النص المفهرس
صفحات 101-120
وأنزله منجما مفرقا ليحفظ فلا يحتاج إلى كتاب ، كما قال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً) الآية، وقال تعالى: ( وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ) الآية، وقال تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ) الآية، وقال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ ) الآية . وفى الصحيح عن ابن عباس قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، وكان يحرك شفتيه ، فقال ابن عباس : أنا أحركها لك كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يحركهما، فرك شفتيه ، فأنزل الله تعالى : (لَا تُحرِّكِبِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُزْءَانَهُ ( قال جمعه فى صدرك ثم تقرؤه : ( فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَنَّعْ قُرْءَانَهُ ) قال : ) أي نبينه بلسانك . فكان فاستمع له وأنصت ( ثُمَإِنَّعَلَيْنَابَيَانَهُ النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبى صلى الله عليه وسلم كما أقرأه ؛ فلهذا لم تكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونها ، وأيضا كانوا عربا لا يلحنون؛ فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط ، وكان فى اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل : يعملون وتعملون . فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الأخرى . ثم إنه فى زمن التابعين لما حدث اللحن صار بعض التابعين يشكل المصاحف وينقطها ، وكانوا يعملون ذلك بالحمرة ، ويعملون الفتح بنقطة حمراء فوق الحرف ، والكسرة بنقطة حمراء تحته ، والضمة بنقطة حمراء ١٠١ أمامه. ثم مدوا النقطة وصاروا يعملون الشدة بقولك ((شد))، ويعملون المدة بقولك ((مد))، وجعلوا علامة الهمزة تشبه العين؛ لأن الهمزة أخت العين ، ثم خففوا ذلك حتى صارت علامة الشدة مثل رأس السين ، وعلامة المدة مختصرة كما يختصر أهل الديوان ألفاظ العدد وغير ذلك ، وكما يختصر المحدثون أخبرنا وحدثنا ، فيكتبون أول اللفظ وآخره على شكل ((أنا)) وعلى شكل ((ثنا)). وتنازع العلماء هل يكره تشكيل المصاحف وتنقيطها ؟ على قولين معروفين وهما روايتان عن الإمام أحمد ، لكن لا نزاع بينهم أن المصحف إذا شكل ونقط وجب احترام الشكل والنقط ، كما يجب احترام الحرف ، ولا تنازع بينهم أن مداد النقطة والشكل مخلوق ، كما أن مداد الحرف مخلوق ، ولا نزاع بينهم أن الشكل يدل على الإعراب ، والنقط بدل على الحروف ، وأن الإعراب من تمام الكلام العربي ، ويروى عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه . ولا ريب أن النقطة والشكلة بمجرده) لا حكم لهما ولا حرمة ولا ينبغي أن مجرد الكلام فيهما ، ولا ريب أن إعراب القرآن العربى من تمامه ، ويجب الاعتناء بإعرابه ، والشكل يبين إعرابه كما تبين الحروف المكتوبة للحرف المنطوق ، كذلك يبين الشكل المكتوب للإعراب المنطوق . ١٠٢ فهذه المسائل إذا تصورها الناس على وجهها تصوراً تاما ظهر لهم الصواب ، وقلت الأهواء والعصبيات ، وعرفوا موارد النزاع ، فمن تبين له الحق فى شيء من ذلك اتبعه ، ومن خفي عليه توقف حتى يبينه الله له وينبغي له أن يستعين على ذلك بدعاء الله، ومن أحسن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول: ((اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء، إلى صراط مستقيم)). وقول القائل الآخر كلامه كتب بها : يقتضى أنه أراد بالحروف ما يتناول المنطوق والمكتوب، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول المحرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف )) قال الترمذي : حديث صحيح . فهنا لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بالحرف نفس المداد وشكل المداد ، وإنما أراد الحرف المنطوق. وفى مراده بالحرف قولان : قيل هذا اللفظ المفرد . وقيل أراد صلى الله عليه وسلم بالحرف الاسم، كما قال : ألف حرف، ولام حرف ، وميم حرف . ولفظ ((الحرف والكلمة)) له فى لغة العرب التى كان النبى صلى ١٠٣ الله عليه وسلم يتكلم بها معنى ، وله فى اصطلاح النحاة معنى . فالكلمة فى لغتهم هي الجملة التامة ، الجملة الاسمية أو الفعلية ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق على صحته: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان فى الميزان ، حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) وقال: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها رضوانه إلى يوم القيامة ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب له بها سخطه إلى يوم القيامة )) وقال لأم المؤمنين «لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله عدد خلقه ، سبحان الله رضا نفسه، سبحان اللّه زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته)) ومنه قوله تعالى: (كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَمِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلََّ كَذِبًا) وقوله: (وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) وقوله تعالى: (يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ) وقوله: (وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِ عَقِبِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقوله: (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا وقول النبي صلى الله عليه وسلم: السُّفْلَىّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَا) ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله)) ونظائره كثيرة. ولا يوجد قط فى الكتاب والسنة وكلام العرب لفظ الكلمة إلا ١٠٤ والمراد به الجملة التامة . فكثير من النحاة أو أكثرم لا يعرفون ذلك : بل يظنون أن اصطلاحهم فى مسمى الكلمة ينقسم إلى اسم وفعل وحرف هو لغة العرب، والفاضل منهم يقول : وكلمة بها كلام قد يؤم ويقولون : العرب قد تستعمل الكلمة فى الجملة التامة وتستعملها فى المفرد ، وهذا غلط لا يوجد قط فى كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة . ومثل هذا اصطلاح المتكلمين على أن القديم هو مالا أول لوجوده أو ما لم يسبقه عدم ، ثم يقول بعضهم : وقد يستعمل القديم فى المتقدم على غيره ، سواء كان أزلياً أو لم يكن، كما قال تعالى: (خَّ عَادَ كَلْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) وقال: (وَإِذْلَمْ يَهْتَدُواْبِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ) وقوله تعالى: (قَالُو أنتَّاللَّهِ إِنَّكَ لَفِىِ ضَذَلِكَ اَلْقَدِيمِ ) وقال: ( أَفَءَ يْتُمْمَاكُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ) وتخصيص القديم بالأول عرف اصطلاحي ، ولا ريب أنه أولى بالقدم فى لغة العرب ؛ ولهذا كان لفظ المحدث فى لغة العرب بإزاء القديم ، قال تعالى : (مَايَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍمِّن رَّيِّهِم ◌ُحْدَثٍ ) وهذا يقتضي أن الذي نزل قبله ليس بمحدث بل متقدم . وهذا موافق للغة العرب التى نزل بها القرآن ، ١٠٥ ونظير هذا لفظ (( القضاء)) فإنه فى كلام اللّه وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة وإن كان ذلك فى وقتها ، كما قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُ واْفِى الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ) وقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ ) ثم اصطلح طائفة من الفقهاء فجعلوا لفظ ((القضاء)) مختصاً بفعلها في غير وقتها، ولفظ ((الأداء)) مختصاً بما يفعل في الوقت ، وهذا التفريق لا يعرف قط فى كلام الرسول ، ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء فى الأداء ، فيجعلون اللغة التى نزل القرآن بها من النادر . ولهذا يتنازعون فى مراد النبى صلى الله عليه وسلم: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا)) وفى لفظ: ((فأتموا )) فيظنون أن بين اللفظين خلافا وليس الأمر كذلك؛ بل قوله: ((فاقضوا ، كقوله: ((فأنتموا)) لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت ؛ بل لا يوجد فى كلام الشارع أمر بالعبادة فى غير وقتها ، لكن الوقت وقتان : وقت عام ووقت خاص لأهل الأعذار : كالنائم والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ والذكر فإنما صليا فى الوقت الذي أمر الله به ، فإن هذا ليس وقتا فى حق غيرهما . ومن أعظم أسباب الغلط فى فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل ١٠٦ على اصطلاح حادث ، فيريد أن يفسر كلام اللّه بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التى اعتادها . وما ذكر فى مسمى ((الكلام )) ما ذكره سيبويه فى كتابه عن العرب، فقال: واعلم (( أن) فى كلام العرب إنما وقعت على أن تحكى وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما قولا ؛ وإلا فلا يوجد قط لفظ الكلام والكلمة إلا للجملة التامة فى كلام العرب ، ولفظ الحرف يراد به الاسم والفعل وحروف المعانى واسم حروف الهجاء ؛ ولهذا سأل الخليل أصحابه : كيف تنطقون بالزاي من زيد ؟ فقالوا : زاى، فقال نطقتم بالاسم ، وإنما الحرف ز ؛ فبين الخليل أن هذه التى نسمى حروف الهجاء هي أسماء . وكثيراً ما يوجد فى كلام المتقدمين هذا ((حرف من الغريب)) يعبرون بذلك عن الاسم التام، فقوله صلى الله عليه وسلم: ((فله بكل حرف)) مثله بقوله: (( ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)). وعلى نهج ذلك : وذلك حرف ، والكتاب حرف ، ونحو ذلك . وقد قيل : إن ذلك أحرف والكتاب أحرف ، وروي ذلك مفسراً فى بعض الطرق . والنحاة اصطلحوا اصطلاحا خاصاً، فجعلوا لفظ ((الكلمة)) يراد ١٠٧ به الاسم أو الفعل أو الحرف الذي هو من حروف المعانى ؛ لأن سيبويه قال فى أول كتابه : الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل . فجعل هذا حرفا خاصاً ، وهو الحرف الذي جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ؛ لأن سيبويه كان حديث العهد بلغة العرب وقد عرف أنهم يسمون الاسم أو الفعل حرفا ، فقيد كلامه بأن قال : وقسموا الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ، وأراد سيبويه أن الكلام ينقسم إلى ذلك قسمة الكل إلى أجزائه لا قسمة الكلي إلى جزئياته كما يقول الفقهاء بأن القسمة كما يقسم العقار والمنقول بين الورثة، فيعطى هؤلاء قسم غير قسم هؤلاء، كذلك الكلام هو مؤلف من الأسماء والأفعال وحروف المعاني فهو مقسوم إليها ، وهذا التقسيم غير تقسيم الجنس إلى أنواعه ، كما يقال : الاسم ينقسم إلى معرب ومنى . وجاء الجزولي وغيره فاعترضوا على النحاة فى هذا ولم يفهموا كلامهم، فقالوا : كل جنس قسم إلى أنواعه أو أشخاص أنواعه ، فاسم المقسوم صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست أقساماً له ، وأرادوا بذلك الاعتراض على قول الزجاج : الكلام اسم وفعل وحرف . والذي ذكره الزجاج هو الذي ذكره سيبويه وسائر أئمة النحاة ، وأرادوا بذلك القسمة الأولى المعروفة ، وهي قسمة الأمور الموجودة إلى أجزائها كما يقسم العقار والمال، ولم يريدوا بذلك قسمة الكليات - التى لا توجد كليات ١٠٨ إلا فى الذهن - كقسمة الحيوان إلى ناطق وبهيم، وقسمة الاسم إلى المعرب والمني . فإن المقسم هنا هو معنى عقلي كلي لا يكون كلياً إلا فى الذهن . فصل ولفظ ((الحرف)) يراد به حروف المعانى التى هي قسيمة الأسماء والأفعال : مثل حروف الجر والجزم ، وحرفي التنفيس ، والحروف المشبهة للأفعال مثل ((إنَّ وأخواتها)) وهذه الحروف لها أقسام معروفة فى كتب العربية ، كما يقسمونها بحسب الإعراب إلى ما يختص بالأسماء وإلى ما يختص بالأفعال ، ويقولون : ما اختص بأحد النوعين ولم يكن كالجزء منه كان عاملاً كما تعمل حروف الجر وإن وأخواتها فى الأسماء ، وكما تعمل النواصب والجوازم فى الأفعال ؛ بخلاف حرف التعريف وحرفي التنفيس : كالسين وسوف فإنهما لا يعملان لأنهما كالجزء من الكلمة، ويقولون: كان القياس فى ((ما)) أنها لا تعمل لأنها تدخل على الجمل الاسمية والفعلية ، ولكن أهل الحجاز أعملوها لمشابهتها لليس وبلغتهم جاء القرآن في قوله: (مَاهَذَا بَشَرًّاً ) (قَاهُنَّ أُمَّهَتِهِمْ ) . ١٠٩ ويقسمون ((الحروف)) باعتبار معانيها إلى حروف استفهام ، وحروف نفي ، وحروف بحضيض وغير ذلك ، ويقسمونها باعتبار بنيتها كما تقسم الأفعال والأسماء إلى مفرد وثنائى، وثلاثى ورباعى وخماسي. فاسم الحرف هنا منقول عن اللغة إلى عرف النحاة بالتخصيص ، والا فلفظ الحرف فى اللغة يتناول الأسماء والحروف والأفعال ، وحروف الهجاء تسمى حروفاً وهي أسماء كالحروف المذكورة في أوائل السور ، لأن مسماها هو الحرف الذي هو حرف الكلمة . وتقسم تقسيماً آخر إلى حروف حلقية وشفهية ، والمذكورة فى أوائل السور فى القرآن هي نصف الحروف ، واشتملت من كل صنف على أشرف نصفيه : على نصف الحلقية ، والشفهية، والمطبقة؛ والمصمتة، وغير ذلك من أجناس الحروف . فإن لفظ ((الحرف)) أصله في اللغة هو الحد والطرف كما يقال: حروف الرغيف وحرف الجيل . قال الجوهري: حرف كل شيء طرفه وشغيره وحده، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه المحدد ، ومنه قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) إلى قوله: (وَالْآَخِرَةَ) فإن طرف الشيء إذا كان الإنسان عليه لم يكن مستقراً؛ فلهذا كان من عبد الله على السراء دون الضراء عابداً له على حرف : تارة يظهره وتارة ينقلب ١١٠ على وجهه ، كالواقف على حرف الجميل ، فسميت حروف الكلام حروفاً لأنها طرف الكلام وحده ومنتهاه ، إذ كان مبدأ الكلام من نفس المتكلم ، ومنتهاه حده وحرفه القائم بشفتيه ولسانه ؛ ولهذا قال تعالى: (أَلَمْ تَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ) فلفظ الحرف يراد به هذا وهذا وهذا . ثم إذا كتب الكلام في المصحف سموا ذلك حروفاً ، فيراد بالحرف الشكل المخصوص ولكل أمة شكل مخصوص هي خطوطهم التى يكتبون بها كلامهم ، ويراد به المادة ، ويراد به مجموعها ، وهذه الحروف المكتوبة تطابق الحروف المنطوقة وتبينها وتدل عليها فسميت بأسمائها؛ إذا كان الإنسان يكتب اللفظ بقلمه ؛ ولهذا كان أول ما أنزل الله على ) إلى قوله: (مَالَمْيَعَمَ ) فبين أَقْرَأْبِاُسِّرَبِكَ الَّذِى خَلَقَ نبيه ( سبحانه في أول ما أنزله أنه سبحانه هو الخالق الهادي الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى، كما قال موسى: ( رَبِّنَالَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) فالخلق يتناول كل ما سواه من المخلوقات ثم خص الإنسان ) . ثم ذكر أنه على؛ فإن الهدى فقال : ( خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ والتعليم هو كمال المخلوقات . والعلم له (( ثلاث مراتب)) علم بالجنان ، وعبارة باللسان ، وخط ١١١ بالبنان ؛ ولهذا قيل : إن لكل شيء أربع وجودات : وجود عيني ، وعلمي ، ولفظي ، ورسمي . وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، واللسان ، والبنان ؛ لكن الوجود العيني هو وجود الموجودات في أنفسها والله خالق كل شيء، وأما الذهني الجنانى فهو العلم بها الذي فى القلوب، والعبارة عن ذلك هو اللسانى ، وكتابة ذلك هو الرسمي البنانى، وتعليم الخط يستلزم تعليم العبارة واللفظ، وذلك يستلزم تعليم العلم فقال : (عَلَّمَبِالْقَلَمِ ) لأن التعليم بالقلم يستلزم المراتب الثلاث ، وأطلق التعليم، . ( ثم خص ، فقال: (عَلَّ الْإِنسَنَ مَالَمْيَعْلَمَ وقد تنازع الناس فى وجود كل شيء ، هل هو عين ماهيته أم لا ؟ وقد بسط الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع ، وبين أن الصواب من ذلك أنه قد يراد بالوجود ما هو ثابت في الأعيان ، وبالماهية مايتصور فى الأذهان ، فعلى هذا فوجود الموجودات الثابت في الأعيان ليس هو ماهيتها المتصورة في الأذهان ؛ لكن الله خلق الموجود الثابت فى الأعيان وعلى الماهيات المتصورة فى الأذهان ، كما أنزل بيان ذلك فى أول سورة أنزلها من القرآن ، وقد يراد بالوجود والماهية كلاهما : ما هو متحقق فى الأعيان ، وما هو متحقق فى الأذهان ، فإذا أريد بهذا وهذا ما هو متحقق في الأعيان أو ما هو متصور في الأذهان ، فليس هما في الأعيان اثنان ؛ بل هذا هو هذا . وكذلك الذهن إذا تصور شيئاً فتلك الصورة ١١٢ هى المثال الذي تصورها ، وذلك هو وجودها الذهني الذي تتصوره الأذهان ؛ فهذا فصل الخطاب في هذا الباب . ومن تدبر هذه المسائل وأمثالها تبين له أن أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء ( وَمَن ◌َّيَجْعَلِ اللّهُلَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِن نُّوْرٍ ). وقد بسط الكلام على أصول هذه المسائل وتفاصيلها في مواضع أخرى؛ فإن الناس كثر نزاعهم فيها حتى قيل: ((مسألة الكلام)) حيرت عقول الأنام . ولكن سؤال هذين لا يحتمل البسط الكثير فإنهما سألا بحسب ما سمعاه واعتقداه وتصوراء ، فإذا عرف السائل أصل مسألته ولوازمها وما فيها من الألفاظ المجملة والمعانى المشتبهة ، تبين له أن من الخلق من تكلم في مثل هذه الأسماء بالنفي والإثبات من غير تفصيل ، فلا بد له أن يقابله آخر بمثل إطلاقه . ومن الأصول الكلية أن يعلم أن الألفاظ ((نوعان)): نوع جاء به الكتاب والسنة فيجب على كل مؤمن أن يقر بموجب ذلك ، فيثبت ما أثبته الله ورسوله وينفي ما نفاه الله ورسوله، فاللفظ الذي أثبته الله، أو نفاه حق؛ فإن الله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والألفاظ ١١٣ الشرعية لها حرمة . ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد رسوله بها ليثبت ما أثبته وينفي ما نفاه من المعاني ، فإنه يجب علينا أن نصدقه فى كل ما أخبر، ونطيعه فى كل ما أوجب وأمر، ثم إذا عرفنا تفصيل ذلك كان ذلك من زيادة العلم والإيمان، وقد قال تعالى: (يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). وأما الألفاظ التى ليست فى الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده ، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به ، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره. ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه أو إجمال عبر بغيرها أو بين مراده بها ، بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرعي ؛ فإن كثيراً من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ، ومعان مشتبهة ، حتى يجد الرجلين يتخاصان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها ، ولو سئل كل منها عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلاً عن أن يعرف دليله ، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئاً بل يكون فى قوله نوع من الصواب ، وقد يكون هذا مصيباً من وجه وهذا مصيباً من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث . ١١٤ وكثير من الكتب المصنفة فى ((أصول علوم الدين)) وغيرها نجد الرجل المصنف فيها فى ((المسألة العظيمة)) كمسألة القرآن والرؤية، والصفات والمعاد، وحدوث العالم وغير ذلك يذكر أقوالاً متعددة . والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه سلف الأمة ليس فى تلك الكتب ؛ بل ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به. وهذا من أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين الأمة ، وهو مما نهيت الأمة عنه، كما فى قوله تعالى: (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَاجَاءَ هُمُ الْبَيْنَةُ وَأُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ). قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة . وقد قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعَالَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ) وقال تعالى: ( وَإِنَّالَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقِبَعِيدٍ) . وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وم يتنازعون فى القدر ، وهذا يقول ألم يقل الله كذا ؟ وهذا يقول ألم يقل الله كذا؟ فقال: ((أبهذا أمرتم ؟ أم إلى هذا دعيتم؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا : أن ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، انظروا ما أمرتم به فافعلوه ، وما نهيتم عنه فاجتنبوه)). ومما أمر الناس به أن يعملوا بمحكم القرآن ، ويؤمنوا بمتشابهه . ١١٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وقد كتبت فى أصول هذه المسائل قواعد متعددة وأصول كثيرة ، ولكن هذا الجواب كتب وصاحبه مستوفز فى قعدة واحدة ، والله تعالى يهدينا وسائر إخواننا لما يحبه ويرضاه. والحمد لله رب العالمين . ١١٦ وقال رحم الله فصل فى بيان أن القرآن العظيم كلام الله العزيز العليم ، ليس شيء منه كلاماً لغيره لا جبريل ولا محمد ولا غيرها، قال الله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُسُلْطَرُّ عَلَى الَّذِينَءَامَنُواْ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ مُشْرِكُونَ * وَإِذَابَدَّلْنَآءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٌ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَُّزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ اَلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِ لِيُتَّبِتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَايُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىٌّ مُيُ). فإن (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ) فأمره أن يقول : الضمير فى قوله ( قُلْ نَزَّلَهُ ) عائد على ما فى قوله: (بِمَا يُنَزِّلُ) والمراد به القرآن، كما يدل عليه سياق الكلام وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ ١١٧ بِمَا يُنَزِّدُ ) فيه إخبار اللّه بأنه أنزله ؛ لكن ليس فى هذه اللفظة بيان أن روح القدس نزل به ، ولا أنه منزل منه . ولفظ «الإنزال)) فى القرآن قد يرد مقيداً بالإنزال منه: كنزول القرآن ، وقد يرد مقيداً بالإنزال من السماء ويراد به العلو ؛ فيتناول نزول المطر من السحاب ، ونزول الملائكة من عند الله وغير ذلك، وقد يرد مطلقاً فلا يختص بنوع من الإنزال ؛ بل ربما يتناول الإنزال من رؤوس الجبال ، كقوله: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسُ شَدِيدٌ ) والإنزال من ظهور الحيوان كلزال الفحل الماء وغير ذلك . فقوله : (نَزَّلَهُ رُوحُ اُلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ) بيان لنزول جبريل به من الله، فإن روح القدس هنا هو جبريل ؛ بدليل قوله: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُنَزَّلَهُ, وهو الروح الأمين كما في قوله: (وَإِنَّهُ. عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) لَغَزِيلُ رَبِ الْعَلَمِينَ * نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْئِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِسَانٍ دلالة على أنه (آلْأَمِينُ ) وفي قوله عَرَبٍِ مُبِينٍ) مؤتمن على ما أرسل به ، لا يزيد فيه ولا ينقص منه ، فإن الرسول الخائن قد يغير الرسالة ، كما قال فى صفته في الآية الأخرى : (إِنَّهُ. لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْغَيْ مَكِينِ * مُطَائِ ثَمَّأَمِينٍ ). وفى قوله : ( مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ ) دلالة على أمور : ((منها)) بطلان قول من يقول إنه كلام مخلوق خلقه فى جسم ١١٨ من الأجسام المخلوقة كما هو قول الجهمية الذين يقولون بخلق القرآن من المعتزلة والتجارية والضرارية وغيرهم ؛ فإن السلف كانوا يسمون كل من نفى الصفات وقال إن القرآن مخلوق وإن اللّه لا يرى في الآخرة جهمياً؛ فإن (( جها)) أول من ظهرت عنه بدعة نفى الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك ، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه ، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك . فإن الجعد بن درهم أول من أحدث ذلك في الإسلام ؛ فضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر . وقال : يا أيها الناس ! ضحوا تقبل الله ضحاياكم ، فإني مضح بالجمد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليماً ، تعالى الله عما يقول الجعد بن درهم علواً كبيراً . ثم نزل فذبحه ؛ ولكن المعتزلة وإن وافقوا جها في بعض ذلك فهم يخالفونه في مسائل غير ذلك : كمسائل القدر والإيمان ، وبعض مسائل الصفات أيضاً ، ولا يبالغون في النفي مبالغته. وجهم يقول : إن الله تعالى لا يتكلم . أو يقول: إنه يتكلم بطريق المجاز، وأما (المعتزلة)) فيقولون إنه يتكلم حقيقة؛ لكن قولهم في المعنى هو قول جهم، وجهم ينفي الأسماء أيضاً ، كما نفتها الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة ، وأما جمهور المعتزلة فلا ينفون الأسماء . ١١٩ و (المقصود ) أن قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن رَِّكَ) فيه بيان أنه منزل من الله لا من مخلوق من المخلوقات ؛ ولهذا قال السلف : منه بدأ ، أي : هو الذي تكلم به لم يبتدأ من غيره ، كما قالت الخلقية . و ((منها)) أن قوله: (مُنَزَّلٌ مِّن زَبِّكَ) فيه بطلان قول من يجعله فاض على نفس النبى صلى الله عليه وسلم من العقل الفعال أو غيره ، كما يقول ذلك طوائف من الفلاسفة والصابئة ، وهذا القول أعظم كفراً وضلالا من الذي قبله . و((منها)) أن هذه الآية - أيضاً - تبطل قول من يقول إن القرآن العربى ليس منزلا من الله بل مخلوق : إما فى جبريل أو محمد أو جسم آخر غيرهما ، كما يقول ذلك الكلابية والأشعرية الذين يقولون إن القرآن العربى ليس هو كلام الله ، وإنما كلامه المعنى القائم بذاته ، والقرآن العربى خلق ليدل على ذلك المعنى ، ثم إما أن يكون خلق فى بعض الأجسام : الهواء أو غيره ، أو ألهمه جبريل فعبر عنه بالقرآن العربي، أو ألهمه محمدا فعبر عنه بالقرآن العربى، أو يكون أخذه جبريل من اللوح المحفوظ أو غيره : فهذه الأقوال التى تقدمت هي تفريح على هذا القول ، فإن هذا القرآن العربى لا بد له من متكلم تكلم به أولا قبل أن يصل إلينا . ١٢٠