النص المفهرس
صفحات 121-140
وهذا القول يوافق قول المعتزلة ومحوم فى إثبات خلق القرآن
العربى ، وكذلك التوراة العبرية ، ويفارقه من وجهين .
((أحدهما)) أن أولئك يقولون إن المخلوق كلام الله، وهؤلاء يقولون
إنه ليس كلام اللّه؛ لكن يسمى كلام اللّه مجازاً وهذا قول أئمتهم
وجمهورهم . وقالت طائفة من متأخريهم ؛ بل لفظ الكلام يقال على
هذا وهذا بالاشتراك اللفظى ، لكن هذا ينقض أصلهم فى إبطال قيام
الكلام بغير المتكلم به ، وهم مع هذا لا يقولون إن المخلوق كلام الله
حقيقة ، كما تقوله المعتزلة مع قولهم إنه كلامه حقيقة ، بل يجعلون
القرآن العربى كلاما لغير الله وهو كلام حقيقة، وهذا شر من قول
المعتزلة ، وهذا حقيقة قول الجهمية ، ومن هذا الوجه : فقول المعتزلة
أقرب وقول الآخرين هو قول الجهمية المحضة ، لكن المعتزلة في المعنى
موافقون لهؤلاء ، وإنما ينازعونهم فى اللفظ .
((الثانى)) أن هؤلاء يقولون: لله كلام هو معنى قديم قائم بذاته،
والخلقية يقولون . لا يقوم بذاته كلام . ومن هذا الوجه فالكلابية خير
من الخلقية فى الظاهر ؛ لكن جمهور الناس يقولون : إن أصحاب هذا
القول عند التحقيق لم يثبتوا له كلاما حقيقة غير المخلوق ؛ فإنهم
يقولون : إنه معنى واحد هو الأمر والنهي والخبر : فإن عبر عنه بالعربية
كان قرآناً ، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية
١٢١
كان إنجيلا . ومنهم من قال : هو خمس معان .
وجمهور العقلاء يقولون : إن فساد هذا معلوم بالضرورة بعد
التصور التام ، والعقلاء الكثيرون لا يتفقون على الكذب وجحد
الضرورات من غير تواطؤ واتفاق ؛ كما فى الأخبار المتواترة . وأما مع
التواطؤ فقد يتفقون على الكذب عمدا، وقد يتفقون على جحد الضرورات
وإن لم يعلم كل منهم أنه جاحد للضرورة ، ولو لم يفهم حقيقة القول
الذي يعتقده لحسن ظنه فيمن يقلد قوله ولمحبته لنصر ذلك القول كما
اتفقت النصارى والرافضة وغيرهم من الطوائف على مقالات يعلم
فسادها بالضرورة .
وقال جمهور العقلاء : نحن إذا عربنا التوراة والإنجيل لم يكن معنى
ذلك معنى القرآن ؛ بل معاني هذا ليست معاني هذا ، ومعانى
هذا ليست معانى هذا. وكذلك معنى: (قُلُ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) ليس
هو معنى (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ) ولا معنى آية الكرسي هو معنى آية
الدين . وقالو : إذا جوزتم أن تكون الحقائق المتنوعة شيئاً واحداً
فجوزوا أن يكون العلم والقدرة والكلام والسمع والبصر صفة
واحدة ، فاعترف أئمة هذا القول بأن هذا الإلزام ليس لهم عنه
جواب عقلي .
١٢٢
ثم منهم من قال : الناس في الصفات إما مثبت لها وقائل بالتعدد،
وإما ناف لها ؛ وأما إثباتها واتحادها خلاف الإجماع . وهذه طريقة
القاضي أبى بكر وأبي المعالي وغيرهما . ومنهم من اعترف بأنه ليس له
عنه جواب ، كأبى الحسن الآمدي وغيره .
((والمقصود هنا)) أن هذه الآية تبين بطلان هذا القول، كما تبين
(قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ)
بطلان غيره فإن قوله :
يقتضي نزول القرآن من ربه ، والقرآن اسم للقرآن العربي لفظه ومعناه
بدليل قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَانَ) وإنما يقرأ القرآن العربي لا يقرأ
معانيه المجردة . وأيضاً فضمير المفعول في قوله نزله عائد على ما في قوله:
(وَالَهُ أَعْلَمُ بِمَايُنَزِّدُ) فالذي أنزله الله هو الذي نزله روح القدس،
فإذا كان روح القدس نزل بالقرآن العربى لزم أن يكون نزله من
اللّه، فلا يكون شيء منه نزله من عين من الأعيان المخلوقة ، ولا
نزله من نفسه .
وأيضاً فإنه قال عقيب هذه الآية: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا
يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِ شُبِينٌ)
وهم كانوا يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر، لم يكونوا يقولون
إنما يعلمه بشر معانيه فقط؛ بدليل قوله: (لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ
أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىُ مُّبِينُ) فإنه تعالى أبطل قول الكفار بأن
١٢٣
لسان الذي ألحدوا إليه ، بأن أضافوا إليه هذا القرآن ، فجعلوه هو
الذي يعلم محمداً القرآن لسان أعجمي ، والقرآن لسان عربى مبين ، وعبر
عن هذا المعنى بلفظ ( يُلْحِدُونَ) لما تضمن من معنى ميلهم عن الحق
وميلهم إلى هذا الذي أضافوا إليه هذا القرآن، فإن لفظ ((الإلحاد))
يقتضي ميلاً عن شيء إلى شيء بباطل ، فلو كان الكفار قالوا يعلمه
معانيه فقط لم يكن هذا رداً لقولهم ؛ فإن الإنسان قد يتعلم من الأعجمي
شيئاً بلغة ذلك الأعجمي ، ويعبر عنه هو بعبارته .
وقد اشتهر في التفسير أن بعض الكفار كانوا يقولون : هو تعلمه
من شخص كان بمكة أعجمي . قيل: إنه كان مولى لابن الحضرمي .
وإذا كان الكفار جعلوا الذي يعلمه ما نزل به روح القدس بشراً ،
واللّه أبطل ذلك بأن لسان ذلك أعجمي وهذا لسان عربى مبين : علم
أن روح القدس نزل باللسان العربى المبين ، وأن محمداً لم يؤلف نظم
القرآن بل سمعه من روح القدس ، وإذا كان روح القدس نزل به من
الله علم أنه سمعه منه ولم يؤلفه هو، وهذا بيان من الله أن القرآن
الذي هو اللسان العربى المبين سمعه روح القدس من الله ونزل به منه.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ
وكذلك
(فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)
اُلْإِنسِ وَالْجِنّ) إلى قوله :
قوله : (وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ
١٢٤
أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّيِّكَ بِالْحِّ فَلاَ تَكُونَ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)
و((الكتاب)) اسم للقرآن العربى بالضرورة والاتفاق، فإن الكلابية أو
بعضهم يفرق بين كلام اللّه وكتاب الله، فيقول: كلامه هو المعنى
القائم بالذات وهو غير مخلوق ، وكتابه هو المنظوم المؤلف العربى ،
وهو مخلوق .
و ((القرآن)) يراد به هذا تارة وهذا تارة، والله تعالى قد سمى نفس
مجموع اللفظ والمعنى قرآناً وكتابا وكلاما، فقال تعالى (الّرَّتِلْكَ ءَايَتُ
الْكِتَبِ وَقُرْءَانِ مُّبِينٍ ) وقال: (طسَّ ◌ِلْكَءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ) وقال:
( وَإِذْصَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَّ مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ) إلى قوله تعالى: (قَالُواْ
يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّ قًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) فبين أن الذي
سمعوه هو القرآن وهو الكتاب. وقال: (بَلْ هُوَقُءَانْ تَجِيدٌ * فِى لَوَجٍ مَّحْفُوظِ )
وقال: (إِنَّهُ لَقُرْهَ اذْ كَرِيمٌ * فِ كِشَبٍ مَّكْنُونٍ) وقال: (يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا
كُنُبُّ قَيِّمَةٌ) وقال: (وَاَلُطُورِ * وَكِنَبِ مَّسْطُورٍ * فِ رَقِمَّنشُورٍ ) وقال :
(وَلَوْنَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَّ فِى فِرْ طَاِ فَلَمَسُوهُ أَيْدِهِمْ ) . ولكن لفظ الكتاب قد يراد
به المكتوب فيكون هو الكلام، وقد يراد به ما يكتب فيه كما قال تعالى:
(إِنَّهُ لَقُرْءَانُ كَرِمٌ * فِ كِتَبٍ مَّكْنُونٍ) وقال: (وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًّا يَلْفَنُهُ
مَنشُورًا ) .
١٢٥
و((المقصود هنا)) أن قوله (وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ
مُفَصَّلاً ) يتناول نزول القرآن العربى على كل قول. وقد أخبر :
إخبار مستشهد
(وَاُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ)
بهم لا مكذب لهم . وقال إنهم يعلمون ذلك ولم يقل إنهم يظنونه أو
يقولونه والعلم لا يكون إلا حقاً مطابقاً للمعلوم ، بخلاف القول والظن
الذي ينقسم إلى حق وباطل ؛ فعلم أن القرآن العربى منزل من اللّه لا
من الهواء ، ولا من اللوح ، ولا من جسم آخر ، ولا من جبريل ،
ولا من محمد ولا غيرهما ، وإذا كان أهل الكتاب يعلمون ذلك فمن لم
يقر بذلك من هذه الأمة كان أهل الكتاب المقرون بذلك خيراً منه
من هذا الوجه .
وهذا لا ينافى ما جاء عن ابن عباس وغيره من السلف فى تفسير
قوله: ( إِنَّا أَنَزَلْنَهُ فِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ) أنه أنزله إلى بيت العزة فى السماء
الدنيا ، ثم أنزله بعد ذلك منجما مفرقا بحسب الحوادث ، ولا ينافى أنه
مكتوب فى اللوح المحفوظ قبل نزوله، كما قال تعالى: (بَلْ هُوَقُرُءَانٌ تَجِيدٌ
* فِلَوَج ◌َّحْفُوظِ ) وقال تعالى: ( إِنَّهُ لَقُرْءَانُ كَرِيمٌ * فِ كِنَبٍ مَّكْنُونٍ
) . وقال تعالى: ( كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ *
لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
فَنْ شَاءَ ذَكَرَّهُ( * فِ صُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * ◌َرْفُوعَةِمُطَهَّرَقِ * بِأَيْدِى سَفَرَةٍ * كِرَمِ بَرَةِ ) وقال
تعالى: (وَإِنَّهُ فِى أَمِ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌ حَكِيمُ ) فإن كونه
١٢٦
مكتوباً في اللوح المحفوظ . وفي صحف مطهرة بأيدي الملائكة
لا ينافي أن يكون جبريل نزل به من الله ، سواء كتبه الله قبل أن يرسل
به جبريل أو بعد ذلك ، وإذا كان قد أزله مكتوباً إلى بيت العزة جملة
واحدة في ليلة القدر فقد كتبه كله قبل أن ينزله .
والله تعالى يعلم ما كان وما يكون ومالا يكون أن لو كان كيف كان
يكون ، وهو سبحانه قد قدر مقادير الخلائق ، وكتب أعمال العباد
قبل أن يعملوها، كما ثبت ذلك فى صريح الكتاب والسنة وآثار السلف، ثم إنه
يأمر الملائكة بكتابتها بعد ما يعملونها ؛ فيقابل بين الكتابة المتقدمة على
الوجود والكتابة المتأخرة عنه ، فلا يكون بينهما تفاوت هكذا قال ابن
عباس وغيره من السلف - وهو حق - فإذا كان ما يخلقه باتنا عنه
قد كتبه قبل أن يخلقه ، فكيف يستبعد أن يكتب كلامه الذي يرسل
به ملائكته قبل أن يرسلهم به .
ومن قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب لم يسمعه من الله
كان هذا باطلا من وجوه :
((منها )) أن يقال إن اللّه سبحانه وتعالى قد كتب التوراة لموسى
بيده ، فبنو إسرائيل أخذوا كلام اللّه من الكتاب الذي كتبه هو سبحانه
وتعالى فيه، فإن كان محمد أخذه عن جبريل ، وجبريل عن الكتاب
١٢٧
كان بنو إسرائيل أعلى من محمد بدرجة .
وكذلك من قال إنه ألقى إلى جبريل المعانى وإن جبريل عبر عنها بالكلام
العربى فقوله يستلزم أن يكون جبريل ألهمه إلهاماً ، وهذا الإلهام يكون
لآ حاد المؤمنين. كما قال تعالى: (وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِ كْنَ أَنْ ءَامِنُواْبِى
وَبِرَسُولِى ) وقال: (وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّمُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ) وقد
أوحى إلى سائر النبيين فيكون هذا الوحي الذي يكون لآحاد الأنبياء
والمؤمنين أعلى من أخذ محمد القرآن عن جبريل ؛ لأن جبريل الذي
علمه لمحمد هو بمنزلة الواحد من هؤلاء ؛ ولهذا زعم ابن عربى أن خاتم
الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ، وقال : لأنه يأخذ من المعدن الذي
يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. فجعل أخذه وأخذ الملك الذي
جاء إلى الرسول من معدن واحد ، وادعى أن أخذه عن الله أعلى من
أخذ الرسول للقرآن ، ومعلوم أن هذا من أعظم الكفر ، وأن هذا
القول من جنسه .
وأيضاً فالله تعالى يقول: ( إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَا أَوْ حَيْنَآ إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ
مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاُلْأَسْبَاطِ ) إلى
قوله: (وَكَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) ففضل موسى بالتكليم على
غيره ممن أوحى إليهم ، وهذا يدل على أمور: على أن الله
يكلم عبده تكليما زائداً عن الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص ، فإن
١٢٨
لفظ التكليم والوحي كل منها ينقسم إلى عام وخاص ، فالتكايم هو
المقسوم فى قوله: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ الَّهُإِلَّا وَحْيًّا أَوْمِن وَرَآمٍ حِجَابٍ أَوْ
يُرْسِلَ رَسُولًا ) والتكليم المطلق هو قسيم الوحي
الخاص ليس هو قسما منه ، وكذلك لفظ الوحي قد يكون عاما فيدخل
فيه التكليم الخاص ، كما فى قوله لموسى: ( فَأُسْتَمِعْ لِمَايُوحَى ) وقد
يكون قسيم التكليم الخاص ، كما فى سورة الشورى ، وهذا يبطل قول
من يقول الكلام معنى واحد قائم بالذات ، فإنه حينئذ لا فرق بين
التكليم الذي خص به موسى والوحي العام الذي يكون لآ حاد العباد.
ومثل هذا قوله فى الآية الأخرى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍحِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ ) فإنه فرق
بين الإيحاء وبين التكليم من وراء الحجاب ، وبين إرسال رسول يوحى
بإذنه ما يشاء ، فدل على أن التكليم من وراء حجاب - كما كلم موسى -
أمر غير الايحاء .
وأيضاً فقوله: (تَنزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ اللَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقوله: (حَمَ
تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اَللَّهِ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) وقوله: (حَمَ * تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ) وأمثال ذلك يدل على أنه منزل من الله لا من غيره . وكذلك
قوله (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّكَ ) فإنه يدل على إثبات أن ما أزل
إليه من ربه ، وأنه مبلغ مأمور بتبليغ ذلك .
١٢٩
وأيضاً فهم يقولون : إنه معنى واحد فإن كان موسى سمع جميع
المغنى فقد سمع جميع كلام الله ، وإن سمع بعضه فقد تبعض ، وكلاهما
ينقض قولهم ؛ فإنهم يقولون : إنه معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ،
فإن كان ما يسمعه موسى والملائكة هو ذلك المعنى كله كان كل منهم على
جميع كلام الله ، وكلامه متضمن لجميع خبره وجميع أمره ، فيلزم أن
يكون كل واحد ممن كله الله أو أنزل عليه شيئاً من كلامه عالما بجميع
أخبار اللّه وأوامره، وهذا معلوم الفساد بالضرورة . وإن كان الواحد
من هؤلاء إنما يسمع بعضه ، فقد تبعض كلامه وذلك يناقض قولهم .
وأيضا فقوله: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) وقوله: (وَلَمَّاجَآءَ مُوسَى
لِمِيقَئِنَا وَكَّمَهُ رَبُّهُ) وقوله: { وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْطُّورِلْأَيْمَنِ وَقَرََّنَهُ نَجِيَّا )
وقوله : (فَلَمَّا أَنَنِهَا نُودِىَ يَمُوسَى * إِنَّ أَنَاْرَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ
طُوَّى * وَأَنَا أُخْتَرْتُكَ فَأُسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ) الآيَات.
دليل على تكليم سمعه موسى . والمعنى المجرد لا يسمع بالضرورة ، ومن
قال إنه يسمع فهو مكابر ، ودليل على أنه ناداه ، والنداء لا يكون إلا
صوتاً مسموعا ، ولا يعقل في لغة العرب لفظ النداء بغير صوت مسموع،
لا حقيقة ولا مجازاً .
وأيضا فقد قال تعالى: (فَلَمَّاجَآءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا
وَسُبْحَنَ اللَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ) وقوله: (فَلَمَّآ أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَطِي الْوَادِلْأَيْمَنِ
١٣٠
فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَى إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ) وقال:
(هَلْ أَنَنَكَ حَدِيثُ مُوسَى* إِذْنَنُ رَبُُّ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَّى) وقال: (فَلَمَّآ أَنَنْهَا نُودِىَ
يَمُوسَىّ * إِّ أَنَاْرَبُّكَ ) وفى هذا دليل على أنه حينئذ نودى ولم يناد
قبل ذلك ؛ ولما فيها من معنى الظرف، كما فى قوله: (وَنَّهُ لَ قَامَ عَبْدُ
اُللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُ واْيَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) ومثل هذا قوله: (وَيَوْمَ يُنَادِ يهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ
أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ)
فإنه وقت النداء بظرف محدود، فدل على أن النداء يقع فى ذلك
الحين دون غيره من الظروف ، وجعل الظرف للنداء لا يسمع النداء
إلا فيه .
ومثل هذا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَبِكَةِ إِنِى جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ
خَلِيفَةً) وقوله: (وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْ لَّدَمَ ) وأمثال ذلك مما
فيه توقيت بعض أقوال الرب بوقت معين ، فإن الكلابية
ومن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة يقولون : إنه لا يتكلم بمشيئته
وقدرته ؛ بل الكلام المعين لازم لذاته كلزوم الحياة لذاته .
ثم من هؤلاء من قال إنه معنى واحد ؛ لأن الحروف والأصوات
متعاقبة ، يمتنع أن تكون قديمة. ومنهم من قال : بل الحروف والأصوات
قديمة الأعيان ، وأنها مترتبة فى ذاتها متقاربة فى وجودها ، لم تزل ولا
١٣١
تزال قائمة بذاته، والنداء الذي سمعه موسى قديم أزلى ، لم يزل ولا
يزال . ومنهم من قال : بل الحروف قديمة الأعيان، بخلاف الأصوات،
وكل هؤلاء يقولون: إن التكليم والنداء ليس إلا مجرد خلق إدراك
المخلوق، بحيث يسمح مالم يزل ولا يزال لا أنه يكون هناك كلام
يتكلم الله به بمشيئته وقدرته ، ولا تكليم ؛ بل تكليمه عندم جعل
العبد سامعاً لما كان موجوداً قبل سمعه ، بمنزلة جعل الأعمى بصيراً
لما كان موجوداً قبل رؤيته من غير إحداث شيء منفصل عن
الأعمى. فعندهم لما جاء موسى لميقات ربه سمع النداء القديم لا أنه
حينئذ نودي .
ولهذا يقولون : إنه يسمع كلامه لخلقه بدل عن قول الناس إنه
يكلم خلقه ، وهؤلاء يردون على الخلقية الذين يقولون القرآن مخلوق ،
ويقولون عن أنفسهم إنهم أهل السنة الموافقون للسلف ، الذين قالوا :
إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وليس قولهم قول السلف ؛ لكن
قولهم أقرب إلى قول السلف من وجه ، وقول الخلقية أقرب إلى قول
السلف من وجه .
أماكون قولهم أقرب فلأنهم يثبتون للّ كلاما قائما بنفس الله،
وهذا قول السلف ؛ بخلاف الخلقية الذين يقولون : ليس كلامه إلا ما
خلقه فى غيره ، فإن قول هؤلاء مخالف لقول السلف . وأما كون قول
١٣٢
الخلقية أقرب فلأنهم يقولون إن الله يتكلم بمشيئته وقدرته وهذا قول
السلف ، وهؤلاء عندم لا يقدر الله على شيء من كلامه ، وليس كلامه
مشيئته واختياره ، بل كلامه عندهم كحياته، وهم يقولون : الكلام عندنا
صفة ذات لا صفة فعل . والخلقية يقولون صفة فعل لا صفة ذات ،
ومذهب السلف أنه صفة ذات وصفة فعل معاً ، فكل منهما موافق
للسلف من وجه دون وجه .
واختلافهم فى كلام الله تعالى شبيه اختلافهم فى أفعاله تعالى ورضاه
وغضبه ، وإرادته وكراهته ، وحبه وبغضه ، وفرحه وسخطه ونحو ذلك.
فإن هؤلاء يقولون هذه كلها أمور مخلوقة بائنة عنه ترجع إلى الثواب
والعقاب . والآخرون يقولون بل هذه كلها أمور قديمة الأعيان قائمة
بذاته . ثم منهم من يجعلها كلها تعود إلى إرادة واحدة بالعين متعلقة
بجميع المخلوقات . ومنهم من يقول : بل هي صفات متعددة الأعيان ،
لكن يقول: كل واحدة واحدة العين ، قديمة قبل وجود مقتضياتها ،
كما قالوا مثل ذلك فى الكلام، والله تعالى يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ
مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْرِضْوَنَهُ ) فأخبر أن أفعالهم أسخطته، قال تعالى:
( فَلَمَّآءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) أي أغضبونا. وقال تعالى: (أُدْعُونِّ
أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) إلى أمثال ذلك مما يبين أنه سخط على الكفار لما
كفروا ، ورضي عن المؤمنين لما آمنوا .
١٣٣
ونظير هذا اختلافهم فى أفعاله تعالى ومسائل القدر ؛ فإن المعتزلة يقولون :
إنه يفعل لحكمة مقصودة ، وإرادة الإحسان إلى العباد ؛ لكن لا يثبتون
لفعله حكمة تعود إليه . وأولئك يقولون لا يفعل لحكمة ولا المقصود
أصلاً . فأولئك أثبتوا حكمة لكن لا تقوم به، وهؤلاء لا يثبتون له
حكمة ولا قصداً يتصف به ، والفريقان لا يثبتون له حكمة ولا
مقصوداً يعود إليه .
وكذلك في ((الكلام)»: أولئك أثبتوا كلاما هو فعله لا يقوم به .
وهؤلاء يقولون مالا يقوم به لا يعود حكمه إليه . والفريقان يمنعون أن
يقوم به حكمة مرادة له ، كما يمنع الفريقان أن يقوم به كلام وفعل يريده
وقول أولئك أقرب إلى قول السلف والفقهاء إذ أثبتوا الحكمة والمصلحة
في أحكامه وأفعاله وأثبتوا كلاما يتكلم به بقدرته ومشيئته ، وقول
هؤلاء أقرب إلى قول السلف إذ أثبتوا الصفات ، وقالوا : لا يوصف
بمجرد المخلوق المنفصل عنه الذي لم يقم به أصلاً ، ولا يعود إليه حكم
من شيء لم يقم به ، فلا يكون متكلما بكلام لم يقم به ، ولا
يكون حكيماً كريما ورحيما بحكمة ورحمة لم تقم به ، كما لا يكون عليها بعلم
لم يقم به ، وقديرا بقدرة لم تقم به ، ولا يكون محباً راضياً غضبان
يحب ورضى وغضب لم يقم به .
فكل من المعتزلة والأشعرية في مسائل كلام الله وأفعال الله؛ بل
١٣٤
وسائر صفاته وافقوا السلف والأئمة من وجه ، وخالفوم من وجه ،
وليس قول أحدهما هو قول السلف دون الآخر ؛ لكن الأشعرية فى
جنس مسائل الصفات ، بل وسائر الصفات والقدر أقرب إلى قول
السلف والأئمة من المعتزلة.
فإن قيل: فقد قال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ ) وهذا
يدل على أن الرسول أحدث الكلام العربي . قيل : هذا باطل ؛
وذلك لأن اللّه ذكر هذا فى القرآن فى موضعين؛ والرسول فى أحد
الموضعين محمد ، والرسول فى الآية الأخرى جبريل . قال تعالى فى
سورة الحاقة: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرِ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاِهِنٍ
قَلِيلًا مَّانَذَّكَّرُونَ * تَنِيلٌ مِّن رَّبِّالْعَلَمِينَ ) فالرسول هنا محمد صلى الله عليه
وسلم، وقال فى سورة التكوير: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِمِ * ذِى قُوَِّعِندَذِى
اٌلْعَشِ مَكِينٍ * مُطَارِعٍ ثََّمِينٍ ) فالرسول هنا جبريل . فلو كان أضافه إلى
الرسول لكونه أحدث حروفه أو أحدث منه شيئاً لكان الخبران
متناقضين، فإنه إن كان أحدهما هو الذى أحدثها امتنع أن يكون
الآخر هو الذي أحدثها .
وأيضاً فإنه قال: (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) ولم يقل : لقول ملك
ولا فى، ولفظ ((الرسول)) يستلزم مرسلا له ، فدل ذلك على أن
١٣٥
الرسول مبلغ له عن مرسله ؛ لا أنه أنشأ منه شيئاً من جهة نفسه.
وهذا يدل على أنه أضافه إلى الرسول ؛ لأنه بلغه وأداه ، لا لأنه أنشأ
منه شيئاً وابتدأ . .
وأيضاً فإن الله قد كفر من جعله قول البشر بقوله: (إِنَّهُ فَكَّرَ
وَقَّدَرَ * فَقُئِلَ كَيْفَ قَذَّرَ * ثُمَّقُِّلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّنَظَرَ * ثُمَّعَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّأَدْبَرَوَاُسْتَكْبَرَ *
فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) ومحمد بشر، فمن قال : إنه
قول محمد فقد كفر ، ولا فرق بين أن يقول : هو قول بشر أو جني
أو ملك ، فمن جعله قولاً لأحد من هؤلاء فقد كفر ؛ ومع هذا
فقد قال تعالى: ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولِ كَرِيمٍ * وَمَاهُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ ) فجعله قول
الرسول البشري مع تكفيره من يقول إنه قول البشر ، فعلم أن
المراد بذلك أن الرسول بلغه عن مرسله ، لا أنه قول له من
تلقاء نفسه، وهو كلام اللّه الذي أرسله، كما قال تعالى: (وَإِنْ
أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ) فالذى بلغه
الرسول هو كلام الله لا كلام الرسول .
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس
بالمواسم ويقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فإن قريشا
قد منعونى أن أبلغ كلام ربى)) رواه أبو داود وغيره ، والكلام كلام من
١٣٦
قاله مبتدئاً لا كلام من قاله مبلغاً مؤدياً، وموسى سمع كلام اللّه من الله
بلا واسطة ، والمؤمنون يسمعه بعضهم من بعض ، فسماع موسى سماع
مطلق بلا واسطة . وسماع الناس سماع مقيد بواسطة . كما قال تعالى :
﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآبٍحِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُّوحِىَ
بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ ).
ففرق بين التكليم من وراء حجاب - كما كلم موسى - وبين
التكليم بواسطة الرسول - كما كلم الأنبياء بإرسال رسول إليهم -
والناس يعلمون أن النبى صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام تكلم به
بحروفه ومعانيه بصوته صلى الله عليه وسلم ، ثم المبلغون عنه يبلغون
كلامه بحركاتهم وأصواتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((نصر الله
امرأ سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه)) فالمستمع منه يبلغ حديثه كما سمعه:
لكن بصوت نفسه لا بصوت الرسول ، فالكلام هو كلام الرسول تكلم
به بصوته ، والمبلغ بلغ كلام الرسول ، لكن بصوت نفسه ، واذا كان
هذا معلوماً فيمن يبلغ كلام المخلوق فكلام الخالق أولى بذلك.
ولهذا قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌّمِنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَمَ اللَّهِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((زينوا القرآن
بأصواتكم )) فجعل الكلام كلام الباري وجعل الصوت الذي يقرأ به
العبد صوت القارئ وأصوات العباد ليست هي عين الصوت الذي ينادي
١٣٧
اللّه به ويتكلم به، كما نطقت النصوص بذلك، بل ولا مثله، فإن
اللّه ليس كمثله شيء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، فليس علمه
مثل علم المخلوقين ، ولا قدرته مثل قدرتهم ، ولا كلامه مثل كلامهم ،
ولا نداؤه مثل ندائهم ، ولا صوته مثل أصواتهم .
فمن قال عن القرآن الذي يقرؤه المسلمون: ليس هو كلام الله ،
أو هو كلام غيره فهو ملحد مبتدع ضال . ومن قال : إن أصوات
العباد أو المداد الذي يكتب به القرآن قديم أزلي فهو ملحد مبتدع
ضال ؛ بل هذا القرآن هو كلام اللّه، وهو مثبت فى المصاحف ، وهو
كلام اللّه مبلغاً عنه مسموعا من القراء ، ليس هو مسموعا منه،
والإنسان يرى الشمس والقمر والكواكب بطريق المباشرة ، ويراها
فى ماء أو مرآة ، فهذه رؤية مقيدة بالواسطة ، وتلك رؤية مطلقة
بطريق المباشرة ، وكذلك الكلام يسمع من المتكلم به بطريق
المباشرة ، ويسمع من المبلغ عنه بواسطة ، والمقصود بالسماع هو كلامه
فى الموضعين ، كما أن المقصود بالرؤية هو المرئى في الموضعين .
فمن عرف ما بين الحالين من الاجتماع والافتراق ، والاختلاف
والاتفاق ، زالت عنه الشبهة التى تصيب كثيراً من الناس فى هذا الباب ،
فإن طائفة قالت : هذا المسموع كلام الله، والمسموع صوت العبد
وصوته مخلوق ؛ فكلام اللّه مخلوق . وهذا جهل، فإنه مسموع من
١٣٨
المبلغ ، ولا يلزم إذا كان صوت المبلغ مخلوقاً أن يكون نفس
الكلام مخلوقاً .
وقالت ((طائفة)): هذا المسموع صوت العبد وهو مخلوق ،
والقرآن ليس بمخلوق ، فلا يكون هذا المسموع كلام الله ، وهذا
جهل ؛ فإن المخلوق هو الصوت لا نفس الكلام الذي يسمع من المتكلم
به ومن المبلغ عنه .
و((طائفة)) قالت: هذا كلام الله وكلام الله غير مخلوق، فيكون
هذا الصوت غير مخلوق وهذا جهل ؛ فإنه إذا قيل : هذا كلام الله
فالمشار إليه هو الكلام من حيث هو هو ، وهو الثابت إذا سمع من الله
وإذا سمع من المبلغ عنه، وإذا قيل للمسموع إنه كلام اللّه فهو كلام الله
مسموعا من المبلغ عنه لا مسموعا منه ، فهو مسموع بواسطة صوت
العبد ، وصوت العبد مخلوق . وأما كلام اللّه نفسه فهو غير مخلوق
حيث ما تصرف . وهذه نكت قد بسط الكلام فيها في غير هذا
الموضع .
١٣٩
فصل
فإن قيل : ما منشأ هذا النزاع والاشتباه والتفرق والاختلاف ؟
قيل : منشأه هو الكلام الذي ذمه السلف وعابوه ، وهو الكلام
المشتبه المشتمل على حق وباطل : فيه ما يوافق العقل والسمع ، وفيه
ما يخالف العقل والسمع ، فيأخذ هؤلاء جانب النفى المشتمل على نفي
الحق والباطل ، وهؤلاء جانب الإثبات المشتمل على إثبات حق وباطل،
وجماعه هو الكلام المخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف ، فكل
كلام خالف ذلك فهو باطل ، ولا يخالف ذلك إلا كلام مخالف للعقل
والسمع ، وذلك أنه لما تناظروا في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع
استدلت الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف أهل الكلام على ذلك
بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث .
ثم إن المستدلين بذلك على حدوث الأجسام ، قالوا : إن الأجسام
لا تخلو عن الحوادث ، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، ثم تنوعت
طرقهم في المقدمة الأولى . فتارة يثبتونها بأن الأجسام لا تخلو عن
الحركة والسكون وهما حادثان ، وتارة يثبتونها بأن الأجسام لا يخلو عن
١٤٠