النص المفهرس
صفحات 21-40
إِنَّ اُلَّذِينَ كَفَرُوْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ ) مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ ) وَاُلْمُشْرِكِينَ فِ نَارِجَهَنَّمَ . وكذلك لما ذكر الملل الست في الحج فقال: ( إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا ) الآية وقال تعالى (أَتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) الآية وهذا بعد قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرَّابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ) إلى قوله: (وَلَؤْكَرِهَ اَلْكَفِرُونَ) وقال: ( لَقَدْ كَفَرَالَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) فإذا كان اليهود والنصارى قد يكونون مشركين فالصابون أولى ، وذلك بعد تبديلهم ، حيث وصفوا بالشرك فبعد التبديل ، وحيث جعلوا غير مشركين فلأن أصل دينهم الصحيح ليس فيه شرك ، فالشرك مبتدع عندهم ؛ فينبغي التفطن لهذه المعاني . وكان الوحيد من ذوي الرأي والقياس والتدبير من العرب ، وهو معدود من حكاتهم وفلاسفتهم . ولهذا أخبر الله عنه بمثل حال المتفلسفة فى قوله: (إِنَّهُ فَكَّرُ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّقُئِلَ كَفَ قَدَّرَ ثُمَّ عَبَسَ * ثُمَ نَظَرَ ٠٠٠. ثُمَّأَدْبَرَوَأُسْتَكْبَرَ * وَسَرَ قَوْلُ الْبَشَرِ) إِنْ هَذَاإِلَا * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِرٌ يُؤْثَرُ ٢١ ثم إن هؤلاء فيما تقوله الأنبياء حيارى متهوكون ؛ فإنه بهرم نور النبوة، ولم تقع على أصولهم الفاسدة، فصاروا على ((أنحاء)): منهم من لا يؤمن بكثير مما تقوله الأنبياء والمرسلون ؛ بل يعرض عنه أو يشك فيه أو يكذب به ، ومنهم من يقول : يجوز الكذب لمصلحة راجحة ، والأنبياء فعلوا ذلك ، ومنهم من يقول: يجوز هذا لصالح العامة دون الخاصة ، وأمثلهم من يقول : بل هذه تخيلات وأمثلة مضروبة لتقريب الحقائق إلى قلوب العامة ، وهذه طريقة الفارابى وابن سينا؛ لكن ابن سينا أقرب إلى الإيمان من بعض الوجوه ، وإن لم يكن مؤمناً. فمن أدركته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبهرته براهينها وأنوارها ورأى ما فيها من أصناف العلوم النافعة ، والأعمال الصالحة - حتى قال ابن سينا : اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يطرق العالم ناموس أفضل من هذا الناموس - فلابد أن يتأول نصوص الكتاب والسنة على عادة إخوانه في محريف الكلم عن مواضعه ، فيحرفون ما أخبرت به الرسل عن كلام الله ؛ تحريفاً يصيرون به كفاراً ببعض تأويل الكتاب فى بعض صفات تنزيله . فلما رأوا أن الرسل سمت هذا الكلام كلام الله ، وأخبرت أنه نزلت به ملائكة الله، مثل الروح الأمين جبريل، أطلقت هذه ٢٢ العبارة فى الظاهر ، وكفرت بمعناها في الباطن ، وردوها إلى أصلهم أصل الصابئين ، وصاروا منافقين فى المسلمين وفى غيرم من أهل الملل . فيقولون : هذا القرآن كلام الله ، وهذا الذي جاءت به الرسل كلام الله ، ولكن المعنى أنه فاض على نفس النبى صلى الله عليه وسلم من العقل الفعال ، وربما قالوا إن العقل هو جبريل ، الذي ليس على الغيب بضين أي بخيل ؛ لأنه فياض . ويقولون إن الله كلم موسى من سماء عقله ، وإن أهل الرياضة والصفا يصلون إلى أن يسمعوا ما سمعه موسى كما سمعه موسى . وقد ضل بكلامه كثير من المشهورين مثل (( أبي حامد الغزالي)) ذكر هذا المعنى فى بعض كتبه، وصنفوا ((رسائل إخوان الصفا)) وغيرها ، وجمعوا فيها على زعمهم بين مقالات الصابئة المتأخرين التى هي الفلسفة المبتدعة وبين ما جاءت به الرسل عن الله ، فأتوا بما زعموا أنه معقول ولا دليل على كثير منه ، وربما ذكروا أنه منقول . وفيه من الكذب والتحريف أمر عظيم، وإنما يضلون به كثيراً بما فيه من الأمور الطبيعية والرياضية ، التى لا تعلق لها بأمر النبوات والرسالة لا بنفي ولا بإثبات ، ولكن ينتفع بها فى مصالح الدنيا : كالصناعات من الحراثة والحياكة ، والبناية والخياطة ونحو ذلك. ٢٣ فإذا عرف أن حقيقة قول هؤلاء المشركية الصابئة ، أن القرآن قول البشر كغيره ، لكنه أفضل من غيره ، كما أن بعض البشر أفضل من بعض ، وأنه فاض على نفس النبى صلى الله عليه وسلم من المحل الأعلى كما تفيض سائر العلوم والمعارف على نفوس أهلها ، فاعلم أن هذا القول كثر فى كثير من المتأخرين المظهرين للإسلام ، وهم منافقون وزنادقة ، وإن ادعوا كمال المعارف من المتفلسفة والمتكلمة ، والمتصوفة والمتفقهين، حتى يقول أحدهم - كالتلمساني - كلامنا يوصل إلى الله والقرآن يوصل إلى الجنة . وقد يقول بعضهم - كابن عربى - إن الولي يأخذ من حيث ما يأخذ الملك الذي يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول كثير منهم إن القرآن للعامة وكلامنا للخاصة . فهؤلاء جعلوا القرآن عضين ، وضربوا له الأمثال ؛ مثل ما فعل المشركون قبلهم ، كما فعلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم . فإن هؤلاء منهم من يفضل الولي الكامل والفيلسوف الكامل على النبى صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يفضل بعض الأولياء على زعمه ، أو بعض الفلاسفة : - مثل نفسه أو شيخه أو متبوعه - على النبى صلى الله عليه وسلم . وربما قالوا هو أفضل من وجه والنبى أفضل من وجه ، فلهم من الإلحاد والافتراء فى رسل الله نظير مالهم من الإلحاد والافتراء فى رسالات الله، فيقيسون الكلام الذي بلغته الرسل عن الله بكلامهم ، ويقيسون رسل اللّه بأنفسهم. وقد بين اللّه حال هؤلاء فى مثل قوله: (وَمَاقَدَرُواْاللّهَ ٢٤ ) إلى أن قال : حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَالُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرِمِّنْ شَىْءٍ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَقْتَ عَلَى اللَّهِكَذِبًا أَوْقَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوَ إِلَيْهِشَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ) فذكر الله إنزال الكتابين، الذين لم ينزل من عند الله كتاب أهدى منها - التوراة والقرآن - كما جمع بينها فى قوله: (قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْإِنَّا بِكُلِ كَفِرُونَ * قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعُهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ) وكذلك الجن لما استمعت القرآن (قَالُوا يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أَنْزِلَ مِنْ بَعْدِمُوسَى ) الآية. وقال تعالى: ( قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِندِ اُللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ ) ولهذا قال النجاشي لما سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . ثم ذكر تعالى حال الكذاب والمتنىء . فقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِّبَا أَوْقَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِشَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأَنِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) فجمع فى هذا بين من أضاف ما يفتريه إلى الله ، وبين من يزعم أنه يوحى إليه ولا يعين من أوحاه ، فإن الذي يدعى الوحي لا يخرج عن هذين القسمين . ويدخل في ((القسم الثانى)) من يُرِى عينيه فى المنام ما لا تريا، ٢٥ ومن يقول : ألقى فى قلبى وألهمت ونحو ذلك إذا كان كاذباً . ويدخل في ((القسم الأول)) من يقول: قال الله لي أو أمرفى الله أو وافقنى أو قال لي ونحو ذلك ؛ بخيالات أو إلهامات يجدها فى نفسه ولا يعلم أنها من عند الله، بل قد يعلم أنها من الشيطان ، مثل مسيلمة الكذاب ونحوه. ثم قال تعالى: (وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ) فهذه حال من زعم أن البشر يمكنهم أن يأتوا بمثل كلام الله ، أو أن هذا الكلام كلام البشر بفضيلة وقوة من صاحبه، فإذا اجتهد المرء أمكن أن يأتى بمثله. وهذا يعم من قال إنه يمكن معارضة القرآن ، كابن أبى سرح في حال ردته ، وطائفة متفرقين من الناس ، ويعم المتفلسفة الصابئة المنافقين والكافرين ؛ ممن يزعم أن رسالة الأنبياء كلام فاض عليهم قد يفيض على غيرم مثله، فيكون قد أنزل مثل ما أنزل الله فى دعوى الرسل ؛ لأن القائل سأنزل مثل ما أنزل الله قد يقوله غير معتقد أن الله أنزل شيئاً ؛ وقد يقوله معتقداً أن الله أنزل شيئا . فصل ولهذا كان أول من أظهر إنكار التكليم والمحالة ((الجعد بن درهم)) فى أوائل المائة الثانية ، وأمر علماء الإسلام - كالحسن البصري وغيره - ٢٦ بقتله ؛ فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق بواسط . فقال أيها الناس ! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإنى مضح بالجعد بن درم ، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليماً ! تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيراً . ثم نزل فذبحه . وأخذ ذلك عنه ((الجهم بن صفوان)) فأنكر أن يكون الله يتكلم، ثم نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام ، وقال : كلامه يخلق في محل كالهواء وورق الشجر . ودخل بعض أهل الكلام والجدل من المنتسبين إلى الإسلام من المعتزلة ونحوهم إلى بعض مقالة الصابئة والمشركين ، متابعة للجعد والجهم. وكان مبدأ ذلك أن الصابئة فى (( الخلق )) على قولين : منهم من يقول إن السموات مخلوقة بعد أن لم تكن ، كما أخبرت بذلك الرسل ، وكتب الله تعالى، ومنهم من ابتدع فقال: بل هي قديمة أزلية، لم تزل موجودة بوجود الأول ، واجب الوجود بنفسه ، ومنهم من قد ينكر الصانع بالكلية ، ولهم مقالات كثيرة الاضطراب فى الخلق والبعث، والمبدأ والمعاد ؛ لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل الله تعالى فيجمعهم، والظنون لا تجمع الناس فى مثل هذه الأمور التى تعجز الآراء عن إدراك حقائقها إلا بوحي من الله تعالى . وهم إنما يناظر بعضهم بعضاً بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية السفلية ، وقوى الطبائع الموجودة فى التراب والماء ، والهواء ٢٧ والحيوان ، والمعدن والنبات ، ويريدون بهذه المقدمات السفلية أن ينالوا معرفة الله وعلى مافوق السموات ، وأول الأمر وآخره ؛ وهذا غلط بين اعترف به أساطينهم بأن هذا غير ممكن ، وأنهم لاسبيل لهم إلى إدراك اليقين ، وأنهم إن يتبعون إلا الظن . فلما كان هذا حال هذه الصابئة المبتدعة الضالة ، ومن أضلوه من اليهود والنصارى ، وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهد بهدى اللّه، الذي بعث به رسله ، من أهل الكلام والجدل ، صاروا يريدون أن يأخذوا مأخذم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبراً بشبر وذراعا بذراع )) قالوا يا رسول الله! فارس والروم؟! قال: ((ومن الناس إلا فارس والروم؟!)) فاحتجوا على حدوث العالم بنحو من مسالك هذه الصابئة ، وهو الكلام فى الأجسام والأعراض ، بأن تثبت الأعراض ثم يثبت لزومها للأجسام ثم حدوثها، ثم يقال: مالا يسبق الحوادث فهو حادث ، واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في إثبات حدوث العالم ، فلما رأوا أن الأعراض - التى هي الصفات - تدل عندهم على حدوث الموصوف الحامل للأعراض التزموا نفيها عن الله ؛ لأن ثبوتها مستلزم حدوثه . وبطلان دليل حدوث العالم - الذي اعتقدوا أن لا دليل سواء، بل ربما اعتقدوا أنه لا يصح إيمان أحد إلا به - معلوم بالاضطرار من دين الإسلام . ٢٨ وهؤلاء يخالفون ((الصابئة الفلاسفة)) الذين يقولون بقدم العالم ، وبأن النبوة كمال تفيض على نفس النبى ؛ لأن هؤلاء المتكلمين أكثر حقا ، وأتبع للأدلة العقلية والسمعية لما تنورت به قلوبهم من نور الإسلام والقرآن ، وإن كانوا قد ضلوا فى كثير مما جاءت به الرسل ؛ لكن م خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها [ أهل السنة ] فوافقوا أولئك على أن اللّه لم يتكلم، كما وافقوم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا صفة من الصفات ، ورأوا أن إثباته متكلما يقتضي أن يكون جسما، والجسم حادث ؛ لأنه من الصفات الدالة على حدوث الموصوف، بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من غيره ؛ بل الله يفتقر من الخارج إلى مالا يفتقر إليه غيره ؛ ولأن فيه من الترتيب والتقديم والتأخير ما ليس فى غيره ؛ ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه متكلم والقرآن مملوء بإثبات ذلك صاروا تارة يقولون متكلم مجازاً لا حقيقة ، وهذا قولهم الأول لما كانوا فى بدعتهم على الفطرة ، قبل أن يدخلوا فى المعاندة والجحود . ثم إنهم رأوا أن هذا شنيعاً ، فقالوا بل هو متكلم حقيقة، وربما حكى بعض متكلميهم الإجماع وليس عندم كذلك ، بل حقيقة قولهم وأصله عند من عرفه وابتدعه أن الله ليس بمتكلم ، وقالوا المتكلم من فعل الكلام ولو فى محل منفصل عنه ؛ ففسروا المتكلم فى اللغة ٢٩ بمعنى لا يعرف فى لغة العرب ولا غيرهم ؛ لا حقيقة ولا مجازاً؛ وهذا قول من يقول إن القرآن مخلوق ، وهو أحد قولي الصابئة الذين يوافقون الرسل فى حدوث العالم ، وهو وإن كان كفراً بما جاءت به الرسل فليس هو فى الكفر مثل القول الأول ؛ لأن هؤلاء لا يقولون إن الله أراد أن يبعث رسولاً معيناً، وأن ينزل عليه هذا الكلام الذي خلقه ، وأنكروا أن يكون متكلما على الوجه الذي دلت عليه الكتب الإلهية ، واتفقت عليه أهل الفطرة السليمة . ونشأ بين هؤلاء الذين م فروع الصابئة وبين المؤمنين أتباع الرسل الخلاف ، فكفر هؤلاء ببعض ما جاءت به الرسل من وصف الله بالكلام والتكليم ، واختلفوا في كتاب الله فآمنوا ببعض وكفروا ببعض . واتبع المؤمنون ما أنزل إليهم من ربهم من أن اللّه تكلم بالقرآن ، وأنه كلم موسى تكليما، وأنه يتكلم ولم يحرفوا الكلم عن مواضعه كما فعل الأولون ؛ بل ردوا تحريف أولئك بيصار الإيمان الذي علموا به مراد الرسل من إخبارهم برسالة اللّه وكلامه، واتبعوا هذا القرآن والحديث وإجماع السلف من الصحابة والتابعين وسار أتباع الأنبياء ، وعلموا أن قول هؤلاء أخبث من قول اليهود والنصارى ، حتى كان ابن المبارك - إمام المسلمين - يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكى كلام الجهمية. ٣٠ وكان قدكثر ظهور هؤلاء الذين م فروع المشركين ومن اتبعهم من مبدلة الصابئين ، ثم مبدلة اليهود والنصارى فى أوائل المائة الثانية ، وأوائل الثالثة فى إمارة أبى العباس الملقب ((بالمأمون))، بسبب تعريب كتب الروم المشركين الصابئين ؛ الذين كانوا قبل النصارى ، ومن أشبههم من فارس والهند ، وظهرت علوم الصابئين المنجمين ونحوم . وقد تقدم أن أهل الكلام المبتدع فى الإسلام هم من فروع الصابئين ، كما يقال: المعتزلة مخانيث الفلاسفة . فظهرت هذه المقالة فى أهل العلم والكلام ، وفى أهل السيف والإمارة ، وصار فى أهلها من الخلفاء والأمراء ، والوزراء والقضاة ، والفقهاء ما امتحنوا به المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات ، الذين اتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم ، ولم يبدلوا ولم يبتدعوا ، وذلك لقصور وتفريط من أكثرم فى معرفة حقيقة ما جاء به الرسول وأتباعه ، وإلا فلو كان ذلك كثيراً فيهم لم يتمكن أولئك المبتدعة لما يخالف دين الإسلام من التمكن منهم . فصل فجاء قوم من متكلمى الصفاتية الذين نصروا أن الله له على وقدرة وبصر وحياة ، بالمقاييس العقلية المطابقة للنصوص النبوية ، وفرقوا بين الصفات القائمة بالجواهر فجعلوها أعراضاً ، وبين الصفات القائمة بالرب فلم يسموها أعراضاً ؛ لأن العرض مالا يدوم ولا يبقى ، أو ما يقوم بمتحيز أو ٣١ جسم . فصفات الرب لازمة دائمة ليست من جنس الأعراض القائمة بالأجسام. وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة فى كثير من أمورهم ، وأثبتوا الصفات التى قد يستدل بالقياس العقلي عليها ، كالصفات السبع وهي: الحياة ، والعلم ، والقدرة، والإرادة ، والسمع، والبصر ، والكلام . ولهم نزاع فى السمع والبصر والكلام ، هل هو من الصفات العقلية أو الصفات النبوية الخبرية السمعية ، ولهم اختلاف فى البقاء والقدم ، وفى الإدراك الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات ، ولهم أيضا اختلاف فى الصفات السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد ، فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها وكثير من متأخريهم لا يثبتها ، وأما ما لا يرد إلا فى الحديث فأكثرهم لا يثبتها . ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس العقلي عنده ، ومنهم من يفوض معناها - وليس الغرض هنا تفصيل مقالات الناس فيما يتعلق بسائر الصفات . وإنما المقصود القول في ((رسالة اللّه، وكلامه)) الذي بلغته رسله فكان هؤلاء بينهم وبين أهل الوراثة النبوية قدر مشترك بما سلكوه من الطرق الصابئة فى أمر الخالق ، وأسمائه وصفاته ؛ فصار فى مذهبهم فى الرسالة تركيب من الوراثتين ، لبسوا حق ورثة الأنبياء يباطل ورثة أتباع الصابئة ، كما كان فى مذهب أهل الكلام المحض المبتدع كالمعتزلة تركيب ، وليس بين الأثارة النبوية وبين الأثارة الصابئة ؛ ٣٢ لكن أولئك أشد اتباعا للأثارة النبوية ، وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة ، ونحوم من وجوه كثيرة . ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه ، والحديث والتصوف ؛ لوجوه : ((أحدها)) كثرة الحق الذي يقولونه، وظهور الأثارة النبوية عنده . ((الثاني)) لبسهم ذلك بمقاييس عقلية بعضها موروث عن الصابئة ، وبعضها مما ابتدع فى الإسلام ، واستيلاء ما في ذلك من الشبهات عليهم، وظنهم أنه لم يمكن التمسك بالأثارة النبوية من أهل العقل والعلم ، إلا على هذا الوجه . ((الثالث)) ضعف الأثارة النبوية الدافعة لهذه الشبهات، والموضحة لسبيل الهدى عندم . ((الرابع)) العجز والتفريط الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث : تارة يروون ما لا يعلمون صحته ، وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور . ٣٣ فلما كان هذا (( منهاجهم)) وقالوا : إن القرآن غير مخلوق لما دل على ذلك من النصوص وإجماع السلف ، ولما رأوا أنه مستقيم على الأصل الذي قرروه فى الصفات ، ورأوا أن التوفيق بين النصوص النبوية السمعية ، وبين القياس العقلي لا يستقيم إلا أن يجعلوا القرآن معنى قائماً بنفس الله تعالى - كسائر الصفات، كما جعله الأولون من باب المصنوعات المخلوقات ، لا قديماً كسائر الصفات - ورأوا أنه ليس إلا مخلوقا أو قديما، فإن إثبات قسم ثالث قائم بالله يقتضي حلول الحوادث بذاته ، وهو دليل على حدوث الموصوف ، ومبطل لدلالة حدوث العالم . ثم رأوا أنه لا يجوز أن يكون معانى كثيرة ؛ بل إما معنى واحد عند طائفة ، أو معان أربعة عند طائفة ، والتزموا على هذا أن حقيقة الكلام هي المعنى القائم بالنفس ، وأن الحروف والأصوات ليست من حقيقة الكلام ؛ بل دالة عليه فتسمى باسمه ؛ إما مجازا عند طائفة ، أو حقيقة بطريق الاشتراك عند طائفة ، وإما مجازا في كلام اللّه حقيقة في غيره عند طائفة . وخالفهم الأولون وبعض من يتسنن أيضاً ، وقالوا : لا حقيقة للكلام إلا الحروف والأصوات، وليس وراء ذلك معنى إلا العلم ونوعه، أو الإرادة ونوعها ، فصار النزاع بين الطائفتين . ٣٤ وأورد على هؤلاء أن الأمر والنهي والخبر صفات للكلام إضافية ليست أنواعاً له وأقساماً، وأن كلام اللّه معنى واحد: إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن ، وبالعبرية فهو توراة ، وبالسريانية فهو إنجيل . وقال لهم أكثر الناس هذا معلوم الفساد بالضرورة ، كما قال الأولون إنه خلق الكلام فى الهواء فصار متكلماً به ، وإن المتكلم من أحدث الكلام ولو فى ذات غير ذاته ؛ وقال لهم أكثر الناس : إن هذا معلوم الفساد بالضرورة . وقال الجمهور من جميع الطوائف : إن الكلام اسم للفظ والمعنى جميعاً ، كما أن الإنسان المتكلم اسم للروح والجسم جميعاً، وأنه إذا أطلق على أحدهما فبقرينة ، وأن معانى الكلام متنوعة ليست منحصرة فى العلم والإرادة ، كتنوع ألفاظه، وإن كانت المعانى أقرب إلى الاتحاد والاجتماع ، والألفاظ أقرب إلى التعدد والتفرق . والتزم هؤلاء أن حروف القرآن مخلوقة ، وإن لم يكن عندهم الذي هو كلام الله مخلوقاً ، وفرقوا بين كتاب اللّه وكلامه. فقالوا كتاب الله هو الحروف وهو مخلوق ، وكلام الله هو معناها غير مخلوق . وهؤلاء والأولون متفقون على خلق القرآن الذي قال الأولون إنه مخلوق ، واختلف هؤلاء أين خلقت هذه الحروف ؟ هل خلقت في الهواء ؟ أو فى نفس جبرائيل ؟ أو أن جبرائيل هو الذي أحدثها أو محمد ؟ ٣٥ وأما جمهور الأمة وأهل الحديث والفقه والتصوف فعلى ما جاءت به الرسل، وما جاء عنهم من الكتب والأثارة من العلم ، وهم المتبعون للرسالة اتباعاً محضاً ، لم يشوبوه بما يخالفه من مقالة الصابئين ، وهو أن القرآن كلام الله، لا يجعلون بعضه كلام الله وبعضه ليس كلام الله، والقرآن هو القرآن - الذي يعلم المسلمون أنه القرآن - حروفه ومعانيه، والأمر والنهي هو اللفظ والمعنى جميعاً . ولهذا كان الفقهاء المصنفون فى أصول الفقه من جميع الطوائف : الحنفية والمالكية ، والشافعية والحنبلية - إذا لم يخرجوا عن مذاهب الأئمة ، والفقهاء - إذا تكلموا فى الأمر والنهي ذكروا ذلك، وخالفوا من قال إن الأمر هو المعنى المجرد ، ويعلم أهل الأثارة النبوية - أهل السنة والحديث ، عامة المسلمين الذين هم جماهير أهل القبلة - أن قوله تعالى: (الّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ) ونحو ذلك هو كلام اللّه لا كلام غيره، وكلام الله هو ما تكلم به لا ما خلقه فى غيره ، ولم يتكلم به . ٣٦ وسئل شيخ الإسلام قدس الله روحه(١) عن رجلين تجادلا فى ((الأحرف التى أنزلها الله على آدم)) فقال أحدهما إنها قديمة ليس لها مبتدأ ، وشكلها ونقطها محدث . فقال الآخر ليست بكلام اللّه وهي مخلوقة بشكلها ونقطها، والقديم هو الله، وكلامه منه بدأ وإليه يعود ، منزل غير مخلوق، ولكنه كُتِبَ بها . وسألا أيهما أصوب قولاً وأصح اعتقاداً؟ فأجاب : الحمد لله رب العالمين. أصل هذه المسألة هو معرفة ((كلام اللّه تعالى)). ومذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة ، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ، ليس ذلك (١) تسمى: ((مسألة الأحرف التي أنزلها الله على آدم)). ٣٧ مخلوقاً منفصلاً عنه ، وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته ، فكلامه قائم بذاته ، ليس مخلوقاً بائناً عنه ، وهو يتكلم بمشيئته وقدرته ، لم يقل أحد من سلف الأمة إن كلام الله مخلوق بائن عنه ، ولا قال أحد منهم إن القرآن أو التوراة أو الإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبداً ، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته ، ولا قالوا إن نفس ندائه لموسى أو نفس الكلمة المعينة قديمة أزلية، بل قالوا لم يزل اللّه متكلماً إذا شاء ، فكلامه قديم بمعنى أنه لم يزل متكلماً إذا شاء . وكلمات الله لا نهاية لها. كما قال تعالى: ( قُل لَّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنْفَذَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ مِثْنَا بِمِثْلِهِ ، عَدَدًا )، والله سبحانه تكلم بالقرآن العربى ، وبالتوراة العبرية . فالقرآن العربى كلام اللّه، كما قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ) إلى قوله: (لِسَانُّ عَرَبِئٌ مُبِيكُ ) فقد بين سبحانه أن القرآن الذي يبدل منه آية مكان آية نزله روح القدس وهو جبريل - وهو الروح الأمين كما ذكر ذلك فى موضع آخر - من الله بالحق، وبين بعد ذلك أن من الكفار من قال: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ, بَشَرٌ) كما قال بعض المشركين يعلمه رجل بمكة أعجمى ، فقال تعالى : ( ◌ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِّ ) أي الذي يضيفون إليه هذا التعليم أعجمي (وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِئٌ مُّبِينُ ). ٣٨ ففي هذا ما يدل على أن الآيات التى هي لسان عربى مبين ، نزلها روح القدس من الله بالحق، كما قال فى الآية الأخرى: (أَفَغَيْرَاللّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُنَزَّلٌ مِّن رَِّكَ بِالْخِّ فَلَ تَكُونَ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) والكتاب الذي أنزل مفصلا هو القرآن العربى باتفاق الناس ، وقد أخبر أن الذين أتام الكتاب يعلمون أنه منزل من الله بالحق، والعلم لا يكون إلا حقاً فقال: (يَعْلَمُونَ ) ولم يقل يقولون ، فإن العلم لا يكون إلا حقاً بخلاف القول . وذكر علمهم ذكر مستشهد به . وقد فرق سبحانه بين إيحائه إلى غير موسى وبين تكليمه لموسى فى قوله تعالى: ( إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَاأَ وْ حَيْنَا إِلَى نُوح ) إلى قوله : ( حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) فرق سبحانه بين تكليمه لموسى وبين إيحائه لغيره، ووكد تكليمه لموسى بالمصدر، وقال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ ) إلى قوله: ( رُوحِ الْقُدُسِ ) وقال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا ) إلى آخر السورة . فقد بين سبحانه أنه لم يكن لبشر أن يكلمه الله إلا على أحد الأوجه الثلاثة : إما وحياً ، وإما من وراء حجاب، وإما أن يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ؛ فجعل الوحي غير التكليم ، والتكليم من وراء حجاب كان لموسى . ٣٩ وقد أخبر فى غير موضع أنه ناداه كما قال: (وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ الْطُورِ) الآية. وقال: ( فَلَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ مِن شَطِ الْوَادِ الْأَثْمَنِ ( الآية. و((النداء)) باتفاق أهل اللغة لا يكون إلا صوتاً مسموعا، فهذا ما اتفق عليه سلف المسلمين وجمهورم . وأهل الكتاب يقولون : إن موسى ناداه ربه نداء سمعه بأذنه ، وناداه بصوت سمعه موسى ، والصوت لا يكون إلا كلاما ، والكلام لا يكون إلا حروفا منظومة ، وقد قال تعالى: (تَنزِيلُ اُلْكِتَبِ مِنَ الَّهِالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) وقال: (حَمَ * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وقال: (حَمَ * تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِالْحَكِيمِ) فقد بين فى غير موضع أن الكتاب والقرآن العربي منزل من الله. وهذا معنى قول السلف: منه بدأ ، قال أحمد بن حنبل رحمه الله: منه بدأ أي هو المتكلم به ، فإن الذين قالوا إنه مخلوق قالوا خلقه فى غيره فبدا من ذلك المخلوق ، فقال السلف : منه بدأ ، أي هو المتكلم به لم يخلقه فى غيره فيكون كلاما لذلك المحل الذي خلقه فيه ، فإن الله تعالى إذا خلق صفة من الصفات فى محل كانت الصفة صفة لذلك المحل ولم تكن صفة لرب العالمين ، فإذا خلق طعما أو لوناً فى محل كان ذلك المحل هو المتحرك المتلون به ، وكذلك إذا خلق حياة أو إرادة أو قدرة أو علماً أو كلاماً فى محل كان ذلك المحل هو المريد، ٤٠