النص المفهرس
صفحات 581-600
مثل ذكرم : أن الحسن صحب علياً . وقد اتفق أهل المعرفة على أن ((الحسن البصري)) لم يلق علياً، ولا أخذ عنه شيئاً، وإنما أخذ عن أصحابه : كالأحنف بن قيس ، وقيس بن معاذ ، وغيرهما . وكذلك حكاياتهم : أن الشافعى وأحمد اجتمعا لشيبان الرعين ، وسألاه عن سجود السهو ، وكذلك اتفق أهل المعرفة على أن الشافعي وأحمد لم يلقيا ء شيبان الرعين ، بل ولا أدركاه . وقد ذكر أبو عبد الرحمن فى (( حقائق التفسير)» عن جعفر بن محمد ، وأمثاله من الأقوال المأثورة ما يعلم أهل المعرفة أنه كذب على جعفر بن محمد ، فإن جعفراً كذب عليه ما لم يكذب على أحد ؛ لأنه كان فيه من العلم والدين، ما ميزه الله به، وكان هو وأبوه - أبو جعفر - وجده - علي بن الحسين - من أعيان الآثمة علما وديناً، ولم يجئ بعد جعفر مثله [فى أهل البيت] . فصار كثير من أهل الزندقة والبدع ينسب مقالته إليه حتى أصحاب ((رسائل إخوان الصفا )) ينسبونها إليه . وهذه الرسائل صنفت بعد موته بأكثر من مائتى سنة ، صنفت عند ظهور مذهب الإسماعيلية العبيديين ، الذين بنوا القاهرة، وصنفت على مذهبهم الذي ركبوه من قول الفلاسفة اليونان ، ومجوس الفرس ، والشيعة من أهل القبلة ؛ ولهذا قال العلماء : إن ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض . ٥٨١ ونسبوا إلى جعفر أنه تكلم فى تقدم المعرفة عن حوادث الكون : مثل اختلاج الأعضاء ، والرعود، والبروق ، والهفت، وغير ذلك مما نزه الله جعفراً وأئمة أهل بيته عن الكلام فيه . وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . و (المقصود هنا) أن المذكور عن سلف الأمة وأئمتها من المنقولات : ينبغي للإنسان أن يميز بين صحيحه وضعيفه، كما ينبغي مثل ذلك فى المعقولات ، والنظريات ، وكذلك فى الأذواق ، والمواجيد ، والمكاشفات ، والمخاطبات ، فإن كل صنف من هذه الأصناف الثلاثة ، فيها حق وباطل ، ولا بد من التمييز فى هذا وهذا . وجماع ذلك أن ما وافق كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وما كان عليه أصحابه فهو حق، وما خالف ذلك فهو باطل . فإن الله يقول: (يَتُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْأَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) وقال تعالى. ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَّهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ تْهُمُ اَلْبَيِّنَتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى ٥٨٢ مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ). وفى صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كان إذا قام من الليل يقول: (( اللهم! رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) . والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع . وقد تكلمنا على كلام المشايخ فى السماع ، وما ذكره القشيري فى رسالته هو وغيره عنهم ، وشرحنا ذلك كلمة كلمة ، لكن هذا الموضع لا يتسع لذلك. وجماع الأمر في ذلك أنه إذا كان الكلام فى السماع وغيره ، هل هو طاعة وقربة ؟ فلابد من دليل شرعى يدل على ذلك ، وإذا كان الكلام : هل هو محرم ؟ أو غير محرم ؟ فلا بد من دليل شرعى يدل على ذلك . إذ ليس الحرام إلا ما حرمه الله ، ولا دين إلا ما شرعه الله، والله سبحانه وتعالى ثم المشركين على أنهم ابتدعوا ديناً لم يشرعه الله لهم، وأنهم حرموا ما لم يحرمه اللّه تعالى. فقال تعالى: ٥٨٣ ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ ) وقال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْوَجَدْنَا عَلَيْهَاءَ ابَآءَنَا وَاَللَّهُ أَمَ نَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ قُلْ أَمَرَرَقِ بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْوُجُوهَكُمْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ عِندَكُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). وكثير من الناس يفعل فى السماع وغيره : ما هو من جنس الفواحش المحرمة ، وما يدعو إليها ، وزعمهم أن ذلك يصلح القلوب ، فهو مما أمر الله به ؛ فهؤلاء لهم نصيب من معنى هذه الآية . قال تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ قُلْ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْبِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَنَعْلَمُونَ ). وقد كان المشركون يحرمون من الطعام واللباس أشياء ، ويتخذون ذلك ديناً ، وكان بعض الصحابة قد عزموا على الترهب ، فأنزل الله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُ وَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَا طَيِّبًا ) الآية. ٥٨٤ وجماع الدين أن لا نعبد إلا الله ، ولا نعبده إلا بما شرع، ولا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: (لِبْلُوَّكُمْأَيُّكُ لَحْسَنُ عَلًا). قال الفضيل بن عياض: أخلصه ، وأصوبه ، قالوا : يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه ؟. قال : إن العمل إذا كان خالصاً ، ولم يكن صواباً ، لم يقبل . وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً ، لم يقبل . حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص : أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وهذا الذي ذكره الفضيل مما اتفق عليه أئمة المشايخ ، كما قال أبو سليمان الداراني : إنه لتمر بقلى النكتة من نكت القوم ، فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين : الكتاب ، والسنة ، وقال الشيخ أبو سليمان أيضاً : ليس لمن ألهم شيئاً من الخير أن يفعله ، حتى يسمع فيه بأثر ، فإذا سمع بأثر كان نوراً على نور. وقال الجنيد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث ، لم يصح له أن يتكلم فى علمنا هذا ، وقال سهل ابن عبد الله التستري : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل، وقال : كل عمل على ابتداع فإنه عذاب على النفس ، وكل عمل بلا اقتداء فهو غش النفس . ٥٨٥ وقال أبو عثمان النيسابورى : من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلا نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة ؛ لأن الله يقول: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) . ومثل هذا كثير فى كلامهم. وإذا كان كذلك فليس لأحد أن يسلك إلى الله إلا بما شرعه الرسول لأمته ، فهو الداعى إلى الله بإذنه ، الهادي إلى صراطه ، الذي من أطاعه دخل الجنة ، ومن عصاه دخل النار ، فهو الذي فرق الله به بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والرشاد والغي . آخره . والحمد لله رب العالمين . وصلى الله على محمد ومحبه وسلم . ٥٨٦ سئل شيخ الإسلام وحمد الله عن «السماع» فأجاب: ((السماع)) الذي أمر الله به ورسوله، واتفق عليه سلف الأمة ومشايخ الطريق : هو سماع القرآن ، فإنه سماع النبيين ، وسماع العالمين ، وسماع العارفين ، وسماع المؤمنين ، قال سبحانه وتعالى : ( أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِنَ مِنْ ذُرِّيَّةٍ ، آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْزَهِيمَ ج وَإِسْرَّهِ يلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَاتُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْسُجَّدًا وَبِّكِيًّا ) وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَا إِن كَانَ وَعْدُرَيِّنَالَمَفْعُولًا * وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) . وقال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ اُلَّمْعِ مِمَا عَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَيَّنَآءَامَنَّافَأَ كْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ ) وقال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ٥٨٧ ءَايَتُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَّارَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ * أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقَّالَمْ دَرَجَثُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمُ) وقال سبحانه وتعالى: (وَإِذَا قُرِىكَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوْلَهُ. وَأَنْصِتُوْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وقال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرَّ مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ اَلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْأَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ ) . وقال سبحانه وتعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَفْشَعُمِنْهُ جُلُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَهُمْ ثُمَّتَكِنُ جُلُودُ هُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الَّهِ) وقال سبحانه وتعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) وهذا كثير فى القرآن . وكما أثنى سبحانه وتعالى على هذا السماع، فقد ذم المعرضين عنه ، كما قال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْلاَ تَسْمَعُواْلِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِرُ واْبِثَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا ) وقال سبحانه وتعالى: (فَمَالَهُمْ عَنِ الَّذِكِرَ وَمُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ) وقال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الصُّمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْوَّهُم ◌ُعْرِضُونَ) وقال سبحانه وتعالى: ( وَإِذَانُتْلَى عَلَيْهِءَ ايَنُنَا وَلَى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ ٥٨٨ فِى أُذُنَّهِ وَقْرَاْ فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) . وهذا كثير فى كتاب الله، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع المسلمين يمدحون من يقبل على هذا السماع ، ويحبه ويرغب فيه ويذمون من يعرض عنه ، ويبغضه ؛ ولهذا شرع الله للمسلمين فى صلاتهم ولطسهم ، شرع سماع المغرب ، والعشاء الآخر . وأعظم سماع فى الصلوات سماع الفجر الذي قال اللّه فيه: (وَقُرْءَانَ اُلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِكَانَ مَشْهُودًا ) وقال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - يمدح النبى صلى الله عليه وسلم - : وفينا رسول اللّه يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع وهو مستحب لهم خارج الصلوات ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه خرج على أهل الصفة . وفيهم واحد يقرأ وم ٥٨٩ يستمعون، فجلس معهم )) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم يقرأ والباقون يستمعون . وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: يا أبا موسى! ذكرنا ربنا ، فيقرأ وهم يستمعون ، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى وهو يقرأ: فجعل يستمع لقراءته ، وقال: ((لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير داود)) وقال: (( يا أبا موسى! لقد مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك)) فقال: لو علمت أنك تستمع لقراء تى لخبرته لك تحبيراً أي : حسنته لك تحسيناً . وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)). ((زينوا القرآن بأصواتكم)) وقال: ((لله أشد أذنا للرجل حسن الصوت، من صاحب القينة إلى قينته)) وقوله: ((ما أذن الله إذنا)) أي سمع سمعاً ، ومنه قوله: (وَذِنَتْ لِهَاوَحُقَّتْ ) أي سمعت، والآثار فى هذا كثيرة . وهذا سماع له آثار إيمانية من المعارف القدسية. والأحوال الزكية يطول شرحها ، ووصفها . وله فى الجسد آثار محمودة . من خشوع القلب ، ودموع العين ، واقشعرار الجلد ، وقد ذكر الله هذه الثلاثة فى القرآن . وكانت موجودة فى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ٥٩٠ وسلم - الذين أثنى عليهم فى القرآن ، ووجد بعدم فى التابعين آثار ثلاثة: الاضطراب ، والاختلاج ، والإغماء - أو الموت، والهيام ؛ فأذكر بعض السلف ذلك - إما لبدعتهم ، وإما لحهم . وأما جمهور الأئمة والسلف فلا ينكرون ذلك ؛ فإن السبب إذا لم يكن محظوراً كان صاحبه فيما تولد عنه معذوراً . لكن سبب ذلك قوة الوارد على قلوبهم ، وضعف قلوبهم عن حمله فلو لم يؤثر السماع لقسوتهم ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ كانوا مذمومين ، كما ذم اللّه الذين قال فيهم: ( أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَأ ◌َنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ ) وقال : وَمَا نَزَلَ مِنَ أَلْقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَّدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) ولو أثر فيهم آثارا محمودة لم يجذبهم عن حد العقل . لكانوا كمن أخرجهم إلى حد الغلبة كانوا محمودين أيضاً ومعذورين . فأما سماع القاصدين لصلاح القلوب فى الاجتماع على ذلك : إما نشيد مجرد ، نظير الغبار . وإما بالتصفيق ، ونحو ذلك . فهو السماع المحدث فى الإسلام ، فإنه أحدث بعد ذهاب القرون الثلاثة الذين أثنى عليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ((خير القرون: القرن الذي بعثت فيه ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) وقد كرهه أعيان الأمة ولم يحضره أكابر المشايخ . ٥٩١ وقال الشافعي - رحمه الله - : خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن . وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: هو محدث أكرهه، قيل له : إنه يرق عليه القلب. فقال : لا تجلسوا معهم. قيل له: أُيهجرون؟ فقال : لا يبلغ بهم هذا كله . فبين أنه بدعة لم يفعلها القرون الفاضلة، لا في الحجاز ، ولا فى الشام ، ولا فى اليمن ، ولا فى مصر ، ولا فى العراق ، ولا خراسان . ولو كان للمسلمين به منفعة فى دينهم لفعله السلف . ولم يحضره مثل : إبراهيم بن أدهم ، ولا الفضيل بن عياض ، ولا معروف الكرخي ، ولا السرى السقطي ، ولا أبو سليمان الداراني ، ولا مثل الشيخ عبد القادر ، والشيخ عدي ، والشيخ أبي البيان ، ولا الشيخ حياة ، وغيرهم ؛ بل فى كلام طائفة من هؤلاء - كالشيخ عبد القادر وغيره - النهي عنه . وكذلك أعيان المشايخ . وقد حضره من المشايخ طائفة ، وشرطوا له المكان ، والإمكان ، والخلان ، والشيخ الذي يحرس من الشيطان . وأكثر الذين حضروه من المشايخ الموثوق بهم رجعوا عنه فى آخر عمرم . كالجنيد فإنه حضره وهو شاب ، وتركه فى آخر عمره . وكان يقول : من تكلف السماع ٥٩٢ فتن به ، ومن صادفه السماع استراح به . فقد ذم من يجتمع له . ورخص فيمن يصادفه من غير قصد . ولا اعتماد للجلوس له . وسبب ذلك أنه مجمل ليس فيه تفصيل . فإن الأبيات المتضمنة لذكر الحب والوصل والهجر والقطيعة والشوق والتقيم والصبر على العذل واللوم ونحو ذلك ، هو قول مجمل ، يشترك فيه محب الرحمن ، ومحب الأوثان ، ومحب الإخوان ، ومحب الأوطان ، ومحب النسوان ، ومحب المردان . فقد يكون فيه منفعة إذا هيج القاطن ، وأثار الساكن ، وكان ذلك مما يحبه الله ورسوله . لكن فيه مضرة راجحة على منفعته: كما فى الخمر والميسر ، فإن فيها إنما كبيرا، ومنافع للناس ، وإنمها أكبر من نفعهما . فلهذا لم تأت به الشريعة لم تأت إلا بالمصلحة الخالصة أو الراجحة . وأما ما تكون مفسدته غالبة على مصلحته ، فهو بمنزلة من يأخذ درهما بدينار ، أو بسرق خمسة درام ، ويتصدق منها بدرهمين . وذلك أنه يهيج الوجد المشترك ، فيثير من النفس كوامن نضره آثارها، ويغذي النفس ويفتنها ، فتعتاض به عن سماع القرآن ، حتى لا يبقى فيها محبة لسماع القرآن ولا التذاذ به ، ولا استطابة له . بل ٥٩٣ يبقى فى النفس بغض لذلك ، واشتغال عنه . كمن شغل نفسه بتعلم التوراة والإنجيل ، وعلوم أهل الكتاب ، والصابئين واستفادته العلم والحكمة منها ، فأعرض بذلك عن كتاب الله وسنة رسوله ، إلى أشياء أخرى تطول . فلما كان هذا السماع لا يعطى بنفسه ما يحبه الله ورسوله من الأحوال والمعارف ، بل قد يصد عن ذلك ، ويعطي ما لا يحبه الله ورسوله ، أو ما يبغضه الله ورسوله ، لم يأمر الله به ولا رسوله ، ولا سلف الأمة ولا أعيان مشايخها . ومن نكته أن الصوت يؤثر في النفس بحسنه : فتارة يفرح ، وتارة يحزن ، وتارة يغضب ، ونارة يرضي ، وإذا قوي أسكر الروح فتصير فى لذة مطربة من غير تمييز . كما يحصل النفس إذا سكرت بالرقص ، وللجسد أيضاً إذا سكر بالطعام والشراب ، فإن السكر هو الطرب الذي يؤثر لذة بلا عقل ، فلا تقوم منفعته بتلك اللذة بما يحصل من غيبة العقل ، التى صدت عن ذكر الله وعن الصلاة ، وأوقعت العداوة والبغضاء . و((بالجملة)) فعلى المؤمن أن يعلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك شيئاً يقرب إلى الجنة إلا وقد حدث به ، ولا شيئاً يبعد عن ٥٩٤ النار إلا وقد حدث به ، وأن هذا السماع لو كان مصلحة لشرعه الله ( أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى ورسوله ، فإن الله يقول : وإذا وجد فيه منفعة لقلبه ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا ) ولم يجد شاهد ذلك ، لا من الكتاب ولا من السنة ، لم يلتفت إليه. قال سهل بن عبد الله التستري : كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل . وقال أبو سليمان الداراني : إنه لتلم بقلبى النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين : الكتاب، والسنة. وقال أبو سليمان أيضاً : ليس لمن ألهم شيئاً من الخير أن يفعله ، حتى يجد فيه أثراً ، فإذا وجد فيه أثراً كان نوراً على نور . وقال الجنيد بن محمد : علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة ، فمن لم يقرأ القرآن ، ولم يكتب الحديث ، لا يصلح له أن يتكلم فى علمنا . و ((أيضاً)) فإن الله يقول فى الكتاب (وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءَ وَتَصْدِيَةً) قال السلف من الصحابة والتابعين: ((المكاه)) كالصفير ونحوه، من التصويت، مثل الغناء. و((التصدية)): التصفيق باليد . فقد أخبر اللّه عن المشركين أنهم كانوا يجعلون التصدية ٥٩٥ والغناء لهم صلاة ، وعبادة وقربة ، يعتاضون به عن الصلاة التى شرعها الله ورسوله . وأما المسلمون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوم بإحسان : فصلاتهم وعبادتهم القرآن، واستماعه، والركوع والسجود ، وذكر الله ودعاؤه، ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله، فمن اتخذ الغناء والتصفيق عبادة وقربة فقد ضاهى المشركين فى ذلك ، وشابههم فيما ليس من فعل المؤمنين : المهاجرين والأنصار . فإن كان يفعله فى بيوت الله فقد زاد فى مشابهته أكبر وأكبر ، واشتغل به عن الصلاة وذكر الله ودعائه، فقد عظمت مشابهته لهم . وصار له كفل عظيم من النم الذي دل عليه قوله سبحانه وتعالى: ( وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ اُلْبَيْتِ إِلَّ مُكَآءُ وَتَصْدِيَةً ) لكن قد يغفر له ذلك لاجتهاده ، أو لحسنات ماحية ، أو غير ذلك . فيما يفرق فيه [بين] المسلم والكافر . لكن مفارقته للمشركين فى غير هذا لا يمنع أن يكون مذموماً خارجاً عن الشريعة ، داخلاً فى البدعة التى ضاهى بها المشركين ، فينبغي للمؤمن أن يتفطن لهذا ، ويفرق بين سماع المؤمنين الذي أمر الله به ورسوله ، وسماع المشركين الذي نهى الله عنه ورسوله . ٥٩٦ ويعلم أن هذا السماع المحدث هو من جنس سماع المشركين، وهو إليه أقرب منه إلى سماع المسلمين . وإن كان قد غلط فيه قوم من صالح المسلمين ، فإن الله لا يضيع أجرم وصلاحهم، لما وقع من خطئهم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد )) وهذا كما أن جماعة من السلف قاتلوا أمير المؤمنين عليا بتأويل ، وعلي بن أبي طالب وأصحابه أولى بالحق منهم ، وقد قال فيهم : من قصد الله فله الجنة. وجماعة من السلف والخلف استحلوا بعض الأشربة بتأويل - وقد ثبت بالكتاب والسنة تحريم ما استحلوه - وإن كان خطؤم مغفوراً لهم . والذين حضروا هذا السماع من المشايخ الصالحين شرطوا له شروطاً لا توجد إلا نادراً ، فعامة هذه السماعات خارجة عن إجماع المشايخ ، ومع هذا فاخطأوا - والله يغفر لهم خطأم فيما خرجوا به عن السنة - وإن كانوا معذورين . والسبب الذي أخطأوا فيه أوقع أمما كثيرة فى المنكر الذي نهوا ٥٩٧ عنه ، وليس للعالمين شرعة ولا منهاج، ولا شريعة ولا طريقة أكمل من الشريعة التى بعث الله بها نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - كما كان يقول فى خطبته: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)) ومن غلط بعضهم توهمه أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين حضروا هذا السماع ، سماع المكا والتصدية ، والغناء والتصفيق بالأكف ، حتى روى بعض الكاذبين أن النبى صلى الله عليه وسلم أنشده أعرابي شعراً . قوله : قد لست حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقي سوى الحبيب الذي شغفت به فـه دائـي ومنه تريــاقي وأن النبى صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبيه. وقال: (( ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب)). وهذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنته وأحواله . كما كذب بعض الكذابين : أن أهل الصفة قاتلوا المؤمنين مع ٥٩٨ المشركين ، وأمثال هذه الأمور المكذوبة إنما يكذبها من خرج عن أمر الله ورسوله ، وأطبقت عليه طوائف من الجاهلين بأحوال الرسول وأصحابه ؛ بل بأصول الإسلام . وأما ((الرقص)) فلم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من الأئمة بل قد قال الله فى كتابه: (وَأَقْصِدُ فِى مَشْبِكَ) وقال فى كتابه: (وَعِبَادُ أي : بسكينة، ووقار . الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود؛ بل الدف والرقص فى الطابق لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا أحد من سلف الأمة؛ بل أمروا بالقرآن فى الصلاة ، والسكينة. ولو ورد على الإنسان حال يغلب فيها حتى يخرج إلى حالة خارجة عن المشروع ، وكان ذلك الحال بسبب مشروع . كسماع القرآن ونحوه ، سلم إليه ذلك الحال كما تقدم ، فأما إذا تكلف من الأسباب ما لم يؤمر به ، مع علمه بأنه يوقعه فيما لا يصلح له : مثل شرب الخمر، مع علمه أنها تسكره، وإذا قال: ورد علي الحال، وأنا سكران قيل له : إذا كان السبب محظوراً، لم يكن السكران معذوراً. فهذه الأحوال الفاسدة من كان فيها صادقا فهو مبتدع ، ضال، من جنس خفراء العدو، وأعوان الظلمة ، من ذوي الأحوال الفاسدة الذين ضارعوا عباد النصارى، والمشركين، والصابئين. فى بعض ما لهم من الأحوال ٥٩٩ ومن كان كاذبا فهو منافق ضال . قال سيد المسلمين فى وقته - الفضيل بن عياض - فى قوله تعالى : (لِبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَ حْسَنُ عَمَلًا ) قال: أخلصه، وأصوبه. قيل له : يا أبا علي أما أخلصه؟ وأصوبه ؟. قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل ، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وكان يقول: من وقر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن زوج كريمته لصاحب بدعة فقد قطع رحمها ، ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً. وأكثر إشارته وإشارات غيره من المشايخ بالبدعة إنما هي إلى البدع فى العبادات والأحوال ، كما قال عن النصارى ( وَرَهْبَانِيَّةً أَبْتَدَعُوهَا مَا كَثَبْنَهَا عَلَيْهِمْ) وقال ابن مسعود: ((عليكم بالسبيل والسنة ، فإنه ما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خالياً فاقشعر جلده ، من مخافة الله ، إلا تحانت عنه خطاياه كما يتحات الورق اليابس عن الشجرة ، وما من عبد على السبيل والسنة ذكر الله خالياً فدمعت عيناه من خشية الله إلا لم تمسه النار أبداً، وإن اقتصادا فى سبيل وسنة خير من اجتهاد فى خلاف سبيل وسنة . فاحرصوا أن تكون أعمالكم - إن كانت اجتهاداً أو اقتصاداً - على منهاج الأنبياء وسلتهم». ٦٠٠