعيان ((والقياس العقلي)) الذي يحتجون به لا بد فيه من
قضية كلية .
والقياس نوعان ((قياس الشمول)) و(قياس التمثيل)).
والناس متنازعون فى مسمى ((القياس )) فقيل هو حقيقة فى التمثيل
مجاز فى الشمول ، كما ذكر ذلك أبو حامد، وأبو محمد المقدسي وغيرهما
وقيل: هو حقيقة فى عكس ذلك ، كما قاله ابن حزم وغيره من نفاة
قياس التمثيل ، وقيل : بل اسم القياس يتناولها وهذا قول
جمهور الناس .
واسم «القياس العقلي)) يدخل فيه هذا وهذا؛ لكن من الناس
من ظن أن ((قياس التمثيل)) لا يفيد اليقين، ولا يستعمل في العقليات
كما ذهب إليه أبو المعالي، وأبو حامد، والرازي، وأبو محمد، والآمدي
وآخرون من أهل المنطق. وأما الجمهور فعندم كلا القياسين سواء، وهذا
هو الصواب ؛ فإن مآل القياسين إلى شىء واحد وإنما يختلف بترتيب
٣٤٥

الدليل ؛ فإن القائل إذا قال : النبيذ المتنازع فيه حرام ؛ لأنه مسكر ،
فكان حراما قياساً على خمر العنب ، فلا بد له أن يثبت أن السكر
هو مناط التحريم، وهو الذي يسمى في قياس التمثيل ((مناطا)) و ((علة))
و ((أمارة)) و((مشتركا)) و(«وضعا)» ونحو ذلك.
ولا بد فى القياس الصحيح من أن يقيم دليلا على أن السكر مناط
التحريم بحيث إذا وجد السكر وجد التحريم ، فإذا صاغ الدليل بقياس
الشمول ، فإن النبيذ مسكر وكل مسكر حرام ، فالسكر فى هذا النظم
هو الحد الأوسط المكرر ، وهو العلة فى قياس التمثيل ، ولا بد له فى
هذا القياس من أن يثبت هذه القضية الكلية الكبرى ، وهي قوله:
كل مسكر حرام ، فما به ثبتت هذه القضية في هذا النظم يثبت به أنه
مناط التحريم في ذلك النظم لا فرق بينهما .
وإذا قال القائل: إثبات تأثير الوصف وكونه مناط الحكم هو عمدة
القياس، وهو جواب ((سؤال المطالبة)) وبيان كون الوصف بالشمول هو
مناط الحكم وهذا لا يثبت إلا بأدلة ظنية .
قيل له: وإثبات عموم القضية الكبرى فى قياس الشمول هو عمدة القياس؛
فإن الصغرى في الغالب تكون معلومة، كما يكون ثبوت الوصف في الفرع معلوما،
وإذا كان ثبوت الوصف فى الفرع قد يحتاج إلى دليل ، كما قيل محتاج
٣٤٦

المقدمة الصغرى إلى دليل ، وإثبات المقدمة الكبرى لا يتأتى إلا بأدلة ظنية ،
ونفس ما به يثبت عموم القضية يثبت تأثير الوصف المشترك لا فرق
بينها أصلا ، واستعمال كلا القياسين فى الأمور الإلهية لا يكون إلا على
وجه الأولى والأحرى .
وبهذه ((الطريقة)) جاء القرآن ، وهى طريقة سلف الأمة
وأئمتها، فإن الله سبحانه لا يماثله شيء من الموجودات في ((قياس
التمثيل)) ولا أن يدخل فى ((قياس شمول)) تتماثل أفراده ، بل ما ثبت
لغيره من الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه فهو أحق به ،
وما نزه عنه غيره من النقائص فهو أحق بالتنزيه منه، كما قال تعالى: (لِلَّذِينَ
لَ يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى )
وقال تعالى:
( ضرب
لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْهَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِى مَارَزَقْنَكُمْ
فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌتَّخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِهِكُمْ أَنفُسَكُمْ ) .
وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير هذا الموضع ، وبينا أن
ما يستفاد بـ ((القياس الشمولي)) فى عامة الأمور قد يستفاد بدون
ذلك فتعلم أحكام الجزئيات الداخلة في القياس بدون معرفة حكم القضية
الكلية ، كما إذا قيل : الكل أعظم من الجزء ، والضدان لا يجتمعان
فما من كل معين وضدين معنيين إلا وإذا على أن هذا جزء هذا وأن
هذا ضد هذا على أن هذا أعظم من هذا وأن هذا لا يجامع هذا
٣٤٧

و
بدون أن يخطر بالبال قضية كلية أن كل ضدين لا يجتمعان وأن كلّ
كُلِّ فهو أعظم من جزء، وكذلك إذا قيل النقيضان لا يجتمعان ولا
يرتفعان، فما من نقيضين يعرف أنهما نقيضان إلا ويعرف أنهما لا يجتمعان
ولا يرتفعان بدون أن يستحضر أن كل نقيضين لا يجتمعان، [ ولا
يرتفعان ] .
فعامة المطالب يستغنى فيها عن القياس المنطقي المتضمن للكبرى
الذي لا بد فيه من قضية كلية ، [ و] الأمور المعينات لا تعلم بمجرد
القياس العقلي ، وإنما يعلم بالقياس القدر المشترك بينها وبين غيرها وم
يسلمون ذلك ، وبينا أن الأدلة الدالة على الصانع هي آيات تدل بنفسها
على نفسه المقدسة ، وبينا الفرق بين دلالة الآيات ودلالة القياس ، وأن
الأدلة أكمل وأنفع ، وطريقة القياس تابعة لها ودونها في المنفعة والكمال ،
والقرآن جاء بهذه وهذه، ومعرفة الإلهيات ، والنبوات وغيرها ، فتلك
الطريقة أكمل وأتم .
وهؤلاء يزعمون أنه لا ينال مطلوب فطري إلا بطريقة القياس
الذي لا بد فيه من قضية كلية ، والقضية الكلية لا تفيد إلا أمراً كلياً
عقلياً ، لا تفيد معرفة شيء معين ، وكل موجود فهو معين ، فكيف
يقول عاقل مع هذا أنه لا ينال على إلا بهذه الطريق ؟! ثم إنهم في
ضلالهم يظنون أن على الأنبياء ، بل وعلى الرب سبحانه إنما حصل
٣٤٨

بواسطة القياس المنطقي ، وأن النى له قوة حدسية يظفر بالحد الأوسط
في القياس المنطقي بدون معلم فيكون أكمل من غيره فيجعلون علمه
بالغيب من هذا الباب ولم يدرك بمثل هذا القياس علوم طبيعية أو
حسابية ونحو ذلك ، فمن أين أنه لا ينال علم إلا به ؟ ومن أين أنه
لا مواد يقينية إلا ما يدعيه المدعى مما عنده من الحدسيات المعتادة الظاهرة
والباطنة ، والبديهيات المعتادة ، والمتواترات ، والمجربات المعتادة .
والحدسيات المعتادة ، والحس الباطن ، والظاهر ، والتجربة ، ونحو ذلك
لا يعلم بمجرده إلا أمر معين جزئي، وذلك لا يصلح أن يكون مقدمة
في القياس ، ولكن يعلم في العموم إما بواسطة قياس تمثيل ، وإما بعلم
ضروري يحدثه اللّه فى القلب ابتداء ، وإذا أحدث علماً ضرورياً عاماً
لأفراد فإحداث العلم ببعض تلك الأفراد سهل فقل أن يستفاد
بطريقهم على بنتيجة إلا والعلم بالنتيجة فيه ممكن بالطريق الذي به عرفت
المقدمات أو أسهل فلا يكون في قياسهم إلا زيادة تطويل وتهويل وتضليل.
وقد بسطنا الكلام على (( المنطق اليونانى )» بما فيه من حق
وباطل ونافع وضار في غير هذا الموضع . ونفي العلم إلا بهذا القياس،
ونفي كون القياس يقينياً إلا بهذه المقدمات قول بلا علم ، وتكذيب
بما لم يحط المكذب بعلمه ؛ ولهذا كانت الطريقة النبوية السلفية أن
يستعمل فى العلوم الإلهية ((قياس الأولى)) كما قال الله تعالى: ( وَلِلَّهِ
٣٤٩

الْمَثَلُ الْأَعْلَى ) إذ لا يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي
أفرادها ، ولا يتاثلان فى شيء من الأشياء بل يعلم أن كل كمال - لانقص
فيه بوجه - ثبت للمخلوق فالخالق أولى به ، وكل نقص وجب نفيه
عن المخلوق فالخالق أولى بنفيه عنه، وأمثال هذه ((الأقيسة العقلية))
التى من نوع الأمثال المضروبة في القرآن، ولله المثل الأعلى، وقد بسطنا
هذا فى غير هذا الموضع .
فلما كان الكفار بالرسالة على ما ذكر جاء في الكفار ببعضها من شاركهم
فى بعض ذلك: فأنكرت الجهمية أن يكون الله يتكلم أو يقول أو يحب أو يبغض،
وأنكروا سائر صفاته التى جاءت بها الرسل ، فأنكروا بعض حقيقة الرسالة
التى هي كلام الله، وأنكروا بعض ما فى الرسالة من صفات الله.
وأول من أظهر ذلك في الإسلام - وإن كان ذلك موجوداً قبل
الإسلام في أمم أخرى - الجعد بن درهم شيخ الجهم بن صفوان ،
وكان على ما قيل من أهل حران ، وكان فيهم أئمة الفلاسفة ، ومنهم
تعلم أبو نصر الفارابى كثيراً مما تعلم من الفلسفة على ماذكره عبد اللطيف
ابن يوسف البغدادي ، فضحى بالجعد خالد بن عبد الله القسري بواسط
على عهد علماء التابعين وغيرهم من علماء المسلمين ، وهم بقايا التابعين في
وقته : مثل الحسن البصري وغيره الذين حمدوه على ما فعل، وشكروا
ذلك فقال : أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم ؛ فإنى مضح بالجعد
٣٥٠

ابن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى
تكليماً - تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً - ثم نزل فذبحه.
وبنوا ذلك على قاعدة مبتدعة الصابئين المكذبين ببعض ما جاءت به
الرسل الذين لا يصفون الرب إلا بالصفات السلبية أو الإضافية أو المركبة
منها، وهم فى هذا التعطيل موافقون فى الحقيقة لفرعون رئيس الكفار
الذي جحد الصانع بالكلية ؛ فإن جحود صفاته مستلزم الجحود ذاته ؛
ولهذا وافقوا فرعون فى تكذيبه لموسى بأن ربه فوق السموات حيث
قال: ( يَهَمَنُ أَبْنِ لِ صَرْحًا لَّعَلِى ◌َبْلُغُ الْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ
إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا ) بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم
الذي صدق موسى لما عرج به إلى ربه ، وأخبر أنه وجد موسى هناك،
وأنه جعل يختلف بين ربه وبين موسى ، فمحمد صلى الله عليه وسلم
صدق موسى في أن ربه فوق السموات ، وفرعون كذبه فى ذلك .
والناس إما محمدي موسوي ، وإما فرعونى ؛ إذ فرعون كذب موسى فى
أن الله فوق ، وكذبه فى أن الله كلمه، كما أنكر وجود الصانع ،
ومحمد صدق موسی فی هذا كله .
وهؤلاء الصابئة المحضة من المتفلسفة يقولون : إن الله ليس له كلام
فى الحقيقة ؛ لكن كلامه - عند من أظهر الإقرار بالرسل منهم -
ما يفيض على نفوس الأنبياء ، وهو أنه محدث فى نفوسهم من غير أن
٣٥١

يكون في الخارج عن نفوسهم الله عندم كلام ، وهكذا كان الجهم يقول
أولا : إن الله لا كلام له، ثم احتاج أن يطاق أن له كلاماً لأجل
المسلمين فيقول : هو مجاز ؛ ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة
يعلمون مقصوده، وأن غرضهم التعطيل، وأنهم زنادقة و ((الزنديق))
المنافق .
ولهذا تجد مصنفات الأئمة يصفونهم فيها بالزندقة ، كما صنف الإمام
أحمد (( الرد على الزنادقة والجهمية )) وكما ترجم البخاري آخر كتاب
الصحيح بـ ((كتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية)) وكان عبد الله
ابن المبارك يقول : إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن
تحكي كلام الجهمية.
ونقول الصابئة المحضة - الذين آمنوا فى الظاهر وآمنوا فى الباطن
ببعض الكتاب - كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبي من «العقل
الفعال)) أو غيره و((ملائكة الله)) اسم لما يتشكل فى نفسه من
الصور النورانية وقد يقولون: إن جبريل هو ((العقل الفعال)) أو
هو ما يتمثل فى نفسه من الصور الخيالية كما يراه النائم ؛ ولهذا يقول
هؤلاء : إن خاصة النبى التخييل ، وأن الأنبياء أظهروا خلاف ما أبطنوه
المصلحة العامة ، ولم يفيدوا بكلامهم علماً ؛ لكن نخييلا ينتفع به العامة ،
ويجعلون هذا من أفضل الأمور ، ويمدحون الأنبياء بذلك ، ويعظمونهم
٣٥٢

وقد بسطنا الكلام على هذا فى مواضع أخر .
وعندم ليس خارجاً عن نفس النبى كلام ولا ملك كما يزعمه من يزعمه من
المتفلسفة والصابئة المشركين ، وزعموا أنهم مؤمنون وقالوا إنهم يجمعون
بين النبوة والفلسفة كما يفعل الفارابي وابن سينا وغيرهما من المتفلسفة
والقرامطة الباطنية من الإسماعيلية ونحوهم الذين أخذوا معاني المتفلسفة
الروم والفرس فأخرجوها فى قالب التشيع والرفض . والإمامية والزيدية
وغيرهم من الشيعة يعلمون أنهم كفار .
ومثل ابن سبعين وأمثاله ممن أظهر التصوف على طريقة هؤلاء
فهو بأخذ معانيهم يكسوها عبارات الصوفية ، والصوفية العارفون يعلمون
أنهم كفار ، وإن شيوخ الصوفية الكبار كالفضيل بن عياض ، وإبراهيم
ابن أدهم، وأبى سليمان الدارانى ، وعمرو بن عثمان الشبلي، والجنيد
ابن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأبى عبد الله محمد بن خفيف
الشيرازي ونحوم - رضي الله عنهم - كانوا من أعظم الناس
تكفيراً لهؤلاء ؛ فإن قول هؤلاء الزنادقة - وإن كان فيه إيمان من
وجه آخر - فهؤلاء موافقون فى الحقيقة لمقدمهم الوحيد الذي قال :
لكن ذاك كفربه كله ظاهراً وباطناً ،
(إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)
وهؤلاء قد يؤمنون به ظاهراً ، وقد يؤمنون باطناً ببعض صفاته : من
أنه مطاع عظيم ، وأنه رئيس النوع الإنسانى ، وأن هذا الكلام الذي
٣٥٣

جاء به كلام عظيم القدر ، صادر عن نفس صافية كاملة العلم والعمل ،
لها ثلاث خصائص تتفرد بها عن غيرها .
خصيصة قوة الحدس والعلم ، وخصيصة قوة التأثير في العالم السفلي
بنفسه ، وخصيصة قوة التخيل المطابق للحقائق بحيث يسمح فى نفسه
الأصوات ، ويرى من الصور ما يكون خيالا للحقائق ، وأنه يجوز
إضافة كلامه إلى الله ، وتسميته كلام الله حيث هو أمر به أمراً خيالياً .
وفي الحقيقة عندم ما يفيض على سائر النفوس الصافية من العلوم والكلمات
هي أيضاً كلام الله مثل ما أنه كلام اللّه؛ لكن هو أشرف وخطابه
دل على أنه رسول الخلق تجب عليهم طاعته ، التى أُخبرت بها الرسل
لكن يطلقون عليه أنه متكلم؛ ولهذا يقولون: إن ((النبوة)) مكتسبة
فطمع غير واحد منهم أن يصير نبياً كما طمع السهروردي وابن سبعين
وغيرهما من الملحدين .
وقد بينا أصول أقوالهم وفسادها في غير هذا الموضع مثل كلامنا
على إبطال قولهم : إن معجزات الأنبياء قوى نفسانية .
وأما ((المعتزلة)) ونحوهم فيوافقونهم في أن الله لا يتكلم فى الحقيقة
التى يعلم الناس أن صاحبها يتكلم [ بل كلامه ] منفصل عنه ، ويزعمون
أن ذلك حقيقة ، وليس كلامه عنده إلا أنه خلق في الهواء أو غيره
٣٥٤

أصواتاً يسمعها من بشاء من ملائكته وأنبيائه من غير أن يقوم بنفسه
كلام لا معنى ولا حروف ، وهم يتنازعون فى ذلك المخلوق هل هو جسم
أو عرض أو لا يوصف بواحد منها .
ولما ظهر هؤلاء تكلم السلف من التابعين وتابعيهم فى تكفيرهم
والرد عليهم بما هو مشهور عند السلف، واطلع الأئمة الحذاق من
العلماء على أن حقيقة قول هؤلاء هو التعطيل والزندقة ، وإن كان
عوامهم لا يفهمون ذلك ، كما اطلعوا على أن حقيقة قول القرامطة
والإسماعيلية هو التعطيل والزندقة ، وإن كان عوامهم إنما يدينون بالرفض ،
وجرت فتنة الجهمية ، كما امتحنت الأئمة، وأقام ((الإمام أحمد)) إمام
السنة ، وصديق الأمة فى وقته ، وخليفة المرسلين ، ووارث النبيين ،
فثبت اللّه به الإسلام والقرآن، وحفظ به على الأمة العلم والإيمان،
ودفع به أهل الكفر والنفاق والطغيان الذين آمنوا ببعض الكتاب
وكفروا ببعض .
فاستقر أهل السنة وجماهير الأمة وأهل الجماعة وأعلام الملة فى
شرقها وغربها على الإيمان الذي جاءت به الرسل عن اللّه وجاء به خاتم
النبيين مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه ، وهو أن القرآن
والتوراة والإنجيل كلام الله، وإن كلام الله لا يكون مخلوقا منفصلا عنه،
كما لا يكون كلام المتكلم منفصلا عنه ؛ فإن هذا جحود لكلامه الذي
٣٥٥

هو رسالته ، ودفع لحقيقة ما أنبأت به الرسل وعلمته أمهم ، وإلحاد فى
أسماء الله وآياته وتمثيل له بالمعدوم والموات ؛ فإن الحياة والعلم والقدرة
والكلام ونحو ذلك صفات كمال ، والرب تعالى أحق بكل كمال ، فيمتنع
أن يثبت للمخلوق كمال إلا والخالق أحق به ، كما يمتنع أن يشزه
المخلوق عن نقص إلا والخالق أحق بتنزهه منه ، كيف وهو خالق
الكمال للكاملين .
و ((أيضا)) فمن لم يتصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع
والبصر والقدرة والكلام وغير ذلك فإما أن يكون قابلا للاتصاف
بذلك ولم يتصف به ، أو غير قابل للاتصاف به. فإن قبله ولم يتصف به
كان موصوفا بصفات النقص: كالموت والجهل والعمى والصمم والعجز
والبكم باتفاق العقلاء ؛ فإنهم متفقون على أن القابل لهذا ولهذا متى لم
يتصف بأحدهما الصف بالآخر ، وإن قيل : إنه لايقبل الاتصاف بهذه
الصفات كان أنقص من القابل الذي لم يتصف بها . فالحيوان الذي
يكون تارة سميعاً وتارة أصم ، وتارة بصيراً وتارة أعمى ، وتارة متكلما
وتارة أخرس ، أكمل من الجماد الذي لا يقبل أن يكون لا هذا
ولا هذا .
فمن لم يصفه بصفات الكمال لزمه إما أن يصفه بهذه النقائص ،
أو يكون أنقص ممن وصف بهذه النقائص. وذلك أن ((المتفلسفة))
٣٥٦

اصطلحوا على تقسيم ((المتقابلين بالنفي والإثبات)) إلى النقيضين، وإلى
ما يسمونه ((العدم والملكة)) فـ((العدم)) عندم سلب الشيء عما
من شأنه أن يكون متصفاً به كالعمى والخرس ؛ فإنه عدم البصر
والكلام عما من شأنه أن يكون بصيراً متكلماً . فأما الجماد فلا
يسمونه لا بهذا ولا بهذا .
(( وشبهتهم)) لبست على طائفة من أهل النظر، فظنوا أنه إذا
لم يوصف بصفات الكمال من الحياة والعلم والسمع والبصر والكلام لم
يلزم أن يتصف بصفات النقص لأنها متقابلان تقابل ((العدم والملكة))،
لا تقابل النقيضين .
فيقال لهم : هذا أولاً اصطلاح لكم ، وإلا فغيركم يسمى الجماد
ميتاً ومواتاً ونحو ذلك ، كما فى مثل قوله: (وَاُلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِلَا يَخْلُقُونَ شَيْئًّاوَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَحْيَآءٍ ) .
ويقال لهم: ((ثانياً )) النظر فى المعاني العقلية ، ومعلوم أن عدم
هذه الصفات يستلزم النقص الثابت بعدمها .
ويقال لهم ((ثالثاً)): إذا قلتم لا يتصف بواحد منها لكونه لا يقبل
ذلك ، فهذا النقص أعظم من نقص العمى والصمم والبكم ؛ فإنما لا يقبل
٣٥٧

الانصاف بصفات الكمال أنقص ممن هو قابل لها يمكن اتصافه بها ؛
فإنه منه بدأ ؛ لا كما يقوله الصابئة ومن وافقهم من الجهمية : إنه ابتدأ
من نفس النبى أو من ((العقل الفعال)) أو من ((الهواء )) بل هو
تنزيل من حكيم حميد ، وإنه إليه يعود إذا أسري به من المصاحف
والصدور .
وصار ((الإمام أحمد)) علماً لأهل السنة الجائين بعده من جميع
الطوائف : كلهم يوافقه فى جمل أقواله ، وأصول مذاهبه ؛ لأنه حفظ
على الأمة الإيمان الموروث ، والأصول النبوية - ممن أراد أن يحرفها
ويبدلها - ولم يشرع ديناً لم يأذن الله به، والذي قاله هو الذي يقوله
سائر الأئمة الأعيان ، حتى إن أعيان أقواله منصوصة عن أعيانهم ؛
لكن جمع متفرقها ، وجاهد مخالفها، وأظهر دلالة الكتاب والسنة
عليها ، ومقالاته ومقالات الأئمة قبله وبعده فى الجهمية كثيرة مشهورة .
و ((الجهمية)) ثم نفاة صفات الله، المتبعون للصابئة الضالة.
وصارت فروع التجهم تجول في نفوس كثير من الناس . فقال بعض
من كان معروفاً بالسنة والحديث : ولا نقول مخلوق ، ولا غير مخلوق
بل نقف ، وباطن أكثرهم موافق للمخلوقية ولكن كان المؤمنون أشد
رهبة فى صدورم من الله .
٣٥٨

و ((طائفة أخرى)» قالت: نقول كلام الله الذي لم ينزله غير
مخلوق ، وأما القرآن الذي أنزله على رسوله وتلاه جبريل ومحمد
والمؤمنون فهو مخلوق، وهؤلاء هم ((اللفظية)). فصارت الأمة تفزع
إلى إمامها إذ ذاك، فيقول لهم أحمد: افترقت الجهمية على ((ثلاث
فرق )) فرقة نقول: القرآن مخلوق ، وفرقة تقول كلام الله وتسكت ،
وفرقة تقول : ألفاظنا وتلاوتنا للقرآن مخلوقة . فإن حقيقة قول هؤلاء
أن القرآن الذي نزل به جبريل على قلب رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو قرآن مخلوق لم يتكلم الله به، وكان لهؤلاء شبهة كون أفعالنا
وأصواتنا مخلوقة ونحن إنما نقرأ. بحركاتنا وأصواتنا ، وربما قال بعضهم
ما عندنا إلا ألفاظنا وتلاوتنا، وما فى الأرض قرآن إلا هذا ،
وهذا مخلوق .
فقابلهم قوم أرادوا تقويم السنة فوقعوا فى البدعة ، وردوا باطلا
بباطل ، وقابلوا الفاسد بالفاسد ، فقالوا : تلاوتنا للقرآن غير مخلوقة ،
وألفاظنا به غير مخلوقة ؛ لأن هذا هو القرآن ، والقرآن غير مخلوق ،
ولم يفرقوا بين الاسم المطلق والاسم المقيد فى الدلالة ، وبين حال المسمى
إذا كان مجرداً وحاله إذا كان مقروناً مقيداً. فأنكر الإمام أحمد أيضاً
على من قال : إن تلاوة العباد وقراءتهم وألفاظهم وأصواتهم غير
مخلوقة ، وأمر بهجران هؤلاء ، كما جهم الأولين وبدعهم . والنقل عنه
٣٥٩

بذلك من رواية ابنه عبد اللّه وصالح والمروذي وفوران وأبي طالب وأبى
بكر بن صدقة وخلق كثير من أصحابه وأتباعه .
وقد قام أخص أتباعه (( أبو بكر المروذي )) بعد مماته فى ذلك ،
وجمع كلامه وكلام الأئمة من أصحابه وغيرم : مثل عبد الوهاب الوراق،
والأثرم ، وأبى داود السجستانى ، والفضل بن زياد ، ومثنى بن جامع
الأنباري ، ومحمد بن إسحاق الصنعانى، ومحمد بن سهل بن عسكر ،
وغير هؤلاء من علماء الإسلام . وبين بدعة هؤلاء الذين يقولون إن
تلاوة العباد وألفاظهم بالقرآن غير مخلوقة .
وقد ذكر ذلك الخلال في (( كتاب السنة)) وبسط القول فى ذلك.
قال الخلال : أخبرنى أبو بكر المروذي ، قال: بلغ أبا عبد الله عن أبى
طالب أنه كتب إلى أهل نصيبين : أن لفظي بالقرآن غير مخلوق ، قال
أبو بكر : فجاءنا صالح بن أحمد ، فقال : قوموا إلى أبى ، فجئنا فدخلنا
على أبى عبد الله، فإذا هو غضبان شديد الغضب ، قد تبين الغضب
فى وجهه ، فقال : اذهب فْتي بأبى طالب ، فجئت به ، فقعد بين
يدي أبى عبد الله، وهو يرعد، فقال: كتبت إلى أهل نصيبين تخبرم عني أني
قلت : لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !! فقال: إنما حكيت عن نفسي ، قال : فلا
يحل هذا عنك ولا عن نفسي، فما سمعت عالماً قال هذا . قال أبو عبد الله: القرآن
كلام الله غير مخلوق كيف تصرف ، فقيل لأبى طالب : اخرج وأخبر
٣٦٠