النص المفهرس

صفحات 261-280

الرَّحِيمِ) إلى قوله: (وَإِذَابَدَّلْنَآءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَاللَّهُأَعْلَمُ
بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرِبَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزََّهُ رُوحُ الْقُدُسِ
مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُنَّبِّتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ
نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا
لِسَانُ عَرَبِىٌّ مُّبِينُ ).
كان بعض المشركين يزعم أن النبى صلى الله عليه وسلم تعلمه
من بعض الأعاجم الذين بمكة إما عبد ابن الحضرمي وإما غيره ، كما
ذكر ذلك المفسرون فقال تعالى: (لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ ) أي
يضيفون إليه التعليم لسان (أَعْجَمِىٌّ وَهَذَالِسَانُ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ ) فكيف
يتصور أن يعلمه أعجمي وهذا الكلام عربي ؟ وقد أخبر أنه نزله روح
القدس من ربك بالحق ، فهذا بيان أن هذا القرآن العربي الذي تعلمه
من غيره لم يكن هو المحدث لحروفه ونظمه ؛ إذ يمكن لو كان كذلك أن
يكون تلقى من الأعجمي معانيه وألف هو حروفه ، وبيان أن هذا الذي
تعلمه من غيره نزل به روح القدس من ربك بالحق يدل على أن
القرآن جميعه منزل من الرب سبحانه وتعالى لم ينزل معناه دون حروفه .
ومن المعلوم أن من بلغ كلام غيره كمن بلغ كلام النبي صلى الله
عليه وسلم أو غيره من الناس أو أنشد شعر غيره كما لو أنشد منشد
قول لبيد :
٢٦١

ألا كل شىء ما خلا الله باطل
أو قول عبد الله بن رواحة حيث قال :
وأن النار مثوى الكافرينا
شهدت بأن وعد الله حق
وفوق العرش رب العالمينا
وأن العرش فوق الماء طاف
أو قوله :
إذا انشق معروف من الفجر ساطع
وفينا رسول الله يتلو كتابه
إذا استئقلت بالمشركين المضاجع
يبيت يجافى جنبه عن فراشه
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع
وهذا الشعر قاله منشئه لفظه ومعناه ، وهو كلامه لا كلام غيره
بحركته وصوته ومعناه القائم بنفسه ، ثم إذا أنشده المنشد وبلغه عنه
على أنه شعر ذلك المنشئ وكلامه ونظمه وقوله ، مع أن هذا الثاني أنشده
بحركة نفسه وصوت نفسه ، وقام بقلبه من المعنى نظير ما قام بقلب
الأول وليس الصوت المسموع من المنشد هو الصوت المسموع من
المنشئ والشعر شعر المنشئ لا شعر المنشد - والمحدث عن النبى صلى
٢٦٢

اللّه عليه وسلم إذا روى قوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) بلغه بحركته
وصوته ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به بحركته وصوته ،
وليس صوت المبلغ صوت النبى صلى الله عليه وسلم، ولا حركته
كحركته، والكلام كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لاكلام
المبلغ له عنه .
فإذا كان هذا معلوماً معقولاً فكيف لا يعقل أن يكون ما يقرأ
القارئ إذا قرأ (الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِ الْعَلَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِمِ * مَالِكِ يَوْمٍ
الّذِينِ ) أن يقال هذا الكلام كلام البارئ وإن كان الصوت صوت
القارئ . فمن ظن أن الأصوات المسموعة من القراء صوت الله فهو
ضال مفتر مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول قائل قولاً لم يقله أحد
من أئمة المسلمين ؛ بل قد أنكر الإمام أحمد وغيره على من قال :
لفظي بالقرآن غير مخلوق وبدعوه ، كما جهموا من قال : لفظي بالقرآن
مخلوق . وقالوا القرآن كلام الله غير مخلوق كيف تصرف، فكيف من
قال لفظي به قديم أو صوتي به قديم ؟ فابتداع هذا وضلاله أوضح .
فمن قال إن لفظه بالقرآن غير مخلوق أو صوته أو فعله أو شيئا من
ذلك فهو ضال مبتدع .
وهؤلاء قد يحتجون بقوله ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ) ويقولون هذا
كلام الله وكلام الله غير مخلوق فهذا غير مخلوق ، ونحن لا أسمع
٢٦٣

إلا صوت القارئ، وهذا جهل منهم ، فإن سماع كلام الله، بل وسماع
كل كلام يكون نارة من المتكلم به بلا واسطة ، ويكون بواسطة
الرسول المبلغ له قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُإِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآبٍ
حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ )
ومن قال : إن الله كلمنا بالقرآن كما كلم موسى بن عمران ، أو إنا
تسمع كلامه كما سمعه موسى بن عمران فهو من أعظم الناس جهلا
وضلالا . ولو قال قائل : إنا نسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه
الصحابة منه لكان ضلاله واضحاً ، فكيف من يقول أنا أسمع كلام الله
منه كما سمعه موسى ؟! وإن كان الله كلم موسى تكليما بصوت سمعه
موسى فليس صوت المخلوقين صوتاً للخالق . وكذلك مناداته لعباده
بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ، وتكلمه بالوحي حتى يسمع
أهل السموات والأرض صوته كجر السلسلة على الصفا ، وأمثال ذلك
مما جاءت به النصوص والآثار كلها ليس فيها أن صفة المخلوق هي صفة الخالق ؛
بل ولامثلها بل فيها الدلالة على الفرق بين صفة الخالق وبين صفة المخلوق
فليس كلامه مثل كلامه ، ولا معناه مثل معناه، ولا حرفه مثل حرفه ، ولا صوته
مثل صوته، كما أنه ليس علمه مثل علمه ، ولا قدرته مثل قدرته ، ولا سمعه مثل
سمعه ، ولا بصره مثل بصره، فإن الله ليس كمثله شىء لا في ذاته ولا في
صفاته ولا فى أفعاله .
٢٦٤

ولما استقر فى فطر الخلق كلهم الفرق بين سماع الكلام من المتكلم
به ابتداء وبين سماعه من المبلغ عنه كان ظهور هذا الفرق في سماع كلام
الله من المبلغين عنه أوضح من أن يحتاج إلى الإطناب. وقد بين أئمة السنة
والعلم ـ كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح فى كتابه فى خلق
الأفعال وغيرهما من أئمة السنة - من الفرق بين صوت الله المسموع
منه وصوت العباد بالقرآن وغيره مالا يخالفهم فيه أحد من العلماء أهل
العقل والدين .
فصل
وأما قوله تعالى ( إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍكَرِيمٍ ) فهذا قد ذكره فى
موضعين. فقال فى الحاقة (إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ
* وَلَ بِقَوْلِ كَاِهِنَّ قليلًا مَّانَذَّكَّرُونَ) فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم وقال
فى التكوير: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ * ذِى قُوَِّعِنْدَ ذِى الْغَيْنِ مَّكِينِ * مُطَاِ ثََّمِينٍ * وَمَا
صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْرَءَاهُ بِالْأَفُقِ الْمُبِينِ) فالرسول هنا جبريل فأضافه إلى
الرسول من البشر تارة، وإلى الرسول من الملائكة تارة ، باسم الرسول ،
ولم يقل : إنه لقول ملك ولا نى ، لأن لفظ الرسول يبين أنه مبلغ
٢٦٥

(مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ)
عن غيره لا منشئ له من عنده
فكان قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولِكَرِيمٍ ) بمنزلة قوله لتبليغ رسول ، أو
مبلغ من رسول كريم، أو جاء به رسول كريم ، أو مسموع عن رسول
كريم ؛ وليس معناه أنه أنشأه أو أحدثه أو أنشأ شيئاً منه أو أحدثه
رسول كريم إذ لو كان منشئاً لم يكن رسولا فيما أنشأه وابتدأه وإنما
يكون رسولا فيما بلغه وأداء، ومعلوم أن الضمير عائد إلى القرآن مطلقاً .
و ( أيضاً ) فلو كان أحد الرسولين أنشأ حروفه ونظمه امتنع
أن يكون الرسول الآخر هو المنشئ المؤلف لها ، فبطل أن تكون
إضافته إلى الرسول لأجل إحداث لفظه ونظمه . ولو جاز أن تكون
الاضافة هنا لأجل إحداث الرسول له أو لشيء منه لجاز أن نقول إنه
قول البشر، وهذا قول الوحيد الذي أصلاه اللّه سقر.
فإن قال قائل : فالوحيد جعل الجميع قول البشر ، ونحن نقول إن
الكلام العربي قول البشر ، وأما معناه فهو كلام الله .
فيقال لهم : هذا نصف قول الوحيد ، ثم هذا باطل من
وجوه أخرى .
وهو أن معانى هذا النظم معان متعددة متنوعة ، وأنتم تجعلون
٢٦٦

ذلك المعنى معنى واحداً هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار ، وتجعلون
ذلك المعنى إذا عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإذا عبر عنه بالعبرانية
كان توراة ، وإذا عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا ، وهذا مما يعلم بطلانه
بالضرورة من العقل والدين ؛ فإن التوراة إذا عربناها لم يكن معناها
معنى القرآن ، والقرآن إذا ترجمناه بالعبرانية لم يكن معناه معنى التوراة.
و ( أيضاً ) فإن معنى آية الكرسي ليس هو معنى آية الدين ،
وإنما يشتركان فى مسمى الكلام، ومسمى كلام الله، كما تشترك الأعيان في
مسمى النوع، فهذا الكلام وهذا الكلام وهذا الكلام كله يشترك فى
أنه كلام الله اشتراك الأشخاص فى أنواعها ، كما أن الإنسان وهذا
الإنسان وهذا الإنسان يشتركون في مسمى الإنسان وليس فى الخارج
شخص بعينه هو هذا وهذا وهذا ، وكذلك ليس فى الخارج كلام
واحد هو معنى التوراة والإنجيل والقرآن وهو معنى آية الدين
وآية الكرسي .
ومن خالف هذا كان فى مخالفته لصريح المعقول من جنس من
قال : إن أصوات العباد وأفعالهم قديمة أزلية . فاضرب بكلام البدعتين
رأس قائلها ، والزم الصراط المستقيم : صراط الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
٢٦٧

وبسبب هاتين البدعتين المقاوين ثارت الفتن وعظمت الإحن ،
وإن كان كل من أصحاب القولين قد يفسرونهما بما قد يلتبس على كثير
من الناس كما فسر من قال : إن الصوت المسموع من العبد أو بعضه
قديم : أن القديم ظهر في المحدث من غير حلول فيه .
وأما (( أفعال العباد )) فرأيت بعض المتأخرين يزعم أنها قديمة خيرها
وشرها، وفسر ذلك بأن الشرع قديم والقدر قديم، وهي مشروعة مقدرة
ولم يفرق بين الشرع الذي هو كلام اللّه والمشروع الذي هو المأمور
به والمنهى عنه، ولم يفرق بين القدر الذى هو علم الله وكلامه وبين
المقدور الذي هو مخلوقاته. والعقلاء كلهم يعلمون بالاضطرار أن الأمر
والخبر نوعان للكلام لفظه ومعناه، ليس الأمر والخبر صفات الموصوف
واحد - فمن جعل الأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواعاً له فقد
خالف ضرورة العقل ، وهؤلاء في هذا بمنزلة من زعم أن الوجود واحد ؛
إذ لم يفرق بين الواحد بالنوع والواحد بالعين؛ فإن انقسام ((الموجود))
إلى القديم، والمحدث، والواجب والممكن، والخالق والمخلوق، والقائم بنفسه
والقائم بغيره، كانقسام ((الكلام)) إلى الأمر والخبر، أو إلى الإنشاء
والإخبار، أو إلى الأمر والنهي والخبر - فمن قال الكلام معنى واحد
هو الأمر والخبر فهو كمن قال الوجود واحد هو الخالق والمخلوق، أو
الواجب والممكن . وكما أن حقيقة هذاتؤول إلى تعطيل الخالق فحقيقة
٢٦٨

هذا تؤول إلى تعطيل كلامه وتكليمه.
وهذا حقيقة قول فرعون الذي أنكر الخالق وتكليمه لموسى ؛ ولهذا
آل الأمر بمحقق هؤلاء إلى تعظيم فرعون وتوليه وتصديقه فى قوله :
(أَنْرَبِّكُم ◌ْأَعْلَى ) بل إلى تعظيمه على موسى وإلى الاستحقار بتكليم
الله لموسى كما قد بسط فى غير هذا الموضع .
(وأيضاً ) فيقال: ما تقول فى كلام كل متكلم إذا نقله عنه غيره
- كما قد ينقل كلام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والعلماء والشعراء
وغيرهم ويسمع من الرواة أو المبلغين - إن ذلك المسموع من المبلغ
بصوت المبلغ هو كلام المبلغ أو كلام المبلغ عنه ؟ فإن قال: كلام المبلغ
لزم أن يكون القرآن كلاما لكل من سمع منه فيكون القرآن المسموع
كلام ألف ألف قارئ لا كلام الله تعالى، وأن يكون قوله: ((إنما
الأعمال بالنيات )) ونظائره كلام كل من رواه لا كلام الرسول وحينئذ
) فإنه على قول هؤلاء
إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍگِ
فلا فضيلة للقرآن فى (
قول كل منافق قرأه ، والقرآن يقرؤه المؤمن والمنافق كما فى الصحيحين
عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل
الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن
مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها ؛ ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن
مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن
٢٦٩

مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها » وعلى هذا التقدير فلا يكون
القرآن قول بشر واحد بل قول ألف ألف بشر وأكثر من ذلك .
وفساد هذا في العقل والدين واضح .
وإن قال : كلام المبلغ عنه علم أن الرسول المبلغ للقرآن ليس
القرآن كلامه ولكنه كلام اللّه؛ ولكن لما كان الرسول الملك قد يقال
إنه شيطان بين اللّه أنه تبليغ ملك كريم ؛ لا تبليغ شيطان رجيم ؛ ولهذا
) إلى
إِنَّهُ وَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَشِمَكِينٍ
قال : (
). وبين فى هذه الآية أن الرسول
قوله: ( وَمَاهُوَبِقَوْلِشَيْطٍتَجِيمٍ
البشري الذي صحبناه وسمعناه منه ليس بمجنون ، وما هو على الغيب
بمتهم. وذكره باسم ((الصاحب)) لما فى ذلك من النعمة به علينا إذ
كنا لا نطيق أن نتلقى إلا عمن صحبناه وكان من جنسنا ، كما قال تعالى
( لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ) وقال (وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكَّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا
وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ) كما قال فى الآية الأخرى: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى *
مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى ) وبين أن الرسول الذي من أنفسنا والرسول
الملكي أنها مبلغان فكان في هذا تحقيق أنه كلام الله.
فلما كان الرسول البشرى يقال : إنه مجنون أو مفتر نزهه عن
هذا وهذا، وكذلك في السورة الأخرى قال: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ
وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرِ قَلِلَا مَّا نُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَِهِنَّ قَلِيلًا مَانَذَّكَّرُونَ * نَِيلٌ مِّن رَّبِّالْعَلَمِينَ )
٢٧٠

وهذا مما يبين أنه أضافه إليه لأنه بلغه وأداء لا لأنه أحدثه وأنشأه ، فإنه
قال: ( وَإِنَّهُ لَنْزِلُ رَبِ الْعَلَمِينَ * نَزَّلَ بِ الرُّوحُ الأَمِينُ
وبین قوله
(
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ
فجمع بين قوله : (
والضميران عائدان إلى واحد ،
(
وَإِنَّهُ لَنْزِلُ رَبِ الْعَلَمِينَ
) :
فلو كان الرسول أحدثه وأنشأه لم يكن تنزيلا من رب العالمين ؛ بل كان
يكون تنزيلا من الرسول . ومن جعل الضمير فى هذا عائدا إلى غير
ما يعود إليه الضمير الآخر مع أنه ليس فى الكلام ما يقتضى اختلاف
الضميرين ، ومن قال إن هذا عبارة عن كلام الله - فقل له : هذا
الذي تقرؤه أهو عبارة عن العبارة التى أحدثها الرسول الملك أو
البشر على زعمك؟ أم هو نفس تلك العبارة؟ فإن جعلت هذا عبارة
عن تلك العبارة جاز أن تكون عبارة جبريل أو الرسول عبارة عن
عبارة اللّه، وحينئذ فيبقى النزاع لفظياً؛ فإنه متى قال إن محمدا سمعه
من جبريل جميعه ، وجبريل سمعه من الله جميعه، والمسلمون سمعوه من
الرسول جميعه ، فقد قال الحق - وبعد هذا فقوله عبارة لأجل التفريق
بين التبليغ والمبلغ عنه كما سنبينه .
وإن قلت : ليس هذا عبارة عن تلك العبارة ، بل هو نفس
تلك العبارة فقد جعلت ما يسمع من المبلغ هو بعينه ما يسمع من المبلغ
٢٧١

عنه إذ جعلت هذه العبارة هي بعينها عبارة جبريل فحينئذ هذا يبطل
أصل قولك .
واعلم أن أصل القول بالعبارة (( أن أبا محمد عبد الله بن سعيد بن
كلاب)) هو أول من قال فى الإسلام: إن معنى القرآن كلام الله . وحروفه
ليست كلام الله ، فأخذ بنصف قول المعتزلة ونصف قول أهل السنة
والجماعة ، وكان قد ذهب إلى إثبات الصفات للّه تعالى، وخالف المعتزلة
فى ذلك ، وأثبت العلو للّه على العرش ومباينته المخلوقات ، وقرر ذلك
تقريراً هو أكمل من تقرير أتباعه بعده . وكان الناس قد تكلموا
فيمن بلغ كلام غيره هل يقال له حكاية عنه أم لا ؟ وأكثر المعتزلة
قالوا : هو حكاية عنه ، فقال ابن كلاب : القرآن العربي حكاية عن
كلام اللّه ؛ ليس بكلام الله .
فجاء بعده ((أبو الحسن الأشعري)) فسلك مسلكه فى إثبات
أكثر الصفات ، وفى مسألة القرآن أيضاً ، واستدرك عليه قوله إن
هذا حكاية ، وقال : الحكاية إنما تكون مثل المحكي فهذا يناسب
قول المعتزلة ؛ وإنما يناسب قولنا أن نقول هو عبارة عن كلام الله ؛
لأن الكلام ليس من جنس العبارة، فأنكر أهل السنة والجماعة عليهم
عدة أمور .
٢٧٢

( أحدها ) قولهم : إن المعنى كلام اللّه وإن القرآن العربي ليس
كلام اللّه، وكانت المعتزلة تقول: هو كلام اللّه وهو مخلوق، فقال:
هؤلاء هو مخلوق وليس بكلام الله؛ لأن من أصول أهل السنة أن
الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل ، فإذا قام الكلام
بمحل كان هو المتكلم به كما أن العلم والقدرة إذا قاما بمحل كان هو
العالم القادر وكذلك («الحركة)). وهذا مما احتجوا به على المعتزلة
وغيرهم من الجهمية فى قولهم: إن كلام اللّه مخلوق خلقه فى بعض
الأجسام - قالوا لهم لو كان كذلك لكان الكلام كلام ذلك الجسم
الذي خلقه فيه فكانت الشجرة هي القائلة: (إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ)
فقال أئمة الكلابية إذا كان القرآن العربي مخلوقاً لم يكن كلام الله ،
فقال طائفة من متأخريهم : بل نقول الكلام مقول بالاشتراك بين
المعنى المجرد وبين الحروف المنظومة ، فقال لهم المحققون : فهذا يبطل
أصل حجتكم على المعتزلة ؛ فإنكم إذا سلمتم أن ما هو كلام الله حقيقة
لا يمكن قيامه به بل بغيره أمكن المعتزلة أن يقولوا ليس كلامه إلا
ما خلقه فى غيره .
( الثانى ) قولهم: إن ذلك المعنى هو الأمر والنهي والخبر، وهو
معنى التوراة، والإنجيل والقرآن، وقال أكثر العقلاء : هذا الذي
قالوه معلوم الفساد بضرورة العقل .
٢٧٣

( الثالث ) أن ما نزل به جبريل من المعنى واللفظ وما بلغه محمد
لأمته من المعنى واللفظ ليس هو كلام الله.
و ((مسألة القرآن)) لها طرفان (أحدهما ) تكلم الله به وهو
أعظم الطرفين ( والثانى ) تنزيله إلى خلقه والكلام في هذا سهل بعد
تحقيق الأول . وقد بسطنا الكلام فى ذلك فى عدة مواضع ، وبينا
مقالات أهل الأرض كلهم فى هذه المسائل ، وما دخل في ذلك من
الاشتباه ، ومأخذ كل طائفة، ومعنى قول السلف: القرآن كلام الله
غير مخلوق ، وأنهم قصدوا به إبطال قول من يقول : إن الله لم يقم
بذاته كلام ؛ ولهذا قال الأئمة كلام الله من الله ليس ببائن عنه ،
وذكرنا اختلاف المنتسبين إلى السنة هل يتعلق الكلام بمشيئته وقدرته
أم لا ؟ وقول من قال من أئمة السنة لم يزل الله متكلماً إذا شاء ،
وأن قول السلف منه بدأ لم يريدوا به أنه فارق ذاته وحل فى غيره ؛
فإن كلام المخلوق ، بل وسائر صفاته لا تفارقه وتنتقل إلى غيره
فكيف يجوز أن يفارق ذات الله كلامه أو غيره من صفاته ؟! بل
قالوا: منه بدأ . أي : هو المتكلم به رداً على المعتزلة والجهمية وغيرهم
الذين قالوا بدأ من المخلوق الذي خلق فيه . وقولهم : إليه يعود .
أي : يسرى عليه فلا يبقى فى المصاحف منه حرف ولا فى الصدور
منه آية .
٢٧٤

والمقصود هنا الجواب عن مسائل السائل .
فصل
وأما قول القائل: أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه
حقيقة من غير واسطة ، وتقولون إن الذي تسمعونه كلام الله
حقيقة وتسمعونه من وسائط بأصوات مختلفة فما الفرق بين ذلك ؟
فيقال له بين هذا وهذا من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق .
فإن كل عاقل يفرق بين سماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه
بغير واسطة - كسماع الصحابة منه ـ وبين سماعه منه بواسطة المبلغين
عنه كأبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وابن عباس. وكل من
السامعين سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة، وكذلك من سمع
شعر حسان بن ثابت أو عبد الله بن رواحة أو غيرهما من الشعراء
منه بلا واسطة ومن سمعه من الرواة عنه يعلم الفرق بين هذا وهذا ،
وهو في الموضعين شعر حسان لا شعر غيره ، والإنسان إذا تعلم شعر
غيره فهو يعلم أن ذلك الشاعر أنشأ معانيه ونظم حروفه بأصواته المقطعة
وإن كان المبلغ يرويه بحركة نفسه وأصوات نفسه .
٢٧٥

فإذا كان هذا الفرق معقولا فى كلام المخلوقين بين سماع الكلام
من المتكلم به ابتداء وسماعه بواسطة الراوي عنه أو المبلغ عنه فكيف
لا يعقل ذلك فى سماع كلام اللّه ؟ وقد تقدم أن من ظن أن المسموع
من القراء هو صوت الرب فهو إلى تأديب المجانين أقرب منه إلى خطاب
العقلاء ، وكذلك من توم أن الصوت قديم أو أن المداد قديم فهذا
لا يقوله ذو حس سليم ؛ بل ما بين لوحي المصحف كلام اللّه، وكلام
اللّه ثابت فى مصاحف المسلمين لا كلام غيره ، فمن قال : إن الذي فى
المصحف ليس كلام الله بل كلام غيره فهو ملحد مارق .
ومن زعم أن كلام الله فارق ذاته وانتقل إلى غيره كما كتب فى
المصاحف أو أن المداد قديم أزلي فهو أيضاً ملحد مارق ؛ بل كلام
المخلوقين يكتب فى الأوراق وهو لم يفارق ذواتهم ، فكيف لا يعقل
مثل هذا في كلام اللّه تعالى ؟!
و((الشبهة)) تنشأ فى مثل هذا من جهة أن بعض الناس لا يفرق
بين المطلق من الكلام والمقيد . مثال ذلك أن الإنسان يقول رأيت
الشمس والقمر والهلال إذا رآء بغير واسطة (( وهذه الرؤية المطلقة)»
وقد يراء فى ماء أو مرآة فهذه ((رؤية مقيدة)) فإذا أطلق قوله رأيته
أو ما رأيته حمل على مفهوم اللفظ المطلق ، وإذا قال : لقد رأيت الشمس
في الماء والمرآة فهو كلام صحيح مع التقييد ، واللفظ يختلف معناه بالإطلاق
٢٧٦

والتقييد، فإذا وصل بالكلام ما يغير معناه كالشرط والاستثناء ونحوهما
من التخصيصات المتصلة كقوله: ( أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّاخَمْسِينَ عَامًا ) كان هذا
المجموع دالا على تسعمائة وخمسين سنة بطريق الحقيقة عند
جماهير الناس .
ومن قال إن هذا مجاز فقد غلط ؛ فإن هذا المجموع لم يستعمل
في غير موضعه وما يقترن باللفظ من القرائن اللفظية الموضوعة هي من
تمام الكلام ؛ ولهذا لا يحتمل الكلام معها معنيين ولا يجوز نفي
مفهومها بخلاف استعمال لفظ الأسد في الرجل الشجاع مع أن قول
القائل : هذا اللفظ حقيقة ، وهذا مجاز نزاع لفظي ، وهو مستند من
أنكر المجاز فى اللغة أو فى القرآن ، ولم ينطق بهذا أحد من السلف
والأئمة ، ولم يعرف لفظ المجاز فى كلام أحد من الأئمة إلا فى كلام
الإمام أحمد فإنه قال فيما كتبه من ((الرد على الزنادقة والجهمية)) هذا
من مجاز القرآن . وأول من قال ذلك مطلقاً أبو عبيدة معمر بن المثنى
فى كتابه الذي صنفه في ((مجاز القرآن)) ثم إن هذا كان معناه عند
الأولين مما يجوز في اللغة ويسوغ فهو مشتق عندهم من الجواز كما يقول
الفقهاء عقد لازم وجاْ ، وكثير من المتأخرين جعله من الجواز الذي هو
العبور من معنى الحقيقة إلى معنى المجاز، ثم إنه لا ريب أن المجاز قد
يشيع ويشتهر حتى يصير حقيقة .
٢٧٧

والمقصود أن القائل إذا قال : رأيت الشمس أو القمر أو الهلال أو غير
ذلك فى الماء والمرآةَ فالعقلاء متفقون على الفرق بين هذه الرؤية وبين
رؤية ذلك بلا واسطة ، وإذا قال قائل : ما رأى ذلك ؛ بل رأى مثاله
أو خياله أو رأى الشعاع المنعكس أو نحو ذلك لم يكن هذا مانعا لما
يعلمه الناس ويقولونه من أنه رآه في الماء أو المرآة ، وهذه الرؤية في
الماء أو المرآة حقيقة مقيدة ، وكذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم:
((من رآنى في المنام فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)»
هو كما قال صلى الله عليه وسلم رآه في المنام حقاً ، فمن قال : ما رآه
في المنام حقاً فقد أخطأ ، ومن قال : إن رؤيته فى اليقظة بلا واسطة
كالرؤية بالواسطة المقيدة بالنوم فقد أخطأ ؛ ولهذا يكون لهذه تأويل
وتعبير دون تلك .
وكذلك ما سمعه منه من الكلام فى المنام هو سماع منه فى المنام وليس
هذا كالسماع منه في اليقظة وقد يرى الرائى في المنام أشخاصاً ويخاطبونه
والمرئيون لا شعور لهم بذلك وإنما رأى مثالهم ، ولكن يقال : رآم فى
المنام حقيقة ، فيحترز بذلك عن الرؤيا التى هي حديث النفس .
فإن (( الرؤيا ثلاثة أقسام)) رؤيا بشرى من الله)، ورؤيا تخزين
من الشيطان ، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه فى اليقظة فيراه فى المنام.
وقد ثبت هذا التقسيم فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛
٢٧٨

ولكن الرؤيا يظهر لكل أحد من الفرق بينها وبين اليقظة مالا يظهر
فى غيرها ، فكما أن الرؤية تكون مطلقة وتكون مقيدة بواسطة المرآة
والماء أو غير ذلك ، حتى إن المرئي يختلف باختلاف المرآة ، فإذا كانت
كبيرة مستديرة رأى كذلك وإن كانت صغيرة أو مستطيلة رأى كذلك،
فكذلك في « السماع )» يفرق بين من سمع كلام غيره منه ومن سمعه
بواسطة المبلغ ، ففي الموضعين المقصود سماع كلامه ، كما أن هناك فى
الموضعين يقصد رؤية نفس النبى ؛ لكن إذا كان بواسطة اختلف باختلاف
الواسطة فيختلف باختلاف أصوات المبلغين كما يختلف المرئى باختلاف
المرايا - قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍحِجَابٍ
أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ ).
فجعل ((التكليم ثلاثة أنواع)) الوحي المجرد، والتكليم من وراء
حجاب كما كلم موسى عليه السلام ، والتكليم بواسطة إرسال الرسول
كما كلم الرسل بإرسال الملائكة ، وكما نبأنا الله من أخبار المنافقين بإرسال
محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمون متفقون على أن الله أمرم بما أمرهم به في
القرآن ونهام عما نهام عنه فى القرآن، وأخبرهم بما أخبرهم به فى القرآن
فأمره ونهيه وإخباره بواسطة الرسول، فهذا تكليم مقيد بالإرسال ،
وسماعنا لكلامه سماع مقيد بسماعه من المبلغ لا منه ، وهذا القرآن
كلام الله مبلغاً عنه مؤدى عنه، وموسى سمع كلامه مسموعا منه لا مبلغاً
٢٧٩

عنه ولا مؤدى عنه، وإذا عرف هذا المعنى زاحت الشبهة .
والنبى صلى الله عليه وسلم يروى عن ربه ، ويخبر عن ربه،
ويحكى عن ربه ، فهذا يذكر ما يذكره عن ربه من كلامه الذي قاله
راويا حاكياً عنه. فلو قال من قال: إن القرآن ((حكاية)): إن محمدا
حكاه عن الله كما يقال بلغه عن اللّه وأداه عن الله لكان قد قصد معنى
صحيحاً ؛ لكن يقصدون - ما يقصده القائل بقوله فلان يحكى فلانا أي
يفعل مثل فعله وهو - أنه يتكلم بمثل كلام اللّه فهذا باطل قال الله
تعالى ( قُل لَّيْنِ أَجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ
كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا).
ونكتة الأمر أن العبرة بالحقيقة المقصودة لا بالوسائل المطلوبة لغيرها .
فلما كان مقصود الرائى أن يرى الوجه مثلا فرآه فى المرآة حصل مقصوده
وقال رأيت الوجه، وإن كان ذلك بواسطة انعكاس الشعاع في المرآة -
وكذلك من كان مقصوده أن يسمع القول الذي قاله غيره الذي ألف
ألفاظه وقصد معانيه ، فإذا سمعه منه أو من غيره حصل هذا المقصود ،
وإن كان سماعه من غيره هو بواسطة صوت ذلك الغير الذي يختلف
باختلاف الصائتين . والقلوب إنما تشير إلى المقصود لا إلى ما ظهر به
المقصود، كما في ((الاسم والمسمى)) فإن القائل إذا قال جاء زيد
وذهب عمرو لم يكن مقصوده إلا الإخبار بالمجيء عن ((المسمى))
٢٨٠