النص المفهرس
صفحات 161-180
وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ومن قال إنه مخلوق فهو كافر ، والقرآن حماه جبريل عليه السلام مسموعا من الله ، والنبى صلى الله عليه وسلم سمعه من جبريل، والصحابة سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي نتلوه محن مقروء بألسنتنا ، وفيما بين الدفتين ، وما فى صدورنا مسموعا ومكتوبا . ومحفوظاً ومقروءاً ، وكل حرف منه كالباء والتاءكله كلام الله غير مخلوق، ومن قال إنه مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين . والكلام على هذه الأمور مبسوط فى غير هذا الموضع ، وذكر ما يتعلق بهذا الباب من الكلام فى سائر الصفات: كالعلم والقدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام فى تعدد الصفة واتحادها ، وقدمها وحدوثها، أو قدم النوع دون الأعيان، أو إثبات صفة كلية عمومية متناولة الأعيان ، مع تجدد كل معين من الأعيان، أو غير ذلك مما قيل فى هذا الباب ، فإن هذه مواضع مشكلة ، وهي من محارات العقول ؛ ولهذا اضطرب فيها طوائف من أذكياء الناس ونظارم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ١٦١ وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه(١) عمن قال: اختلاف المسلمين فى كلام الله تعالى على ((ثلاثة أنحاء)) فقوم إلى أنه قديم الحرف والصوت وم الحشوية ، وقوم إلى أنه حادث بالصوت والحرف وهم الجهمية ومن تابعهم ، وقوم إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف إلا معنى قائم بذات الله وهم الأشعرية؟ فأجاب - رضي الله عنه وأرضاه : - الحمد لله رب العالمين . قول القائل: إن اختلاف المسلمين فى كلام الله على ((ثلاثة أنحاء)) إلخ هو كلام بحسب ما بلغه من ذلك، وأكثر من تكلم فى هذه المسألة من المتأخرين إنما يذكر فيها بعض اختلاف الناس. فقوم يحكون أربعة أقوال ، كأبى المعالي ونحوه. وقوم يحكون خمسة أو ستة ، كالشهرستاني ومحوه . (١) (( المسألة المصرية في القرآن)). ١٦٢ والأقوال التي قالها المنتسبون إلى القبلة فى هذه المسألة تبلغ سبعة أو أكثر. [الأول] ((قول المتفلسفة)) ومن وافقهم من متصوف، ومتكلم ، کابن سينا وابن عربى الطائى، وابن سبعين، وأمثالهم ممن يقول [بقول] الصابئة الذين يقولون إن كلام اللّه ليس له وجود خارج عن نفوس العباد؛ بل هو ما يفيض على النفوس من المعانى: إعلاما وطلبا : إما من العقل الفعال كما يقوله كثير من المتفلسفة ، وإما مطلقا كما يقوله بعض متصوفة الفلاسفة . وهذا قول الصابئة ونحوم . وهؤلاء يقولون : الكلام الذي سمعه موسى لم يكن موجوداً إلا فى نفسه، وصاحب ((مشكاة الأنوار)) وأمثاله فى كلامه ما يضاهي كلام هؤلاء أحياناً ، وان كان أحياناً يكفرم ، وهذا القول أبعد عن الإسلام ممن يقول : القرآن مخلوق. و (القول الثانى ) قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم، الذين يقولون: كلام اللّه مخلوق، يخلقه فى بعض الأجسام، فمن ذلك الجسم ابتدأ . لا من الله، ولا يقوم - عندهم - بالله كلام ولا إرادة، وأول هؤلاء ((الجعد بن درهم)) الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري - لما خطب الناس يوم عيد النحر - وقال : ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجمد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم ١٦٣ يكلم موسى تكليماً ، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذيحه . وهؤلاء هم الذين دعوا من دعوه من الخلفاء إلى مقالتهم ، حتى امتحن الناس فى القرآن بالمحنة المشهورة فى إمارة المأمون ، والمعتصم والواثق ، حتى رفع الله شأن من ثبت فيها من أئمة السنة : كالإمام أحمد - رحمه الله - وموافقيه، وكشفها الله عن الناس فى إمارة المتوكل وظهر في الأمة ((مقالة السلف)): إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود . أى هو المتكلم به ، لم يبتدأ من بعض المخلوقات - كما قالت الجهمية - بل هو منه نزل، كما قال تعالى: (تَنزِيلُ وقال: (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ اَلْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ) وقال: (حَمَ * تَنِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) . ( وقوله: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ثم لما شاعت المحنة كثر اضطراب الناس وتنازعهم فى ذلك ، حتى صار أهل السنة والجماعة - المتفقون على أن كلام الله منزل غير مخلوق - يقول كل منهم قولا يخالف به صاحبه ، وقد لا يشعر أحدم بخلاف الأدلة وصار أتباع الأئمة الأربعة - كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ، مع كون الظاهر المشهور عندم أن القرآن كلام الله غير مخلوق - بين كل طائفة منهم تنازع فى تحقيق ذلك ، كما سننبه على ذلك . ١٦٤ و [ القول الثالث] قول أبى محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري ومن اتبعه : كالقلانسي وأبى الحسن الأشعري وغيرم ، إن كلام الله معنى قائم بذات الله، هو الأمر بكل مأمور أمر الله به، والخبر عن كل مخبر أخبر الله عنه ، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا ، وان عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . والأمر والنهي والخبر ليست أنواعا له ينقسم الكلام إليها ، وإنما كلها صفات له إضافية ، كما يوصف الشخص الواحد بأنه ابن لزيد ، وعم لعمرو ، وخال لبكر ، والقائلون بهذا القول منهم من يقول : إنه معنى واحد فى الأزل وانه فى الأزل أمر ونهى وخبر ، كما يقوله الأشعري. ومنهم من قال: بل بصير أمراً ونهياً عند وجود المأمور والمهي. ومنهم من يقول : هو عدة معان، الأمر والنهي ، والخبر . والاستخبار . وقد ألزم الناس أصحاب هذا القول أن يجعلوا العلم والقدرة والارادة والحياة شيئاً واحداً ، فاعترف محققوم بصحة الإلزام . ١٦٥ وجمهور العقلاء - من أهل السنة وأهل البدعة - يقولون إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة ، كما يقولون : إن فساد قول من يقول : إن الأصوات المسموعة من العباد قديمة معلوم بالضرورة ، كما يقولون : إن فساد قول من يقول إن المتكلم يكون متكلما بكلام يقوم بغيره ، وإن العالم يكون عالماً بعلم يقوم بغيره ، والقادر يكون قادرا بقدرة تقوم بغيره معلوم بالضرورة . وكما يقول جمهور العقلاء : إن فساد قول من يقول : إن العلم هو القدرة ، والقدرة هي الإرادة ، وإن العلم هو العالم ، والقدرة هي القادر ، معلوم بالضرورة . [ القول الرابع] قول طوائف من أهل الكلام والحديث من السالمية وغيرم يقولون : إن كلام اللّه حروف وأصوات قديمة أزلية، ولها مع ذلك معان تقوم بذات المتكلم ، وهؤلاء يوافقون الأشعرية والكلابية في أن تكليم الله لعباده ليس إلا مجرد خلق إدراك للمتكلم، ليس هو أمراً منفصلا عن المستمع . ثم إن جمهور هؤلاء لا يقولون إن تلك الأصوات [هي] المسموعة من القارئين [ بل] يفرقون بين هذا وهذا. ومنهم طائفة وهم أهل(١) (١) بياض بالأصل . ١٦٦ يقولون : إن الصوت القديم يسمع من القارىء . ثم قد يقولون تارة: إن القديم نفس الصوت المسموع من القارىء ، وتارة يقولون : إنه يسمع من القارىء صوتان قديماً ومحدثا . وكثير منهم أو أكثرم لا يقولون بحلول القديم فى المحدث ؛ بل يقولون ظهر فيه كما يظهر الوجه فى المرآة . ومنهم من يقول بحلول القديم فى المحدث ، وليس هذا القول ولا الأقوال قبله قول أحد من سلف الأمة ولا أتمتها ، ولم يقل ذلك لا الإمام أحمد، ولا أئمة أصحابه، ولا غيره من الأئمة؛ بل هم متفقون على الإنكار على من قال إن لفظي بالقرآن غير مخلوق ، فكيف بمن قال صوتى غير مخلوق ؟ فكيف بمن قال صوتي قديم ؟ !. وأما القول بأن المداد الذي فى المصحف قديم : فهذا ما رأيناه في كتاب أحد من طوائف الإسلام ، ولا نقله أحد عن رجل معروف من العلماء أنه سمعه منه ؛ ولكن طائفة يسكتون عن التكلم في المداد بنفي أو إثبات ، ويقولون : لا نقول إنه قديم ؛ ولكن نسكت سداً للذريعة . وقد حكاه طائفة عمن سموم الحشوية القول بقدم المداد ، وقالوا : إنهم يقولون : إن المداد الذى فى المصحف قديم ، وإنه لما كان فى المحبرة كان محدثا ، فلما صار فى الورق صار قديما . ١٦٧ ورأينا طوائف يكذبون هؤلاء فى النقل ، وكأن حقيقة الأمر أن أولئك يقولون قول غيرهم بمجرد ما بلغهم من إطلاق قولهم ، أو لما ظنوه لازما لهم ، أو لما سمعوه ممن يجازف فى النقل ولا يحرره، وربما سمعوه من بعض عوامهم إن كان ذلك قد وقع . وهذا الباب وقع فيه غلط بهذا السبب ، حتى غلط الناس على من يعظمونه؛ وبهذا السببِ غلط أبا طالب ((الإمام أحمد)) فيما نقله عنه فإنه قرأ عليه: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) وسأله هذا مخلوق ؟ فقال له أحمد هذا ليس بمخلوق . فبلغه أن أبا طالب حكى عنه أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق ، فغضب عليه أحمد ، وقال : أنا قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لا. ولكن قرأت عليك: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ) فقلت لك : هذا غير مخلوق فقلت نعم . فقال : فلم حكيت عنى أني قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق ؟ فقال : لم أحكه عنك وإنما حكيته عن نفسى ، قال : فلا تقل هذا فإنى لم أسمع عالما يقول هذا ؛ ولكن قل : القرآن حيث تصرف كلام الله غير مخلوق . ولهذا قال البخاري فى (( كتاب خلق الأفعال» إن «اللفظية)» هؤلاء يذكرون قولهم عن أحمد وثم لا يفهمون دقة قوله ، وموضع الشبهة أنه إذا قال هذا، فالإشارة تكون إلى الكلام من حيث هو كلام ، مع قطع النظر عما بلغ به من حركات العبد وصوته ، كما أن ١٦٨ الرجل إذا كتب اسم الله - تبارك وتعالى - وسمع قائلا يذكر الله فقال هذا ربي كان صادقا ، ولو قيل له : أتعبد هذا ؟ لقال نعم . - لأن المشار إليه هو المسمى بذلك - ألا تعلم المكتوب ؟ والاسم يراد به من الكلام المؤلف المسمى، فإذا قال: (تُحَمَّدُّرَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) فالمراد أن المسمى الذي اسمه محمد هو رسول الله ؛ ليس المراد أن نفس اللفظ والخط هو رسول الله. ومن هنا تنازع الناس فى ((الاسم)) هل هو المسمى أو غيره ، وكان الصواب أن يمنع من كلا الإطلاقين، ويقال كما قال الله تعالى: (وَلِلَّهِآلْأَسْمَةُ الْحُسْنَى) وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسما ، من أحصاها دخل الجنة)). والذين أطلقوا أنه المسمى كان أصل مقصودهم أن المراد به هو المسمى ، وأنه إذا ذكر الاسم فالإشارة به إلى مسماه ، وإذا قال العبد حمدت الله ودعوت الله وعبدت الله فهو لا يريد إلا أنه عبد المسمى بهذا الاسم . والذين نفوا ذلك رأوا أن نفس اللفظ أو الخط ليس هو الأعيان المسماة بذلك ، وآخرون فرقوا بين التسمية والاسم ، فجعلوا الألفاظ هي التسمية ، وجعلوا الاسم هو الأعيان المسماة بالألفاظ ، فخرجوا عن موجب اللغة المعروفة التى جاء بها الكتاب والسنة . ١٦٩ وأصل مقصود الطوائف كلها صحيح ؛ إلا من توسل منهم بقوله إلى قول باطل : مثل قول الجهمية إن الاسم غير المسمى ؛ فإنهم توسلوا بذلك إلى أن يقولوا : أسماء اللّه غيره . ثم قالوا: وما كان غير الله فهو مخلوق بائن عنه ، فلا يكون الله تعالى سمى نفسه باسم، ولا تكلم باسم من أسمائه ، ولا يكون له كلام تكلم به ؛ بل لا يكون كلامه إلا ما كان مخلوقاً بائناً عنه . فهؤلاء لما علم السلف أن مقصودهم باطل أنكروا إطلاقهم القول بأن كلام الله غير الله، وأن على الله غير الله وأمثال ذلك؛ لأن لفظ ((الغير)) مجمل، يحتمل الشيء البائن عن غيره، ويحتمل الشيء الذي ليس هو إياه ولا هو بائن عنه . فمن قال: إنه غيره ليجعله بائناً عنه، كان كلا المعنيين صحيحاً وإن كان فى العبارة تقصير. وهكذا أنكر الأئمة قول من قال : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق . وقالوا : من قال هو مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وكذلك قالوا فى ((التلاوة، والقراءة)) لأن اللفظ والتلاوة والقراءة يراد بهما المصدر الذي هو فعل العبد ، وأفعال العباد مخلوقة ، فمن جعل شيئاً من أفعالهم وأصواتهم وغير ذلك من صفاتهم غير مخلوق فهو مبتدع، ويراد بـ ((اللفظ)) نفس الملفوظ ، كما يراد بالتلاوة والقراءة نفس الكلام ، وهو القرآن نفسه . ومن قال كلام ١٧٠ الله الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم وقرأه المسلمون مخلوق فهو جہمي . ومن المعلوم أنه إذا سمع الناس كلام محدث يحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء مانوى)» قالوا : هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو هذا كلامه بعينه ؛ لأنهم قد علموا أن النبى صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك الكلام لفظه ومعناه ، وتكلم بصوته ، ثم المبلغ له عنه بلغه بصوت نفسه ، فالكلام كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، هو الذي تكلم بمعانيه وألف حروفه بصوته ، والمبلغ له بلغه بفعل نفسه وصوت نفسه . ں فإذا قالوا: هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم كانت إشارتهم إلى نفس الكلام الذي هو الكلام حروفه ونظمه ومعانيه ، لا إلى ما اختص به المبلغ من حركاته وأصواته ؛ بل يضيفون الصوت إلى المبلغ فيقولون صوت حسن ، وما كان فى الكلام من فصاحة حروفه ونظمه وبلاغة معانيه فإنما يضاف إلى المتكلم به ابتداء ، لا إلى المبلغ له ؛ ولكن يضاف إلى المبلغ حسن الأداء : كتجويد الحروف ، وتحسين الصوت : ولهذا قال تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ). ١٧١ وكان النبى صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس ، فيقول: (( ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي؟)) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقال: ((الله أشد أذنا إلى الرجل يحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته)). فبين الله ورسوله أن القرآن المسموع كلام الله لا كلام أحد من المخلوقين، والناس يقرؤونه بأصواتهم ، فمن قال : إن هذا القرآن المسموع ليس هو كلام الله ، أو هو كلام القارئين كان فساد قوله معلوماً بالضرورة شرعا وعقلاً ، كما أن من قال : إن هذا الصوت المسموع ليس هو صوت العبد أو هو صوت الله كان فساد قوله معلوماً بالضرورة شرعا وعقلا؛ بل هذا هو كلام الله لاكلام غيره ، سمعه جبريل من الله وسمعه النبى صلى الله عليه وسلم من جبريل ، وسمعه المسلمون من نبيهم. ثم بلغه بعضهم إلى بعض ، وليس لأحد من الوسائط فيه إلا التبليغ بأفعاله وصوته ، لم يحدث منهم أحد شيئاً من حروفه ، ولا نظمه ، ولا معانيه ؛ بل جميع ذلك كلام الله تعالى. [ القول الخامس ] قول الهشامية والكرامية ومن وافقهم أن كلام الله حادث قائم بذات الله بعد أن لم يكن متكلماً بكلام ؛ بل ما زال عندم قادراً على الكلام ، وهو عندم لم يزل متكلماً بمعنى أنه لم يزل قادراً على الكلام ، وإلا فوجود الكلام عندم فى الأزل ممتنع ؛ كوجود ١٧٢ الأفعال عندهم ، وعند من وافقهم من أهل الكلام ، كالمعتزلة وأتباعهم . وهم يقولون : إنه حروف وأصوات حادثة بذات الرب، بقدرته ومشيئته . ولا يقولون : إن الأصوات المسموعة ، والمداد الذي في المصحف قديم؛ بل يقولون : إن ذلك محدث . [ القول السادس] قول الجمهور وأهل الحديث وأئمتهم: إن الله تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، وأنه يتكلم بصوت ، كما جاءت به الآثار، والقرآن وغيره من الكتب الإلهية كلام اللّه تكلم الله به بمشيئته وقدرته، ليس ببائن عنه مخلوقاً . ولا يقولون إنه صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً ، ولا أن كلام الله تعالى من حيث هو هو حادث ؛ بل مازال متكلماً إذا شاء ، وإن كان كلم موسى وناداه بمشيئته وقدرته ، فكلامه لا ينفد، كما قال تعالى: ( قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ اُلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ). ويقولون : ما جاءت به النصوص النبوية الصحيحة ، ودلت عليه العقول الزكية الصريحة ، فلا ينفون عن الله تعالى صفات الكمال سبحانه وتعالى ؛ فيجعلونه كالجمادات التى لا تتكلم ، ولا تسمع ولا تنصر . فلا تكلم عابديها ، ولا تهديهم سبيلا ، ولا ترجع إليهم قولاً ولا تملك لهم ضراً ولا نفعاً. ١٧٣ ومن جعل كلام الله لا يقوم إلا بغير الله كان المتصف به هو ذلك الغير ، فتكون الشجرة هي القائلة لموسى (إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ)؛ ولهذا اشتد نكير السلف على من قال ذلك. وقالوا هذا نظير قول فرعون: (أَنَاْرَتِّكُمُ الْأَلَى ) أي هذا كلام قائم بغير الله؛ ولهذا صرح بحقيقة ذلك الاتحادية: کابن عربى ونحوه ، الذين يقولون : وکل کلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه . وأهل هذا القول - الموافقون للسلف والأئمة - لا يقولون إن الرب كان مسلوبا صفات الكمال في الأزل ، وإنه كان عاجزاً عن الكلام حتى حدث له قدرة عليه ، كالطفل . والذين يقولون : إن القرآن مخلوق يجعلون الكلام لغيره ، فيسلبونه صفات الكمال ، ويقولون : إنه لايقدر على الكلام فى الأزل ، لا على كلام مخلوق ولا غيره . وم إن لم يصرحوا بالعجز عن الكلام فى الأزل فهو لازم لقولهم . والكرامية فروا من الأول ؛ وجعلوه متكلما بكلام يقوم به ؛ لكن لم يجعلوه متكلما فى الأزل ؛ بل ولا قادراً على الكلام فى الحقيقة في الأزل . والكلابية ومن وافقهم من السالمية ونحوم وصفوه بالكلام في الأزل ، وقالوا : إنه موصوف به أزلا وأبداً ، لكن لم يجعلوه قادراً على الكلام ، ولا متكلما بمشيئته واختياره ، ولا يقدر أن يحدث شيئاً ١٧٤ يكون به مكلما لغيره؛ لكن يخلق لغيره إدراكا بما لم يزل، كما يزيل العمى عن الأعمى الذى لايرى الشمس التى كانت ظاهرة متجلية، لا أن الشمس فى نفسها تجلت وظهرت ، وهذا يقول كثير من هؤلاء فى رؤيته إنها ليست إلا مجرد خلق الإدراك، ليس هناك حجب منفصلة عن الرائى، فلا يكشف حجابا، ولا يرفع حجابا . والقرآن مع الحديث ومع العقل يرد على هؤلاء ؛ كقوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيَّا أَوْ مِن وَرَآٍحَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا ) ولو كان الحجاب هو عدم الرؤية : لكان الوحي وإرسال الرسل من وراء حجاب . وقال تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفًا) وفى الصحيح: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة ناد مناد ؛ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون : ماهو ؟ ألم يبيض وجوهنا ، ويثقل موازيننا ، ويدخلنا الجنة ، وينجينا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب فينظرون إليه ، فما أعطام شيئاً أحب إليهم من النظر )) والآثار في ذلك كثيرة . و «أيضاً)) فقول الكلابية : إن الحقائق المتنوعة شيء واحد ، وقول الآخرين إن الأصوات المتضادة تجتمع فى آن واحد مما يقول أكثر العلماء العقلاء إنه معلوم الفساد بالضرورة ، وقد بسط الكلام على هذه الأقوال فى غير هذا الموضع . ١٧٥ و ((المقصود هنا)) الجواب عن قول هذا القائل: فقوم إلى أنه قديم الصوت والحرف ، وم الحشوية . إن أراد بذلك قول من يقول إن نفس الأصوات مجتمعة فى الأزل : فهذا قول من تقدم من السالمية، وغيرهم من أهل الكلام والحديث . وأما قول القائل: (( حشوية)) فهذا اللفظ ليس له مسمى معروف لا فى الشرع ، ولا في اللغة ، ولا فى العرف العام؛ ولكن يذكر أن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد . وقال : كان عبد الله بن عمر حشويا . وأصل ذلك : أن كل طائفة قالت قولا تخالف به الجمهور والعامة [ينسب] إلى أنه قول الحشوية، أي الذين هم حشو فى الناس ليسوا من المتأهلين عندم ؛ فالمعتزلة تسمي من أثبت القدر حشوياً، والجهمية يسمون مثبتة الصفات حشوية ، والقرامطة - كأتباع الحاكم - يسمون من أوجب الصلاة والزكاة والصيام والحج حشويا . وهذا كما أن الرافضة يسمون قول أهل السنة والجماعة قول الجمهور ، وكذلك الفلاسفة تسمى ذلك قول الجمهور ، فقول الجمهور وقول العامة من جنس واحد . فإن كان قائل ذلك يعتقد أن الخاصة لا تقوله ؛ وإنما تقوله العامة والجمهور، فأضافه إليهم وسماع حشوية. والطائفة تضاف تارة إلى الرجل الذي هو رأس مقالتها، كما يقال: الجهمية، والأباضية، والأزارقة، والكلابية، والأشعرية، والكرامية، ١٧٦ ويقال في أئمة المذاهب : مالكية ، وحنفية ، وشافعية ، وحنبلية . وتارة تضاف إلى قولها وعملها ، كما يقال : الروافض ، والخوارج ، والقدرية ، والمعتزلة ، ونحو ذلك . ولفظة الحشوية لا ينبني لا عن هذا ولا عن هذا . وأما قوله: وقوم ذهبوا إلى أنه حادث بالصوت والحرف - وم الجهمية - فهو كلام من لا يعرف مقالات الناس . فإن الجهمية يقولون : إن الله لا يتكلم، وليس له كلام ، وإنما خلق شيئاً فعبر عنه ، ومنهم قال : إنه يتكلم بكلام يخلقه فى غيره ، وهو قول المعتزلة . وأما الكرامية فتقول : إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وهو متكلم به بحرف وصوت . ويقولون مع ذلك : إنه حادث قائم به وم ليسوا من الجهمية ؛ بل يردون عليهم أعظم الرد ، وم أعظم مباينة لهم من الأشعرية . ويقولون مع ذلك : إن القرآن حادث في ذات الله. ثم من هؤلاء من يقول: إن كلام اللّه كله حادث ومنهم من لا يقول ذلك ، وهذا القول معروف عن أبى معاذ التومنى ، وزهير البابي ، وداود بن علي الأصبهانى ، بل والبخاري صاحب الصحيح وغيره ، وطوائف كثيرة يذكر عنهم هذا ، فليس كل من قال : إنه حادث كان من الجهمية ، ولا يقول إنه مخلوق . ١٧٧ وأما قوله : وقوم نحوا إلى أنه قديم لا بصوت ولا حرف ، إلا معنى قائم بذات الله - وم الأشعرية - فهذا صحيح؛ ولكن هذا القول أول من قاله في الإسلام عبد الله بن كلاب ؛ فإن السلف والأئمة كانوا يثبتون للّه تعالى ما يقوم به من الصفات، والأفعال، المتعلقة بمشيئته وقدرته . والجهمية تنكر هذا وهذا ، فوافق ابن كلاب السلف على القول بقيام الصفات القديمة ، وأنكر أن يقوم به شيء يتعلق بمشيئته وقدرته . وجاء أبو الحسن الأشعري بعده - وكان تلميذاً لأبى علي الجبائي المعتزلي ثم إنه رجع عن مقالة المعتزلة ، وبين تناقضهم فى مواضع كثيرة ، وبالغ فى مخالفتهم فى مسائل القدر والإيمان ، والوعد والوعيد ، حتى نسبوه بذلك إلى قول المرجئة ، والجبرية والواقفة -، وسلك فى الصفات طريقة ابن كلاب . وهذا القول في القرآن هو قول ابن كلاب في الأصل ، وهو قول من اتبعه كالأشعري وغيره . وقوله : فمن قال إن الحرف والصوت الملفوظ بهما عين الكلام القديم فلأهل الحق فيه رأيان : رأي بتكفيره ، ورأي بتبديعه ، إلى قوله : وليعلم أن الحرف اللسانى والحرف البنانى كلاهما مقيد بزمام تصرفه . ١٧٨ فيقال : أما القول بأن المداد المكتوب قديم فما علمنا قائلاً معروفا قال به ، وما رأينا ذلك في كتاب أحد من المصنفين ، لامن أصحاب أبى حنيفة، ولا مالك ، ولا الشافعي ولا أحمد ؛ بل رأينا فى كتب طائفة من المصنفين من أصحاب مالك ، والشافعي، وأحمد ، إنكار القول بأن المداد قديم ، وتكذيب من نقل ذلك ، وفي كلام بعضهم ما يدل على أن فى المصحف حرفا قديما ليس هو المداد . ثم منهم من يقول : هو ظاهر فيه ، ليس بحال ، ومنهم من يقول هو حال . وفى كلام بعضهم ما يقتضى أن يكون ذلك هو الشكل : شكل الحرف وصورته ؛ لا مادته التى هي مداده ، وهذا القول أيضا باطل ، كما أن القول بأن شيئاً من أصوات الآدميين قديم هو قول باطل ، وهو قول قاله طائفة من أصحاب مالك، والشافعي ، وأحمد ، وجمهور هؤلاء ينكرون هذا القول . وكلام الإمام أحمد وجمهور أصحابه فى إنكار هذا القول كثير مشهور . ولا ريب أن من قال إن أصوات العباد قديمة فهو مفتر مبتدع ، له حكم أمثاله، كما أن من قال : إن هذا القرآن ليس هو كلام الله فهو مفتر مبتدع ، له حكم أمثاله . ومن قال : إن القرآن العربى ليس هو كلام الله ، بل بعضه كلام ١٧٩ الله وبعضه ليس كلام اللّه فهو مفتر مبتدع، له حكم أمثاله. ومن قال: إن معنى آية الكرسي، وآية الدين، و (قُلْ هُوَ اَلَّهُأَحَدُّ ) و ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ وَتَبَّ ) معنى واحد فهو مفتر مبتدع ، له حكم أمثاله . وأما (( التكفير )) : فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقصد الحق، فأخطأ: لم يكفر؛ بل يغفر له خطؤه. ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ، واتبع غير سبيل المؤمنين : فهو كافر . ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق ، وتكلم بلا علم: فهو عاص مذنب . ثم قد يكون فاسقاً ، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته . فـ ((التكغير)) يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع، ولا جاهل ولا ضال ، يكون كافراً ؛ بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصياً ، لاسيما في مثل ((مسألة القرآن)) وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف ، المعروفين عند الناس بالعلم والدين . وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه ، ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه ، فيبقى عارفا ببعض الحق جاهلاً ببعضه ؛ بل منكراً له . ومن ههنا نشأ نزاعهم ، فالذين قالوا إنه مخلوق : رأوا أن ١٨٠