النص المفهرس

صفحات 601-620

وأما قول القائل : هذه شبكة يصاد بها العوام .
فقد صدق ، فإن أكثرهم إنما يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام ،
والتوانس على الطعام. كما قال الله فيهم: (يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ كَثِيرً
مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ ) ومن فعل هذا فهو من أئمة الضلال ، الذين قيل فى رؤوسهم:
(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُواْرَبيَّنَآ إِنَّ
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَءَنَا فَأَضَلُّونَ السَّبِيلَاْ * رَبَّنَاءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ
لَعْنَاكَبِيرًا ).
وأما الصادقون منهم: فهم يتخذونه شبكة، لكن هي شبكة مخرقة
يخرج منها الصيد إذا دخل فيها ، كما هو الواقع كثيراً؛ فإن الذين دخلوا
فى السماع المبتدع فى الطريق، ولم يكن معهم أصل شرعي شرعه الله
ورسوله ، أورثتهم أحوالا فاسدة(١).
وإلى عبادته ومحبته ، وطاعته ، والرغبة إليه ، والتبتل له والتوكل
عليه أحسن من (١) الإسلامية، والشريعة القرآنية، والمناهج (١) الموصلة
الحقيقة الجامعة لمصالح الدنيا والآخرة .
(١) بياض بالأصل.
٦٠١

وإذا كان غير مشروع ، ولا مأمور به ، فالتطهر ، أو الإنصات
له ، واستفتاح باب الرحمة هو من جنس عادة الرهبان ، ليس من عبادة
أهل الإسلام ، والإيمان ، ولا عبادة أهل القرآن ، ولا من أهل السنة
والإحسان. والحمد لله وحده .
٦٠٢

ـئل
عمن قال إن السماع على الناس حرام وعلي حلال هل يفسق فى
ذلك أم لا ؟
فأجاب - رضي الله عنه - من ادعى أن المحرمات تحريماً عاماً:
كالفواحش ، والظلم ، والملاهي ، حرام على الناس حلال له فإنه يستتاب
فإن تاب وإلا قتل ، ومن ادعى فى الدفوف والشباب أنهما حرام على
بعض الناس دون بعض فهذا مخالف للسنة ، والإجماع ، وأئمة الدين ،
وهو ضال من الضلال . ومن ثم مصراً على مثل ذلك كان فاسقاً .
والله أعلم .
٦٠٣

سئل
عن أقوام يرقصون على الغناء بالدف ، ثم يسجد بعضهم لبعض على
وجه التواضع . هل هذا سنة ؟ أو فعله الشيوخ الصالحون ؟ .
الجواب : لا يجوز السجود لغير الله، واتخاذ الضرب بالدف والغناء
والرقص عبادة هو من البدع التى لم يفعلها سلف الأمة ، ولا أكار
شيوخها : كالفضيل بن عياض ، وإبراهيم بن أدهم ، وأبى سليمان الدارانى
ومعروف الكرخي ، والسرى السقطي ، وغير هؤلاء .
وكذلك أكابر الشيوخ المتأخرين مثل : الشيخ عبد القادر ،
والشيخ عدى ، والشيخ أبى مدين ، والشيخ أبى البيان، وغير هؤلاء.
فإنهم لم يحضروا (( السماع البدعى)) بل كانوا يحضرون ((السماع الشرعى))
سماع الأنبياء ، وأتباعهم . كسماع القرآن . والله أعلم .
٦٠٤

سئل شيخ الإسلام
عن رجل يحب السماع والرقص ، فأشار عليه رجل . فقال
هذه الأبيات :
فعليهم من أجل ذاك سلام
أنكروا رقصاً وقالوا حرام
أعبد الله يا فقيه، وصل والزم الشرع فالسماع حرام
عند قوم أحوالهم لا تلام
بل حرام عليك ، ثم حلال
جانب الطور جذوة وكلام
مثل قوم صفوا وبان لهم من
فحرام على الجميع حرام
فاذا قوبل السماع بلهو
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. هذا الشعر يتضمن منكراً من
القول وزوراً؛ بل أوله يتضمن مخالفة الشريعة، وآخره يفتح باب
الزندقة والإلحاد ، والمخالفة للحقيقة الإلهية الدينية النبوية . وذلك أن
قول القائل :
مثل قوم صفوا وبان لهم من جانب الطور جذوة وكلام
٦٠٥

يتضمن تمثيل هؤلاء بموسى بن عمران ، الذى نودى من جانب
الطور ، ولما رأى النار (قَالَ لِأَهْلِ أَمْكُنُواْ إِنّ ◌َا نَسْتُ نَارَالَّعَلَِّاتِكُمْ مِّنْهَا
بِخَبَرٍ أَوْحَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ).
وهذا قول طائفة من الناس ، يسلكون طريق الرياضة والتصفية ،
ويظنون أنهم بذلك يصلون إلى أن يخاطبهم الله ، كما خاطب موسى بن
عمران ، وهؤلاء ثلاثة أصناف :
((صنف)) يزعمون أنهم يخاطبون بأعظم مما خوطب به موسى بن
عمران . كما يقول ذلك من يقوله من أهل الوحدة والاتحاد ، القائلين
بأن الوجود واحد. كصاحب «الفصوص)» وأمثاله.
فإن هؤلاء يدعون أنهم أعلى من الأنبياء ، وأن الخطاب الذي
يحصل لهم من الله أعلى مما يحصل لإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد
عليهم الصلاة والسلام ، ومعلوم أن هذا الكفر أعظم من كفر اليهود
والنصارى ، الذين يفضلون الأنبياء على غيرم ، لكن يؤمنون ببعض
الأنبياء ، ويكفرون ببعض .
و «النوع الثانى)) من يقول إن الله يكلمه مثل كلام موسى بن
عمران ، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والمتصوفة ، الذين
٦٠٦

يقولون : إن تكليم موسى فيض فاض على قلبه من العقل الفعال ،
ويقولون : إن النبوة مكتسبة .
و ((النوع الثالث)): الذين يقولون: إن موسى أفضل، لكن
صاحب الرياضة قد يسمح الخطاب الذي سمعه موسى ؛ ولكن موسى
مقصوداً بالتكليم دون هذا، كما يوجد هذا فى أخبار صاحب («مشكاة
الأنوار))، وكذلك سلك مسلكه صاحب ((خلع النعلين))، وأمثالهما .
وأما قوله فى أول الشعر لمن يخاطبه: ((الزم الشرع يا فقيه
وصل)). يشعر بأنك أنت تبع الشرع، وأما نحن فلنا إلى الله
طريق غير الشرع ، ومن ادعى أن له طريقاً إلى اللّه يوصله إلى رضوان
الله وكرامته وثوابه غير الشريعة التى بعث الله بها رسوله ، فإنه أيضاً
كافر ، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه: كطائفة أسقطوا التكليف ،
وزعموا أن العبد يصل إلى الله بلا متابعة الرسل .
و ((طائفة)) يظنون أن الخواص من الأولياء يستغنون عن متابعة
محمد صلى الله عليه وسلم كما استغنى الخضر عن متابعة موسى ، وجهل
هؤلاء أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ، ومحمد صلى الله عليه وسلم
رسول إلى كل أحد ظاهراً وباطناً ، مع أن قضية الخضر لم تخالف
شريعة موسى ؛ بل وافقتها ، ولكن الأسباب المبيحة للفعل لم يكن موسى
علمها ، فلما علمها تبين أن الأفعال توافق شريعته لا تخالفها .
٦٠٧

وسل
عن الذين يعملون النار والإشارات مثل النبل والزعفران .
وغير ذلك ؟.
فأجاب: أما هؤلاء الذين يظهرون ((الإشارات)) كالنبل والزعفران
والمسك ، والنار ، والجية . فليسوا من أولياء الله الصالحين؛ بل هم من
أحزاب الشياطين ، وأحوالهم شيطانية ليست من كرامات الصالحين ،
وهم يفسدون العقول ، والأديان ، والأعراض ، والنساء ، والصبيان .
ولا يحسن الظن بهم إلا جاهل عظيم الجهالة، أو عدو الله ورسوله،
فإنهم من جنس النتر المحاربين الله ورسوله . والله أعلم.
٦٠٨

سئل
عن رجل فلاح لم يعلم دينه ولا صلاته ، وإن في بلده شيخا أعطاه
إجازة ، وبقي يأكل الثعابين والعقارب ، ونزل عن فلاحته ، ويطلب
رزقة . فهل يجوز الصدقة عليه أم لا ؟؟.
فأجاب : الحمد لله . أكل الخبائث ، وأكل الحيات والعقارب
حرام بإجماع المسلمين . فمن أكلها مستحلا لذلك فإنه يستتاب ، فإن
تاب وإلا قتل . ومن اعتقد التحريم وأكلها فإنه فاسق عاص لله ورسوله
فكيف يكون رجلا صالحاً؟! ولو ذكى الحية لكان أكلها بعد ذلك حرام
عند جماهير العلماء ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خمس
فواسق يقتلن فى الحل والحرم : الحية ، والعقرب ، والحدأة ، والفأرة،
والكلب العقور)).
فأمر النبى صلى الله عليه وسلم بقتل ذلك فى الحل والحرم ، وسماهن
فواسق ؛ لأنهن يفسقن : أي يخرجن على الناس ، ويعتدين عليهم ،
فلا يمكن الاحتراز منهن ، كما لا يحترز من السباع العادية ، فيكون
٦٠٩

عدوان هذا أعظم من عدوان كل ذي ناب من السباع ، وهن
أخبث وأحرم .
وأما الذين يأكلون ويجعلون ذلك من باب «كرامات الأولياء))
فهم أشر حالاً ممن يأكلها من الفساق ؛ لأن كرامات الأولياء لا تكون
بما نهى اللّه عنه ورسوله، من أكل الخبائث، كما لا تكون بترك
الواجبات ، وإنما هذه المخاريق التى يفعلها هؤلاء المبتدعون : من
الدخول فى النار ، وأخذ الحيات ، وإخراج اللاذن ، والسكر ، والدم
وماء الورد . هي نوعان :
((أحدهما )) أن يفعلوا ذلك بحيل طبعية . مثل أدهان معروفة ،
يذهبون ويمشون [ فى النار ]، ومثل ما يشربه أحدم مما يمنح سم الحية: مثل
أن يمسكها بعنقصتها حتى لا تضره ، ومثل أن يمسك الحية المائية ، ومثل
أن يسلخ جلد الحية ويحشوه طعاماً ، وكم قتلت الحيات من أتباع
هؤلاء ؟! ومثل أن يمسح جلده بدم أخوين ؛ فإذا عرق في السماع ظهر
منه ما يشبه الدم ، ويصنع لهم أنواعا من الحيل والمخادمات .
« النوع الثاني)) وم أعظم عندم أحوال شيطانية تعتريهم عند
السماع الشيطانى ، فتنزل الشياطين عليهم ، كما تدخل فى بدن المصروع
ويزيد أحدم كما يزيد المصروع ، وحينئذ يباشر النار ، والحيات ،
٦١٠

والعقارب ، ويكون الشيطان هو الذي يفعل ذلك ، كما يفعل ذلك من
تقترن بهم الشياطين من إخوانهم ، الذين هم شر الخلق عند الناس ، من
الطائفة التى تطلبهم الناس لعلاج المصروع ، وهم من شر الخلق عند
الناس ، فإذا طلبوا محلوا بحلية المقاتلة ، ويدخل فيهم الجن ، فيحارب
مثل الجن الداخل فى المصروع ، ويسمع الناس أصواتاً ، ويرون
حجارة يرمى بها ، ولا يرون من يفعل ذلك ، ويرى الإنسى واقفاً
على رأس الرمح الطويل . وإنما الواقف هو الشيطان ، ويرى الناس
ناراً تحمى . ويضع فيها الفؤوس والمساحي ، ثم إن الإنسى يلحسها
بلسانه ، وإنما يفعل ذلك الشيطان الذي دخل فيه ، ويرى الناس
هؤلاء يباشرون الحيات والأفاعي وغير ذلك ، ويفعلون من الأمور
ماهو أبلغ مما يفعله هؤلاء المبتدعون الضالون المكذبون الملبسون ،
الذين يدعون أنهم أولياء الله، وإنما هم من أعاديه، المضيعين
الفرائضه ، التعدين لحدوده .
والجمال لأجل هذه الأحوال الشيطانية ، والطبيعية، يظنونهم أولياء
اللّه؛ وإنما هذه الأحوال من جنس أحوال أعداء الله الكافرين،
والفاسقين . ولا يجوز أن يعان من هؤلاء على ترك المأمور ، ولا
فعل المحظور ، ولا إقامة مشيخة تخالف الكتاب والسنة ، ولا أن يعطي
رزقه على مشيخة يخرج بها من طاعة الله ورسوله ، وإنما بعان بالأرزاق
من قام بطاعة الله ورسوله، ودعا إلى طاعة الله ورسوله والله أعلم.
٦١١

وسل
عن رجل منقطع فى بيته لا يخرج ولا يدخل ، ويعلي فى بيته ،
ولا يشهد الجماعة ، وإذا خرج إلى الجمعة يخرج مغطى الوجه ، ثم إنه
يخترع العياط من غير سبب، وتجتمع عنده الرجال والنساء . فهل يسلم له
حاله ؟ أو يجب الإنكار عليه ؟
فأجاب : هذه الطريقة طريقة بدعية ، مخالفة للكتاب والسنة ،
ولما أجمع عليه المسلمون . والله تعالى إنما يعبد بما شرع ، لا يعبد بالبدع .
قال الله تعالى: (أَمْلَهُمْ شُرَكَوُا شَرَعُواْلَهُم مِّنَ الذِينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّبِهِ
اللَّهُ ) فإن التعبد بترك الجمعة والجماعة، بحيث يرى أن تركها أفضل
من شهودهما مطلقاً كفر، يجب أن يستتاب صاحبه منه ، فإن تاب
وإلا قتل . فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن لا يعبد بترك
الجمعة والجماعة ، بل يعبد بفعل الجمعة والجماعة ، ومن جعل الانقطاع من
ذلك ديناً لم يكن على دين المسلمين ، بل يكون من جنس الرهبان
الذين يتخلون بالصوامع والديارات ، والواحد من هؤلاء قد يحصل له
بسبب الرياضة ، أو الشياطين - بتقريبه إليهم ، أو غير ذلك -
نوع كشف، وذلك لا يفيده ؛ بل هو كافر بالله ورسوله محمد صلى
الله عليه وسلم.
والله تعالى أمر الخلق أن يعبدوه وحده لا يشركون به شيئاً،
٦١٢

ويعبدوه بما شرع، وأمر أن لا يعبدوه بغير ذلك. قال تعالى: ( فَتَن
كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً)
وقال تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا ).
فالسالك طريق الزهادة والعبادة إذا كان متبعاً للشريعة فى الظاهر ،
وقصد الرياء والسمعة ، وتعظيم الناس له كان عمله باطلا لا يقبله الله.
كما ثبت في الصحيح أن الله يقول: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك،
من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء . وهو كله الذي
أشرك)) وفى الصحيح عنه أنه قال: ((من سمع سمع الله به، ومن
راءى راءى الله به )).
وإن كان خالصاً فى نيته لكنه يتعبد بغير العبادات المشروعة :
مثل الذي يصمت دائماً ، أو يقوم فى الشمس ، أو على السطح دائماً ،
أو يتعرى من الثياب دائماً ، ويلازم لبس الصوف ، أو لبس الليف ،
ونحوه أو يغطي وجهه ، أو يمتع من أكل الخبز، أو اللحم ، أو
شرب الماء ، ونحو ذلك - كانت هذه العبادات باطلة ، ومردودة ،
كما ثبت فى الصحيح عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
((من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)). وفى رواية: ((من
عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) وفى صحيح البخاري عن ابن
عباس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً فى الشمس فقال:
ما هذا ؟ قالوا : هذا أبو إسرائيل ، نذر الصمت ، والقيام والبروز
٦١٣

للشمس مع الصوم. فأمره النبى - صلى الله عليه وسلم - بالصوم
وحده)) لأنه عبادة يحبها الله تعالى، [ وما عداه ليس بعبادة ] وإن
ظنها الظان تقربه إلى الله تعالى . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه
كان يقول في خطبته: « إن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدى هدي
محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)).
وثبت عنه في الصحيح ((أن قوما من أصحابه قال أحدم: أما أنا
فأصوم ، ولا أفطر ، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ، ولا أنام ، وقال
الآخر : أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل
اللحم . فقال النبى صلى الله عليه وسلم: مابال رجال يقول أحدهم:
كيت وكيت ! لكني أصوم وأفطر، وأنام، وأتزوج النساء، وآكل
اللحم ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )) . فإذا كان هذا فيما هو جنسه
عبادة ؛ فإن الصوم والصلاة جنسهما عبادة، وترك اللحم والتزويج جاز،
لكن لما خرج فى ذلك من السنة فالتزم القدر الزائد على المشروع ،
والتزم هذا ترك المباح، كما يفعل الرهبان، تبرأ النبي صلى الله عليه
وسلم ممن فعل ذلك ، حيث رغب عن سنته إلى خلافها ، وقال :
((لارهبانية فى الإسلام)) فكيف بمن يرغب عما هو من أعظم شعار
الإسلام، وهو الصلاة فى الجمعة، والجماعات ؟ !.
وقد روى عن ابن عباس أنهم سألوه غير مرة : عمن يصوم
٦١٤

النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد جمعة، ولا جماعة. فقال: ((هو في
النار )). وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليطبعن اللّه على قلوبهم، ثم
ليكونن من الغافلين)) وقال: ((من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير
عذر طبع الله على قلبه)) وفي الصحيح والسنن: ((إِن أعمى قال :
يا رسول الله! إن لي قائداً لا بلاغمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي
فى بيتى قال : هل تسمع النداء ؟ قال: نعم، قال: فأجب)). وفى
رواية قال: ((لا أجد لك رخصة)).
و((الجمعة)) فريضة باتفاق الأئمة .
و ((الجماعة)) واجبة أيضاً، عند كثير من العلماء ، بل عند أكثر
السلف ، وهل هي شرط فى صحة الصلاة على قولين :
أقواها كما فى سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(«من سمع النداء فلم يجب من غير عذر فلا صلاة له)).
وعند طائفة من العلماء : أنها واجبة على الكفاية .
و ((أحد الأقوال)) أنها سنة مؤكدة ، ولا نزاع بين العلماء أن
صلاة الرجل فى جماعة تزيد على صلانه وحده خمساً وعشرين ضعفاً،
٦١٥

كما ثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم. ولا نزاع بينهم أن من جعل
صلاته وحده أفضل من صلاته فى جماعة فإنه ضال مبتدع ، مخالف
لدين المسلمين .
وهذه البدع يذم أصحابها، ويعرف أن الله لا يتقبلها ، وإن كان قصدم
بها العبادة ، كما أنه لا يقبل عبادة الرهبان ، ومحوم ممن يجتهدون فى
الزهد والعبادة لأنهم لم يعبدوه بما شرع ؛ بل ببدعة ابتدعوها ، كما قال:
( وَرَهَاِيَّةُ أَبْتَدَعُوهَا ) فإن المتعبد بهذه البدع قصده أن يعظم ويزار،
وهذا عمله ليس خالصاً للّه ، ولا صوابا على السنة ؛ بل هو كما يقال:
زغل ، وناقص ، بمنزلة لحم خنزير ميت ؛ حرام من وجهين .
والواجب على كل مسلم التزام عبادة الله وحده لا شريك له،
وطاعة رسوله ، والأمر بذلك لكل أحد ، والنهي عن ضد ذلك لكل
أحد ، والإنكار على من يخرج عن ذلك ، ولو طار فى الهواء ، ومشى
على الماء ، وليس تحت أديم السماء أحد يقر على خلاف ما جاء به رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ بل إن كان مقراً بالإسلام ألزمه بطاعة
الرسول ، واتباع سنته الواجبة ، وشريعته الهادية ، وإن كان غير مقر
بالإسلام كان كافراً ، ولو كان له من الزهد والرهبان ماذا عسى
أن يكون
٦١٦

والكافر إن كان من أهل الذمة فله حكم أمثاله ، وان كان من أهل
الحرب فله حكم أمثاله ، ويجب الإنكار على هذا المبتدع وأمثاله محسن
قصد ، بحيث يكون المقصود طاعة الله ورسوله ؛ لا اتباع هوى ، ولا
منافسة ولا غير ذلك. قال الله تعالى: (وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ اللَّهِ ).
فالمقصود أن يكون الدين كله لله، ولا دين إلا ما شرعه الله
تعالى على ألسن رسله . وفى الصحيحين (( أن النبي صلى الله عليه وسلم
قيل له : يارسول الله ! الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية، ويقاتل
رياء . فأي ذلك فى سبيل الله ؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي
العليا، فهو فى سبيل اللّه)) فيكون المقصود علو كلمة الله، وظهور
دين اللّه. وأن يعلم المسلمون كلهم انما عليه المبتدعون المراؤون ليس من الدين ،
ولا من فعل عباد الله الصالحين ؛ بل من فعل أهل الجهل والضلال
والإشراك بالله تعالى، الذين يخرجون عن توحيده ، وإخلاص الدين
له ، وعن طاعة رسله .
و «أصل الإسلام)»: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول
الله. فمن طلب بعباداته الرياء والسمعة فلم يحقق شهادة أن لا إله إلا الله،
٦١٧

ومن خرج عما أمره به الرسول من الشريعة وتعبد بالبدعة فلم يحقق
شهادة أن محمداً رسول الله .
وإنما يحقق هذين ((الأصلين)) من لم يعبد إلا الله، ولم يخرج
عن شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التى بلغها عن الله، فإنه قال:
((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك))، وقال :
((ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا قد حدثتكم به ، ولا من شيء
يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم به)) وقال ابن مسعود: (( خط لنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ، وخط خطوطاً عن يمينه ، وشماله
ثم قال : هذا سبيل الله، وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان
يدعو إليه ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَِّى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) )).
فالعبادات والزهادات والمقالات والتورعات الخارجة عن سبيل الله -
وهو الصراط المستقيم : الذي أمرنا الله أن نسأله هدايته ، وهو مادل
عليه السنة - هي سبل الشيطان ، ولو كان لأحدهم من الخوارق ما كان ،
فليس أحدم بأعظم من مقدمهم الدجال الذي يقول السماء : أمطري
فتمطر ، وللأرض أنبتى فتنبت ، وللخربة أظهري كنوزك فتخرج معه
كنوز الذهب والفضة. وهو مع هذا عدو الله. كافر بالله، وأولياء
الله م المذكورون فى قوله: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ
٦١٨

فهم المؤمنون المتقون ، والتقوى
* الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوا يَتَّقُونَ)
فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، فمن ترك ما أمر الله،
واتخذ عبادة نهى اللّه عنها. كيف يكون من هؤلاء؟ !.
وفى صحيح البخاري عن أبى هريرة - رضي الله عنه - عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: ((من عادى لي ولياً)) الحديث.
فبين سبحانه أنه ما تقرب العبد إلى الله بمثل أداء ما افترض عليه .
والتقرب بالواجبات فقط طريق المقتصدين أصحاب اليمين، ثم التقرب
بعد ذلك بما أحبه الله من النوافل هو طريق السابقين المقربين ،
والمحبوبات هي ما أمر الله به ورسوله: أمر إيجاب ، أو أمر استحباب،
دون ما استحبه الرجل برأيه وهواء ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
٦١٩

وسئل شيخ الإسلام
علامة الزمان . تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد
السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني - رضي
الله عنه - .
عن ((جماعة)) يجتمعون على قصد الكبائر من القتل . وقطع
الطريق ، والسرقة ، وشرب الخمر ، وغير ذلك . ثم إن شيخاً من
المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منح المذكورين من ذلك ،
فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا يجتمعون فيه بهذه النية ، وهو بدف
بلا صلاصل ، وغناء المغنى بشعر مباح بغير شبابة ، فلما فعل هذا
تاب منهم جماعة ، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن
الشبهات ، ويؤدي المفروضات ، ويجتنب المحرمات . فهل يباح فعل هذا
السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه ، لما يترتب عليه من المصالح ؟ مع
أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا ؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين.
أصل جواب هذه المسألة وما أشبها : أن يعلم أن الله بعث محمداً
٦٢٠