النص المفهرس

صفحات 681-700

كان بخسالهم أشياءهم ، وأنهم كانوا عائين في الأرض مفسدين قبل
أن ينهاهم؛ بخلاف قول ((المجبرة)) أن ظلمهم ما كان سيئة، إلا لما
نهام، وأنه قبل النهي كان بمنزلة سائر الأفعال من الأكل والشرب ،
وغير ذلك . كما يقولون في سائر ما نهت عنه الرسل من الشرك
والظلم والفواحش.
وهكذا إبراهيم الخليل قال: (وَأَذَّكُرْ فِى الْكِتَبِ إِرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًانِّيًّا
إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنْكَ شَيْئًا)
*
فهذا توبيخ على فعله قبل النهي ، وقال أيضاً :
( وَإِبْزَهِيمَ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
* إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا وَتَّخْلُقُونَ إِفْكًا ). فأخبر أنهم يخلقون
إفكاً قبل النهي .
وكذلك قول الخليل لقومه أيضاً: (مَاذَاتَعْبُدُونَ * أَبِفْكَاءَالِهَةُ دُونَ
اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَاطَتُّكُمْ بِرَبِ الْعَلَمِينَ .. إلى قوله - أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ *
فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) .
قبل النهي ، وقبل إنكاره عليهم ، ولهذا استفهم استفهام منكر ، فقال :
( أَتَعْبُدُونَ مَانَتْحِنُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)
أي وخلق
ما تتحتون . فكيف يجوز أن تعبدوا ما تصنعونه بأيديكم ؟ وتدَعون
رب العالمين .
٦٨١

فلولا أن حسن التوحيد ، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له ،
وقبح الشرك ثابت فى نفس الأمر ، معلوم بالعقل ، لم يخاطبهم بهذا
إذ كانوا لم يفعلوا شيئاً يذمون عليه ، بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم،
وإنما كان قبيحاً بالنهى ، ومعنى قبحه كونه منهياً عنه ، لا لمعنى فيه ؛
كما تقوله المجبرة.
و ((أيضاً)) ففي القرآن فى مواضع كثيرة يبين لهم قبح مام عليه
من الشرك وغيره بالأدلة العقلية ، ويضرب لهم الأمثال ، كقوله تعالى:
(قُل لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِن كُنْتُمْتَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ
وقوله : ( أَفَلَا تَتَّقُونَ) وقوله: (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ )
تَذَكَّرُونَ ) .
فهذا يقتضى أن اعترافهم بأن الله هو الخالق يوجب انتهاءم عن عبادتها ،
وأن عبادتها من القبائح المذمومة ؛ ولكن هؤلاء يظنون أن الشرك هو
اعتقاد أن ثم خالق آخر ، وهذا باطل ؛ بل الشرك عبادة غير الله ،
وإن اعترف المشرك بأنه مخلوق .
وقوله : إنه كله لله، كذب مفترى (١) وإن قال: إنه مخلوق. ومثل
هذا كثير فى القرآن. كقوله: (أَمَّنْ خَلَقَ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم
مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَاِهِ، حَدَآبِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَا
(١) كذا بالاصل .
٦٨٢

أَنْهٌ مَعَاللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ
لَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَِلَهٌ مَّعَاللَّهِ )
وهذا فى جملة بعد جملة يقول: ( أَعِلَةٌ مَّعَ اللَّهِ)
إنكاراً عليهم أن يعبدوا غير الله، ويتخذوه إلهاً مع اعترافهم
بأن هذا لم يفعله إله غير اللّه، وإنما فعله هو وحده .
وقوله (أَِلَةٌ مَّعَاللَّهِ ) جواب الاستفهام، أيُّ إله مع الله
[ موجود؟ ] وهذا غلط، فإنهم يجعلون مع الله آلهة ويشهدون بذلك؛
لكن ما كانوا يقولون: إنهم فعلوا ذلك . والتقرير إنما يكون لما يقرون
به ، وثم مقرون بأنهم لم يفعلوا. لا يقرون بأنه لم يكن معه إله . قال
تعالى : (أَبِنَّكُمْ لَشْهَدُونَ أَنَ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةَّ أُخْرَىَّ قُل لَّا أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَاهُوَ إِلَهٌ وَحٌِّ وَإِنَِّى
بَرِىٌّ عِمَا تُشْرِكُونَ ) .
وقد قال سبحانه: ( وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَئِنَا فَقُلْ سَلَامُ عَلَيْكُمْ
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ
بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌرَّحِيمٌ). وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ).
وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورُ زَّحِيمٌ ) .
٦٨٣

فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون إن كل عاص فهو جاهل .
كما قد بسط في موضع آخر ، فهو متناول لمن يكون على التحريم أيضاً .
فدل على أنه يكون عاملاً سوءاً ، وإن كان لم يسمع الخطاب المبين
المنهى عنه، وأنه يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان
لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب ، وقيام الحجة .
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات ، وتكون
مما لم يكن على أنه ذنب ، تبين كثرة ما يدخل فى التوبة والاستغفار ،
فإن كثيراً من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها
فعلم بالعلم العام أنها قبيحة : كالفاحشة ، والظلم الظاهر . فأما ماقد يتخذ
دينا فلا يعلم أنه ذنب ، إلا من علم أنه باطل . كدين المشركين، وأهل
الكتاب المبدل ، فإنه مما يجب التوبة والاستغفار منه ، وأهله يحسبون
أنهم على هدى . وكذلك البدع كلها .
ولهذا قال طائفة من السلف - منهم الثوري - : البدعة أحب
إلى إبليس من المعصية ، لأن المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب منها.
وهذا معنى ما روى عن طائفة أنهم قالوا : إن الله حجر التوبة على كل
صاحب بدعة ، بمعنى أنه لا يتوب منها ؛ لأنه يحسب أنه على هدى ،
ولو تاب لتاب عليه ، كما يتوب على الكافر . ومن قال : إنه لا يقبل
٦٨٤

توبة مبتدع مطلقاً فقد غلط غلطاً منكراً . ومن قال : ما أذن الله
لصاحب بدعة في توبة . فمعناه مادام مبتدعا يراها حسنة لا يتوب منها ،
فأما إذا أراه اللّه أنها قبيحة فإنه يتوب منها . كما يرى الكافر أنه
على ضلال ، والا فمعلوم أن كثيراً ممن كان على بدعة تبين له ضلالها ،
وتاب الله عليه منها. وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله.
و ((الخوارج)) لما أرسل إليهم ابن عباس فناظرم، رجع منهم
نصفهم ، أو نحوه ، وتابوا ، وتاب منهم آخرون على يد عمر بن عبد
العزيز وغيره ، منهم من سمع العلم فتاب ، وهذا كثير ، فهذا القسم
الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة ، وهو فى غيرم
عام ، وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم وجوبها كثيرة جداً ،
ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والإيمان ، وما
كان مأموراً بالتوبة منه ، والاستغفار مما كان سيئة ، والتائب يتوب مما
تركه ، وضيعه ، وفرط فيه ، من حقوق الله تعالى، كما يتوب مما فعله
من السيئات ، وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة ،
فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا وفعل هذا. والا فكونه كان
فاعلا للسيئات المذمومة ، وتاركا للحسنات التى يذم تاركها كان تائبا
قبل ذلك كما تقدم. وذكرنا ((القولين)) قول من نفى الذم والعقاب ،
وقول من أثبت النم والعقاب .
٦٨٥

فإن قيل : إذا لم يكن معاقباً عليها ، فلا معنى لقبحها . قيل بل
فيه معنيان :
( أحدهما ) أنه سبب للعقاب ، لكن هو متوقف على الشرط ،
وهو الحجة ، قال تعالى: ( وَكُنتُمْ عَى شَفَاحُفْرَةِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا )
فلولا إنقاذه لسقطوا ، ومن كان واقفاً على شفير فهلك ، فهلاكه
موقوف على سقوطه ، بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك ، فقد بعد
عن الهلاك . فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب .
(الثانى) أنهم مذمومون، منقوصون ، معییون. فدر جتهم منخفضة بذلك،
ولا بد . ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من
ذلك من كرامته أيضا ، وثوابه. فهذه عقوبة بحرمان خير ، وهى أحد نوعي
العقوبة . وهذا وإن كان حاصلا لكل من ترك مستحباً فإنه يفوته
خيره ، ففرق بين ما يفوته مالم يحصل له ، وبين ما ينقص ما عنده .
وهذا كلام عام فيما لم يعاقب عليه من الذنوب .
وأما من لم يرسل إليه رسول فى الدنيا : فقد رويت آثار أنهم
يرسل إليهم رسول فى عرصات القيامة ، كما قد بسط فى مواضع .
وقد تنازع الناس فى ((الوجوب والتحريم)) هل يتحقق بدون العقاب
٦٨٦

على الترك ؟ على قولين . قيل : لا يتحقق ؛ فإنه إذا لم يعاقب كان
كالمباح ، وقيل : يتحقق ؛ فإنه لا بد أن يذم وإن لم يعاقب .
وتحقيق الأمر أن العقاب ((نوعان)) نوع بالآلام. فهذا قد يسقط
بكثرة الحسنات ، ونوع بنقص الدرجة ، وحرمان ما كان يستحقه.
فهذا يحصل إذا لم يحصل الأول . والله تعالى يكفر سيئات المسيء ، كما
قال تعالى: ( إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَانُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ
وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) فيكفرها تارة بالمصائب ، فتبقى درجة صاحبها
كما كانت ، وقد نصير درجته أعلى ، ويكفرها بالطاعات ، ومن لم يأت
بتلك السيئات أعلى درجة. فيحرم صاحب السيئات ما يسقط بإزائها
من طاعته ، وهذا مما يتوب منه من أراد ألا يخسر ومن فرط فى
مستحبات فإنه يتوب أيضاً ؛ ليحصل له موجبها . فالتوبة تتناول هؤلاء
كلهم . وتوبة الإنسان من حسناته على أوجه :
( أحدهما ) أن يتوب ويستغفر من تقصيره فيها .
و (الثاني) أن يتوب مما كان يظنه حسنات ، ولم يكن كمال
أهل البدع .
و (الثالث ) يتوب من إعجابه ورؤيته أنه فعلها ، وأنها حصلت
٦٨٧

بقوته ، وينسى فضل الله وإحسانه ، وأنه هو المنعم بها ، وهذه توبة
من فعل مذموم ، وترك مأمور .
ولهذا قيل: تخليص الأعمال مما يفسدها أشد على العاملين من
طول الاجتهاد . وهذا مما يبين احتياج الناس إلى التوبة دائماً . ولهذا
قيل : هي مقام يستصحبه العبد من أول ما يدخل فيه إلى آخر عمره ،
ولا بد منه لجميع الخلق ؛ جميع الخلق عليهم أن يتوبوا وأن يستدموا
التوبة . قال تعالى: (وَحَمَلَهَا الْإِنسَنَّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمَّا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ
غَفُورًارَّحِيمًا ).
فغاية كل مؤمن التوبة . وقد
قال الله لأفضل الأنبياء، وأفضل الخلق بعد الأنبياء ، وتم السابقون
الأولون : (لَقَد تَّابَ اللّهُعَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ فِى
سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّتَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ
ومن أواخر ما أنزل الله قوله: (إِذَاجَآءَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ).
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا * فَسَيِّحْ
بِحَمْدِرَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا).
وقد ثبت فى الصحيحين أنه كان يقول فى ركوعه وسجوده :
((سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم اغفر لي بتأول القرآن)). وفى لفظ
لمسلم عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر
٦٨٨

أن يقول قبل أن يموت : سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك ، وأتوب
إليك . قالت : فقلت : يارسول الله! أراك تكثر من قولك: سبحانك
اللهم، ومحمدك ، أستغفرك، وأتوب إليك . فقال: أخبرني ربى أنى
سأرى علامة فى أمتى . فإذا رأيتها أكثرت من قول : سبحانك اللهم
وبحمدك، أستغفرك، وأتوب إليك، فقد رأيتها: (إِذَاجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ) فتح مكة ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِأَفْوَجًا * فَسَبِّحْ
بِحَمْدِرَبِّكَ وَأُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا).
وأمره سبحانه له بالتسبيح بحمده والاستغفار فى هذه الحال
لا يقتضى أنه لا يشرع في غيرها ، أو لا يؤمر به غيره . بل يقتضي
أن هذا سبب لما أمر به ، وإن كان مأموراً به فى مواضع أخر . كما
يؤمر الإنسان بالحمد والشكر على نعمه ، وإن كان مأموراً بالشكر عليها،
وكما يؤمر بالتوبة من ذنب وإن كان مأموراً بالتوبة من غيره ؛ لكن هو
أمر أن يختم عمله بهذا فغيره أحوج إلى هذا منه ، وقد يحتاج العبد
إلى هذا فى غير هذه الحال ، كما يحتاج إلى التوبة ، فهو محتاج إلى
التوبة والاستغفار مطلقاً ، كما ثبت فى الصحيح أن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يستغفر عقب الصلاة ثلاثاً. قال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ
بِالْأَسْحَارِ ) . قاموا الليل ثم جلسوا وقت السحر يستغفرون .
وقد ختم الله ((سورة المزمل)) وفيها قيام الليل بقوله: (وَأَسْتَغْفِرُواْ
٦٨٩

كما ختم بذلك ((سورة المدثر)) بقوله: (هُوَ
اللَّهَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم)
فهو سبحانه أهل التقوى ، ولم يقل سبحانه
أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ )
أهل للتقوى . بل قال: ( أَهْلُ النَّقْوَى ) فهو وحده أهل أن يتقى،
فيعبد دون ما سواه، ولا يستحق غيره أن يتقى ، كما قال: (وَلَهُمَافِى
وقال :
(
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ نَنَّقُونَ
) وهو
وَمَن يُطِعِاللَّهَوَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَآبِزُونَ
)
أهل المغفرة، ولا يغفر الذنوب غيره ، كما قال تعالى: (وَمَن يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ إِلَّا اللّهُ)
وفى غير حديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت )) فهو سبحانه أهل التقوى ، وأهل المغفرة، وقد
جمع الله بين التوحيد والاستغفار فى غير موضع، كقوله سبحانه :
(
فَعْلَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلََّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ
م
فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا ناركيه قبل الإسلام من توحيد الله ،
وعبادته ، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد ، كما نقدم ، والرسول
يستغفر من ترك ما كان تاركه كما قال فيه: (مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ
وإن كان ذلك لم يكن عليه عقاب ، والمؤمن إذا
وَلَا الْإِيمَانُ )
تبين له أنه ضيع حق قرابته أو غيره استغفر الله من ذلك ، وتاب .
وكذلك إذا تبين له أن بعض ما يفعله هو مذموم .
٦٩٠

فصل
و ((أيضاً)) فما يستغفر ويتاب منه ما فى النفس من الأمور التى
لو قالها أو فعلها عذب. قال تعالى: (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ بِاللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) فهو يغفر لمن يرجع
عما في نفسه ، فلم يتكلم به ، ولم يعمل : كالذي م بالسيئة ولم يعملها،
وإن تركها لله كتبت له حسنة . وهذا مما يستغفر منه ويتوب ؛ فإن
الاستغفار والتوبة من كل ما كان سبباً للذم والعقاب ، وإن كان لم يحصل
العقاب ، ولا النم . فإنه يفضي إليه ، فيتوب من ذلك : أي يرجع
عنه ، حتى لا يفضي إلى شر ، فيستغفر الله منه . أي يطلب منه أن
يغفر له ، فلا بشقيه به ؛ فإنه وإن لم يعاقب عليه فقد ينقص به .
فالذي يهم بالسيئات وإن كان لا يكتب عليه سيئة ؛ لكنه اشتغل
بها عما كان ينفعه ، فينقص بها عمن لم يفعلها، واشتغل بما
ينفعه عنها.
وقد بسطنا في غير هذا الموضع : أن فعل الإنسان وقوله - إما
له وإما عليه - لا يخلو من هذا أو هذا . فهو يستغفر الله ويتوب مما
٦٩١

عليه . وقد يظن ظنون سوء باطلة ، وإن لم يتكلم بها ، فإذا تبين له
فيها استغفر الله وتاب .
وظلمه لنفسه يكون بترك واجب كما يكون بفعل محرم . فقوله
تعالى: ( وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ) من عطف العام على الخاص ،
( وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْ اْ أَنْفُسَهُمْ
وكذلك قوله :
ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْعَلَى مَا فَعَلُواْ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقد قيل: فى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَّةً
أَوْظَلَمُوَ أَنفُسَهُمْ ) قيل : الفاحشة الزنا ، وقيل : كل كبيرة،
وظلم النفس المذكور معها . قيل: هو فاحشة أيضاً . وقيل : هي
الصغار . وهذا يوافق قول من قال : الفاحشة هي الكبيرة ، فيكون
الكلام قد تناول الكبيرة والصغيرة ، ومن قال : الفاحشة الزنا ،
يقول : ظلم النفس يدخل فيه سائر المحرمات ، وقيل : الفاحشة الزنا ،
وظلم النفس ما دونه من اللمس والقبلة والمعانقة ، وقيل : هذا هو
الفاحشة ، وظلم النفس المعاصي ، وقيل الفاحشة فعل وظلم النفس قول.
والتحقيق أن ((ظلم النفس)) جنس عام يتناول كل ذنب ، وفى
الصحيحين أن أبا بكر قال : يارسول الله ! علمني دعاءً أدعو به فى صلاني
فقال: ((قل: اللهم إنى ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا
أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ))
ء
٦٩٢

وفى صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في
استفتاحه: ((اللهم أنت ربى وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبى
فاغفر لي ؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدنى لأحسن الأخلاق ، فإنه
لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف عنى
سيئها إلا أنت)).
وقد قال أبو البشر وزوجته: (رَبَّنَاظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْلَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ). وقال موسى: ( رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ )
لَّا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنْتُ مِنَ
وقال ذوالنون ((يونس)):(
الظَّالِمِينَ ). وقالت بلقيس: ( رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ).
وفى الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله
عليه وسلم (١) وقد قال عن أهل القرى المعذبين: (وَمَا ظَلَمْتَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْاْ
أَنْفُسَهُمْ ). وأما قوله: ( أُغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا ) فقد قيل: إن
الذنوب هي الصغائر ، والإسراف هو الكبائر .
و ((التحقيق)) أن ((الذنوب)) اسم جنس، و((الإسراف)) تعدى
الحد ، ومجاوزة القصد ، كما فى لفظ الإثم والعدوان فالذنوب كالإثم ،
(١) كذا بالأصل
٦٩٣

والإسراف كالعدوان ، كما فى قوله: (غَيِّرَ بَاعٍ وَلَاعَادٍ ) ومجاوزة قدر
الحاجة ، فالذنوب مثل اتباع الهوى بغير هدى من الله. فهذا كله ذنب ،
كالذي يرضى لنفسه، ويغضب لنفسه، فهو متبح لهواء، و « الإسراف»
كالذي يغضب الله، فيعاقب بأكثر مما أمر الله. والآية فى سياق قتال
المشرکین ، وما أصابهم يوم أحد.
وقد أخبر عمن قبلهم بقوله: ( وَكَأَيِّنْ مِّن نَّبِيِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّبُّونَ كَثٌِ
(
فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِوَ مَاضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ
وقد قيل على الصحيح، المراد به النبي صلى الله عليه وسلم
. فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ
وان لم يقتل فى معركة فقد قتل أنبياء کثیرون ، (
أَصَابَهُمْ فِ سَبِيلِ الَّهِوَ مَاضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ
وَمَا كَانَ
*
قَوْلَهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا ) الآية. فجمعوا بين
الصبر والاستغفار، وهذا هو المأمور به فى المصائب ، الصبر عليها،
والاستغفار من الذنوب التى كانت سبيها .
والقتال كثيراً ما يقاتل الإنسان فيه لغير الله، كالذى يقاتل شجاعة
ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء . فهذا كله ذنوب ، والذي يقاتل الله قد
يسرف فيقتل من لا يستحق القتل ، ويعاقب الكفار بأشد مما أمر
به ، قال الله تعالى: (وَمَن قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ
٦٩٤

وَالَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ
اٌلْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ) وقال: (
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا). وقال: ( وَكُلُواْوَاشْرَبُواْ وَلَا تُسْرِفُواْ)
فالإسراف مجاوزة الحد .
هذا آخر ماكتبته هنا. والله سبحانه وتعالى أعلم. والحمد لله
رب العالمين .
٦٩٥

وقال شيخ الإسلام
أحمد بن تيمية - رحمه الله
الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه . إلى الفعل المحبوب، من
العمل الناقص إلى العمل التام ، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى
منه، والأكمل ؛ فإن العابد لله، والعارف بالله، في كل يوم، بل فى
كل ساعة ، بل فى كل لحظة ، يزداد علماً بالله. وبصيرة فى دينه
وعبوديته بحيث يجد ذلك فى طعامه ، وشرابه ، ونومه ، ويقطته ،
وقوله ، وفعله ، ويرى تقصيره فى حضور قلبه فى المقامات العالية ،
واعطائها حقها ، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ؛
بل هو مضطر إليه دائماً فى الأقوال والأحوال ، فى الغوائب والمشاهد،
لما فيه من المصالح ، وجلب الخيرات ، ودفع المضرات ، وطلب الزيادة
فى القوة فى الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية .
وقد ثبتت : دائرة الاستغفار بين أهل التوحيد ، واقترابها
بشهادة أن لا إله إلا الله، من أولهم إلى آخرم، ومن آخرم إلى
٦٩٦

أولهم، ومن الأعلى إلى الأدنى . وشمول دائرة التوحيد والاستغفار
الخلق كلهم ، وثم فيها درجات عند الله، ولكل عامل مقام معلوم.
فشهادة أن لا إله إلا الله بصدق ويقين تذهب الشرك كله ، دقه وجله
خطأه وعمده ، أوله وآخره ؛ سره وعلانيته ، وتأتى على جميع صفاته
وخفاياه ودقائقه .
والاستغفار يمحو ما بقي من عثراته ، ويمحو الذنب الذي هو من
شعب الشرك ، فإن الذنوب كلها من شعب الشرك . فالتوحيد يذهب
أصل الشرك ، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء قول : لا إله إلا
الله، وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله. فأمره بالتوحيد والاستغفار
لنفسه ، ولأخوانه ، من المؤمنين .
وقال : إياك والنظر في كتب أهل الفلسفة الذين يزعمون فيها أنه
كلما قوى نور الحق وبرهانه في القلوب خفي عن المعرفة ، كما يبهر ضوء
الشمس [ عيون ] الخفافيش بالنهار .
فاحذر مثل هؤلاء وعليك بصحبة أتباع الرسل المؤيدين بنور الهدى
وبراهين الإيمان ، أصحاب البصائر فى الشبهات والشهوات ، الفارقين بين
الواردات الرحمانية والشيطانية ، العالمين العاملين (أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ
حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
٦٩٧

وقال : التوبة من أعظم الحسنات ، والحسنات كلها مشروط فيها
الإخلاص لله، وموافقة أمره باتباع رسوله، والاستغفار من أكبر
الحسنات ، وبابه واسع . فمن أحس بتقصير فى قوله ، أو عمله ، أو
حاله ، أو رزقه ، أو تقلب قلب : فعليه بالتوحيد ، والاستغفار ، ففيها
الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص .
وكذلك إذا وجد العبد تقصيراً فى حقوق القرابة، والأهل
والأولاد ، والجيران ، والإخوان . فعليه بالدعاء لهم ، والاستغفار . قال
حذيفة بن اليمان للنبي صلى الله عليه وسلم: إن لي لساناً ذرباً على
أهلي. فقال له: ((أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله فى
اليوم أكثر من سبعين مرة )).
٦٩٨

وسئل رحمه الله
عن قوله: (( ما أصر من استغفر، وإن عاد فى اليوم والليلة
سبعين مرة )). هل المراد ذكر الاستغفار باللفظ؟ أو أنه إذا استغفر
ينوى بالقلب أن لا يعود إلى الذنب ؟ وهل إذا تاب من الذنب وعزم
بالقلب أن لا يعود إليه ، وأقام مدة ثم وقع فيه أفيكون ذلك الذنب
القديم يضاف إلى الثانى ؟ أو يكون مغفوراً بالتوبة المتقدمة ؟ وهل
التائب من شرب الخمر ، ولبس الحرير بشربه فى الآخرة ؟ ويلبس
الحرير في الآخرة ؟ والتوبة النصوح ما شرطها ؟.
فأجاب : الحمد لله .
بل المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان ، فإن التائب من الذنب
كمن لاذنب له، كما فى الحديث الآخر: ((لا كبيرة مع الاستغفار ،
ولا صغيرة مع الإصرار)) فإذا أصر على الصغيرة صارت كبيرة ، وإذا
تاب منها غفرت. قال تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوْأَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ) الآية.
٦٩٩

وإذا تاب توبة صحيحة غفرت ذنوبه ، فإن عاد إلى الذنب فعليه أن
يتوب أيضاً . وإذا تاب قبل الله توبته أيضاً.
وقد تنازع العلماء فى التائب من الكفر . إذا ارتد بعد إسلامه،
ثم تاب بعد الردة وأسلم. هل يعود عمله الأول؟ على ((قولين)) مبناهم)
أن الردة هل تحبط العمل مطلقاً ، أو تحبطه بشرط الموت عليها .
فمذهب أبي حنيفة ومالك أنها تحبطه مطلقاً . ومذهب الشافعي
أنها تحبطه بشرط الموت عليها .
والردة ضد التوبة ، وليس من السيئات ما يمحو جميع الحسنات
إلا الردة، وقد قال تعالى: (تُوبُواْإِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا ) قال عمر بن الخطاب
رضى الله عنه: (تَوْبَةً نَّصُوحًا)، أن يتوب ثم لا يعود، فهذه التوبة الواجبة التامة .
ومن تاب من شرب الخمر ، ولبس الحرير ، فإنه يلبس ذلك فى
الآخرة، كما جاء فى الحديث الصحيح: ((من شرب الخمر ثم لم يتب
منها حرمها )) وقد ذهب بعض الناس كبعض أصحاب أحمد : إلى أنه
لا يشربها مطلقاً ، وقد أخطئوا الصواب . الذي عليه جمهور المسلمين.
٧٠٠