النص المفهرس

صفحات 661-680

مثل الشيخ / حمد الله
عن رجل مدمن على المحرمات ، وهو مواظب على الصلوات الخمس ،
ويصلي على محمد مائة مرة كل يوم . ويقول: سبحان الله، والحمد لله،
ولا إله إلا اللّه كل يوم مائة مرة، فهل يكفّر ذلك بالصلاة
والاستغفار ؟
فأجاب : - قال اللّه تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ, *
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ) فمن كان مؤمناً وعمل عملاً صالحاً لوجه
اللّه تعالى، فإن الله لا يظلمه . بل بنيبه عليه.
وأما ما يفعله من المحرم اليسير فيستحق عليه العقوبة ، ويرجى له
من الله التوبة . كما قال الله تعالى: (وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْبِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا
صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)
وإن مات ولم يتب فهذا
أمره إلى الله . هو أعلم بمقدار حسناته وسيئاته . لا يشهد له بجنة ولا نار
بخلاف الخوارج والمعتزلة فإنهم يقولون: إنه من فعل كبيرة أحبطت جميع
حسناته ، وأهل السنة والجماعة لا يقولون بهذا الإحباط . بل أهل الكبائر
معهم حسنات وسيئات ، وأمرهم إلى الله تعالى.
٦٦١

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ) أي من اتقاه فى ذلك
العمل ؛ بأن يكون عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله تعالى، وأن يكون موافقاً
للسنة. كما قال تعالى: (فَ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِ
رَبِّهِ أَحَدَأْ ).
وكان عمر بن الخطاب يقول فى دعائه : اللهم
اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وأهل الوعيد [يقولون] لا يتقبل العمل إلا ممن اتقاء بترك جميع الكبار.
وهذا خلاف ما جاء به الكتاب والسنة فى ((قصة حمار)) الذي كان يشرب
الخمر. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((إنه يحب الله ورسوله)) وكما
فى أحاديث الشفاعة ، وإخراج أهل الكبائر من النار . حتى يخرج منها
من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان . فقد قال الله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ
◌ِلَنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) الآية.
ومع هذا فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يزنى
الزانى حين يزنى وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن،
ولا يشرب الخمر حين بشربها وهو مؤمن)). وقال: ((من شرب الخمر فى
الدنيا ولم يتب منها حرمها في الآخرة)) وقال: ((لعن الله الخمر، وعاصرها،
ومعتصرها ، وبائعها، ومشتريها، وحاملها، والمحمولة إليه، وشاربها، وساقيها
وآ كل ثمنها)).
٦٦٢

وقال أيضا شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
وكل من تاب من أي ذنب كان فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى:
( قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
جَميعً إِنَّهُ هُوَالْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِبُوْإِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوْلَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
اُلْعَذَابُ ثُمَّلَا نُصَرُونَ * وَأَتَّبِعُواْأَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ مِّن قَبْلِ
أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). فقد أخبر اللّه فى
هذه الآية أنه يغفر الذنوب: أي لمن تاب .
وقد قال فى الأخرى: (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ
وهذا فى حق من لم يتب ، فالشرك لا يغفره
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ)
اللّه، وما دون الشرك أمره إلى الله، إن شاء عاقب عليه، وإن شاء
عفا عنه .
ومن الشرك أن يدعو العبد غير الله، كمن يستغيث فى المخاوف
٦٦٣

والأمراض والفاقات بالأموات، والغائبين . فيقول: ياسدي الشيخ فلان!
لشيخ ميت أو غائب ، فيستغيث به ، ويستوصيه ، ويطلب منه ما
يطلب من الله من النصر والعافية ؛ فإن هذا من الشرك الذي حرمه
الله ورسوله ، باتفاق المسلمين.
وهؤلاء المشركون قد يتمثل لأحدم صورة الشيخ الذي استغاث
به . فيظن أنه الشيخ ، أو ملك جاء على صورته ، وإنما هو شيطان
تمثل له ليضله ويغويه لما دعا غير الله؛ كما كان نصيب المشركين
الذين يعبدون الأصنام تخاطبهم الشياطين ، ونتراءى لهم ، ويخبرهم
ببعض الأمور الغائبة ، وإن كان فيما يخبرون به من الكذب ما يبين
(هَلْ أُنَبِئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَُّ عَلَى
انهم شیاطین . قال تعالی :
كُلِ أَفَّاٍ أَشِيِمٍ )
وهؤلاء كثيرون فى المشركين : من الهند ،
والترك، والحبشة . وفى المتشبهين بهم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام.
كأهل الإشارات الذين يظهرون إشارات الدم ، والزعفران، واللاذن،
ويدعون أنهم يغيرون التراب ، أو غيره . فيجعلونه كذلك ، ومنهم من
يدخل النار ، ويأكل الحيات ، ومنهم من يصرخ فى بعض الناس
فيمرض ، أو يموت .
وهذه الأحوال تعرض لهم عند فعل ما يأمر به الشيطان . مثل
السماع البدعي . سماع المكاء ، والتصدية ، وغير ذلك ؛ فإن الذين
٦٦٤

يتخذون ذلك قربة ودينا تتحرك به قلوبهم ، ويحصل لهم عنده من
الوجل والصياح ما تنزل معه الشياطين ، كما يدخل الشيطان فى بدن
المصروع ؛ ولهذا يزيد أحدم كإزباد المصروع ، ويصيح كصياحه .
وذلك صياح الشياطين على ألسنتهم ؛ ولهذا لا يدري أحد ماجرى منه،
حتى يفيق ، ويتكلم الشيطان على لسان أحدم بكلام لا يعرفه الإنسان،
ويدخل أحدم النار ، وقد لبسه الشيطان ويحصل ذلك لقوم من النصارى
بالمغرب ، وغيرهم . تلبسهم الشياطين ، فيحصل لهم مثل ذلك .
فهؤلاء المبتدعون المخالفون للكتاب والسنة أحوالهم ليست من
كرامات الصالحين ؛ فإن كرامات الصالحين إنما تكون لأولياء الله المتقين؛
الذين قال الله فيهم : (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَآَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ *
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَتَّقُونَ) وهم الذين يتقربون إلى الله بالفرائض التى
فرضها عليهم، ثم بالنوافل التى ندبهم إليها . كما روى البخاري فى صحيحه
عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله: من
عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ، وما تقرب إلى عبدي بمثل ما افترضت
عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا
أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده
التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها ؛ فى يسمع ، وبى يبصر ، وبى
ببطش ، وبي يمشي ، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ،
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن
٦٦٥

يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)).
ولهذا قال أهل العلم والدين . كأبي يزيد البسطامي وغيره -:
لو رأيتم الرجل يطير فى الهواء ، أو يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى
تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي . وقال الشافعي : لو رأيتم صاحب
بدعة يطير فى الهواء ، فلا تغتروا به .
فأولياء الله المتقون هم المتبعون لكتاب الله، وسنة رسوله ، كما قال
تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)
وطريقهم طريق أنبياء الله المرسلين، وأولياء الله المتقين،
وحزب الله المفلحين .
وأما أهل الشرك والبدع والفجور فأحوالهم من جنس أحوال
((مسيلمة الكذاب)) و((الأسود العنسى)) الذين ادعيا النبوة فى
آخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لكل منها شياطين
تخبره وتعينه .
وكان « العنسي ، قد استولى على أرض اليمن فى حياة النبى صلى
الله عليه وسلم، ثم قتله اللّه على أيدي عباده المؤمنين، وكان قد
طلب من أبي مسلم الخولانى أن يتابعه فامتنح ، فألقاه في النار فجعلها الله
٦٦٦

عليه برداً وسلاماً ، كما جرى لإبراهيم الخليل صلوات الله عليه، وذلك
مع صلاته وذكره ودعائه لله مع سكينة ووقار . وهؤلاء أصحاب الأحوال
الشيطانية ، لا تصير النار عليهم برداً وسلاماً . بل قد يطفونها كما
يطفيها الناس ، وذلك فى حال اختلاط عقولهم ، وهيج شياطينهم ،
وارتفاع أصواتهم ، هذا إن كان لأحدم حال شيطانى .
وإلا فكثير منهم لا يحصل له ذلك ؛ بل يدخل في نوع من المكر
والمحال فيتخذ حجر الطلق ، أو دهن الضفادع ، وأنواعاً من الأدوية .
كما يضعون من جنس ما تصنعه المشعبذون ، إخفاء اللاذن ، والسكر
فى بد أحدهم ، فإنهم نوعان : خاصتهم أهل حال شيطانى ، وعامتهم أهل
محال بهتانى .
وهؤلاء لا يعطى أحدم من الزكاة حتى يتوب ، ويلتزم ما بعث الله
به محمداً صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، ويكون مع ذلك
من مستحقي الزكاة المذكورين فى قوله تعالى: ( إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ
وَالْمَسَكِيْنِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِ ).
فأما من كان غنياً ليس من هذه الأصناف ، فلا يعطى من الزكاة
لا سيما إذا كان مع غناء من شيوخ الضلال ، مثل شيوخ المضلين الأغنياء،
٦٦٧

الذين ليسوا من الأصناف الثمانية ؛ فإن هؤلاء لا يجوز أن يعطوا من
الزكاة بإجماع المسلمين . وهؤلاء إذا قالوا للإنسان : تعطينا وإلا فإنى
أنلك في نفسك ، فإنه قد تعينهم شياطين على إضرار بعض الناس بقضاء
الله وقدره ، لكن هذا يكون لمن هو خارج عن شريعة محمد صلى الله
عليه وسلم ، مثل أهل الفجور والبدع الذين لا يصلون الصلوات الخمس،
ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، فهؤلاء قد تسلط عليهم بعض هؤلاء
بذنوبهم وخطاياهم .
وأما الذين يفعلون ما أمر الله به ورسوله من الصلوات الخمس ،
وغيرها ، ويخلصون دينهم لله ، فلا يدعون إلا الله ، ولا يعبدون غيره
ولا ينذرون إلا الله، ويحرمون ما حرم الله ورسوله؛ فهؤلاء جند الله
الغالبون ، وحزب الله المفلحون ، فإنه يؤيدهم وينصرم . وهؤلاء يهزمون
شياطين أولئك الضالين ، فلا يستطيعون مع شهود هؤلاء ، واستغانتهم
باللّه، أن يفعلوا شيئاً من تلك الأحوال الشيطانية ، بل تهرب منهم
تلك الشياطين . وهؤلاء معترفون بذلك . يقولون : أحوالنا ما تنفذ
قدام أهل الكتاب والسنة ، وإنما تنفذ قدام من لا يكون كذلك من
الأعراب والترك والعامة وغيرهم .
فهؤلاء من أهل الضلال والغي الذين يجب نهيهم ، واستنابتهم ،
ومنعهم من طاعة الشيطان والشرك ، والبدع ، والفجور ، وأمرهم بما
٦٦٨

أمر الله به ورسوله ، واتباع الكتاب والسنة .
ولا يجوز للمؤمن أن يخافهم فإن الله تعالى يقول فى كتابه :
( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْلَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْحَسْبُنَا
اُللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَأَنْقَلَبُواْبِنِعْمَةٍ مِّنَ الَهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُوْ رِضْوَنَ
اَللَّهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِّكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن
كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ ) وقال تعالى: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا
فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُواْتَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرُّكُمْ وَاشْكُرُ وْلِى وَلَا
تَكْفُرُونِ ) .
٦٦٩

وقال أيضا شيخ الإسلام رحمه الله
رب بسر وأعن ياكريم .
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا . من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل
فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله . صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما .
فصل
فى أن التوبة والاستغفار يكون من ترك الواجبات وفعل المحرمات.
و ((الأول)) يخفى على كثير من الناس. قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنّ
وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ )
وقال تعالى :
(فَأَعْلَ أَنَّهُ لَ إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَاُلْمُؤْمِنَتِ ). وقال تعالى: (لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَاتَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ )
٦٧٠

وقال: (أَلَّا تَعْبُدُ واْ إِلَّا اللَّهَ إِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَّذِيْرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْثُمَّنُوبُواْ إِلَيْهِ
يُمَّنِّعَكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى ) .
ومثل هذا فى القرآن كثير .
فنقول : التوبة والاستغفار يكون من ترك مأمور ، ومن فعل
محظور؛ فإن كلاهما من السيئات والخطايا والذنوب. وترك ((الإيمان))
و ((التوحيد)) و((الفرائض)) التى فرضها الله تعالى على القلب والبدن
من الذنوب بلا ريب ، عند كل أحد . بل هي أعظم الصنفين . كما قد
بسطناه فيما كتبناه من ((القواعد)) قبل ذهابى إلى مصر .
فإن جنس ترك الواجبات أعظم من جنس فعل المحرمات ، إذ قد
يدخل فى ذلك ترك الإيمان والتوحيد، ومن أتى بالإيمان والتوحيد لم
بخلد فى النار ، ولو فعل ما فعل . ومن لم يأت بالإيمان والتوحيد كان
مخلداً ، ولو كانت ذنوبه من جهة الأفعال قليلة : كالزهاد والعباد من
المشركين ، وأهل الكتاب كعباد مشركي الهند ، وعباد النصارى ؛
وغيرهم ؛ فإنهم لا يقتلون ، ولا يزنون ، ولا يظلمون الناس ؛ لكن
نفس الإيمان والتوحيد الواجب تركوه .
ولكن يقال : ترك الإيمان والتوحيد الواجب ، إنما يكون مع
الاشتغال بضده ، وضده إذا كان كفراً فهم يعاقبون على الكفر ، وهو
٦٧١

من باب المنهى عنه ، وإن كان ضده من جنس المباحات كالاشتغال
بأهواء النفس ولذاتها ، من الأكل والشرب ، والرئاسة وغير ذلك
عن الإيمان الواجب . فالعقوبة هنا لأجل ترك الإيمان ؛ لا لأجل ترك
هذا الجنس .
وقد يقال : كل من ترك الإيمان والتوحيد فلا يتركه إلا إلى كفر
وشرك ؛ فإن النفس لا بد لها من إله تعبده ، فمن لم يعبد الرحمن عبد
الشيطان . فيقال : عبادة الشيطان جنس عام ، وهذا إذا أمره أن
يشتغل بما هو مانع له من الإيمان والتوحيد ، يقال: عبده . كما أن من
أطاع الشيطان فقد عبده ، ولكن عبادة دون عبادة.
والناس (( نوعان)) طلاب دين ، وطلاب دنيا . فهو يأمر طلاب
الدين بالشرك والبدعة ، كعباد المشركين ، وأهل الكتاب ، ويأمر
طلاب الدنيا بالشهوات البدنية . وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه
وسلم: (( إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الفي فى بطونكم وفروجكم
ومضلات الفتن )»
ولهذا قال الحسن البصري لما ذكر الحديث ((لكل عامل شرة ،
ولكل شرة فترة ، فإن صاحبها سدد وقارب فارجوه ، وإن أشير إليه
بالأصابع فلا تعدوه . فقالوا : أنت إذا مررت فى السوق أشار إليك
٦٧٢

الناس . فقال : إنه لم يعن هذا ، وإنما أراد المبتدع في دينه ،
والفاجر في دنياه .
وقد بسطت الكلام على ((النوعين)) فى مواضع . كما ذكرنا فى
((اقتضاء الصراط المستقيم)) الكلام على قوله تعالى: (فَأَسْتَمْتَعُواْ
بِخَلِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَفِكُمُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِهِمْ وَ خُضْتُمْ
كَلَّذِى خَاضُوَأ) وبسط هذا له موضع آخر .
فإن ترك الواجب وفعل المحرم متلازمان ؛ ولهذا كان من فعل
ما نهى عنه يقال: إنه عصى الأمر . ولو قال لها : إِن ◌َصَيتِ أمري
فأنت طالق . فنهاها فعصته ، ففيه وجهان :
أصحهما أنها تطلق ، وبعض الفقهاء يعلل ذلك بأن هذا يعد في
العرف عاصيا ، ويجعلون هذا في الأصل نوعين .
والتحقيق أن كل نهي ففيه طلب واستدعاء لما يقصده الناهي .
فهو أمر ، فالأمر يتناول هذا وهذا. ومنه قول الخضر لموسى: ( إِنَّكَ
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَ مَا لَوْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًاً * قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ
صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا ) . وقال له :
فقوله :
(فَإِنِ اتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْئَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنَّهُ ذِكْرًاً ) .
٦٧٣

؟ قد تناوله قوله :
( فَلَا تَسْئَلْنِ عَنْ شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًاً )
(وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا). ومنه قول موسى لأخيه: (مَا مَنَعَكَ إِذْرَأَيْنَهُمْ
ضَلُّوْاْ * أَلَّاتَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى) وموسى قال له: (أُخْلُفْنِى فِى
نهى . وهو لامه على أنه لم
قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ )
يتبعه ، وقال : أفعصيت أمري ؟ وعباد العجل كانوا مفسدين . وقد
جعل هذا كله أمراً .
وكذلك قوله: (مَكَبِكَةُّ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْضُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
فهم لا يعصونه إذا نهام ، وقوله عن الرسول :
يُؤْمَرُونَ)
( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ- أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )
فمن ركب مانهى عنه فقد خالف أمره ، وقال تعالى: ( وَعَصَىّ
ءَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) وإنما كان فعلاً منهيا عنه. وقوله: (وَمَاكَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)
هو يتناول ما نهى عنه ، أقوى مما يتناول ما أمر به ، فإنه قال فى
الحديث الصحيح: ((إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وإذا أمرتكم بأمر
فأتوا منه ما استطعتم )).
وقوله : (يَوْمَئِذٍ يَوَدُالَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ)
فالمعصية مخالفة الأمر ومخالف النهي عاص ؛ فإنه مخالف الأمر،
وفاعل المحظور قد يكون أظهر معصية من تارك المأمور .
٦٧٤

و((بالجملة )) فهما متلازمان . كل من أمر بشيء فقد نهى عن فعل
ضده ، ومن نهى عن فعل فقد أمر بفعل ضده ، كما بسط فى موضعه؛
ولكن لفظ ((الأمر)) بعم النوعين ، واللفظ العام قد يخص أحد نوعيه
باسم ، ويبقى الاسم العام للنوع الآخر ، فلفظ الأمر عام لكن
خصوا أحد النوعين بلفظ الهي ، فإذا قرن النهي بالأمر كان المراد به
أحد النوعين ، لا العموم .
فصل
و ((المقصود)) أن الاستغفار والتوبة يكونان من كلا النوعين ،
و ((أيضا)) فالاستغفار والتوبة مما فعله وتركه فى حال الجهل قبل أن
يعلم أن هذا قبيح من السيئات ، وقبل أن يرسل إليه رسول ، وقبل
أن تقوم عليه الحجة، فإنه سبحانه قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى ◌َعَثَ
رَسُولًا ) .
وقد قال طائفة من أهل الكلام والرأي : إن هذا في الواجبات
الشرعية غير العقلية . كما يقوله من يقوله من المعتزلة وغيرم : من
أصحاب أبي حنيفة ، وغيرم : مثل أبى الخطاب وغيره على أن الآية
عامة : لايعذب الله أحداً إلا بعد رسول .
٦٧٥

وفيها دليل على أنه لا يعذب إلا بذنب، خلافاً لما يقوله ((المجبرة))
أتباع جهم : أنه تعالى يعذب بلا ذنب ، وقد تبعه طائفة تنسب إلى
السنة : كالأشعري وغيره ، وهو قول القاضي أبى يعلى وغيره ، وقالوا :
إن الله يجوز أن يعذب الأطفال فى الآخرة عذاباً لا نهاية له من غير ذنب
فعلوه ، وهؤلاء يحتجون بالآية على إبطال قول من يقول : إن العقل
يوجب عذاب من لم يفعل ، والآية حجة عليهم أيضاً حيث يجوزون
العذاب بلا ذنب ، فهي حجة على الطائفتين .
ولها نظائر فى القرآن كقوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ
وقوله تعالى: (لِثَلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ
أُمِّهَارَسُولَا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا ) .
وقوله: (كُلَّمَا ◌ُلْفِى فِيَهَا فَوْمٌ سَمْ خَزَنْهَ
عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ).
أَمْ يَأْتِكُمْنَذِيرٌ * قَالُواْبَلَ قَدْ جَاءَ نَانَذِيرٌ فَكَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلٍ
كبيرٍ ) .
وما فعلوه
قبل مجيء الرسل كان سيئاً وقبيحاً وشراً ؛ لكن لا تقوم عليهم الحجة
إلا بالرسول . هذا قول الجمهور .
وقيل: إنه لا يكون قبيحاً إلا بالنهي، وهو قول من لا يثبت حسنا ولا قبيحا
إلا بالأمر والنهي . كقول جهم والأشعري ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة .
وأصحاب مالك والشافعي وأحمد : كالقاضي أبي يعلى، وأبي الوليد الباجي، وأبي
المعالي الجويني وغيرهم ، والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل
٦٧٦

مجيء الرسول من الشرك والجاهلية شيئاً قبيحاً، وكان شراً. لكن لا يستحقون
العذاب إلا بعد مجيء الرسول ؛ ولهذا كان للناس فى الشرك والظلم
والكذب والفواحش ونحو ذلك ((ثلاثة أقوال)) :
قيل: إن قبحها معلوم بالعقل ، وأنهم يستحقون العذاب على ذلك
فى الآخرة ، وإن لم يأتهم الرسول، كما يقوله المعتزلة، وكثير من
أصحاب أبي حنيفة، وحكوه عن أبى حنيفة نفسه ، وهو قول أبي
الخطاب ، وغيره .
و ((قيل)): لاقبح، ولا حسن، ولا شر فيها قبل الخطاب ،
وإنما القبيح ما قيل فيه لا تفعل ؛ والحسن ما قيل فيه افعل ، أو ما
أذن فى فعله . كما تقوله الأشعرية ، ومن وافقهم ، من الطوائف الثلاثة .
وقيل إن ذلك سيء ، وشر ، وقبيح ، قبل مجيء الرسول ؛
لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول . وعلى هذا عامة السلف ،
وأكثر المسلمين ، وعليه بدل الكتاب والسنة . فإن فيها بيان أن
ما عليه الكفار هو شر وقبيح ، وسيء قبل الرسل ، وإن كانوا
لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول . وفى الصحيح أن حذيفة قال :
(«يا رسول الله! إنا كنا فى جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير،
فهل بعد هذا الخير من شر. قال : نعم ، دعاة على أبواب جهنم ،
من أجابهم إليها قذفوه فيها )).
٦٧٧

فصل
وقد أخبر الله تعالى عن قبح أعمال الكفار قبل أن يأتيهم
الرسول. كقوله لموسى: (أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَ *
وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِكَ فَخْشَى ).
وقال : ( إِنَّ
فِرْعَوْنَ عَلَ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ
وَيَسْتَخِىِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ
في الْأَرْضِ وَفَجْعَلَهُمْ أَمِنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِينَ * وَثُمَكِنَّمْ فِ الْأَرْضِ).
فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى ، وحين كان صغيراً قبل أن
يأتيه برسالة ، أنه كان طاغياً مفسداً .
وقال تعالى: ( وَلَقَدْ مَنَنَّاعَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْأَ وْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى
* أَنِ أَقْذِ فِيهِ فِ التَّابُوتِ فَقْذِفِهِ فِ اَلْيَمْ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذُّهُ عَدُوٌّلِ وَعَدُوٌّلَّهُ ).
وهو فرعون ، فهو إذ ذاك عدو الله، ولم يكن جاءته الرسالة بعد .
٦٧٨

فصل
و ((أيضاً)) أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه ، فلو
كان كالمباح المستوى الطرفين والمعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين ،
ما أمر بالاستغفار والتوبة ، فعلم أنه كان من السيئات القبيحة، لكن الله
لا يعاقب إلا بعد إقامة الحجة ، وهذا كقوله تعالى: (الركنَبُّ أُشْكِمَتْ
ءَتُهُمَ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكٍِ خَبِيرٍ * أَلََّتَبُ وَإ ◌ِلَّ لَه ◌ِنَِّ لَكُر ◌ِنْهُ نَذِبِرُ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ
اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّنُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ,
وَإِن تَوَلَّوْ فَإِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) .
وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنْبَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ
إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ ) وقال :
﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَقَوْمِ إِنِّ
لَكُنْنَذِيْرٌ مُبِينُ * أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَثَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْلَكُ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ ).
فدل على أنها كانت ذنوباً قبل إنذاره إيام .
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَذَّا قَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُ واْ اللّهَ
وقال عن هود :
٦٧٩

مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلََّ مُفْتَرُونَ * يَقَوْمِ لَا أَسْتَلُكُمْعَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ
أَجْرِى إِلََّ عَلَى الَّذِى فَطَرَنِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ
فأخبر فى أول خطابه أنهم مفترون . بأكثر
إِلَيْهِ )
الذي كانوا عليه، كما قال لهم في الآية الأخرى: (أَتُجَدِلُونَنِ فِي
أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّانَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُواْإِ مَعَكُم
مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ ).
وكذلك قال صالح: (يَقَوْمِ أَعْبُدُ واْاللَّهَ مَالَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَأَنْشَأَ كُمْ مِّنَ
الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْفِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُّ نُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ) .
وكذلك قال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَاسَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِّنَ
الْعَلَمِينَ ) . فدل على أنها كانت فاحشة عندم قبل أن ينهام .
بخلاف قول من يقول : ما كانت فاحشة ، ولا قبيحة ، ولا سيئة حتى
( أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ
نهاهم عنها ؛ ولهذا قال لهم :
وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرَ) . وهذا خطاب لمن يعرفون قبح ما
يفعلون، ولكن أنذرهم بالعذاب .
وكذلك قول شعيب: (أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ
بين أن ما فعلوه
النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ).
٦٨٠