النص المفهرس
صفحات 641-660
سئل شيخ الإسلام عمن بقول : إن بعض المشايخ إذا أقام السماع يحضره رجال الغيب ، وينشق السقف والحيطان ، وتنزل الملائكة رقص معهم، أو عليهم . وفيهم من يعتقد أن النبى صلى الله عليه وسلم يحضر معهم. فماذا يجب على من يعتقد هذا الاعتقاد ؟ وما هي صفة رجال الغيب ؟ وهل يكون للتنار خفراء ولهم حال كحال خفراء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، أم لا ؟. فأجاب: وأما من زعم: أن الملائكة أو الأنبياء تحضر ((سماع المكاء والتصدية)) محبة ورغبة فيه فهو كاذب مفتر ؛ بل إنما محضره الشياطين ، وهي التى تنزل عليهم ، وتنفخ فيهم . كما روى الطبرانى وغيره عن ابن عباس مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن الشيطان قال : يارب اجعل لي بيتاً . قال : بيتك الحمام . قال اجعل لي قرآناً . قال : قرآنك الشعر . قال : يارب اجعل لي مؤذناً . قال: مؤذنك المزمار )) وقد قال الله تعالى فى كتابه مخاطباً للشيطان : ) وقد فسر ذلك طائفة من وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْبِصَوْتِكَ ) ٦٤١ السلف بصوت الغناء ، وهو شامل له ولغيره من الأصوات المستفزة لأصحابها عن سبيل الله. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت لهو ، ولعب، ومزامير الشيطان ، وصوت لطم خدود أو شق جيوب ودعاء بدعوى الجاهلية )) كقولهم : والههفاه ! واكبداه ! والصيراه ! وقد كوشف جماعات من أهل المكاشفات بحضور الشياطين فى مجامع السماعات الجاهلية : ذات المكاء ، والتصدية . وكيف يكر الشيطان عليهم حتى يتواجدوا الوجد الشيطانى ، حتى إن بعضهم صار برقص فوق رؤوس الحاضرين ، ورأى بعض المشايخ المكاشفين أن شيطانه قد احتمله حتى رقص به ، فلما صرخ بشيطانه هرب ، وسقط ذلك الرجل . وهذه الأمور لها أسرار ، وحقائق لا يشهدها ؛ إلا أهل البصائر الإيمانية ، والمشاهد الإيقانية ؛ ولكن من اتبع ماجاءت به الشريعة ، وأعرض عن سبيل المبتدعة ، فقد حصل له الهدى ، وخير الدنيا والآخرة . وإن لم يعرف حقائق الأمور بمنزلة من سلك السبيل إلى مكة خلف الدليل الهادي ، فإنه يصل إلى مقصوده ، ويجد الزاد والماء فى مواطنه ، وإن لم يعرف كيف يحصل ذلك وسببه . ومن سلك خلف غير الدليل ٦٤٢ الهادي : كان ضالاً عن الطريق . فإما أن يهلك ، وإما أن يشقى مدة ثم يعود إلى الطريق . و ((الدليل الهادى)) هو الرسول الذي بعثه الله إلى الناس بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، وهاديا إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما فى السموات ومافى الأرض . وآثار الشيطان تظهر فى أهل السماع الجاهلي : مثل الإزباد ، والإرغاء ، والصراخات المنكرة ، ونحو ذلك مما يضارع أهل الصرع الذين يصرعهم الشيطان ، ولذلك يجدون فى نفوسهم من ثوران مراد الشيطان بحسب الصوت : إما وجد في الهوى المذموم ، وإما غضب وعدوان على من هو مظلوم، وإما لطم وشق ثياب وصياح كصياح المخزون المحروم ، إلى غير ذلك من الآثار الشيطانية ، التى تعترى أهل الاجتماع على شرب الخمر إذا سكروا بها ؛ فإن السكر بالأصوات المطربة قد يصير من جنس السكر بالأشربة المطربة ، فيصدم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن، وفهم معانيه، واتباعه فيصيرون مضارعين الذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله . ويوقع بينهم العداوة والبغضاء ، حتى يقتل بعضهم بعضاً بأحواله الفاسدة الشيطانية . كما يقتل العائن من أصابه بعينه . ولهذا قال من قال من العلماء : إن هؤلاء يجب عليهم القود والدية ٦٤٣ والقصاص ، إذا عرف أنهم قتلوا بالأحوال الشيطانية الفاسدة ؛ لأنهم ظالمون ، وهم إنما يغتبطون بما ينفذونه من مراداتهم المحرمة . كما يغتبط الظلمة المسلطون . ومن هذا الجنس حال خفراء الكافرين ، والمبتدعين والظالمين ، فإنهم قد يكون لهم زهد وعبادة وهمة ، كما يكون للمشركين ، وأهل الكتاب ، وكما كان للخوارج المارقين الذين قال فيهم النبى صلى الله عليه وسلم: ((يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . أينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن فى قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)). وقد يكون لهم مع ذلك أحوال باطنة، كما يكون لهم ملكة ظاهرة، فإن سلطان الباطن معناه السلطان الظاهر ، ولا يكون من أولياء الله إلا من كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون . وما فعلوه من الإعانة على الظلم فهم يستحقون العقاب عليه بقدر الذنب ، وباب القدرة ، والتمكن باطناً وظاهراً ليس مستلزماً لولاية الله تعالى، بل قد يكون ولي الله متمكناً ذا سلطان ، وقد يكون مستضعفاً إلى أن ينصره الله، وقد يكون مسلطاً إلى أن ينتقم الله منه ، خفراء التتار فى الباطن من جنس التتار فى الظاهر . هؤلاء فى العباد بمنزلة هؤلاء فى الأجناد . ٦٤٤ وأما الغلبة فإن اللّه تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة ، كما يديل المؤمنين على الكافرين . كما كان يكون لأصحاب التى صلى الله عليه وسلم مع عدوم ، لكن العاقبة للمتقين؛ فإن الله يقول: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ اُلْأَشْهَدُ . ( وإذا كان فى المسلمين ضعف، وكان عدوم مستظهراً عليهم كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم ؛ إما لتفريطهم فى أداء الواجبات باطناً وظاهراً، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطناً وظاهراً . قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ) وقال تعالى: ( أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيِبَةٌ قَدْأَ صَبْتُمْ مِثْلَيَّهَا قُلْتُمْأَى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِأَنفُسِكُمْ ) وقال تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُ الَّذِينَ إِن مَّكَّتَهُمْ فِ آلْأَرْضِ أَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ عَزِيزٌ . بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْعَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَِّ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ٦٤٥ وسل عن النساء اللاتي يتعممن بالعمائم الكبار ، لا يرين الجنة، ولا يشممن رائحتها . وقد روى فى الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)). فأجاب : قد ثبت : فى صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( صنفان من أهل النار من أمتى لم أرهما بعد : نساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، على رؤوسهن مثل أسنمة البخت ، لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها . ورجال معهم سياط مثل أذناب البقر ، يضربون بها عباد الله)) ومن زعم أن هذا الحديث ليس بصحيح بما فيه من الوعيد الشديد ، فإنه جاهل ضال عن الشرع [يستحق العقوبة التى ] تردعه، وأمثاله من الجهال الذين يعترضون على الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الصحيحة فى ((الوعيد)» كثيرة مثل قوله: «من قتل ٦٤٦ نفساً معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة ، وريحها يوجد من مسيرة أربعين خريفاً)) ومثل قوله الذي فى الصحيح: ((لا يدخل الجنة من في قلبه ذرة من كبر . قيل : يارسول الله ! الرجل يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً ، أفمن الكبر ذاك ؟ فقال : لا ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس)). و((بطر الحق)) جحده، و((غمط الناس)) احتقارهم ، وازدراؤم. ومثل قوله في الحديث الصحيح: (( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم: شيخ زان ، وملك كذاب ، وفقير مختال )) . وفى القرآن من آيات الوعيد ماشاء الله، كقوله : ( إِنَّالَّذِينَ يَأْككُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْ كُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًاً وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا) وكما في قوله: (لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِحَرَةً وَمَن يَفْعَلْ عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ج ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) وقوله فى الفرائض: ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَذَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا ( فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِيرٌ ٦٤٧ وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين، أن ((الوعيد )» فى الكتاب والسنة لأهل الكبائر موجود ، ولكن الوعيد الموجود فى الكتاب والسنة قد بين الله فى كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يلحق التائب بقوله: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُوا مِن أي لمن تاب . وقال فى رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) الآية الأخرى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) فهذا فى حق من لم يتب، فالشرك لا يغفر ، وما دون الشرك إن شاء الله غفره ، وإن شاء عاقب عليه . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ، ولا م ولا غم ، ولا حزن ولا أذى ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه)) ولهذا لما نزل قوله: (مَن يَعْمَلْ سُوءً ايُجْزَبِهِ) قال أبو بكر: يا رسول الله! قد جاءت قاصمة الظهر، وأنا لم يعمل سوءاً؟ فقال: (( يا أبا بكر! ألست تنصب؟ ألست تحزن ؟ ألست تصيبك اللأوى ؟ فذلك مما تجزون به )) فالمصائب فى الدنيا يكفر الله بها من خطايا المؤمن مابه يكفر، وكذلك الحسنات التى يفعلها . قال اللّه تعالى: (إِنَّالْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)) فالله تعالى لا يظلم ٦٤٨ عبده شيئاً. كما قال: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ). فالوعيد ينتفي عنه : إما بتوبة ، وإما بحسنات يفعلها تكافئ سيئاته، وإما بمصائب يكفر الله بها خطاياه، وإما بغير ذلك وكما أن أحاديث الوعيد تقدم وكذلك أحاديث الوعد. فقد يقول: لا إله إلا الله، ويجحد وجوب الصلاة، والزكاة ، فهذا كافر يجب قتله، وقد يكون من أهل الكبائر المستوجبين للنار . وهذه ((مسألة الوعد، والوعيد)) من أكبر مسائل العلم . وقد بسطناها فى مواضع ؛ ولكن كتبنا هنا ما تسع الورقة . ٦٤٩ وسئل عن الذنوب الكبائر المذكورة في القرآن ، والحديث . هل لها حد تعرف به ؟ وهل قول من قال : إنها سبح ، أو سبعة عشر ، صحيح ؟ أو قول من قال : إنها ما اتفقت فيها الشرائح - أعنى على تحريمها؟ - أو إنها ما تسد باب المعرفة بالله؟ أو إنها ما تذهب الأموال والأبدان ؟ أو إنها إنما سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها ؟ أو إنها لا تعلم أصلاً ، وأبهمت كليلة القدر ؟ أو ما يحكى بعضهم أنها إلى التسعين أقرب ، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة ، أو أنها مارتب عليها حد . أو ما توعد عليها بالنار ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أمثل الأقوال في هذه المسألة القول المأثور عن ابن عباس ، وذكره أبو عبيد، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما وهو : أن الصغيرة مادون الحدين: حد الدنيا، وحد الآخرة. وهو معنى قول من قال : ما ليس فيها حد في الدنيا . وهو معنى قول القائل: كل ذنب ختم بلعنة، أو غضب ، أو نار، فهو من الكبائر. ومعنى قول القائل : وليس فيها حد فى الدنيا ، ولا وعيد فى ٦٥٠ الآخرة، أي ((وعيد خاص)) كالوعيد بالنار ، والغضب، واللعنة . وذلك لأن الوعيد الخاص في الآخرة . كالعقوبة الخاصة فى الدنيا . فكما أنه يفرق فى العقوبات المشروعة للناس بين العقوبات المقدرة بالقطع ، والقتل ، وجلد مائة ، أو ثمانين ، وبين العقوبات التى ليست بمقدرة: وهي ((التعزير)) فكذلك يفرق في العقوبات التى يعزر الله بها العباد - فى غير أمر العباد بها - بين العقوبات المقدرة : كالغضب ، واللعنة ، والنار . وبين العقوبات المطلقة. وهذا (( الضابط)) يسلم من القوادح الواردة على غيره ؛ فإنه يدخل كل ما ثبت فى النص أنه كبيرة : كالشرك ، والقتل ، والزنا ، والسحر ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، وغير ذلك من الكبائر التى فيها عقوبات مقدرة مشروعة ، وكالفرار من الزحف ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، وعقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، وشهادة الزور ؛ فإن هذه الذنوب وأمثالها فيها وعيد خاص ، كما قال فى الفرار من الزحف : (وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَدِّفَا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَدِزَّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمْ وَبِئْسَ الْصِيرُ ) وقال : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَنْ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ وقال : وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا). مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَاللَّهُ بِهِ= أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُاللَّعْنَةُ وَلَهُمْ ٦٥١ سُوَهُ الدَّارِ ) وقال: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ). وقال تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). وكذلك كل ذنب توعد صاحبه بأنه لا يدخل الجنة ، ولا يشم رائحة الجنة ، وقيل فيه: من فعله فليس منا ، وأن صاحبه آثم . فهذه كلها من الكبائر. كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة قاطع)) وقوله: (( لا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر)) وقوله: ((من غشنا فليس منا)). وقوله: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)). وقوله: (( لا يزني الزانى حين يزني ، وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين بسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)). وذلك لأن نفى الإيمان ، وكونه ليس من المؤمنين ، ليس المراد به ما يقوله المرجئة : إنه ليس من خيارنا ؛ فإنه لو ترك ذلك لم يلزم أن يكون من خيارهم ، وليس المراد به ما يقوله الخوارج : إنه صار كافراً . ولا ما يقوله المعتزلة : من أنه لم يبق معه من الإيمان شيء ، بل هو ٦٥٢ مستحق للخلود فى النار لا يخرج منها . فهذه كلها أقوال باطلة ، قد بسطنا الكلام عليها فى غير هذا الموضع . ولكن المؤمن المطلق فى باب الوعد والوعيد ، وهو المستحق لدخول الجنة بلا عقاب ، هو المؤدي للفرائض ، المجتب المحارم ، وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق ، فمن فعل هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين، إذ هو متعرض للعقوبة على تلك الكبيرة ، وهذا معنى قول من قال : أراد به نفي حقيقة الإيمان ، أو نفي كمال الإيمان ، فإنهم لم يريدوا نفي الكمال المستحب ، فإن ترك الكمال المستحب لا يوجب الذم والوعيد ، والفقهاء يقولون: الغسل ينقسم إلى : كامل ، ومجزئ . ثم من عدل عن الغسل الكامل إلى المجزئ لم يكن مذموماً . فمن أراد بقوله ((نفي كمال الإيمان)) أنه نفي الكمال المستحب، فقد غلط . وهو يشبه قول المرجئة ، ولكن يقتضي نفي الكمال الواجب . وهذا مطرد فى سائر ما نفاه الله ورسوله : مثل قوله : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْءَايَتُهُ رَادَتْهُمْ إِيَمَنًا - إلى قوله - أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ومثل الحديث المأثور: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)) ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا صلاة إلا بأم ٦٥٣ القرآن )) وأمثال ذلك . فإنه لا ينفى مسمى الاسم إلا لانتفاء بعض ما يجب فى ذلك ؛ لا لانتفاء بعض مستحباته ، فيفيد هذا الكلام أن من فعل ذلك فقد ترك الواجب الذي لا يتم الإيمان الواجب إلا به ، وإن كان معه بعض الإيمان ، فإن الإيمان يتبعض ويتفاضل . كما قال صلى الله عليه وسلم: (( يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان )) . و ( المقصود هنا ) أن نفي الإيمان والجنة ، أوكونه من المؤمنين، لا يكون إلا عن كبيرة. أما الصغائر فلا تنفى هذا الاسم والحكم عن صاحبها بمجردها . فيعرف أن هذا التفي لا يكون لترك مستحب ، ولا لفعل صغيرة ، بل لفعل كبيرة . وإنما قلنا : إن هذا الضابط أولى من سائر تلك الضوابط المذكورة لوجوه : ( أحدها ) : أنه المأثور عن السلف ، بخلاف تلك الضوابط ؛ فإنها لا تعرف عن أحد من الصحابة والتابعين والأئمة ، وإنما قالها بعض من تكلم فى شيء من الكلام ، أو التصوف بغير دليل شرعى . وأما من قال من السلف : إنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع ، فهذا لا يخالف ما ذكرناه . وسنتكلم عليها إن شاء الله واحداً واحداً . ٦٥٤ (الثاني) أن اللّه قال: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلَا كَرِيمًا) فقد وعد مجتب الكبائر بتكفير السيئات ، واستحقاق الوعد الكريم . وكل من وعد بغضب اللّه أو لعنته، أو نار أو حرمان جنة، أو ما يقتضى ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد ، فلا يكون من مجننى الكبائر . وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد ، لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر ، إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه ، والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه . (الثالث ) أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله في الذنوب ؛ فهو حد يتلقى من خطاب الشارع ، وما سوى ذلك ليس متلقى من كلام الله ورسوله ؛ بل هو قول رأي القائل وذوقه من غير دليل شرعي ، والرأي والذوق بدون دليل شرعي لا يجوز . ( الرابع ) أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، وأما تلك الأمور فلا يمكن الفرق بها بين الكبائر والصغائر ؛ لأن تلك الصفات لا دليل عليها ، لأن الفرق بين ما اتفقت فيه الشرائح واختلفت لا يعلم إن لم يمكن وجود عالم بتلك الشرائح على وجهها ، وهذا غير معلوم لنا . ٦٥٥ وكذلك ((ما يسد باب المعرفة)) هو من الأمور النسبية والإضافية، فقد يسد باب المعرفة عن زيد مالا يسد عن عمرو ، وليس لذلك حد محدود . ( الخامس ) أن تلك الأقوال فاسدة . فقول من قال : إنها ما اتفقت الشرائح على تحريمه ، دون ما اختلفت فيه . يوجب أن تكون الحبة من مال اليتيم ، ومن السرقة ، والخيانة ، والكذبة الواحدة ، وبعض الإساءات الخفية ، ونحو ذلك كبيرة . وأن يكون الفرار من الزحف ليس من الكبائر ؛ إذ الجهاد لم يجب فى كل شريعة ، وكذلك يقتضي أن يكون التزوج بالمحرمات بالرضاعة والصهر وغيرهما ليس من الكبائر ؛ لأنه مما لم تتفق عليه الشرائح . وكذلك إمساك المرأة بعد الطلاق الثلاث ، ووطؤها بعد ذلك . مع اعتقاد التحريم . وكذلك من قال : إنها ما تسد باب المعرفة ، أو ذهاب النفوس والأموال ؛ يوجب أن يكون القليل من الغضب والخيانة كبيرة . وأن يكون عقوق الوالدين ، وقطيعة الرحم ، وشرب الخمر ، وأكل الميتة ، ولحم الخنزير ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ، ونحو ذلك ليس من الكبائر . ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى مادونها ، وأن ما عصى الله ٦٥٦ به فهو كبيرة ، فإنه يوجب أن لا تكون الذنوب في نفسها تنقسم إلى كبائر وصغائر . وهذا خلاف القرآن ، فإن الله قال: ( الَّذِينَ (وَالَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَّبِرَ وقال : يَجْتَنِبُونَ كَبَِرَ اْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلََّ اللََّمَ) آلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَامَا غَضِبُواْهُمْ يَغْفِرُونَ) وقال: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ◌ُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) وقال: (مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةَّ إِلَّا أَحْصَنَهَا) وقال: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ) والأحاديث كثيرة فى الذنوب الكبائر . ومن قال : هي سبعة عشر ، فهو قول بلا دليل . ومن قال : إنها مبهمة ، أو غير معلومة . فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها . ومن قال : إنه ما توعد عليه بالنار ، قد يقال : إن فيه تقصيراً إذ الوعيد قد يكون بالنار ، وقد يكون بغيرها ، وقد يقال : إن كل وعيد فلابد أن يستلزم الوعيد بالنار . وأما من قال : إنها كل ذنب فيه وعيد ، فهذا يندرج فيما ذكره السلف ؛ فإن كل ذنب فيه حد فى الدنيا ففيه وعيد من غير عكس ، فإن الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وقذف المحصنات ، ونحو ذلك فيها وعيد . كمن قال : إن الكبيرة ما فيها وعيد . والله أعلم . ٦٥٧ سئل رضى اللّه عنـ عن شرب الخمر ، وفعل الفاحشة ، أيهما أعظم إثماً عند الله ؟ أم هما مستويان ؟ وما هي الكبائر التى قال عز وجل فيها : ( إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) ؟ فما هي هذه الكبائر ، وما هي السيئات ؟ فأجاب : رضى الله عنه، الحمد لله. ((الكبائر)) هي ما فيها حد فى الدنيا، أو فى الآخرة: كالزنا ، والسرقة ، والقذف التى فيها حدود في الدنيا . وكالذنوب التى فيها حدود فى الآخرة ، وهو الوعيد الخاص . مثل الذنب الذي فيه غضب الله ، ولعنته، أو جهنم ؛ ومنح الجنة ، كالسحر ، واليمين الغموس ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور . وشرب الخمر ، ونحو ذلك . هكذا روي عن ابن عباس ، وسفيان بن عيينة ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من العلماء . قال تعالى: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) وقال تعالى : ٦٥٨ (الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّمَّ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةِ ). وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَِّرَالْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ وَإِذَامَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ) وقال تعالى ( وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا )، وقال تعالى: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُّ). و (أكبر الكبائر) الإشراك بالله، ثم قتل النفس ، ثم الزنا. (وَاُلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَاللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ كما قال تعالى : الَّتِى حَرَّمَاللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ) الآية . والزنا أعظم من شرب الخمر، إذا استويا فى القدر . مثل من يزنى مرة، ويشرب الخمر مرة ، فأما إذا قدر أن رجلا زنا مرة ، وآخر مدمن على شرب الخمر ، فهذا قد يكون أعظم من ذلك . كما أنه لو زنا مرة وتاب كان خيراً من المصر على شرب الخمر . وكذلك شارب الخمر إذا دعا غيره فيكون عليه إثم شربه وعليه قسط من إنم الذين دعاهم إلى الشرب. وكذلك إذا اقترن بالشرب سماع المزامير ، والشرب على بعض الصور المحرمة ، ونحو ذلك فهذا مما يتغلظ فيه الشرب . والذنب يتغلظ بتكراره ، وبالإصرار عليه ، وبما يقترن به من سيئات أخر . وكذلك لو قدرنا أن الزاني زنى وهو خائف من الله، وجل من عذابه ، والشارب يشرب لا هياً غافلا لا يراقب الله . كان ذنبه أعظم من هذا الوجه . فقد يقترن بالذنوب ما يخففها ، وقد يقترن بها ٦٥٩ ما يغلظها . كما أن الحسنات قد يقترن بها ما يعظمها ، وقد يقترن بها ما يصغرها . فكما أن الحسنات أجناس متفاضلة ، وقد يكون المفضول فى كثير من المواضع أفضل مما جنسه فاضل . فكذلك السيئات . فالصلاة أفضل من القراءة ، والقراءة أفضل من الذكر ، والذكر أفضل من الدعاء ؛ مع أن القراءة والذكر والدعاء بعد الفجر وبعد العصر أفضل من تحري صلاة التطوع فى ذلك ، وكذلك التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن فيه ، وقد يكون بعض الناس انتفاعه بالذكر والدعاء أعظم من انتفاعه بالقراءة، فيكون أفضل فى حقه . فهكذا السيئات . وإن كان القتل أعظم من الزنا ، والزنا أعظم من الشرب . فقد يقترن بالشرب من المغلظات ما يصير به أغلظ من بعض ضرر الزنا . وإذا عرف أن الحسنات والسيئات تتفاضل بالأجناس تارة ، وتتفاضل بأحوال أخرى تعرض لها : تبين أن هذا قد يكون أعظم من هذا ، وهذا أعظم من هذا . والعبد قد يأتي بالحسنة بنية وصدق وإخلاص تكون أعظم من أضعافها . كما فى حديث صاحب البطاقة الذي رجحت بطاقته التى فيها: ((لا إله إلا الله)) بالسجلات التى فيها ذنوبه . وكما فى حديث البغي التى سقت كلباً بموقها، فغفر الله لها . وكذلك في السيئات . والله أعلم . كتبه ابن تيمية ٦٦٠