النص المفهرس
صفحات 281-300
ولكن بذكر الاسم أظهر ذلك . فمن ظن أن الموصوف بالمجيء والإتيان هو لفظ زيد أو لفظ عمرو كان مبطلا ، فكذلك إذا قال القائل : هذا كلام الله ، وكلام الله غير مخلوق ، فالمقصود هنا الكلام نفسه من حيث هو هو، وإن كان إنما ظهر وسمع بواسطة حركة التالي وصوته ، فمن ظن أن المشار إليه هو صوت القارئ وحركته كان مبطلا ؛ ولهذا لما قرأ أبو طالب المكي على الإمام أحمد رضى الله عنه: (قُلْ هُوَ اللَّهُأَحَدُّ) وسأله هل هذا كلام الله، وهل هو مخلوق؟ فأجابه بأنه كلام الله وأنه غير مخلوق ، فنقل عنه أبو طالب - خطأ منه - أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق ، فاستدعاه وغضب عليه وقال أنا قلت لك : لفظي بالقرآن غير مخلوق ؟ قال: لا، ولكن قرأت عليك: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) وقلت لك : هذا غير مخلوق ، فقلت : نعم ، قال فلم تحك عنى مالم أقل ؟ لا تقل هذا ؛ فإن هذا لم يقله عالم - وقصته مشهورة حكاها عبد الله وصالح وحنبل والمروزي وفوران وبسطها الخلال فى ((كتاب السنة)) وصنف المروزي فى ((مسألة اللفظ)) مصنفاً ذكر فيه أقوال الأئمة . وهذا الذي ذكره أحمد من أحسن الكلام وأدقه ؛ فإن الإشارة إذا أطلقت انصرفت إلى المقصود وهو كلام اللّه الذي تكلم به ؛ لا إلى ٢٨١ ما وصل به إلينا من أفعال العباد وأصواتهم . فإذا قيل : لفظي جعل نفس الوسائط غير مخلوقة وهذا باطل ، كما أن من رأى وجهاً ، فى مرآة فقال أكرم الله هذا الوجه وحياه ، أو قبحه ، كان دعاؤه على الوجه الموجود في الحقيقة الذي رأى بواسطة المرآة لا على الشعاع المنعكس فيها ، وكذلك إذا رأى القمر في الماء فقال: قد أبدر أو لم يبدر فإنما مقصوده القمر الذي فى السماء لا خياله ، وكذلك من سمعه يذكر رجلا فقال هذا رجل صالح أو رجل فاسق على أن المشار إليه هو الشخص المسمى بالاسم ؛ لا نفس الصوت المسموع من الناطق - فلو قال : هذا الصوت أو صوتي بفلان صالح أو فاسق فسد المغنى ، وكان بعضهم يقول: لفظي بالقرآن مخلوق فرأى فى منامه وضارب يضربه وعليه فروة فأوجعه بالضرب ، فقال له : لا تضربي ، فقال : أنا ما أضربك ، وإنما أضرب الفروة ، فقال : إنما يقع الضرب علي ، فقال هكذا إذا قلت: لفظي بالقرآن مخلوق ، فالخلق إنما يقع على القرآن . يقول : كما أن المقصود بالضرب بدنك واللباس واسطة فهكذا المقصود بالتلاوة كلام الله وصوتك واسطة ، فإذا قلت : مخلوق وقع ذلك على المقصود ، كما إذا سمعت قائلا بذكر رجلا فقلت : أنا أحب هذا وأنا أبغض هذا انصرف الكلام إلى المسمى المقصود بالاسم لا إلى صوت الذاكر ؛ ولهذا قال الأئمة : القرآن كلام الله غير مخلوق كيفما ٢٨٢ تصرف ؛ بخلاف أفعال العباد وأصواتهم ؛ فإنه من نفى عنها الخلق كان مبتدعا ضالا. فصل وأما قول القائل : تقولون إن القرآن صفة الله وإن صفات الله غير مخلوقة، فإن قلتم إن هذا نفس كلام الله فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية ، وإن قلتم غير ذلك قلتم بمقالتنا . فمن تبين له ما نيهنا عليه سهل عليه الجواب عن هذا وأمثاله ، فإن منشأ الشبهة أن قول القائل : هذا كلام الله يجعل أحكامه واحدة ، سواء كان كلامه مسموعا منه أو كلامه مبلغاً عنه . ومن هنا تختلف طوائف من الناس . ((طائفة)) قالت هذا كلام الله وهذا حروف وأصوات مخلوقة فكلام الله مخلوق . و ((طائفة)) قالت هذا مخلوق وكلام اللّه ليس بمخلوق فهذا ليس كلام اللّه . و ((طائفة)) قالت هذا كلام الله وكلام اللّه ليس بمخلوق وهذا ألفاظنا وتلاوتنا ؛ فألفاظنا وتلاوتنا غير مخلوقة . ٢٨٣ ومنشأ ضلال الجميع من عدم الفرق فى المشار إليه فى هذا . فأنت تقول هذا الكلام الذي تسمعه من قائله صدق وحق وصواب ، وهو كلام حكيم، وكذلك إذا سمعته من ناقله نقول هذا الكلام صدق وحق وصواب وهو كلام حكيم ، فالمشار إليه فى الموضعين واحد ، وتقول أيضاً : إن هذا صوت حسن ، وهذا كلام من وسط القلب ثم إذا سمعته من الناقل تقول : هذا صوت حسن ، أو كلام من وسط القلب فالمشار إليه هنا ليس هو المشار إليه هناك، بل أشار إلی ما يختص به هذا من صوته وقلبه ، وإلى ما يختص به هذا من صوته وقلبه ، وإذا كتب الكلام فى صفحتين كالمصحفين تقول في كل منها هذا قرآن كريم، وهذا كتاب مجيد، وهذا كلام الله فالمشار إليه واحد، ثم تقول هذا خط حسن وهذا قلم النسخ أو الثلث، وهذا الخط أحمر أو أصفر والمشار إليه هنا ما يختص به كل من المصحفين عن الآخر . فإذا ميز الإنسان فى المشار إليه بهذا وهذا تبين المتفق والمفترق ، وعلم أن من قال هذا القرآن كلام الله وكلام الله غير مخلوق أن المشار إليه الكلام من حيث هو مع قطع النظر عما به وصل إلينا من حركات العباد وأصواتهم ، ومن قال : هذا مخلوق وأشار به إلى مجرد صوت العبد وحركته لم يكن له في هذا حجة على أن القرآن نفسه حروفه ومعانيه الذي تعلم هذا القارئ من غيره وبلغه بحركته وصوته مخلوق ، من اعتقد ذلك فقد أخطأ وضل . ٢٨٤ ويقال لهذا : هذا الكلام الذي أشرت إليه كان موجوداً قبل أن يخلق هذا القارئ فهب أن القارئ لم يخلق نفسه ولا وجدت لا أفعاله ولا أصواته فمن أين يلزم أن يكون الكلام نفسه الذي كان موجوداً قبله يعدم بعدمه ويحدث بحدوثه ؟ فإشارته بالخلق إن كانت إلى ما يختص به هذا القارئ من أفعاله وأصواته فالقرآن غني عن هذا القارئ وموجود قبله فلا يلزم من عدم هذا عدمه ، وإن كانت إلى الكلام الذي يتعلمه الناس بعضهم من بعض فهذا هو الكلام المنزل من الله الذي جاء به جبريل إلى محمد ، وبلغه محمد لأمته ، وهو كلام الله الذي تكلم به فذاك يمتنع أن يكون مخلوقا ، فإنه لو كان مخلوقا لكان كلاما المحله الذي خلق فيه ولم يكن كلاماً لله، ولأنه لو كان سبحانه إذا خلق كلاماً كان كلامه كان ما أنطق به كل ناطق كلامه مثل تسبيح الجبال والحصى وشهادة الجلود ، بل كل كلام فى الوجود وهذا قول الحلولية الذين يقولون : وكل كلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ومن قال : القرآن مخلوق فهو بين أمرين - إما أن يجعل كل كلام فى الوجود كلامه، وبين أن يجعله غير متكلم بشيء أصلاً ، فيجعل العباد المتكلمين أكمل منه، وشبهه بالأصنام والجمادات والموات : كالعجل الذي لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، فيكون قد فرعن إثبات ٢٨٥ صفات الكمال له حذراً فى زعمه من التشبيه فوصفه بالنقص وشبهه بالجامد والموات. وكذلك قول القائل: هذا نفس كلام الله، وعين كلام الله، وهذا الذي فى المصحف هو عين كلام الله، ونفس كلام الله ، وأمثال هذه العبارات . هذه مفهومها عند الإطلاق فى فطر المسلمين أنه كلامه لا كلام غيره ، وأنه لا زيادة فيه ولا نقصان ؛ فإن من ينقل كلام غيره ويكتبه فى كتاب قد يزيد فيه وينقص كما جرت عادة الناس فى كثير من مكاتبات الملوك وغيرها - فإذا جاء كتاب السلطان فقيل : هذا الذي فيه كلام السلطان بعينه بلا زيادة ولا نقص : بنى لم يزد فيه الكاتب ولا نقص . وكذلك من نقل كلام بعض الأئمة فى مسألة من تصنيفه قيل : هذا الكلام كلام فلان بعينه : يعنى لم يزد فيه ولم ينقص كما قال الني صلى الله عليه وسلم: ((نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه )). فقوله فبلغه كما سمعه لم يرد به أنه يبلغه بحركاته وأصواته التى سمعه بها ، ولكن أراد أنه يأتى بالحديث على وجهه لا يزيد فيه ولا ينقص، فيكون قد بلغه كما سمعه . فالمستمع له من المبلغ يسمعه كما قاله صلى الله عليه وسلم، ويكون قد سمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قاله . وذلك معنى قولهم هذا كلامه بعينه وهذا نفس كلامه ، ٢٨٦ لا يريدون أن هذا هو صوته وحركاته ، وهذا لا يقوله عاقل ولا يخطر ببال عاقل ابتداء ، ولكن اتباع الظن وما تهوى الأنفس يلجئ أصحابه إلى ((القرمطة)) فى السمعيات، و((السفسطة)) فى العقليات. ولو ترك الناس على فطرتهم لكانت صحيحة سليمة فإذا رأى الناس كلاماً صحيحاً، فإن من تكلم بكلام وسمع منه ونقل عنه أو كتبه فى كتاب لا يقول عاقل إن نفس ما قام بالمتكلم من المعانى التى فى قلبه والألفاظ القائمة بلسانه فارقته وانتقلت عنه إلى المستمع والمبلغ عنه ، ولا فارقته وحلت فى الورق ؛ بل ولا يقول إن نفس ما قام به من المعانى والألفاظ هو نفس المداد الذي فى الورق ؛ بل ولا يقول إن نفس ألفاظه التى هي أصواته هي أصوات المبلغ عنه ، فهذه الأمور كلها ظاهرة لا يقولها عاقل فى كلام المخلوق إذا سمع وبلغ أو كتب فى كتاب ، فكيف يقال ذلك فى كلام الله الذي سمع منه وبلغ عنه أو كتبه سبحانه كما كتب التوراة لموسى ، وكما كتب القرآن فى اللوح المحفوظ، وكما كتبه المسلمون فى مصاحفهم . وإذا كان من سمع كلام مخلوق فبلغه عنه بلفظه ومعناه ؛ بل شعر مخلوق كما يبلغ شعر حسان وابن رواحة ولبيد وأمثالهم من الشعراء ، ويقول الناس : هذا شعر حسان بعينه ، وهذا هو نفس شعر حسان ، وهذا شعر لبيد بعينه كقوله : ٢٨٧ ألا كل شىء ما خلا الله باطل ومع هذا فيعلم كل عاقل أن رواة الشعر ومنشديه لم يسلبوا الشعراء نفس صفاتهم حتى حلت بهم، بل ولا نفس ما قام بأولئك من صفاتهم وأفعالهم كأصواتهم وحركاتهم حلت بالرواة والمنشدين ، فكيف بتوم متوم أن صفات الباري كلامه أو غير كلامه فارق ذاته وحل فى مخلوقاته، وأن ما قام بالمخلوق من صفانه وأفعاله كر كانه وأصواته هي صفات البارى حلت فيه ؟! وهم لا يقولون مثل ذلك فى المخلوق بل يمثلون العلم بنور السراج يقتبس منه المتعلم ولا ينقص ما عند العالم ، كما يقتبس المقتبس ضوء السراج فيحدث الله له ضوءاكما يقال : إن الهوى ينقلب ناراً بمجاورة الفتيلة للمصباح من غير أن تتغير تلك النار التى فى المصباح ، والمقرى والمعلم يقر القرآن ويعلم العلم ولم ينقص مما عنده شيء ؛ بل يصير عند المتعلم مثل ما عنده. ولهذا يقال : فلان ينقل على فلان ، وينقل كلامه ، ويقال : العلم الذي كان عند فلان صار إلى فلان وأمثال ذلك ، كما يقال : نقلت ما في الكتاب ونسخت ما فى الكتاب ، أو نقلت الكتاب أو نسخته ، وهم لا يريدون أن نفس الحروف التى فى الكتاب الأول عدمت منه وحلت في الثانى ؛ بل لما كان المقصود من نسخ الكتاب من الكتب ونقلها من جنس نقل العلم والكلام ، وذلك يحصل بأن يجعل في الثاني ٢٨٨ مثل ما فى الأول ، فيبقى المقصود بالأول منقولا منسوخا وإن كان لم يتغير الأول ، بخلاف نقل الأجسام وتوابعها ، فإن ذلك إذا نقل من موضع إلى موضع زال عن الأول . وذلك لأن الأشياء لها وجود فى أنفسها وهو وجودها العيني ، ولها ثبوتها فى العلم ، ثم فى اللفظ المطابق للعلم ، ثم فى الخط . وهذا الذي يقال: وجود فى الأعيان ، ووجود فى الأذهان ، ووجود في اللسان ووجود فى البنان : وجود عني ، ووجود علمي ، ولفظي ، ورسمي ؛ ولهذا افتتح اللّه كتابه بقوله تعالى: (اقْرَأْبِ سِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * أَقْرَأْوَرَبِّكَ الْأَكْرُمُ * الَّذِى عَلَّمَ الْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنسَنَ مَالَمْيَعَ) فذكر الخلق عموما وخصوصاً، ثم ذكر التعليم عموما وخصوصاً ، فالخط يطابق اللفظ ، واللفظ يطابق العلم ، والعلم هو المطابق للمعلوم. ومن هنا غلط من غلط فظن أن القرآن فى المصحف كالأعيان في الورق، فظن أن قوله: (إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمُ * فِ كِنَبٍ مَكْنُونٍ ) كقوله: ( الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْنُوبَا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ ) فجعل إثبات القرآن الذي هو كلام اللّه فى المصاحف كإثبات الرسول في المصاحف وهذا غلط : إثبات القرآن كائبات اسم الرسول هذا كلام وهذا كلام . وأما إثبات اسم الرسول فهذا كإثبات الأعمال ، أو كإثبات القرآن في ٢٨٩ زبر الأولين، قال تعالى: ( وَكُلُ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ ) وقال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ الْأَوَِّينَ ) فثبوت الأعمال في الزبر وثبوت القرآن في زبر الأولين هو مثل كون الرسول مكتوبا عنده في التوراة والإنجيل ؛ ولهذا قيد سبحانه هذا بلفظ ((الزبر)) و((الكتب)) زبر. يقال زبرت الكتاب إذا كتبته والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب ، فالقرآن نفسه ليس عند بني إسرائيل ولكن ذكره، كما أن محمدا نفسه ليس عندهم ولكن ذكره ، فثبوت الرسول في كتبهم كثبوت القرآن في كتبهم : بخلاف ثبوت القرآن في اللوح المحفوظ وفي المصاحف ؛ فإن نفس القرآن أثبت فيها ، فمن جعل هذا مثل هذا كان ضلاله بينا ، وهذا مبسوط في موضعه . و (المقصود هنا ) إن نفس الموجودات وصفاتها إذا انتقلت من محل إلى محل حلت في ذلك المحل الثاني ، وأما العلم بها والخبر عنها فيأخذه الثاني عن الأول مع بقائه في الأول ، وإن كان الذي عند الثاني هو نظير ذلك ومثله ؛ لكن لما كان المقصود بالعلمين واحداً في نفسه صارت وحدة المقصود توجب وحدة التابع له والدليل عليه ، ولم يكن للناس غرض فى تعدد التابع ، كما فى الاسم مع المسمى؛ فإن اسم الشخص وإن ذكره أناس متعددون ودعا به أناس متعددون فالناس يقولون إنه اسم واحد لمسمى واحد ، فإذا قال المؤذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، ٢٩٠ أشهد أن محمداً رسول الله، وقال ذلك هذا المؤذن وهذا المؤذن، وقاله غير المؤذن فالناس يقولون إن هذا المكتوب هو اسم الله واسم رسوله كما أن المسمى هو الله ورسوله . وإذا قال: ( اقْرَأْ بِاسْمِرَّكَ) وقال: (أَرْكَبُواْ فِبَهَا بِسْمِاللَّهِ) وقال: (سَيِجْ أَسْمَرَِكَ الْأَعْلَى) وقال: (بِسْمِاللَّهِ) ففي الجميع المذكور هو اسم اللّه وإن تعدد الذكر والذاكر ، فالخبر الواحد من من المخبر الواحد من مخبره ، والأمر الواحد بالمأمور به من الآمر الواحد بمنزلة الاسم الواحد لمسماه ، هذا في المركب نظير هذا في المفرد ، وهذا هو واحد باعتبار الحقيقة وباعتبار اتحاد المقصود وإن تعدد من يذكر ذلك الاسم والخبر، وتعددت حركاتهم وأصواتهم وسائر صفاتهم. وأما قول القائل: إن قلتم: إن هذا نفس كلام اللّه فقد قلتم بالحلول وأنتم تكفرون الحلولية والاتحادية فهذا قياس فاسد . مثاله مثال رجل ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم يحل بذاته فى بدن الذي يقرأ حديثه ، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحل فى بدن غيره ، فقال : أنتم تقولون : إن المحدث يقرأ كلامه ، وإن ما يقرؤه هو كلام النبى صلى الله عليه وسلم ، فإذا قلتم ذلك فقد قلتم بالحلول ، ومعلوم أن هذا فى غاية الفساد . ٢٩١ والناس متفقون على إطلاق القول بأن كلام زيد فى هذا الكتاب وهذا الذي سمعناه كلام زيد ، ولا يستجيز العاقل إطلاق القول بأنه هو نفسه في هذا المتكلم، أو فى هذا الورق . وقد نطقت النصوص بأن القرآن فى الصدور كقول النبى صلى الله عليه وسلم: (( استذكروا القرآن ، فلهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم فى عقلها )» وقوله: ((الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب)) وأمثال ذلك، وليس هذا عند عاقل مثل أن يقال اللّه فى صدورنا وأجوافنا، ولهذا لما ابتدع شخص يقال له الصورى بأن من قال القرآن فى صدورنا فقد قال بقول النصارى فقيل لأحمد قد جاءت جهمية رابعة أي : جهمية الخلقية ، واللفظية ، والواقفية ، وهذه الرابعة - اشتد نكيره لذلك. وقال ، هذا أعظم من الجهمية . وهو كما قال . فإن ((الجهمية)) ليس فيهم من ينكر أن يقال القرآن فى الصدور، ولا يشبه هذا بقول النصارى بالحلول إلا من هو فى غاية الضلالة والجهالة ؛ فإن النصارى يقولون ؛ الأب والابن وروح القدس إله واحد ، وإن الكلمة التى هي اللاهوت تدرعت الناسوت ، وهو عندهم إله يخلق ويرزق؛ ولهذا كانوا يقولون: إن الله هو المسيح بن مريم، ويقولون: المسيح ابن اللّه؛ ولهذا كانوا متناقضين، فإن الذي تدرع المسيح إن كان هو الإله الجامع للأقانيم فهو الأب نفسه ، وإن كان هو صفة من ٢٩٢ صفاته فالصفة لا تخلق ولا ترزق وليست إلها ، والمسيح عندم إله ، ولو قال النصارى إن كلام اللّه فى صدر المسيح كما هو فى صدور سأر الأنبياء والمؤمنين لم يكن فى قولهم ما ينكر . فالحلولية المشهورون بهذا الاسم من يقول بحلول اللّه في البشر ، كما قالت النصارى والغالية من الرافضة وغلاة أتباع المشايخ ، أو يقولون بحلوله في كل شىء كما قالت الجهمية إنه بذاته في كل مكان ، وهو سبحانه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وكذلك من قال باتحاده بالمسيح أو غيره ، أو قال باتحاده بالمخلوقات كلها، أو قال : وجوده وجود المخلوقات أو نحو ذلك . فأما قول القائل : إن كلام الله فى قلوب أنبيائه وعباده المؤمنين وإن الرسل بلغت كلام الله ، والذي بلغته هو كلام الله ، وإن الكلام فى الصحيفة ونحو ذلك فهذا لا يسمى حلولا ، ومن سماه حلولا لم يكن بتسميته لذلك مبطلاً للحقائق. وقد تقدم أن ذلك لا يقتضى مفارقة صفة المخلوق له وانتقالها إلى غيره ، فكيف صفة الخالق تبارك وتعالى ؟! ولكن لما كان فيه شبهة الحلول تنازع الناس فى إثبات لفظ الحلول ونفيه عنه هل يقال : إن كلام الله حال فى المصحف أو حال في الصدور ؟ وهل يقال: كلام الناس المكتوب حال فى المصحف أو حال في قلوب حافظيه ونحو ذلك ؟ فمنهم طائفة نفت الحلول كالقاضي ٢٩٣ أبي يعلى وأمثاله وقالوا : ظهر كلام الله فى ذلك ولا نقول : حل : لأن حلول صفة الخالق فى المخلوق ، أو حلول القديم فى المحدث ممتنع . وطائفة أطلقت القول بأن كلام الله حال فى المصحف كأبي إسماعيل الأنصاري الهروى - الملقب بشيخ الإسلام - وغيره وقالوا: ليس هذا هو الحلول المحذور الذي نفيناه ؛ بل نطلق القول بأن الكلام فى الصحيفة ولا يقال بأن الله فى الصحيفة أو فى صدر الإنسان ، كذلك نطلق القول بأن كلامه حال فى ذلك دون حلول ذاته ، وطائفة ثالثة كأبى علي بن أبى موسى وغيره قالوا : لا نطلق الحلول نفياً ولا إثباتاً لأن إثبات ذلك يوم انتقال صفة الرب إلى المخلوقات ونفي ذلك يوم نفي نزول القرآن إلى الخلق فنطلق ما أطلقته النصوص ونمسك عما فى إطلاقه محذور لما في ذلك من الإجمال . وأما قول القائل إن قلتم [ إن هذا نفس كلام اللّه فقد قلتم بالحلول ، وإن قلتم غير ذلك ] قلتم بمقالتنا جواب ذلك أن المقالة المنكرة هنا تتضمن ثلاثة أمور فإذا زالت لم يبق منكر . (أحدها) من يقول إن القرآن العربى لم يتكلم الله به وإنما أحدثه غير الله كجبريل ومحمد والله خلقه فى غيره . ( الثانى ) قول من يقول إن كلام اللّه ليس إلا معنى واحداً هو ٢٩٤ الأمر والنهي والخبر وإن الكتب الإلهية تختلف باختلاف العبارات لا باختلاف المعانى فيجعل معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحداً ، وكذلك معنى آية الدين وآية الكرسي، كمن يقول إن معانى أسماء الله الحسنى بمعنى واحد فمعنى العليم والقدير والرحيم والحكيم معنى واحد فهذا إلحاد في أسمائه وصفاته وآياته . ( الثالث ) قول من يقول إن ما بلغته الرسل عن الله من المعنى والألفاظ ليس هو كلام الله وإن القرآن كلام التالين لا كلام رب العالمين . فهذه الأقوال الثلاثة باطلة بأي عبارة عبر عنها. وأما قول من قال: إن القرآن العربى كلام اللّه بلغه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه تارة يسمع من اللّه، وتارة من رسله مبلغين عنه، وهو كلام اللّه حيث تصرف، وكلام الله تكلم به لم يخلقه فى غيره ، ولا يكون كلام اللّه مخلوقاً، ولو قرأه الناس وكتبوه وسمعوه. وقال مع ذلك: إن أفعال العباد وأصواتهم وسار صفاتهم مخلوقة فهذا لا ينكر عليه ، وإذا نفى الحلول وأراد به أن صفة الموصوف لا تفارقه وتنتقل إلى غيره فقد أصاب فى هذا المعنى ؛ لكن عليه مع ذلك أن يؤمن أن القرآن العربى كلام اللّه تعالى، وليس هو ولا شيء منه كلاماً لغيره ، ولكن بلغته عنه رسله ، وإذا كان كلام المخلوق يبلغ عنه مع العلم بأنه كلامه حروفه ومعانيه ، ومع العلم بأن شيئا من صفاته لم تفارق ذاته فالعلم بمثل هذا فى كلام الخالق أولى وأظهر والله أعلم . ٢٩٥ وقال أيضا شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل قال تعالى : ( وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ )، وهو منزل من الله، كما قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ ) . فأخبر سبحانه أنهم يعلمون ذلك والعلم لا أَنَّهُمُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِآلْحَقّ يكون إلا حقاً . وقال تعالى: ( تَِّزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (حَمَ * تَنِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ اْللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (حَمَ * تَنِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقال تعالى: (وَلَكِنْ حَقَّ ◌ُلْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وقال تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَّةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامَا وَأَجَلٌ مُسَمَّى ) ونحو ذلك، وقال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ). ٢٩٦ فأخبر سبحانه أنه منزل من الله، ولم يخبر عن شيء أنه منزل من الله إلا كلامه؛ بخلاف نزول الملائكة والمطر والحديد وغير ذلك . ولهذا كان القول المشهور عن السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ؛ فإن من قال إنه مخلوق يقول إنه خلق فى بعض المخلوقات القائمة بنفسها ، فمن ذلك المخلوق نزل وبدأ لم ينزل من اللّه ، فإخبار الله تعالى أنه منزل من الله يناقض أن يكون قد نزل من غير الله؛ ولهذا فسر الإمام أحمد قوله ((منه بدأ)) أي هو المتكلم به ، وقال أحمد: كلام الله من الله ليس ببائن عنه . و ((أيضاً)) فلو كان مخلوقاً فى غيره لم يكن كلامه؛ بل كان يكون كلاماً لذلك المخلوق فيه ، وكذلك سائر ما وصف به نفسه من الإرادة والمحبة والمشيئة والرضى والغضب والمقت وغير ذلك من الأمور لو كان مخلوقاً فى غيره لم يكن الرب تعالى متصفاً به ، بل كان يكون صفة لذلك المحل ؛ فإن المعنى إذا قام بمحل كان صفة لذلك المحل ولم يكن صفة لغيره ، فيمتنع أن يكون المخلوق أو الخالق موصوفاً بصفة موجودة قائمة بغيره ؛ لأن ذلك فطري ، فما وصف به نفسه من الأفعال اللازمة يمتنع أن يوصف الموصوف بأمر لم يقم به . وهذا مبسوط فى مواضع أخر . ٢٩٧ ولم يقل السلف : إن التى سمعه من الله تعالى، كما يقول ذلك بعض المتأخرين ، قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّاللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ ) وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال لي النبى صلى الله عليه وسلم ((اقرأ علي القرآن)) قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال ((إنى أحب أن أسمعه من غيرى)) فقرأت عليه سورة النساء ، حتى بلغت إلى هذه الآية (فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) قال: ((حسبك))، فنظرت فإذا عيناه تذرفان من البكاء . والنبي صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، وهو الذى نزل عليه به ، وجبريل سمعه من اللّه تعالى، كما نص على ذلك أحمد وغيره من الأئمة، قال تعالى: ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيِلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وقال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ * عَى قَلِكَ لِتَّكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِسَانٍ عَرَبٍِ مُبِينٍ ) وقال تعالى (وَإِذَا بَدَّلْنَآءَ ايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنَتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُوْ لَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) فأخبر سبحانه أنه نزله روح القدس - وهو الروح الأمين، وهو جبريل - من الله بالحق، ولم يقل أحد من السلف : إن النبى صلى الله عليه وسلم سمعه من الله، وإنما قال ذلك بعض المتأخرين . ٢٩٨ وقوله تعالى: ( إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ . * فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنََّعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَإِنَ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) هو كقوله تعالى: (نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِنْ تَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِأَلْحَقِّ ) وقوله: ( نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْ حَيْنَآ إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ ) ونحو ذلك مما يكون الرب فعله بملائكته ؛ فإن لفظ ( نحن ) هو للواحد المطاع الذي له أعوان يطيعونه ، فالرب تعالى خلق الملائكة وغيرها تطيعه الملائكة أعظم مما يطيع المخلوق أعوانه ، فهو سبحانه أحق باسم ((نحن)) و((فعلنا)) ونحو ذلك من كل ما يستعمل. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان يحرك شفتيه ، فقال ابن عباس : أنا أحركها لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركها . وقال سعيد ابن جبير : أنا أحركها كما رأيت ابن عباس يحركها ، فرك شفتيه فأنزل الله ( لَا تُحَرِِّهِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِةٍ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ ) قال: جمعه لك فى صدرك وتقرؤه (فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَنَّعْ قُرْءَانَهُ ) فإذا قرأه رسولنا ، وفى لفظ: فإذا قرأء جبريل فاستمع له وأنصت (ثُمَإِنَّعَلَيْنَابَيَانَهُ) أي نقرؤه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أناء جبريل استمع ، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه )). ٢٩٩ وقد بين الله تعالى أنواع تكليمه لعباده فى قوله (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآبٍِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَايَشَآءُ) فبين سبحانه أن التكليم تارة يكون وحياً، ونارة من وراء حجاب كما كلم موسى ، وتارة يرسل رسولا فيوحي الرسول باذن الله ما يشاء، وقال تعالى: (اٌللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) فإذا أرسل اللّه تعالى رسولا كان ذلك مما يكلم به عباده فيتلوه عليهم وينبهم به كما قال تعالى : (قُل لَّا تَعْتَذِرُوْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَ اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ كُمْ) وإنما نبأم بواسطة الرسول والرسول مبلغ به ، كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) وقال تعالى: (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِّهِمْ ) وقال تعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ) والرسول أمر أمته بالتبليغ عنه . ففي صحيح البخاري عن عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( بلغوا عني ولوآية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علي معتمداً فليتبوأ مقعده من النار )) وقال صلى الله عليه وسلم لما خطب المسلمين : ((ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع)) وقال صلى الله عليه وسلم: (( نضر الله امرءاسمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه ، فرب حامل غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) ٣٠٠