النص المفهرس
صفحات 1-20
7 شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة ((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ)) جَمْع وَتَرتیبُ عَبَدِ الرَّحمن بنْمُحَمَّدَ بْقَاسْم «رَحَهُ لَه) وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفَقَهُ اللَّه)) المجلّ الثاني عشر طُبعَ بِأمْر خَادِ مِ الجرَّيْنُ الشَِّفَيْ الملِكِ فَهَدِرْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُود أَجْزَلِ اللَّه مَثُوتَه طبعَت هذه الفتاوى في مُجَعَ الَلِ فَهْلِ لطبائعَةِ المُصُِّ الشَّرِف في المدينَةِ المنوّرة تحت إشراف وَزَارَة الفُؤُوْنِ الإسْلامِيَّةِ وَالأَوْقَافِةِ وَ اللَّهُوَةُ وَالأَرْشَاءِ بالمملَكَةِ العَرَبيَّةِ السُّعُوديّةِ عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م ٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ. فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ابن تيميه ، أحمد بن عبد الحليم فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه . ٦٢٤ ص : ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٦-٢٠ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) x-٣٢ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ١٢) أ - العنوان ١ - الفتاوى الإسلامية ٢ - الفقه الحنبلي ١٥/٢٠٠٩ ديوي ٢٥٨,٤ رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩ ردمك : ٦-٢٠ - ٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة) ×-٣٢-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٢ ) كتابُ القرآن كَلام الله حَقِيقَة 7 3 الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. قال الشيخ الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه حِِّالزِّ الرَّحْمِ بِسـ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلٍّ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) صلى الله عليه وسلم تسليما . ٥ قاعدة في القرآن وكلام الله فإن الأمة اضطربت فى هذا اضطراباً عظيما ، وتفرقوا واختلفوا بالظنون والأهواء بعد مضي القرون الثلاثة ، لما حدثت فيهم الجهمية المشتقة من الصابئة، وقد قال اللّه تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَبِ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ)، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمٌّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ) والاختلاف ((نوعان)) : اختلاف فى تنزيله واختلاف فى تأويله. والمختلفون الذين ذمهم اللّه م المختلفون فى الحق، بأن ينكر هؤلاء الحق الذي مع هؤلاء، أو بالعكس. فإن الواجب الإيمان بجميع الحق المنزل. فأما من آمن بذلك وكفر به غيره فهذا اختلاف يذم فيه أحد الصنفين كما قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) إلى قوله : ٦ ( وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَ ) والاختلاف فى تنزيله أعظم ، وهو الذي قصدنا هنا ، فنقول : ((الاختلاف فى تنزيله)) هو بين المؤمنين والكافرين ، فإن المؤمنين يؤمنون بما أنزل ، والكافرون كفروا بالكتاب وبما أرسل الله به رسله فسوف يعلمون، فالمؤمنون بجنس الكتاب والرسل من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين يؤمنون بذلك ، والكافرون بيجنس الكتاب والرسل من المشركين والمجوس والصابئين يكفرون بذلك. وذلك أن الله أرسل الرسل إلى الناس لتبلغهم كلام الله الذي أنزله إليهم ، فمن آمن بالرسل آمن بما بلغوه عن الله ، ومن كذب بالرسل كذب بذلك . فالإيمان بكلام الله داخل فى الإيمان برسالة الله إلى عباده ، والكفر بذلك هو الكفر بهذا ، فتدبر هذا الأصل ، فإنه فرقان هذا الاشتباه ؛ ولهذا كان من يكفر بالرسل : تارة يكفر بأن الله له كلام أنزله على بشر ، كما أنه قد يكفر برب العالمين : مثل فرعون وقومه ، قال الله تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ الآية ، وقال تعالى عن نوح وهود: (أَوَعَمْتُمْ أَن النَّاسَ) وقال ( وَمَاقَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِبُنذِرَكُمْ ) إلى آخر الكلام قَدْرِهِ إِذْقَالُواْ مَا أَنزَلَ اَللّهُ عَلَى بَشَرِمِّنْ شَىْءٍ ) ٧ فإن فى هذه الآيات تقرير قواعد ، وقال عن الوحيد: ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ اَلْبَشَرِ). ولهذا كان أصل ((الإيمان)) الإيمان بما أنزله. قال تعالى: (الّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَاَرَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ) إلى قوله : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) وفى وسط السورة : ( قُولُوَاْءَامَنَابِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ ) الآية . وفى آخرها: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَتَِّكَتِهِ، وَكُتُهِ، وَرُسُلِهِ) الآيتين . وفى السورة التى تليها: (الَمَ* اَللَّهُلا إِلَهَ إِلَّهُوَالْحَىُّالْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيَّكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ * مِن قَبْلُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَأَنْزَ الْقُرْقَانَ). وذكر فى أثناء السورة الإيمان بما أنزل ، وكذلك فى آخرها: (رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيَا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَتَامَنًا ) إلى قوله : (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ) الآية . ولهذا عظم تقرير هذا الأصل فى القرآن . فتارة يفتتح به السورة إما إخباراً كقوله: ( ذَلِكَ الْكِتَبُ ) وقوله. ( الرَّتِلْكَءَايَتُ اُلْكِنَبِ اَلْحَكِيمِ ) وقوله: (الَرَكِنَبُّ أُحْكِمَتْ ءَايَنُهُ) الآية. وكذلك ال ((طسَّ)) ج وال ((حمّ)). فعامة ال ((الم)) وال ((الرَ))، وال ((طس))، وال ((حمّ)) كذلك. ٨ وإما ثناء بيزاله كقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِالْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ. عِوَجَا) (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) الآية. وأما فى أثناء السور فكثير جداً ، وثنى قصة موسى مع فرعون ؛ لأنهما فى طرفى نقيض فى الحق والباطل ، فإن فرعون فى غاية الكفر والباطل حيث كفر بالربوبية وبالرسالة ، وموسى فى غاية الحق والإيمان من جهة أن اللّه كلمه تكليما لم يجعل الله بينه وبينه واسطة من خلقه ، فهو مثبت لكمال الرسالة وكمال التكلم، ومثبت لرب العالمين بما استحقه من النعوت ، وهذا بخلاف أكثر الأنبياء مع الكفار ، فإن الكفار أكثرهم لا يجحدون وجود اللّه ولم يكن أيضاً للرسل من التكليم ما لموسى ؛ فصارت قصة موسى وفرعون أعظم القصص وأعظمها اعتباراً لأهل الإيمان ولأهل الكفر ؛ ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يقص على أمته عامة ليله عن بني إسرائيل ، وكان يتأسى بموسى فى أمور كثيرة ، ولما بشر بقتل أبي جهل يوم بدر قال هذا فرعون هذه الأمة، وكان فرعون وقومه من الصابئة المشركين الكفار ؛ ولهذا كان يعبد آلهة من دون الله، كما أخبر اللّه عنه بقوله: (وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ) وإن كان عالما بما جاء به موسى مستيقنا له، لكنه كان جاحداً مثبوراً، كما أخبر الله بذلك فى قوله: (فَلَمَّا جَآءَ تُهُمْ ءَايَتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌمُبِينٌ * وَجَحَدُ واْبِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّا ) الآية. وقال تعالى: (وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍ) إلى قوله: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلََّ رَبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ ) الآية. والكفار بالرسل من قوم نوح وعاد ، وتمود وقوم لوط ، وشعيب وقوم إبراهيم ، وموسى ومشركي العرب ، والهند والروم والبربر، والترك واليونان والكشدانيين، وسائر الأمم المتقدمين والمستأخرين يتبعون ظنونهم وأهواءم، ويعرضون عن ذكر الله ، الذي آتّام من عنده ، كما قال لهم لما أهبط آدم من الجنة (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْبِكَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ) وفي موضع آخر : (فَإِمَّايَأْنِيَنَّكُمْ مِنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنًا ) الآية . وفي أخرى (إِمَّايَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَقُضُونَ عَلَيْكُمْءَايَتِى). ثم إنهم مع أنهم ما نزل الله بما هم عليه من سلطان ، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس : يزعمون أن لهم العقل والرأي والقياس العقلي والأمثال المضروبة ، ويسمون أنفسهم الحكماء والفلاسفة ، ويدعون الجدل والكلام ، والقوة والسلطان والمال ، ويصفون أتباع المرسلين بأنهم سفهاء ، وأراذل وضلال ، ويسخرون منهم ، قال الله تعالى : ١٠ (فَلَمَّاجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرِحُواْبِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ) وقال: (وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْأَنُؤْمِنُ كَمَآءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْيَضْحَكُونَ) إلى قوله (وَمَآ أَرْسِلُواْعَلَيْهِمْ حَفِظِينَ) وقال تعالى عن قوم نوح: (أَنُوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ اْأَرْذَلُونَ) وقالوا: (وَمَانَرَئِكَ أَتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَادِلُنَا بَادِىَ الرَِّ) وقال: ( زُيِنَ لَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخُرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) وقال: (وَكُلَّمَا مَرَّعَلَيْهِ مَلَأَمِّنْ قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ) بل م يصفون الأنبياء بالجنون والسفه والضلال وغير ذلك ، كما قالوا عن نوح : (يَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ) وقالوا: (إِنَّا لَكَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ) ولهود: (إِنَّا لَفَرَتَكَ فِى سَفَاهَةٍ) . فصل و ((الإيمان بالرسل )) يجب أن يكون جامعاً عاما، مؤتلفاً لا تفريق فيه، ولا تبعيض ولا اختلاف؛ بأن يؤمن بجميع الرسل ومجميع ما أنزل إليهم. فمن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض، أو آمن ببعض ما أنزل الله وكفر ببعض فهو كافر ، وهذا حال من بدل وكفر من اليهود والنصارى والصابئين ؛ فإن ١١ هؤلاء فى أصلهم قد يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحاً ؛ فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَّاخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ) ونحوه فى المائدة . ومنهم من فرق فآمن ببعض وكفر ببعض ، كما قال تعالى عن اليهود: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ) الآيات وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْبَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْبَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا ) الآية . وقال تعالى: (قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ) الآيتين وقال عن المؤمنين (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَبِّكَئِهِ. وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِنْ زُسُلِهِ) وقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالَّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْفِيهِ) . وذم الذين تفرقوا واختلفوا فى الكتب ، وهم الذين يؤمنون ببعض دون بعض ، فيكون مع هؤلاء بعض ومح هؤلاء بعض ، كقوله : ١٢ ( وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ) وقوله: (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغَيَأْ بَيْنَهُمْ) وقوله: ( وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ إِلَّمِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ فَهُمُ الْبِنَةُ) وقال تعالى: (إِنَّ اُلَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِ شَىْءٍ ) . فصل التفريق والتبعيض قد يكون فى القدر تارة ، وقد يكون فى الوصف : إما فى الكم وإما فى الكيف ، كما قد يكون فى التنزيل قارة ، وفى التأويل أخرى ؛ فإن الموجود له حقيقة موصوفة ، وله مقدار محدود ، فما أنزل الله على رسله قد يقع التفريق والتبعيض فى قدره ، وقد يقع في وصفه . فالأول مثل قول اليهود : نؤمن بما أنزل على موسى دون ما أنزل على عيسى ومحمد. وهكذا النصارى فى إيمانهم بالمسيح دون محمد. فمن آمن ببعض الرسل والكتب دون بعض فقد دخل في هذا ؛ فإنه لم يؤمن بجميع المنزل ، وكذلك من كان من المنتسبين إلى هذه الأمة يؤمن ١٣ بعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض ؛ فإن البدع مشتقة من الكفر . وأما (( الوصف)) فمثل اختلاف اليهود والنصارى فى المسيح: هؤلاء قالوا إنه عبد مخلوق ؛ لكن جحدوا نبوته وقدحوا في نسبه ، وهؤلاء أقروا بنبوته ورسالته؛ ولكن قالوا هو الله، فاختلف الطائفتان فى وصفه وصفته ، كل طائفة بحق وباطل . ومثل ((الصابئة الفلاسفة)) الذين يصفون إنزال الله على رسله بوصف، بعضه حق وبعضه باطل ؛ مثل أن يقولوا : إن الرسل تجب طاعتهم . ويجوز أن يسمى ما أتوا به كلام الله ؛ لكنه إنما أنزل على قلوبهم من الروح الذي هو العقل الفعال فى السماء الدنيا لا من عند الله، وهكذا ما ينزل على قلوب غيرم هو أيضاً كذلك ، وليس بكلام الله فى الحقيقة، وإنما هذا فى الحقيقة كلام النبى صلى الله عليه وسلم، وإنه سمى كلام الله مجازاً. فهؤلاء أيضاً مبعضين مفرقين؛ حيث صدقوا ببعض صفات ما أنزل الله وبعض صفات رسله دون بعض ، وربما كان ماكفروا به من الصفات أكثر مما آمنوا به ، كما أن ماكفر به اليهود من الكتاب أكثر وأعظم مما آمنوا به ؛ لكن هؤلاء أكفر من اليهود من وجه ، وإن كان اليهود أكفر منهم من وجه آخر . ١٤ فإن من كان من هؤلاء يهودياً أو نصرانياً فهو كافر من الجهتين، ومن كان منهم لا يوجب اتباع خاتم الرسل بل يجوز التدين باليهودية والنصرانية فهو أيضاً كافر من الجهتين ، فقد يكون أحدهم أكفر من اليهود والنصارى الكافرين بمحمد والقرآن ، وقد يكون اليهود والنصارى أكفر ممن آمن منهم بأكثر صفات ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم ؛ لكنهم في الأصل أ كفر من جنس اليهود والنصارى ، فإن أولئك مقرون فى الأصل بكال الرسالة والنبوة ، وهؤلاء ليسوا مقرين بكال الرسالة والنبوة . كما أن من كان قديماً مؤمناً من اليهود والنصارى صالحاً فهو أفضل ممن كان منهم مؤمناً صالحاً ، وكذلك من كان من المنتسبين إلى الإسلام مؤمناً ببعض صفات القرآن ، وكلام الله وتنزيله على رسله ، وصفات رسله دون بعض ، فنسبته إلى هؤلاء كنسبة من آمن ببعض نصوص الكتاب والسنة دون بعض إلى اليهود والنصارى. ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه الأمة ، حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول دون بعض ، وإما ببعض صفات التكليم والرسالة والنبوة دون بعض ، وكلاهما إما فى التنزيل وإما فى التأويل . ١٥ فصل والسبب الذي أوقع هؤلاء فى الكفر ببعض ما أزله هو من جنس ما أوقع الأولين فى الكفر بجميع ما أنزل الله فى كثير من المواضع، فإن من تأمل وجد شبه اليهود والنصارى ومن تبعهم من الصابئين فى الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم هي من جنس شبه المشركين والمجوس، ومن معهم من الصابئين فى الكفر يجنس الكتاب ، وبما أنزل الله على رسله فى كثير من المواضع ؛ فإنهم يعترضون على آياته ، وعلى الكتاب الذي أنزل معه ، وعلى الشريعة التى بعث بها وعلى سيرته بنحو مما اعترض به على سائر الرسل : مثل موسى وعيسى ، كما قال الله تعالى فى جميعهم: (مَا يُحَدِلُ فِىّءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَ يَغْرُرُكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى الْبِلَدِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ) إلى قوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابُ * الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَمُهُمْ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ) وفى الآية الأخرى: ( إِن فِي صُدُورِ هِمْإِلَّا كِبْرٌ مَّاهُم بِبَلِغِيهِ فَأَسْتَعِذْ إلى قوله : ( أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَدِدِ لُونَ فِىّ ءَايَتِ الَّهِ أَنَّ يُصْرَفُونَ بِاللَّهِ) الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَاْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ). ١٦ هذا مع أن السلطان الذي أيد الله به رسوله من أنواع الحجيج المعجزات ، وأنواع القُدَر الباهرات ، أعظم مما أيد به غيره ، ونبوته هي التى طبق نورها مشارق الأرض ومغاربها ، وبه ثبتت نبوات من تقدمه، وتبين الحق من الباطل ، وإلا فلولا رسالته لكان الناس فى ظلمات بعضها فوق بعض ، وأمر مريج ، يؤفك عنه من أفك : الكتابيون منهم والأميون ؛ ولهذا لما كان ما يقال له إلا ماقد قيل للرسل من قبله : أمره الله سبحانه باستشهاد أهل الكتاب على مثل ما جاء به. وهذا من بعض حكمة إقرارم بالجزية ، كقوله تعالى: (فَإِن كُنْتَ فِى شَكٍّ ◌ِّعَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُ ونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ ( وقوله: (كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًابَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُعِلْمُ الْكِنَبِ ( وقوله : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلََّ رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسَتَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبِنَتِ وَالزُّبْرِ وَنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيْنَ لِلنَّاسِ مَانُزِلَ إِلَيْهِمْ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلََّ رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَتَهِمْ فَتْشَلُواْأَهْلَ وفى الآية الأخرى : ( ( الذِّكْرِ إِنْ كُمْلَا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ( الآية. ومثل قوله: ( قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ . ( بَنِي إِسْرِّءِیلَ عَلَىمِثْلِهِ وجماع شبه هؤلاء الكفار : أنهم قاسوا الرسول على من فرق اللّه بينه وبينه ، وكفروا بفضل الله الذي اختص به رسله ، فأتوا من ١٧ جهة القياس الفاسد ، ولا بد في القياس من قدر مشترك بين المشبه والمشبه به : مثل جنس الوحي والتنزيل ؛ فإن الشياطين ينزلون على أوليائهم ويوحون إليهم، كقوله: (وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآ ءِهِمْ هَلْ أُنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَزَّلُ عَلَى كُلِ أَفَّاكٍ أَشِمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ). لِيُجَدِلُوكُمْ) وقال سبحانه : ( وقال تعالى: فى الـ ((طس)) وقد افتتح كلامنهن بقصة موسى وتكليم الله إياه، وإرساله إلى فرعون، فإنها أعظم القصص كما قدمناه، فقال فى سورة الشعراء المحتوية على قصص المرسلين واحداً بعد واحد، وهي ((سبع)): قصة موسى وإبراهيم ، ونوح وهود ، وصالح ولوط وشعيب، ثم قال عن القرآن: (وَإِنَّهُ لَنَزِيِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * نَزَلَ بِهِالرُّوحُ الْأَمِينُ ) إلى قوله: ( وَهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ) فذكر الفرق بينه وبين من تنزل عليه الشياطين من الكهان والمتنبئين ونحوهم ، وبين الشعراء ؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع ، والشاعر أيضاً يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس ، فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان ، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره . والشاعر مادته من نفسه ، وربما أعانه الشيطان . فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها وهو : الكاذب في قوله ، الفاجر فى عمله ؛ بخلاف الصادق البر ، وأن الشعراء إنما يحركون ١٨ النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون ، وهم الذين يتبعون الأهواء ، وشهوات الغي ، فنفى كلا منهما بانتفاء لازمه ، وبين ما يجتمع فيه شياطين الإنس والجن . فصل إذا تبين هذا الأصل ظهر به اشتقاق البدع من الكفر ، فنقول: كما أن الذين أثنى الله عليهم من الذين هادوا والنصارى كانوا مسلمين مؤمنين ، لم يبدلوا ما أنزل الله، ولاكفروا بشيء مما أنزل الله ، وكان اليهود والنصارى صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل على محمد ، فكذلك الصابئة صاروا كفاراً من جهة تبديلهم لما أنزل الله، ومن جهة كفرهم بما أنزل الله على محمد، وإن كانوا منافقين كما قد ينافق اليهودي والنصراني. وهؤلاء هم المستأخرون من اليهود، والنصارى والصابئين . وذلك أن متأخري الصابئين لم يؤمنوا أن اللّه كلاماً أو يتكلم ، ويقول ، أو أنه ينزل من عنده كلاماً وذكراً على أحد من البشر، أو أنه يكلم أحداً من البشر ؛ بل عندهم لا يوصف الله بصفة ثبوتية لا يقولون: إن له علماً، ولا محبة ولا رحمة، وينكرون أن يكون ١٩ ! الله اتخذ إبراهيم خليلاً، أو كلم موسى تكليماً ، وإنما يوصف عندهم بالسلب والنفي ، مثل قولهم ليس بجسم ، ولا جوهر ، ولا عرض ، ولا داخل العالم ولا خارجه ، أو بإضافة، مثل كونه مبدأ للعالم أو [ العلة ] الأولى، أو بصفة مركبة من السلب والإضافة ؛ مثل كونه عاقلا ومعقولا وعقلا . وعندهم أن الله لا يخص موسى بالتكليم دون غيره ، ولا يخص محمداً بإرسال دون غيره ، فإنهم لا يثبتون له علماً مفصلا للمعلومات فضلا عن إرادة تفصيلية؛ بل يثبتون - إذا أثبتوا - له علماً جملياً كلياً ، وغاية جملية كلية ، ومن أثبت النبوة منهم قال: إنها فيض تفيض على نفس النبى من جنس ما يفيض على سائر النفوس ؛ لكن استعداد النبي صلى الله عليه وسلم أكمل ، بحيث يعلم ما لا يعلمه غيره ، ويسمع ما لا يسمع غيره ، ويبصر ما لا يبصر غيره ، وتقدر نفسه على ما لا تقدر عليه نفس غيره . والكلام الذي تقوله الأنبياء هو كلامهم وقولهم ، وهؤلاء الذين يقولون عن القرآن ( إِنْ هَذَّآإِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) فإن ((الوحيد)) الذي هو الوليد بن المغيرة كان من جنسهم ؛ كان من المشركين الذين هم صابئون أيضاً ، فإن الصابئين كأهل الكتاب تارة يجعلهم الله قسما من المشركين، وتارة يجعلهم اللّه قسيما لهم، كما قال تعالى: (لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ ٢٠