النص المفهرس
صفحات 81-100
النقل الصحيح ، ولكن كثيراً من الناس يغلطون إما فى هذا وإما فى هذا ، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفا بالأدلة الشرعية ، وليس فى المعقول ما يخالف المنقول ؛ ولهذا كان أئمة السنة على ما قاله أحمد بن حنبل ، قال : معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه أي ((معرفته)) بالتمييز بين صحيحه وسقيمه. ((والفقه فيه)) معرفة مراد الرسول وتنزيله على المسائل الأصولية والفروعية أحب إلي من أن يحفظ من غير معرفة وفقه . وهكذا قال علي بن المدنى وغيره من العلماء، فإنه من احتج بلفظ ليس بثابت عن الرسول ( أو بلفظ ثابت عن الرسول] وحمله على مالم يدل عليه فإنما أتي من نفسه . وكذلك ((العقليات الصريحة)) إذا كانت مقدماتها وترتيبها صحيحاً لم تكن إلا حقاً ، لا تناقض شيئاً مما قاله الرسول، والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التى بها يعرف الصانع وتوحيده ، وصفاته وصدق رسله ، وبها يعرف إمكان المعاد . ففى القرآن من بيان أصول الدين التى تعلم مقدماتها بالعقل الصريح مالا يوجد مثله في كلام أحد من الناس ، بل عامة ما يأتى به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتى القرآن خلاصتها وبما هو أحسن منها ، قال تعالى: (وَلَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّ ◌ِثْنَكَ وقال: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ) مِن كُلِّ مَثَلٍ ) وقال: (وَتِلْكَ الْأَمْشَلُ نَضْرِ بُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ). ٨١ وأما الحجج الداحضة التى يحتج بها الملاحدة ، وحجج الجهمية معطلة الصفات ، وحجج الدهرية وأمثالها ، كما يوجد مثل ذلك فى كلام المتأخرين الذين يصنفون فى الكلام المبتدع وأقوال المتفلسفة ويدعون أنها عقليات ففيها من الجهل والتناقض والفساد ، مالا يحصيه إلا رب العباد . وقد بسط الكلام على هؤلاء فى مواضع أخر . وكان من أسباب ضلال هؤلاء تقصير الطائفتين أو قصورم عن معرفة ما جاء به الرسول ، وما كان عليه السلف ، ومعرفة المعقول الصريح ؛ فإن هذا هو الكتاب، وهذا هو الميزان ، وقد قال تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسٌْ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ. بِالْغَيْبٍ إِنَّاللَّهَ قَوِىُّ عَزِيرٌ ) وهذه المسألة لا تحتمل البسط على هذه الأمور ؛ إذ كان المقصود هنا التنبيه على أن هؤلاء المتنازعين أجمعوا على أصل فاسد ، ثم تفرقوا فأجمعوا على أن جعلوا عين صفة الرب الخالق هي عين صفة المخلوق . ثم قال هؤلاء : وصفة المخلوق مخلوقة فصفة الرب مخلوقة ، فقال هؤلاء: صفة الرب قديمة فصفة المخلوق قديمة، ثم احتاج كل منهما إلى طرد أصله، فخرجوا إلى أقوال ظاهرة الفساد: خرج النفاة إلى أن الله لم يتكلم بالقرآن، ولا بشيء من الكتب الإلهية : لا التوراة ولا الإنجيل ولا غيرهما، وأنه لم ٨٢ يناد موسى بنفسه نداء يسمعه منه موسى ولا تكلم بالقرآن العربي ولا التوراة العبرية ، وخرج هؤلاء إلى أن ما يقوم بالعباد ويتصفون به يكون قديماً أزلياً ، وأن ما يقوم بهم ويتصفون به لا يكون قائما بهم حالا فيهم بل يكون ظاهراً عنهم من غير قيام بهم . ولما تكلموا فى (( حروف المعجم)) صاروا بين قولين : طائفة فرقت بين المتماثلين ، فقالت الحرف حرفان هذا قديم وهذا مخلوق ، كما قال ابن حامد والقاضي أبو يعلى وابن عقيل وغيرهم ، فأنكر ذلك عليهم الأكثرون وقالوا هذا مخالفة للحس والعقل ، فإن حقيقة هذا الحرف هي حقيقة هذا الحرف ، وقالوا الحرف حرف واحد . وصنف في ذلك القاضي يعقوب البرزيني مصنفاً خالف به شيخه القاضي أبا يعلى مع قوله في مصنفه : وينبغي أن يعلم أن ما سطرته فى هذه المسألة أن ذلك مما استفدته وتفرع عندي من شيخنا وإمامنا القاضي أبي يعلى بن الفراء ، وإن كان قد نصر خلاف ماذكرته فى هذا الباب ، فهو العالم المقتدى به فى علمه ودينه ، فإنى ما رأيت أحسن سمتا منه ، ولا أكثر اجتهاداً منه ، ولا تشاغلا بالعلم ، مع كثرة العلم والصيانة والانقطاع عن الناس والزهادة فيما بأيديهم ، والقناعة في الدنيا باليسير ، مع حسن التجمل ، وعظم حشمته عند الخاص والعام ، ولم يعدل بهذه الأخلاق شيئا من نفر من الدنيا . ٨٣ وذكر القاضي يعقوب فى مصنفه أن ما قاله قول أبي بكر أحمد بن المسيب الطبري، وحكاه عن جماعة من أفضل أهل طبرستان ، وأنه سمع الفقيه عبد الوهاب بن حلبه قاضي حران يقول : هو مذهب العلوي الحراني ، وجماعة من أهل حران. وذكره أبو عبد الله بن حامد عن جماعة من أهل طبرستان ممن ينتمي إلى مذهبنا: كأبي محمد الكشفل وإسماعيل الكاوذرى (١) فى خلق من أتباعهم يقولون إنها قديمة ، قال القاضي أبو يعلى: وكذلك حكي لي عن طائفة بالشام أنها تذهب إلى ذلك منهم النابلسي وغيره ، وذكر القاضي حسين أن أباه رجع فى آخر عمره إلى هذا . وذكروه عن الشريف أبي علي بن أبى موسى ، وتبعهم فى ذلك الشيخ أبو الفرج المقدسي وابنه عبد الوهاب وسائر أتباعه، وأبو الحسن بن الزاغونى وأمثاله. وذكر القاضي يعقوب أن كلام أحمد يحتمل القولين . وهؤلاء تعلقوا بقول أحمد لما قيل له إن سريا السقطي قال : لما خلق الله الأحرف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر . فقال أحمد هذا كفر . وهؤلاء تعلقوا من قول أحمد بقوله : كل شيء من المخلوقين على لسان المخلوقين فهو مخلوق ، وبقوله لو كان كذلك لما تمت صلاته بالقرآن كما لا تتم بغيره من كلام الناس . وبقول أحمد (١) نسخة الكلوناى. ٨٤ لأحمد بن الحسن الترمذي : ألست مخلوقا ؟ قال بلى ، قال أليس كل شيء منك مخلوقا ؟ قال بلى، قال فكلامك منك وهو مخلوق . ( قلت ) الذي قاله أحمد فى هذا الباب صواب يصدق بعضه بعضا وليس فى كلامه تناقض، وهو أنكره على من قال: إن الله خلق الحروف؛ فإن من قال إن الحروف مخلوقة كان مضمون قوله: إن الله لم يتكلم بقرآن عربى ، وإن القرآن العربى مخلوق ، ونص أحمد أيضاً على أن كلام الآدميين مخلوق ، ولم يجعل شيئاً منه غير مخلوق ، وكل هذا صحيح، والسري رحمه الله إنما ذكر ذلك عن بكر بن خنيس العابد ، فكان مقصودها بذلك أن الذي لا يعبد الله إلا بأمره، هو أكمل ممن يعبده برأيه من غير أمر من الله، واستشهدا على ذلك بما بلغها ((أنه لما خلق الله الحروف سجدت له إلا الألف فقالت لا أسجد حتى أومر)) وهذا الأثر لا يقوم بمثله حجة فى شيء ، ولكن مقصودهما ضرب المثل أن الألف منتصبة فى الخط ليست هي مضطجعة كالباء والتاء، فمن لم يفعل حتى يؤمر أكمل ممن فعل بغير أمر. وأحمد أنكر قول القائل إن الله لما خلق الحروف ، وروي عنه أنه قال : من قال إن حرفا من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي ، لأنه سلك طريقا إلى البدعة ، ومن قال إن ذلك مخلوق فقد قال إن القرآن مخلوق. وأحمد قد صرح هو وغيره من الأئمة أن الله لم يزل متكلما إذا ٨٥ شاء ، وصرح أن الله يتكلم بمشيئته ، ولكن أتباع ابن كلاب كالقاضي وغيره تأولوا كلامه على أنه أراد بذلك إذا شاء الإسماع؛ لأنه عندهم لم بتكلم بمشيئته وقدرته . وصرح أحمد وغيره من السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يقل أحد من السلف إن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته ، ولا قال أحد منهم إن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال، وإن اللّه قامت به حروف معينة أو حروف وأصوات معينة قديمة أزلية لم تزل ولا تزال ، فإن هذا لم يقله ولا دل عليه قول أحمد ولا غيره من أئمة المسلمين، بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح فى نقيض هذا، وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء، مع قولهم إن كلام الله غير مخلوق ، وإنه منه بدأ ؛ ليس بمخلوق ابتدأ من غيره ، ونصوصهم بذلك كثيرة معروفة فى الكتب الثابتة عنهم ، مثل ما صنف أبو بكر الخلال فى (كتاب السنة)) وغيره، وما صنفه عبد الرحمن بن أبي حاتم من كلام أحمد وغيره ، وما صنفه أصحابه وأصحاب أصحابه : كابنيه صالح وعبد الله، وحنبل، وأبي داود السجستانى صاحب ((السنن)) والأثرم، والمروذي ، وأبى زرعة ، وأبى حاتم ، والبخاري صاحب الصحيح ، وعثمان بن سعيد الدارمي ، وإبراهيم الحربى ، وعبد الوهاب الوراق ، ٨٦ وعباس بن عبد العظيم العنبري ، وحرب بن إسماعيل الكرمانى ، ومن لا يحصى عدده من أكبر أهل العلم والدين ، وأصحاب أصحابه ممن جمع كلامه وأخباره: كعبد الرحمن بن أبى حاتم وأبى بكر الخلال ، وأبى الحسن البنانى الأصبهانى ، وأمثال هؤلاء ، ومن كان أيضاً بأتم به وبأمثاله من الأئمة في الأصول والفروع : كأبى عيسى الترمذي صاحب الجامع ، وأبى عبد الرحمن النسائى وأمثالها ، ومثل أبى محمد بن قتيبة وأمثاله ، وبسط هذا له موضع آخر . وقد ذكرنا في ((المسائل الطبرستانية)) و((الكيلانية)) بسط مذاهب الناس وكيف تشعبت وتفرعت في هذا الأصل . والمقصود هنا أن كثيراً من الناس المتأخرين لم يعرفوا حقيقة كلام السلف والأئمة ، فمنهم من يعظمهم ويقول إنه متبع لهم ، مع أنه مخالف لهم من حيث لا يشعر، ومنهم من يظن أنهم كانوا لا يعرفون أصول الدين ولا تقريرها بالدلائل البرهانية ، وذلك لجهله بعلمهم ؛ بل لجهله بما جاء به الرسول من الحق الذي تدل عليه الدلائل العقلية مع السمعية ؛ فلهذا يوجد كثير من المتأخرين يشتركون فى أصل فاسد ، ثم يفرع كل قوم عليه فروعا فاسدة يلتزمونها ، كما صرحوا فى تكلم الله تعالى بالقرآن العربى ، وبالتوراة العبرية ، وما فيها من حروف الهجاء مؤلفاً أو مفرداً لما رأوا أن ذلك بلغ بصفات المخلوقين اشتبه بصفات المخلوقين ، فلم يهتدوا لموضع ٨٧ الجمع والفرق ، فقال هؤلاء : هذا الذي يقرأ ويسمح مثل كلام المخلوقين فهو مخلوق . وقال هؤلاء : هذا الذي من كلام الآدميين هو مثل كلام الله فيكون غير مخلوق ، كما ذكر ابن عقيل في ((كتاب الإرشاد )) عن بعض القائلين بأن القرآن مخلوق ، فقال: شبهة اعترض بها عليّ بعض أئمتهم فقال : أقل مافي القرآن من أمارات الحدث كونه مشبهاً لكلامنا ، والقديم لا يشبه المحدث ومعلوم أنه لا يمكن دفع ذلك ؛ لأن قول القائل لغلامه يحيى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة ، يضاهي قوله سبحانه ، حتى لا يميز السامع بينهما من حيث حسه ، إلا أن يخبره أحدهما بقصده والآخر بقصده ، فيميز بينهما بخبر القائل لا بحسه ، وإذا اشتبها إلى هذا الحد فكيف يجوز دعوى قدم ما يشابه المحدث ويسد مسده ، مع أنه إن جاز دعوى قدم الكلام مع كونه مشاهداً للمحدث جاز دعوى التشبيه بظواهر الآي والأخبار ، ولا مانع من ذلك ، فلما فزعنا نحن وأنتم إلى نفي التشبيه خوفا من جواب دخول القرآن بالحدث علينا ، كذلك يجب أن تفزعوا من القول بالقدم مع وجود الشبه ، حتى إن بعض أصحابكم يقول لقوة ما رأى من الشبه بينها إن الكلام واحد والحروف غير مخلوقة ، فكيف يجوز أن يقال فى الشيء الواحد إنه قديم محدث . ٨٨ قلت : وهذا الذي حكى عنه ابن عقيل من بعض الأصحاب المذكورين منهم القاضي يعقوب البرزيني ذكره في مصنفه فقال : ( دليل عاشر ) وهو أن هذه الحروف بعينها وصفتها ومعناها وفائدتها هي التى في كتاب الله تعالى وفى أسمائه وصفاته والكتاب بحروفه قديم ؛ وكذلك هاهنا. قال : فإن قيل : لا نسلم أن تلك لها حرمة وهذه لا حرمة لها ، قيل: لا نسلم بل لها حرمة . فإن قيل : لو كان لها حرمة لوجب أن تمنع الحائض والنفساء من مسها وقراءتها ، قيل : قد لا تمنع من قراءتها ومسها ويكون لها حرمة كبعض آية لا تمنع من قراءتها ولها حرمة وهي قديمة ، وإنما لم تمنع من قراءتها ومسها للحاجة إلى تعليمها ، كما يقال فى الصبى يجوز له مس المصحف على غير طهارة للحاجة إلى تعليمه . فإن قيل : فيجب إذا حلف بها حالف أن تنعقد يمينه وإذا خالف يمينه أن يحنث ، قيل له : كما فى حروف القرآن مثله نقول هنا . فإن قيل : أليس إذا وافقها فى هذه المعانى دل على أنها هي ، ألا ترى أنه إذا تكلم متكلم بكلمة يقصد بها خطاب آدمي فوافق صفتها صفة ما فى كتاب الله تعالى، مثل قوله ، يا داود ! يا نوح! يا يحيى! وغير ذلك ؛ فإنه موافق لهذه الأسماء التى فى كتاب الله، وإن ٨٩ كانت فى كتاب الله قديمة وفى خطاب الآدمى محدثة؟. قيل : كل ما كان موافقاً لكتاب الله من الكلام فى لفظه ونظمه وحروفه فهو من كتاب اللّه وإن قصد به خطاب آدمي. فإن قيل : فيجب إذا أراد بهذه الأسماء آدمياً وهو فى الصلاة أن لا تبطل صلاته . قيل له : كذلك نقول وقد ورد مثل ذلك عن علي وغيره ؛ إذ ناداه رجل من الخوارج: ( لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ) قال: فأجابه على وهو فى الصلاة : (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقِّ وَلَا يَسْتَخِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ) . وعن ابن مسعود أنه استأذن عليه بعض أصحابه فقال: ( أُدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُءَامِنِينَ ). قال : فإن قيل: أليس إذا قال: (يَحْىِ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ) ونوى به خطاب غلام اسمه يحيى يكون الخطاب مخلوقا ؟ وإن نوى به القرآن يكون قديما ، قيل له : فى كلا الحالين يكون قديماً؛ لأن القديم عبارة عما كان موجوداً فيما لم يزل ، والمحدث عبارة عما حدث بعد أن لم يكن ، والنية لا تجعل المحدث قديماً ولا القديم محدثاً ، قال : ومن قال هذا فقد بالغ فى الجهل والخطأ . ٩٠ وقال أيضاً: كل شيء يشبه بشيء ما فإنما يشبهه فى بعض الأشياء دون بعض ، ولا يشبهه من جميع أحواله ؛ لأنه إذا كان مثله فى جميع أحواله كان هو لا غيره ، وقد بينا أن هذه الحروف تشبه حروف القرآن فهي غيرها اهـ . ( قلت ) : هذا كلام القاضي يعقوب وأمثاله ، مع أنه أجل من تكلم فى هذه المسألة ، ولما كان جوابه مشتملا على ما يخالف النص والإجماع والعقل خالفه ابن عقيل وغيره من أئمة المذهب الذين هم أعلم به . وأجاب ابن عقيل عن سؤال الذين قالوا هذا مثل هذا ، بأن قال : الاشتراك فى الحقيقة لا يدل على الاشتراك فى الحدوث ، كما أن كونه عالما هو تبينه للشيء على أصلكم ، ومعرفته به على قولنا على الوجه الذي يتبينه الواحد منا ، وليس مماثلا لنا فى كوننا علمين . وكذلك كونه قادراً هو صحة الفعل منه سبحانه وتعالى ، وليست قدرته على الوجه الذي قدرنا عليها ، فليس الاشتراك فى الحقيقة حاصلا ، والافتراق فى القدم والحدوث حاصل . قال: ((وجواب آخر))، لا نقول إن الله يتكلم بكلامه على ٩١ الوجه الذي يتكلم به زيد ، بمعنى أنه يقول : يا يحيى ! فإذا فرغ من ذلك انتقل إلى قوله خذ الكتاب بقوة ، وترتب فى الوجود كذلك ، بل هو سبحانه وتعالى يتكلم به على وجه تعجز عن مثله أدواتنا. فما ذكرته من الاشتباه من قول القائل يا يحيى خذ الكتاب يعود إلى اشتباه التلاوة بالكلام المحدث ، فأما أنه يشابه الكلام القائم بذاته فلا . قال ابن عقيل: قالوا فهذا لا يجيء على مذهبكم ؛ فإن عندكم التلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء . قيل : ليس معنى قولنا هي المتلو أنها هذه الأصوات المقطعة ، وإنما نريد به ما يظهر من الحروف القديمة فى الأصوات المحدثة ، وظهورها فى المحدث لا بد أن يكسبها صفة التقطيع لاختلاف الأنفاس ، وإدارة اللهوات ؛ لأن الآلة التى تظهر عليها لا تحمل الكلام إلا على وجه التقطيع ، وكلام الباري قائم بذاته على خلاف هذا التقطيع، والابتداء ، والانتهاء ، والتكرار ، والبعدية، والقبلية . ومن قال ذلك لم يعرف حد القديم وادعى قدم الأعراض وتقطع القديم، وتقطع القديم عرض لا يقوم بقديم ، ومن اعتقد أن كلام الله القائم بذاته على حد تلاوة التالى من القطع والوصل ، والتقريب والتبعيد والبعدية والقبلية فقد شبه اللّه بخلقه. ولهذا روي فى الخبر (( أن موسى سأله بنو إسرائيل كيف سمعت كلام ربك؟ قال كالرعد الذي لا يترجع)» يعني ينقطع لعدم قطع الأنفاس وعدم الأنفاس ، والآلات والشفاه ٩٢ واللهوات ، ومن قال غير ذلك وتوهم أن الله تكلم على لسان التالي، أو الكلام الذي قام بذاته على هذه الصفة من التقطيع والوصل . والتقريب والتبعيد : فقد حكم به محدثا ؛ لأن الدلالة على حدوث العالم هو الاجتماع والافتراق ؛ ولأن هذه من صفات الأدوات اهـ . ( قلت ) فهذا الذي قاله ابن عقيل أقل خطأ مما قاله البرزينى ، فإن ذلك مخالف للنص والإجماع والعقل مخالفة ظاهرة ، فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أن من تكلم فى الصلاة بكلام الآدميين عامداً لغير مصلحتها عالما بالتحريم بطلت صلاته بالإجماع ، خلاف ماذكره القاضي يعقوب ، ومتى قصد به التلاوة لم تبطل بالإجماع ، وإن قصد به التلاوة والخطاب ففيه نزاع ، وظاهر مذهب أحمد لاتبطل كمذهب الشافعي وغيره وقيل تبطل كقول أبي حنيفة وغيره . وما ذكروه عن الصحابة حجة عليهم ؛ فإن قول علي بن أبي طالب : هو كلام (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَ يُوقِنُونَ) الله ولم يقصد علي أن يقول للخارجي: ولا يستخفنك الخوارج؛ وإنما قصد أن يسمعه الآية ، وأنه عامل بها صابر لا يستخفه الذين لا يوقنون ، وابن مسعود قال لهم وهو بالكوفة: (ادْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ اللَّهُهَامِنِينَ). ومعلوم أن مصر بلا تنوين هي مصر المدينة وهذه لم تكن بالكوفة . وابن مسعود إنما كان بالكوفة ؛ فعلم أنه قصد تلاوة الآية ، وقصد مع ٩٣ ذلك تنبيه الحاضرين على الدخول ؛ فإنهم سمعوا قوله ادخلوا ، فعلموا أنه أذن لهم فى الدخول ، وإن كان هو تلا الآية فهذا هذا . وأما جواب ابن عقيل فبناه على أصل ابن كلاب الذي يعتقده هو وشيخه وغيرهما ، وهو الأصل الذي وافقوا فيه ابن كلاب ومن اتبعه كالأشعري وغيره ، وهو أن اللّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه ليس فيما يقوم به شيء يكون بمشيئته وقدرته : لامتناع قيام الأمور الاختيارية به عندم؛ لأنها حادثة والله لا يقوم به حادث عندهم ؛ ولهذا تأولوا وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ النصوص المناقضة لهذا الأصل ، كقوله تعالى : ( ) فإن هذا يقتضى أنه سيرى الأعمال فى عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ثُمَ جَعَلْنَكُمْ خَلَيِفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ المستقبل ، وكذلك قوله : ( ( وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ لِمَنْظُرَكَيْفَ تَعْمَلُونَ ) وقوله : ( ) فإن هذا قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُاللَّهُ وكذلك قوله : ( يقتضي أنه يحبهم بعد اتباع الرسول . وكذلك قوله تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّصَوَّرْنَكُمْ ثُمَّقُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِأَسْجُدُواْ لاَدَمَ ) فإن هذا يقتضي أنه قال لهم بعد خلق آدم ، وكذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنَهَا نُودِىَ ) يقتضي أنه نودي لما أتاها ، لم يناد قبل ذلك ، وكذلك قوله : ) ومثل هذا إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فى القرآن كثير . ٩٤ وهذا الأصل هو مما أنكره الإمام أحمد على ابن كلاب وأصحابه، حتى على الحارث المحاسبى مع جلالة قدر الحارث ، وأمر أحمد بهجره وهجر الكلابية ، وقال : احذروا من حارث ، الآفة كلها من حارث، فمات الحارث وما صلى عليه إلا نفر قليل بسبب تحذير الإمام أحمد عنه ، مع أن فيه من العلم والدين ما هو أفضل من عامة من وافق ابن كلاب على هذا الأصل ، وقد قيل إن الحارث رجع عن ذلك وأقر بأن اللّه يتكلم بصوت، كما حكى عنه ذلك صاحب ((التعرف لمذهب التصوف )) أبو بكر محمد بن إسحاق الكلاباذي . وكثير من المتأخرين من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبى حنيفة وافقوا ابن كلاب على هذا الأصل ، كما قد بسط الكلام على ذلك فى مواضع أخر . واختلف كلام ابن عقيل فى هذا الأصل ، فتارة يقول بقول ابن كلاب، وتارة يقول بمذهب السلف وأهل الحديث أن الله تقوم به الأمور الاختيارية ، ويقول إنه قام به أبصار متجددة حين تجدد المرئيات لم تكن قبل ذلك، وقام به علم بأن كل شيء وجد غير العلم الذي كان أولاً أنه سيوجد ، كما دل على ذلك عدة آيات فى القرآن، كقوله تعالى: ( لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ ) وغير ذلك. وكلامه فى هذا الأصل وغيره يختلف ، تارة يقول بهذا، وتارة يقول بهذا ، فإن هذه المواضع مواضع ٩٥ مشكلة كثر فيها غلط الناس ؛ لما فيها من الاشتباه والالتباس . والجواب الحق : أن كلام الله لا يماثل كلام المخلوقين ، كما لا يماثل فى شيء من صفاته صفات المخلوقين ، وقول القائل : إن الاشتراك فى الحقيقة لا يدل على الاشتراك فى الحدوث لفظ مجمل ، فإنا إذا قلنا : للّه علم ولنا علم، أو له قدرة ولنا قدرة ، أو له كلام ولنا كلام. أو تكلم بصوت ونحن نتكلم بصوت ، وقلنا صفة الخالق وصفة المخلوق اشتركنا فى الحقيقة ، - فان أريد بذلك أن حقيقتها واحدة بالعين فهذا مخالف للحس والعقل والشرع ، وإن أريد بذلك أن هذه مماثلة لهذه فى الحقيقة ، وإنما اختلفتا فى الصفات العرضية ، كما قال ذلك طائفة من أهل الكلام - وقد بين فساد ذلك فى الكلام على ((الأربعين)) للرازي وغير ذلك - فهذا أيضاً من أبطل الباطل ، وذلك يستلزم أن تكون حقيقة ذات الباري عز وجل مماثلة لحقيقة ذوات المخلوقين . وإن أريد بذلك أنهما اشتركا في مسمى العلم والقدرة والكلام فهذا صحيح ، كما أنه إذا قيل : إنه موجود أو إن له ذاتا فقد اشتركا فى مسمى الوجود والذات ، لكن هذا المشترك أمر كلي لا يوجد كلياً إلا في الأذهان لا في الأعيان ، فليس في الخارج شيء اشترك فيه مخلوقان كاشتراك الجزئيات في كلياتها بخلاف اشتراك الأجزاء فى الكل ، فإنه يجب الفرق بين قسمة الكلي إلى جزئياته ، كقسمة الحيوان إلى ٩٦ ناطق وغير ناطق ، وقسمة الإنسان إلى مسلم وكافر ، وقسمة الاسم إلى معرب ومبني ، وقسمة الكل إلى أجزائه كقسمة العقار بين الشركاء وقسمة الكلام إلى اسم وفعل وحرف ، ففي الأول إنما اشتركت الأقسام فى أمر كلي فضلا عن أن يكون الخالق والمخلوقون مشتركين فى شيء موجود فى الخارج ، وليس في الخارج صفة لله يماثل بها صفة المخلوق ، بل كل ما يوصف به الرب تعالى فهو مخالف بالحد والحقيقة ؛ لما يوصف به المخلوق أعظم مما يخالف المخلوق المخلوق وإذا كان المخلوق مخالفاً بذاته وصفاته لبعض المخلوقات في الحد والحقيقة ، فمخالفة الخالق لكل مخلوق في الحقيقة أعظم من مخالفة أي مخلوق فرض لأي مخلوق فرض، ولكن علمه ثبت له حقيقة العلم، ولقدرته حقيقة القدرة ، ولكلامه حقيقة الكلام ، كما ثبت لذاته حقيقة الذاتية ، ولوجوده حقيقة الوجود. وهو أحق بأن تثبت له صفات الكمال على الحقيقة من كل ما سواه . فهذا هو المراد بقولنا : علمه يشارك على المخلوق فى الحقيقة ، فليس ما يسمع من العباد من أصواتهم مشابهاً ولا مماثلا لما سمعه موسى من صوته إلا كما يشبه ويماثل غير ذلك من صفاته لصفات المخلوقين ، فهذا فى نفس تكلمه سبحانه وتعالى بالقرآن ، والقرآن عند الإمام أحمد وسأر أئمة السنة كلامه تكلم به ، وتكلم بالقرآن العربي بصوت نفسه ، وكلم موسى بصوت نفسه الذي لا يمائل شيئاً من أصوات العباد . ٩٧ ثم إذا قرأنا القرآن فإنما نقرؤه بأصواتنا المخلوقة التى لاتماثل صوت الرب ، فالقرآن الذي نقرؤه هو كلام اللّه مبلغا عنه لا مسموعا منه، وإنما نقرؤه بحركاتنا وأصواتنا ، الكلام كلام الباري ، والصوت صوت القارىء ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة مع العقل ، قال الله تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌّمِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ الَّهِثُمَّ ◌َبِغَهُ مَأْمَنَهُ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقال الإمام أحمد فى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)» قال، يزينه ويحسنه بصوته، كما قال: «زينوا القرآن بأصواتكم )) فنص أحمد على ما جاء به الكتاب والسنة أنا نقرأ القرآن بأصواتنا والقرآن كلام الله كله لفظه ومعناه، سمعه جبريل من اللّه وبلغه إلى محمد صلى الله عليه وسلم وسمعه محمد منه، وبلغه محمد إلى الخلق، والخلق يبلغه بعضهم إلى بعض ، ويسمعه بعضهم من بعض ، ومعلوم أنهم إذا سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فبلغوه عنه ، كما قال: ((نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه كما سمعه)) فهم سمعوا اللفظ من الرسول بصوت نفسه بالحروف التى تكلم بها ، وبلغوا لفظه بأصوات أنفسهم ، وقد علم الفرق بين من يروي الحديث بالمعنى لا باللفظ ، واللفظ المبلغ هو لفظ الرسول وهو كلام الرسول ؛ فإن كان صوت ٩٨ المبلغ ليس صوت الرسول ، وليس ما قام بالرسول من الصفات والأعراض فارقته وما قامت بغيره ؛ بل ولا تقوم الصفة والعرض بغير محله . وإذا كان هذا معقولا فى صفات المخلوقين فصفات الخالق أولى بكل صفة كمال، وأبعد عن كل صفة نقص ، والتباين الذي بين صفة الخالق والمخلوق أعظم من التباين الذي بين صفة مخلوق ومخلوق ، وامتناع الاتحاد والحلول بالذات للخالق وصفاته فى المخلوق أعظم من الاتحاد والحلول بالذات للمخلوق وصفاته في المخلوق . وهذه جمل قد بسطت في مواضع أخر . هذا مع أن احتجاج الجهمية والمعتزلة بأن كلام المخلوق بقوله : ( يَيَحْبِى خُذِالْكِتَبَ بِقُوَّةِ ) مثل كلام الخالق غلط باتفاق الناس حتى عندهم ، فإن الذين يقولون هو مخلوق يقولون إنه خلقه فى بعض الأجسام، أما الهواء أو غيره، كما يقولون: إنه خلق الكلام فى نفس الشجرة فسمعه موسى . ومعلوم أن تلك الحروف والأصوات التى خلقها الله ليست مماثلة لما يسمع من العبد ، وتلك هي كلام الله المسموع منه عندم ؛ كما أن أهل السنة يقولون الذي تكلم هو اللّه بمشيئته، وليس ذلك مماثلاً لصوت العبد . ٩٩ وأما القائلون بقدم الكلام المعين سواء كان معنى أو حروفا أو أصواتا ، فيقولون : خلق لموسى إدرا كا أدرك به ذلك القديم ، وبكل حال فكلام المتكلم إذا سمع من المبلغ عنه [ غير ما قام بنفس المتكلم المنشئ ] فكيف [ لا ] يكون ذلك في كلام الله تعالى؟. فيجب على الإنسان فى ((مسألة الكلام )) أن يتحرى أصلين : ( أحدهما ) تكلم اللّه بالقرآن وغيره، هل تكلم به بمشيئته وقدرته أم لا؟ وهل تكلم بكلام قائم بذاته أم خلقه فى غيره؟ ( والثانى ) تبليغ ذلك الكلام عن الله، وأنه ليس مما يتصف به الثانى، وإن كان المقصود بالتبليغ الكلام المبلغ . وبسط هذا له موضع آخر . وأيضا فهذان المتنازعان إذا قال أحدهما : إنها قديمة ، وليس لها مبتدأ ، وشكلها ونقطها محدث ، وقال الآخر : إنها ليست بكلام الله وإنها مخلوقة بشكلها ونقطها ، قد يفهم من هذا أنها أرادا بالحروف الحروف المكتوبة دون المنطوقة ، والحروف المكتوبة قد تنازع الناس فى شكلها ونقطها ، فإن الصحابة لما كتبوا المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة ؛ لأنهم إنما كانوا يعتمدون فى القرآن على حفظه فى صدورهم لا على المصاحف ، وهو منقول بالتواتر محفوظ فى الصدور ، ولو عدمت المصاحف لم يكن للمسلمين بها حاجة ، فإن المسلمين ليسوا كأهل الكتاب الذين يعتمدون على الكتب التى تقبل التغير، والله أنزل القرآن على محمد فتلقاه تلقياً وحفظه فى قلبه ، لم ينزله مكتوبا كالتوراة ، ١٠٠