النص المفهرس

صفحات 201-220

وهذا إذا أطلقوه ((مجملاً)) فهو حق ؛ لكن قال بعضهم: هذا
لفظي أو تلاوتي أو صوتى؛ فلفظي أو تلاوتى أو صوتى غير مخلوق ؛
فضلوا كما ضل غيرهم ؛ ولو اهتدوا لعلموا أنا إذا قلنا : هذا كلام الله
فلم نشر إليه بما امتاز قارئ عن قارئ ، إذا كان من المعلوم أنه ما
يسمع من كل قارئ فهو كلام اللّه، مع العلم بأن صوت هذا القارئ
ليس هو صوت هذا القارئ فقد اتحد من جهة كونه كلام الله . واختلف
من جهة أصوات القراء . وهو كلام الله باعتبار الحقيقة المتحدة ، لا باعتبار
ما اختلف فيه أحوال القراء .
وهذا لأن الكلام إنما يقصد به لفظه ومعناه ، ولفظه هو الحروف
المقروءة المنظومة . وإن كانت الحروف أصواتاً مقطعة، أو هي أطراف
الأصوات المقطعة ، فهي من الكلام باعتبار صورتها الخاصة من التقطيع
والتأليف ، لا باعتبار المادة الصوتية التى يشترك فيها جميع الصائتين ؛
ولهذا ما كان فى الكلام من بلاغة وبيان ، وحسن تأليف ونظم ،
وكمال معان وغير ذلك ، فهو للمتكلم بلفظه ومعناه ، ليس هو لمجرد
صفات الذي بلغه وأداه .
وأما قول القائل : من قال إن مذهب جهم بن صفوان هو مذهب
الأشعري أو قريب أو سواء معه فهو جاهل بمذهب الفريقين ؛ إذ الجهمية
٢٠١

(١)
قائلون بخلق القرآن ، وبخلق جميع
والأشعري يقول بقدم القرآن ، وإن كلام الإنسان مخلوق للرحمن
فوضح للبيب كل من المذاهب الثلاثة .
فيقال : لا ريب أن قول ابن كلاب والأشعري ، ونحوهما من
المثبتة للصفات ليس هو قول الجهمية ، بل ولا المعتزلة ، بل هؤلاء لهم
مصنفات فى الرد على الجهمية والمعتزلة ، وبيان تضليل من نفاها ، بل
هم تارة يكفرون الجهمية والمعتزلة، وتارة يضللونهم. لاسيما والجهم هو
أعظم الناس نفيا للصفات ، بل وللأسماء الحسنى . قوله من جنس قول
الباطنية القرامطة ، حتى ذكروا عنه أنه لا يسمى اللّه شيئاً، ولا غير
ذلك من الأسماء التى يسمى بها المخلوق ؛ لأن ذلك بزعمه من التشبيه
الممتنع . وهذا قول القرامطة الباطنية .
وحكى عنه أنه لا يسميه إلا «قادراً فاعلا))؛ لأن العبد عنده
ليس بقادر ولافاعل ، إذ كان هو رأس المجبرة . وقوله فى الإيمان شر
من قول المرجئة ، فإنه لا يجعل الإيمان إلا مجرد تصديق القلب .
و ((ابن كلاب)) إمام الأشعرية أكثر مخالفة لجهم، وأقرب إلى السلف
(١) بياض بالاصل .
٢٠٢

من الأشعري نفسه ، والأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي
بكر الباقلاني. والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبى
المعالى وأتباعه ، فإن هؤلاء نفوا الصفات : كالاستواء ، والوجه ، واليدين .
ثم اختلفوا هل تتأول أو تفوض؟ على قولين أو طريقين ، فأول
قولي أبى المعالي هو تأويلها، كما ذكر ذلك في ((الإرشاد ، وآخر
قوليه تحريم التأويل ذكر ذلك في ((الرسالة النظامية)) واستدل بإجماع
السلف على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب .
وأما ((الأشعري)) نفسه وأئمة أصحابه فلم يختلف قولهم فى إثبات
الصفات الخبرية ، وفى الرد على من يتأولها ، كمن يقول : استوى بمعنى
استولى. وهذا مذكور فى كتبه كلها، ؟ ((الموجز الكبير)) و((المقالات
الصغيرة، والكبيرة)) و((الإبانة)) وغير ذلك. وهكذا نقل سار
الناس عنه ، حتى المتأخرون ، كالرازي والآمدي ينقلون عنه إثبات
الصفات الخبرية ، ولا يحكون عنه فى ذلك قولين .
فمن قال: إن ((الأشعري )) كان ينفيها ، وأن له فى تأويلها قولين:
فقد افترى عليه ؛ ولكن هذا فعل طائفة من متأخري أصحابه ،
كأبي المعالي ونحوه ؛ فإن هؤلاء أدخلوا فى مذهبه أشياء من
أصول المعتزلة .
٢٠٣

و ((الأشعري)) ابتلى بطائفتين: طائفة تبغضه، وطائفة تحبه ،
كل منها يكذب عليه ويقول : إنما صنف هذه الكتب نقية ، وإظهارا
لموافقة أهل الحديث والسنة ، من الحنبلية وغيرهم . وهذا كذب على
الرجل ، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها ،
ولا نقل أحد من خواص أصحابه ، ولا غيرم عنه ما يناقض هذه
الأقوال الموجودة فى مصنفاته ؛ فدعوى المدعى أنه كان يبطن خلاف
ما يظهر دعوى مردودة شرعا وعقلا ؛ بل من تدبر كلامه فى هذا الباب
- فى مواضع - تبين له قطعا أنه كان ينصر ما أظهره ؛ ولكن
الذين يحبونه ويخالفونه فى إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفى ذلك
عنه ، لئلا يقال: إنهم خالفوه ، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة ، قد
اقتدوا فيه بحجته التى على ذكرها يعولون ، وعليها يعتمدون .
و ((الفريق الآخر)): دفعوا عنه لكونهم رأوا المنتسبين إليه
لا يظهرون إلا خلاف هذا القول ، ولكونهم اتهموه بالتقية ، وليس
كذلك ، بل هو انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة ، التى خالفهم
فيها المعتزلة؛ كمسألة ((الرؤية)) و((الكلام)) وإثبات ((الصفات))
ونحو ذلك ؛ لكن كانت خبرته بالكلام خبرة مفصلة ، وخبرته بالسنة
خبرة جملة ؛ فلذلك وافق المعتزلة فى بعض أصولهم التى التزموا لأجلها
خلاف السنة ، واعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول ، وبين الانتصار
٢٠٤

السنة ، كما فعل فى مسألة الرؤية والكلام ، والصفات الخبرية وغير ذلك.
والمخالفون له من أهل السنة والحديث ، ومن المعتزلة والفلاسفة
يقولون : إنه متناقض ، وإن ما وافق فيه المعتزلة يناقض ما وافق فيه
أهل السنة ، كما أن المعتزلة يتناقضون فيما نصروا فيه دين الإسلام ،
فإنهم بنواكثيراً من الحجج على أصول تناقض كثيراً من دين الإسلام؛
بل جمهور المخالفين للأشعري من المثبتة والنفاة يقولون : إنما قاله فى
مسألة الرؤية ، والكلام معلوم الفساد بضرورة العقل .
ولهذا يقول أتباعه: إنه لم يوافقنا أحد من الطوائف على قولنا
فى ((مسألة الرؤية ، والكلام )) ؛ فلما كان فى كلامه شوب من هذا
وشوب من هذا : صار يقول من يقول إن فيه نوعا من التجهم .
وأما من قال : إن قوله قول جهم فقد قال الباطل . ومن قال : إنه
ليس فيه شيء من قول جهم فقد قال الباطل ، والله يحب الكلام
بعلم وعدل ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وتنزيل الناس منازلهم .
وقول جهم هو النفي المحض لصفات الله تعالى ، وهو حقيقة قول
القرامطة الباطنية، ومنحرفي المتفلسفة : كالفارابي وابن سينا . وأما مقتصدة
الفلاسفة كأبى البركات صاحب المعتبر ، وابن رشد الحفيد - ففي قولهم
من الإثبات ما هو خير من قول جهم ؛ فإن المشهور عنهم إثبات الأسماء
٢٠٥

،
الحسنى ، وإثبات أحكام الصفات ، ففي الجملة قولهم خير من قول جهم
وقول ضرار بن عمرو الكوفي خير من قولهم .
وأما ابن كلاب والفلانسي والأشعري فليسوا من هذا الباب ، بل
هؤلاء معروفون بالصفاتية ، مشهورون بمذهب الإثبات ؛ لكن فى أقوالهم
شيء من أصول الجهمية ، وما يقول الناس إنه يلزمهم بسببه التناقض،
وإنهم جمعوا بين الضدين ، وإنهم قالوا ما لا يعقل، ويجعلونهم مذبذبين لا إلى
هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فهذا وجه من يجعل فى قولهم شيئا من أقوال الجهمية،
كما أن الأئمة - كأحمد وغيره - كانوا يقولون: افترقت الجهمية على
((ثلاث فرق)): فرقة يقولون: القرآن مخلوق. وفرقة تقف ولا تقول
مخلوق ولا غير مخلوق . وفرقة تقول : ألفاظنا بالقرآن مخلوقة .
ومن المعلوم أنهم إنما أرادوا بذلك افتراقهم فى ((مسألة القرآن))
خاصة، وإلا فكثير من هؤلاء يثبت الصفات والرؤية ، والاستواء على
العرش ، وجعلوه من الجهمية فى بعض المسائل : أي أنه وافق الجهمية،
فيها : ليتبين ضعف قوله، لا أنه مثل الجهمية ولا أن حكمه حكمهم؛ فإن هذا
لا يقوله من يعرف ما يقول .
ولهذا عامة كلام أحمد إنما هو يجهم اللفظية ، لا يكاد يطلق القول
بتكفيرم كما يطلقه بتكفير المخلوقية ، وقد نسب إلى هذا القول غير
واحد من المعروفين بالسنة والحديث : كالحسين الكرابيسي ، ونعيم
٢٠٦

ابن حماد الخزاعي ، والبويطي ، والحارث المحاسبى، ومن الناس من نسب
إليه البخاري .
والقول بأن ((اللفظ غير مخلوق)) نسب إلى محمد بن يحيى الذهلي
وأبي حاتم الرازي ؛ بل وبعض الناس ينسبه إلى أبي زرعة أيضاً، ويقول
إنه هو وأبو حاتم هجرا البخاري لما هجره محمد بن يحيى الذهلي، والقصة فى
ذلك مشهورة .
وبعد موت ((أحمد )) وقع بين بعض أصحابه وبعضهم ، وبين
طوائف من غيرم بهذا السبب ، وكان أهل الثغر مع محمد بن داود، والمصيصي
شيخ أبي داود ، يقولون بهذا . فلما ولى صالح بن أحمد قضاء الثغر :
طلب منه أبو بكر المروذي أن يظهر لأهل الثغر ((مسألة أبى طالب))
فإنه قد شهدها صالح وعبد الله ابنا أحمد، والمروذى، وفوران، وغيرهم.
وصنف المروذي كتاباً فى الإنكار على من قال: إن لفظي بالقرآن غير
مخلوق ، وأرسل فى ذلك إلى العلماء بمكة والمدينة، والكوفة والبصرة ،
وخراسان وغيرهم ؛ فوافقوه. وقد ذكر ذلك أبو بكر الخلال فى
((كتاب السنة)) وبسط القول فى ذلك .
ومع هذا فطوائف من المنتسبين إلى السنة ، وإلى أتباع أحمد ،
كأبى عبد الله بن منده، وأبى نصر السجزي ، وأبى إسماعيل الأنصاري
٢٠٧

وأبي العلاء الهمداني وغيرهم يقولون: لفظنا بالقرآن غير مخلوق . ويقولون:
إن هذا قول أحمد . ويكذِّبون - أو منهم من يكذب - برواية أبي
طالب ، ويقولون : إنها مفتعلة عليه ، أو يقولون رجع عن ذلك ، كما
ذكر ذلك أبو نصر السجزى، فى كتابه («الإبانة)) المشهور.
وليس الأمر كما قاله هؤلاء ؛ فإن أعلم الناس بأحمد وأخص الناس
وأصدق الناس فى النقل عنه ثم الذين رووا ذلك عنه ؛ ولكن أهل
خراسان لم يكن لهم من العلم بأقوال أحمد ما لأهل العراق ، الذين هم
أخص به. وأعظم ما وقعت فتنة ((اللفظ)) بخراسان ، وتُعُصب فيها
على البخارى - مع جلالته وإمامته - وإن كان الذين قاموا عليه أيضاً
أئمة أجلاء ، فالبخاري - رضي الله عنه - من أجل الناس.
وإذا حسن قصدم ، واجتهد هو وثم ، أثابه الله وإيام على حسن
القصد والاجتهاد . وإن كان قد وقع منه أو منهم بعض الغلط والخطأ
فالله يغفر لهم كلهم ؛ لكن من الجهال من لا يدري كيف وقعت
الأمور ، حتى رأيت بخط بعض الشيوخ الذين لهم علم ودين ، يقول :
مات البخاري بقرية خرتنك ، فأرسل أحمد إلى أهل القرية بأمرهم أن
[لا] يصلوا عليه لأجل قوله فى ((مسألة اللفظ)) وهذا من أبين
الكذب على أحمد والبخاري ، وكاذبه جاهل بحالهما . فإن البخاري -
رضي الله عنه - توفى سنة ست وخمسين ، بعد موت أحمد بخمسة عشر
٢٠٨

سنة ، فإن أحمد توفى سنة إحدى وأربعين ، وكان أحمد مكرما للبخاري
معظما . وأما تعظيم البخاري وأمثاله لأحمد فهذا أظهر من أن يذكر.
والبخاري ذكر فى كتابه فى ((خلق الأفعال)) أن كلتا الطائفتين
لا تفهم كلام أحمد . ومن الطائفة الأخرى المنتسبة إلى السنة ، وأتباع
أحمد: أبو نعيم الأصبهانى ، وأبو بكر البيهقي ، وغيرهما ممن يقول: إنهم
متبعون لأحمد ، وإن قولهم فى ((مسألة اللفظ)) موافق لقول أحمد .
ووقع بين ابن منده وأبى نعيم بسبب ذلك مشاجرة ، حتى صنف أبو
نعيم كتابه في ((الرد على الحروفية الحلولية))، وصنف أبو عبد الله
كتابه فى الرد على ((اللفظية)).
والمنتصرون للسنة - من أهل الكلام والفقه: كالأشعري ، والقاضي
أبى بكر بن الطيب ، والقاضي أبي يعلى وغيرهم - بوافقون أحمد على
الإنكار على الطائفتين ، على من يقول : لفظي بالقرآن مخلوق ، وعلى
من يقول : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، ولكن يجعلون سبب الكراهة
كون القرآن لا يلفظ ؛ لأن اللفظ الطرح والرمي .
ثم هؤلاء منهم من ينكر تكلم الله بالصوت . ومنهم من يقر بذلك؛
بل منهم من يقول إن الصوت المسموع هو الصوت القديم ، وينكرون
مع ذلك على من يقول : لفظي بالقرآن غير مخلوق ، لظنهم أن الكراهة
٢٠٩

فى ذلك لما فيه من الطرح والرمي ، وليس الأمر على ما ظنوه . فإن
الإمام أحمد وغيره من الأئمة لم ينكروا قول القائل : لفظي بالقرآن
مخلوق أو غير مخلوق لكون اللفظ الطرح ، فإنه لو كان كذلك لما
أنكروا إلا مجرد ما يتصرف من حروف لفظ يلفظ ، وليس كذلك ؛
بل أنكروا على من قال التلاوة والقراءة مخلوقة ، وعلى من قال :
تلاوتي وقراءتى غير مخلوقة ، مع جواز قول المسلمين : قرأت
القرآن وتلونه .
و ((أيضاً)) فإنه يجوز أن يقال : لفظت الكلام وتلفظت به ،
ولكن الإمام
(مَايَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيْدٌ)
كما قال تعالى :
أحمد وغيره من أئمة السنة قالوا : من قال: لفظي بالقرآن وتلاوتى
أو قراء تى مخلوقة فهو جهمي . ومن قال : إنه غير مخلوق فهو مبتدع
لأن ((اللفظ)) و ((التلاوة)) و((القراءة)) يراد به مصدر لفظ يلفظ
لفظاً، ومصدر قرأ يقرأ قراءة ، وتلا بتلو تلاوة ، ومسمى المصدر
هو فعل العبد وحركاته ، ليس هو بقديم باتفاق سلف الأمة وأئمتها ،
حتى القدرية القائلون بأن أفعال العباد غير مخلوقة . يقولون:
إن ذلك ليس بقديم . ويقولون إنه مخلوق لله .
والسلف والأئمة - كماد بن زيد، والمعتمر بن سليمان ، ويحيى
ابن سعيد القطان،وأحمد بن حنبل وغيرم - أنكروا على من قال: إن
٢١٠

أقوال العباد وأفعالهم غير مخلوقة ، وقال يحيى بن سعيد : مازلت أسمع
أصحابنا يقولون : إن أفعال العباد مخلوقة . وقال بعض هؤلاء : من قال
إن هذا غير مخلوق فهو بمنزلة من قال: إن سماء الله وأرضه
غير مخلوقة .
وقد يراد بالتلاوة والقراءة واللفظ نفس القرآن ، الذي أنزله الله
على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. الذي هو كلام اللّه. ومن قال إن
كلام اللّه الذي أنزله على نبيه مخلوق فهو جهمي: ولهذا قال أحمد
وغيره من السلف : القرآن كلام اللّه حيث تصرف غير مخلوق،
ولم يقل أحد من السلف والأئمة إن أصوات العباد بالقرآن غير مخلوقة
أو قديمة ، ولا قال أيضاً أحد منهم : إن المداد الذي يكتب به القرآن
قديم ، أو غير مخلوق . فمن قال إن شيئاً من أصوات العباد ، أو أفعالهم
أو حركاتهم ، أو مدادهم : قديم ، أو غير مخلوق فهو مبتدع ضال .
مخالف لإجماع السلف والأئمة .
وقد بدع أحمد بن حنبل من هو أحسن حالا من هؤلاء، وأمر
بهجرم إن لم يرجعوا عن بدعتهم .
و ((مسألة القرآن)) قدكثر فيها اضطراب الناس ، حتى قال
بعضهم : مسألة الكلام حيرت عقول الأنام . وغالبهم يقصدون وجها من
٢١١

الحق ، ويعزب عنهم وجه آخر ، وكلام الأئمة من أشد الكلام ، كأحمد
ابن حنبل ومن قبله من أئمة المسلمين ، من الصحابة والتابعين لهم
بإحسان ، وسائر الأئمة الذين لهم فى الأمة لسان صدق : مثل سعيد
ابن المسيب، وعلى بن الحسين ، وعلقمة، والأسود، والحسن البصري،
وابن سيرين ، وغيرهم من التابعين . ومثل مالك، والثوري، والأوزاعى،
والليث بن سعد ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وأبى حنيفة ، وابن
أبى ليلى ، وشريك ، وأمثالهم من تابعي التابعين ، ومثل الشافعي ،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم ، وأبى عبيد، وأمثالهم من أتباع
تابعي التابعين .
وهم أئمة أهل القرون الثلاثة ، الذين دخلوا في ثناء النبى صلى الله
عليه وسلم؛ حيث قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم
الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ».
ومن تدبر كلام أئمة المسلمين في هذا الباب وغيرم وجده أشد
الكلام المطابق لصريح المعقول، وصحيح المنقول . وهذه الجملة لا تحتمل
البسط هنا، فقد بسطت فى غير هذا الموضع، وبين أن ((الكلام
المذموم )) الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل ، المخالف لصحيح
المنقول ، وصريح المعقول ؛ وأن ما ثبت بالأدلة القطعية لا يتعارض ولا
يتناقض أصلا ، فلا يتعارض دليلان يقينيان أصلا ، سواء كانا عقليين
٢١٢

أو سمعيين ، أو كان أحدهما عقلياً والآخر سمعيا، ومن ظن أنهما يتعارضان
كان ذلك خطأ منه ؛ لاعتقاده فى أحدهما أنه يقيني، ولا يكون كذلك،
ولاسيما إذا كانا جميعاً غير يقينيين .
واختلاف الناس فى هذا الباب وغيره كثير منه يكون ((اختلاف
تنوع)) مثل أن يقصد هذا حقاً فيما يثبته ، والآخر يقصد حقاً فيما
نقضه ، وكلاهما صادق . لكن يظنان أن بينهما نزاعاً معنوياً ، ولا يكون
الأمر كذلك ، وكثير من النزاع يعود إلى إطلاقات لفظية ، لا إلى معان
عقلية، وأحسن الناس طريقة من كان إطلاقه موافقاً للإطلاقات الشرعية ،
والمعانى التى يقصدها معان صحيحة ، تطابق الشرع والعقل (١)
وأصل منشأ نزاع المسلمين فى هذا الباب : أن المتكلمين - من
الجهمية ، والمعتزلة ، ومن اتبعهم - سلكوا فى إثبات حدوث العالم ،
وإثبات الصانع طريقاً مبتدعة فى الشرع ، مضطربة في العقل ،
وأوجبوها ، وزعموا أنه لا يمكن معرفة الصانع إلا بها ، وتلك الطريق
فيها مقدمات مجملة ، لها نتائج مجملة، فغلط كثير من سالكيها في مقصود
الشارع ، ومقتضى العقل ، فلم يفهموا ما جاءت به النصوص النبوية، ولم
يحرروا ما اقتضته الدلائل العقلية ، وذلك أنهم قالوا : لا يمكن معرفة
(١) بياض بالأصل .
٢١٣

الصانع إلا بإثبات حدوث العالم ، ولا يمكن إثبات حدوث العالم إلا
بإثبات حدوث الأجسام.
قالوا : والطريق إلى ذلك هو الاستدلال بحدوث الأعراض على
حدوث ما قامت به الأعراض ، فمنهم من استدل بالحركة والسكون فقط
ومنهم من احتج بالأكوان التى هي عندم الاجتماع والافتراق، والحركة
والسكون . ومنهم من احتج بالأعراض مطلقاً . ومبنى الدليل على أن
ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ؛ لامتناع حوادث لا أول لها .
فيقول لهم المعارضون - من أهل الملل وغيرهم ، القائلون بأن
السموات والأرض محدثة عن عدم ، والقائلون بأن الأفلاك قديمة أزلية -
حدوث الحوادث بعد أن لم تكن أمر حادث . فلا بد له من سبب
حادث ، والإلزم ترجيح أحد طرفى الممكن بلا مرجح .
وقال لهم القائلون بحدوث الأفلاك ، من أهل الملل وغيرهم :
أنتم أنتم حدوث العالم بطريق ، وحدوث العالم لا يتم إلا مع نقيض
ما أثبتموه . فما جعلتموه دليلا على حدوث العالم لا يدل على حدوثه ؛
بل ولا يستلزم حدوثه . والدليل لابد أن يكون مستلزماً المدلول ؛
بحيث يلزم من تحقق الدليل تحقق المدلول ؛ بل هو مناف لحدوث
العالم مناقض له ، وهو يقتضى امتناع حدوث العالم ، بل امتناع حدوث
٢١٤

شيء من الأشياء . وهذا يقتضي بطلانه في نفسه ، وإنه لو صح لم يدل
إلا على نقيض المطلوب ، ونقيض ما يقوله كل عاقل .
فإن كل عاقل يعلم حدوث الحوادث في الجملة ، سواء قيل بقدم
الأفلاك أم لم يقل بذلك ؛ وذلك أن مبنى دليلكم على أن القادر يرجح
أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح ، وأن الإرادة الأزلية - التى
نسبتها إلى جميع المرادات على السواء - رجحت مراداً على مراد بلا
مرجح ، غير المرجح الذي نسبته إلى جميع المرجحات نسبة واحدة
لا يتفاضل .
ومن المعلوم أن القول بترجيح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح،
أو ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا سبب يقتضى ذلك باطل فى
بديهة العقل . ولو قيل : إن ذلك صحيح لبطل الدليل الذي يستدل به
على ثبوت الصانع ، وحدوث العالم ، فإن مبنى الدليل على أن المحدث
لا بد له من محدث ، وذلك يستلزم أن ترجيح الحدوث على العدم لابد
له من مرجح، ولا بد أن يكون المحدث المرجِح قد حدث منه مايستلزم
وجود المحدث، الذي جعله موجوداً ، وإذا لم يلزم وجوده كان وجوده
حائراً ممكناً : فكان محتملا للوجود والعدم .
فترجيح الوجود على العدم لا بد له من مرجح محدث له ، فكل
٢١٥

ما أمكن حدوثه إن لم يحصل له ما يستلزم حدوثه لم يحصل ، فما شاء
الله كان لا محالة ووجب وجوده بمشيئة الله، ومالم يشأ لم يكن ؛ بل
يمتنع وجوده مع عدم مشيئة الله تعالى له، فما شاء الله حدوثه كان
لازم الحدوث، واجب الحدوث بمشيئة الله لا بنفسه ، ومالم يشأ
حدوثه كان ممتنع الحدوث ، لازم العدم ، واجب العدم ؛ لأنه لم توجد
مشيئة الله المستلزمة لحدوثه .
ثم إن الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم العالم قالوا : ما ذكر تموه من
الدليل لايدل على الحدوث ؛ بل يقتضى عدم الحدوث ؛ لأن حدوث
الحوادث بعد أن لم تكن عن ذات لم نزل معطلة من الفعل باطل ، فيكون
العالم قديماً ، وعبروا عن ذلك بأن جميع الأمور المعتبرة فى كونه فاعلا
إن وجدت فى الأزل لزم وجود الفعل فى الأزل ، وإلا لزم تخلف
المقتضى عن المقتضى التام .
وحينئذ فإذا وجدت بعد ذلك لزم الترجيح بلا مرجح ، وإن لم
توجد فى الأزل فوجودها بعد ذلك أمر حادث ؛ فيقتضى أمرا حادثاً،
وإلا لزم الحدوث بلا محدث ، وحينئذ فيلزم تسلسل الحوادث ، فإن
القول فى هذا الحادث كالقول في غيره . وهذا مما تنكره المعتزلة
وموافقوم المتكلمون . قالوا : فأنتم بين أمرين: إما إثبات التسلسل
فى الحوادث ، وإما إثبات الترجيح بلا مرجح، وكلاهما ممتع عندكم.
٢١٦

ثم زعم هؤلاء الفلاسفة أن العالم قديم بناء على هذه الحجة، ومن
سلك سبيل السلف والأمّة أثبت ما أثبته الرسل من حدوث العالم
بالدليل العقلي ، الذي لا يحتمل النقيض ، وبين خطأ المتكلمين من المعتزلة
ونحوهم ، الذين خالفوا السلف والأئمة بابتداع بدعة مخالفة للشرع
والعقل وبين أن ضلال الفلاسفة - القائلين بقدم العالم ، ومخالفتهم
العقل، والشرع - أعظم من خلال أولئك ، وبين أن الاستدلال على
حدوث العالم لا يحتاج إلى الطريق التى سلكها أولئك المتكلمون ، بل
يمكن إثبات حدوثه بطرق أخرى عقلية صحيحة، لا يعارضها عقل صريح،
ولا نقل صحيح . وثبت بذلك أن ما سوى الله فإنه محدث ، كائن بعد
أن لم يكن ، سواء سمي جسما أو عقلاً أو نفساً أو غير ذلك .
فإن أولئك المتكلمين من المعتزلة وأتباعهم ، لما لم يكن فى حجتهم
إلا إثبات حدوث أجسام العالم ، قالت الفلاسفة ومن وافقهم من
المتأخرين - كالشهر ستانى، والرازي، والآمدي وغيرهم - إنكم لم
تقيموا دليلا على نفي ما سوى الأجسام . وحينئذ فإثبات حدوث أجسام
العالم لا يقتضي حدوث ما سوى الله، إن لم تثبتوا أن كل ماسواه جسم،
وأنتم لم تثبتوا ذلك ؛ ولهذا صار بعض المتأخرين - كالأرموي ومن
وافقه من أهل مصر ، كأبى عبد الله القشيري - إلى أن أجسام العالم
محدثة . وأما العقول والنفوس فتوقفوا عن حدوثها ، وقالوا بقدمها ،
٢١٧

وإن كان حقيقة قولهم إنه موجب بالذات لها ، وإنه محدث للأجسام بسبب
حدوث بعض التصورات ، والإرادات ، التى تحدث للنفوس ، فيصير
ذلك سبباً لحدوث الأجسام ، وهذا القول كما أنه معلوم البطلان في
الشرع فهو أيضاً معلوم البطلان فى العقل ، كما سنبينه إن شاء
الله تعالى .
فنقول : الدليل الدال على أن كل ما سوى الله محدث بتناول
هذا وهذا .
و (( أيضاً)) فإذا كان موجبا بالذات كان اختصاص حدوث أجسام
العالم بذلك الوقت دون ما قبله وما بعده يفتقر إلى مخصص ، والموجب
بذاته لا يصدر عنه ما يختص بوقت دون وقت ؛ إذ لو جاز ذلك لم
يكن موجبا بذاته ؛ ولجاز حدوث العالم عنه ، ولأن النفوس التى تثبتها
الفلاسفة هي عند جمهورثم عرض قائم بجسم الفلك ؛ فيمتنع وجودها
به بدون الفلك ، وعند ابن سينا وطائفة أنها جوهر قائم بنفسه ، لكنها
متعلقة بالجسم تعلق التدبير والتصريف . وحينئذ فلو وجدت ولا تعلق
لها بالجسم لم تكن نفساً ؛ بل كانت عقلا ، فعلم أن وجود النفس مستلزم
لوجود الجسم .
فإذا قال هؤلاء : إن النفس أزلية دون الأجسام كان هذا القول
٢١٨

باطلا بصريح العقل، مع أنه لم يعرف به قائل من العقلاء قبل هؤلاء.
وإنما ألجأ هؤلاء إلى هذاظهم محة دليل المتكلمين على حدوث الأجسام،
وصحة قول الفلاسفة بوجود موجود وممكن غير الأجسام ،
وإثبات الموجب بالذات ؛ فلما بنوا قولهم على الأصل الفاسد لهؤلاء
ولهؤلاء : لزم هذا ، مع أنهم متناقضون فى الجمع بين هذين ؛ فإن
عمدة المتكلمين على إبطال حوادث لا أول لها .
وعمدة الفلاسفة على أن المؤثرية من لوازم الواجب بنفسه ، فإذا
قالوا بقدم نفس لها تصورات وإرادات لا تتناهى : لزم جواز حوادث
لا تتناهى ؛ فبطل أصل قول المتكلمين الذي بنوا عليه حدوث الأجسام ؛
فكان حينئذ موافقتهم المتكلمين بلا حجة عقلية ، فعلم أنهم جمعوا
بين المتناقضين .
وأبو عبد الله ابن الخطيب وأمثاله كانوا أفضل من هؤلاء ، وعرفوا
أنه لا يمكن الجمع بين هذا وهذا ، فلم يقولوا هذا القول المتناقض ،
ولم يهتدوا إلى مذهب السلف والأئمة ، وإن كانوا يذكرون أصوله فى
مواضع أخر ، ويثبتون أن جمهور العقلاء يلتزمونها ، فلو تفطنوا لما
يقوم بذات الله من كلامه وأفعاله المتعلقة بمشيئته وقدرته ودوام اتصافه
بصفة الكمال ، خلصوا من هذه المحارات .
٢١٩

ونحن ننبه على بعض الطرق العقلية ، التى يعلم بها حدوث كل ما
سوى الله تعالى . فنقول :
من ((الطرق)) التى يعلم بها حدوث كل ما سوى الله هي أن يقال:
لو كان فيما سوى اللّه شيء قديم لكان صادرا عن علة تامة، موجبة
بذاتها ، مستلزمة لمعلولها ، سواء ثبت له مشيئة أو اختيار، أو لم يثبت ؛
فإن القديم الأزلي الممكن الذي لا يوجد بنفسه لا يتصور وجوده إن لم
يكن له فى الأزل مقتض تام يستلزم ثبوته .
وهذا كما أنه معلوم بضرورة العقل فلا نزاع فيه بين العقلاء ،
فلا يقول أحد : إن القديم الأزلي صادر عن مؤثر لا يلزمه أثره ، فلا
يقول : إنه صادر عن علة غير تامة مستلزمة لغير معلولها ، ولا يقول :
إنه صادر عن موجب بذاته لا يقارنه موجبه ومقتضاه ، ولا يقول : إنه
صادر عن فاعل بالاختيار يمكن أن يتأخر مفعوله ؛ فإنه إذا أمكن تأخر
مفعوله أمكن أن يكون ذلك القديم الأزلي قديما أزلياً ، فيكون ثبوته في
الأزل ممكناً ، وليس فى الأزل ما يستلزم ثبوته فى الأزل ، فيمتنع
ثبوته فى الأزل ؛ فإن ثبوت الممكن الأزلي بدون مقتض تام مستلزم له
ممتنع بضرورة العقل ؛ إذ قد علم بصريح العقل أن شيئاً من الممكنات
لا يكون حتى يحصل المقتضى التام ، المستلزم لثبوته .
٢٢٠