النص المفهرس
صفحات 521-540
أحبهم لأجله ، فإن المحبوب لأجل غيره تكون محبته تابعة لمحبة ذلك الغير . وكيف يحب شخصاً لله من لا يكون محباً لله، وكيف يكون محباً الله من يكون معرضاً عن رسول صلى الله عليه وسلم وسبيل الله. وما أكثر من يحب شيوخا أو ملوكا أو غيرهم فيتخذم أنداداً يحبهم كحب الله . والفرق بين المحبة لله والمحبة مع اللّه ظاهر، فأهل الشرك يتخذون أنداداً يحبونهم كب اللّه والذين آمنوا أشد حبالله، وأهل الإيمان يحبون ذلك؛ لأن أهل الإيمان أصل حبهم هو حب الله ومن أحب الله أحب من يحبه، ومن أحبه الله، فمحبوب المحبوب محبوب ومحبوب اللّه يحب الله فمن أحب الله فيحبه من أحب الله . وأما أهل الشرك فيتخذون أنداداً أو شفعاء يدعونهم من دون الله قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىُ كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَّكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَانَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْفِيَكُمْ شُرَّكَوْ لَقَدَ نَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ قَاكُمْتَرْعُمُونَ) وقال الله تعالى: (وَمَالِىَ لَآ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ ءَ أَتَّخِذُ مِن دُونِهِءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرِّلَا تُغْنِ عَنِّى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ شَفَعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ * إِِّ إِذَّالَّفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِنَّءَامَنتُ بِرَبِكُمْ ٥٢١ فَاسْمَعُونِ) وقال الله تعالى: (وَأَنذِرَ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِن دُونِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيْعُ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وقال الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍأَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّيَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادَّالِ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُنُوْرَبَِّنِِّنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ نَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَتَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَِّنَ أَرْبَأَبًا أَيَأْ مُرَّكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَ نْتُمْ مُسْلِمُونَ) . والله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ؛ ليكون الدين كله لله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح (( إنا معشر الأنبياء ديننا واحد )) فالدين واحد وإن تفرقت الشرعة والمنهاج ، قال الله تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا أَنْ فَاعْبُدُونِ) وقال تعالى: ( وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ ) وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ أَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ). ومن حين بعث اللّه محمداً صلى الله عليه وسلم ما يقبل من أحد بلغته الدعوة إلا الدين الذي بعثه به ؛ فإن دعوته عامة لجميع الخلائق ، قال اللّه تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّ كَافَّةٌ لِلنَّاسِ). وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يسمع بى من هذه الأمة يهودي ولا نصرانى ثم لا يؤمن ٥٢٢ بى إلا دخل النار)) قال الله تعالى: (وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَنَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِثَايَئِنَايُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُ ونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَآلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْبِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُمُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّلَا إِلَهَ إِلَّ هُوَيُعِ وَيُّمِثٌ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ النَِّ آلْأُمِّالَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ). فعلى الخلق كلهم اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، فلا يعبدون إلا الله، وبعبدونه بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لا بغيرها، قال الله تعالى: ( ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَأَّعْهَا وَلَا تَشَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ◌ِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) ويجتمعون على ذلك ولا يتفرقون ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم)) وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله، وكمال الذل لله، فأصل الدين وقاعدته يتضمن أن يكون الله ٥٢٣ هو المعبود الذي يحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإ له ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك . والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو فتخلو القلوب عن محبة ما سواه [ بمحبته، وعن رجاء ما سواه ] برجائه وعن سؤال ماسواه بسؤاله وعن العمل لما سواه بالعمل له وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به ؛ ولهذا كان وسط الفاتحة (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّكَ نَسْتَعِينُ) قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((بقول الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدي، نصفين، فإذا قال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ) قال الله حمدني عبدي ، فإذا قال: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) قال: أتى علي عبدي ، وإذا قال: (مَلِكِ يَوَمِ الدِّينِ ) قال: مجدنى عبدي. وإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّكَ نَسْتَعِينُ) قال : هذه الآية بينى وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، وإذا قال: (أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِينَ ) قال: هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل » . فوسط السورة ( إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِيََّ نَسْتَعِينُ ) فالدين أن لا يعبد إلا الله ولا يستعان إلا إياه، والملائكة والأنبياء وغيرهم عباد الله كما قال تعالى: (أَّنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلّهِ وَلَا الْمَلَتِكَةُ الْمُقَرَّبُونَّ وَمَن يَسْتَنْكِفْ ٥٢٤ عَنْ عِبَادَيِّهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِّهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ أُسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّ بُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اَللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) فالحب لغير الله كب النصارى للمسيح، وحب اليهود لموسى وحب الرافضة لعلي، وحب الغلاة لشيوخهم وأمتهم: مثل من يوالي شيخا أو إماما وينفر عن نظيره وهما متقاربان أو متساويان فى الرتبة ، فهذا من جنس أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، وحال الرافضة الذين يوالون بعض الصحابة ويعادون بعضهم، وحال أهل العصبية من المنتسبين إلى فقه وزهد: الذين يوالون [ بعض ] الشيوخ والأئمة دون البعض . وإنما المؤمن من يوالي جميع أهل الإيمان . قال الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ). وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) وشبك بين أصابعه- وقال: ((مثل المؤمنين فى توادم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)). وقال عليه السلام: « لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً)). ومما يبين الحب لله والحب لغير الله: أن أبا بكر كان يحب النبى صلى الله عليه وسلم مخلصا لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا للّه. فتقبل الله عمل أبى بكر وأنزل فيه: (وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْقَى * ٥٢٥ إِلَّ ابْتِغَاءَ وَجْدِرَبِّهِ * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُمِنْ نِعْمَةٍ تُجْزِئٌ * الَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزّگی اُلْأَعْلَ * وَلَسَوْفَ يَرْضَى) وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله ؛ بل أدخله النار ؛ لأنه كان مشركا عاملاً لغير الله. وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق، لا من النبى ولا من غيره؛ بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى الله وطالبا الأجر من الله. ورسوله يبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده، قال تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا اَلِسَابُ ) . والله هو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل ، وهو سبحانه مسبب الأسباب ، ورب كل شيء ومليكه . والأسباب التى يفعلها العباد مما أمر الله به وأباحه فهذا يسلك، وأما ما ينهى عنه نهياً خالصاً ، أو كان من البدع التى لم يأذن الله بها ( قُلِ أَدْعُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِن دُونِ السَّولا فهذا لا يسلك . قال تعالى : يَمْلِكُونَ مِنْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ. مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) بين سبحانه ضلال الذين يدعون المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم المبين ، أن المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ، ثم بين أنه لا شركة لهم ، ثم بين أنه لا عون له ولا ظهير : لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق . كما يقول بعضهم : إذا كانت ٥٢٦ لك حاجة استوصي الشيخ فلان ، فإنك تجده ، أو توجه إلى ضريحه خطوات وناده ، يا شيخ ! يقضي حاجتك ، وهذا غلط ، لا يحل فعله وإن كان من هؤلاء الداعين لغير اللّه من يرى صورة المدعو أحياناً فذلك شيطان تمثل له . كما وقع مثل هذا لعدد كثير . ونظير هذا قول بعض الجهال من أتباع الشيخ عدي وغيره ، كل رزق لا يجيء على يد الشيخ لا أريده . والعجب من ذي عقل سليم يستوصي من هو ميت ، يستغيث به ، ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت ، ويقوى الوهم عنده أنه لو لا استغاثته بالشيخ الميت لما قضيت حاجته . فهذا حرام فعله . ويقول أحدثم إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه ، فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ . وهذا كلام أهل الشرك والضلال ، فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته ، ولا يقدر على قضائها وحده ، ولا يريد ذلك إلا لغرض يحصل له بسبب ذلك ، والله أعلم بكل شيء ، يعلم السر وأخفى ، وهو على كل شيء قدير ، فالأسباب منه وإليه ، وما من سبب من الأسباب ، إلا دائر موقوف على أسباب أخرى ، وله معارضات . فالنار لا تحرق إلا إذا كان المحل قابلاً ، فلا يحرق السمندل، وإذا شاء اللّه منع آثرها كما فعل بإبراهيم عليه السلام. ٥٢٧ وأما مشيئة الرب فلا تحتاج إلى غيره ولا مانع لها ، بل ماشاء اللّه كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه أرحم من الوالدة بولدها: يحسن إليهم ويرحمهم ، ويكشف ضرم، مع غناء عنهم، وافتقارهم إليه، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَالسَمِيعُ الْبَصِيرُ). فتفى الرب هذا كله فلم يبق إلا الشفاعة. فقال: (وَلَ نَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقال: (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فهو الذي يأذن فى الشفاعة ، وهو الذي يقبلها ، فالجميع منه وحده . وكلما كان الرجل أعظم إخلاصاً : كانت شفاعة الرسول أقرب إليه . قال له أبو هريرة : من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ؟ قال : ((من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله)). وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى، ويتعلقون بفلان ، فهؤلاء من جنس المشركين الذي اتخذوا شفعاء من دون الله تعالى. قال الله تعالى: (أَمِ أَمَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل ◌ِلَِّالشَّفَعَةُ جَمِيعًا ) وقال الله تعالى: (ثُمَاُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلٍِ وَلَا شَفِيع) وقال: (قُلِ أَدْعُواْ أُوْلَكَ الَّذِينَ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ ٥٢٨ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ). قال طائفة من السلف : كان قوم بدعون المسيح والعزير والملائكة فبين الله تعالى أن هؤلاء الملائكة والأنبياء عباده ، كما أن هؤلاء عباده وهؤلاء يتقربون إلى الله، وهؤلاء يرجون رحمة الله، وهؤلاء يخافون عذاب الله. فالمشركون اتخذوا مع الله أنداداً يحبونهم كب الله؛ واتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند الله، ففيهم محبة لهم وإشراك بهم ، وفيهم من جنس ما فى النصارى من حب المسيح وإشراك به ؛ والمؤمنون أشد حباً لله: فلا يعبدون إلا الله وحده ، ولا يجعلون معه شيئاً يحبونه كمحبته لا أنبياته ولا غيرهم؛ بل أحبوا ما أحبه بمحبتهم الله؛ وأخلصوا دينهم الله وعلموا أن أحداً لا يشفع لهم إلا بإذن الله؛ فأحبوا عبد الله ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لحب الله، وعلموا أنه عبد الله المبلغ عن الله، فأطاعوه فيما أمر وصدقوه فيما أخبر ولم يرجوا إلا الله؛ ولم يخافوا إلا اللّه ، ولم يسألوا إلا الله ، وشفاعته لمن يشفع له هو بإذن الله، فلا ينفع رجاؤنا للشفيع، ولا مخافتنا له ، وإنما ينفع توحيدنا، وإخلاصنا لله، وتوكلنا عليه، فهو الذي يأذن للشفيع فعلى المسلم أن يفرق بين محبة المؤمنين ودينهم ، ومحبة النصارى ٥٢٩ والمشركين ودينهم ، ويتبع أهل التوحيد والإيمان . ويخرج عن مشابهة المشركين ، وعبدة الصلبان . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار)). وقال ( قُلْ إِن كَانَءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ تعالی آقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اُللَّه ◌ِأَمْرِهُ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ) وقال الله تعالى: (مَن يَرْتَدَّ مِنَّكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِ اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَيَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِعٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِيُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ) وهذا باب واسع ، ودين الإسلام مبني على هذا الأصل ، والقرآن يدور عليه . ٥٣٠ سئل شيخ الإسلام قدس اللهروحه عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة فى الفساد ؛ وتعلق كل منهم بسبب ؛ واستند إلى قول قيل . فمنهم من هو مكب على حضور السماعات المحرمة التى تعمل بالدفوف ، التى بالجلاجل ، والشبابات المعروفة فى هذا الزمان . ويحضرها المردان والنسوان ، ويستند فى ذلك إلى دعوى جواز حضور السماع عند الشافعي وغيره من الأئمة . فأجاب : أما السماعات المشتملة على الغناء والصفارات والدفوف المصلصلات : فقد اتفق أئمة الدين أنها ليست من جنس القرب والطاعات بل ولو لم يكن على ذلك ، كالغناء والتصفيق باليد ، والضرب بالقضيب والرقص ونحو ذلك فهذا وإن كان فيه ما هو مباح ، وفيه ما هو مكروه ، وفيه ما هو محظور ، أو مباح للنساء دون الرجال . فلا نزاع بين أئمة الدين أنه ليس من جنس القرب ، والطاعات والعبادات ولم يكن أحد من الصحابة والتابعين وأئمة الدين وغيرهم من مشايخ الدين ٥٣١ يحضرون مثل هذا السماع ، لا بالحجاز ، ولا مصر ، ولا الشام ، ولا العراق ، ولا خراسان . لا في زمن الصحابة ، والتابعين ، ولا تابعيهم. لكن حدث بعد ذلك : فكان طائفة يجتمعون على ذلك ، ويسمون الضرب بالقضيب على جلاجل ونحوه ((التغيير)). قال الحسن بن عبد العزيز الحرانى : سمعت الشافعي يقول : خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة ، يسمونه التغيير ، يصدون به الناس عن القرآن ، وهذا من كمال معرفة الشافعي وعلمه بالدين ، فإن القلب إذا تعود سماع القصائد والأبيات والتذ بها ، حصل له نفور عن سماع القرآن ، والآيات فيستغنى بسماع الشيطان عن سماع الرحمن . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) وقد فسره الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما بأنه من الصوت فيحسنه بصوته ، ويترنم به ، بدون التلحين المكروه وفسره ابن عيينة وأبو عبيد وغيرهما بأنه الاستغناء به، وهذا وإن كان له معنى صحيح فالأول هو الذي دل عليه الحديث فإنه قال: « ليس منا من لم يتغن بالقرآن يجهر به)) وفى الأثر: ((إن العبد إذا ركب الدابة أناء الشيطان وقال له: تغن، فإن لم يتغن. قال له: تمن)) فإن ٥٣٢ النفس لابد لها من شيء فى الغالب تترنم به . فمن لم يترنم بالقرآن ترتم بالشعر . وسماع القرآن هو سماع النبيين والمؤمنين والعارفين والعالمين. قال الله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِيَّةٍ،َآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ) الآية. وقال : ( وَإِذَا سَمِعُواْمَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ) الآية. الآيتين وقال : وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَايُتْلَى عَلَيْهِمْ ) ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ) الآية. وقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) الآية . وهذا ((السماع)) هو الذي شرعه الله للمؤمنين فى الصلاة وخارج الصلاة ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اجتمعوا أمروا واحداً منهم يقرأ والناس يستمعون . ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأبي موسى وهو يقرأ. فجعل يستمع لقراءته. وقال: ((مررت بك البارحة وأنت تقرأ . فجعلت أستمع لقراءتك)) فقال : لو علمت أنك تسمح لخبرته لك تحبيراً . أي : لحسنته تحسيناً)). وكان عمر يقول لأبي موسى : ذكرنا ربنا فيقرأوم يستمعون لقراءته . وقال النبى صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: (( اقرأ علي القرآن . فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل ؟! قال : ٥٣٣ إنى أحب أن أسمعه من غيري . فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَابِكَ فقال : حسبك فنظرت فإذا عيناه تذرفان عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) بالدمع )) فهذا هو السماع الذي يسمعه سلف الأمة، وقرونها المفضلة . وخيار الشيوخ إنما يقولون بهذا السماع . وأما الاستماع إلى القصائد الملحنة والاجتماع عليها . فأكابر الشيوخ لم يحضروا هذا السماع ، كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم . وأبي سليمان الداراني ؛ ومعروف الكرخي ، والسري السقطي وأمثالهم من المتأخرين: كالشيخ عبد القادر، والشيخ عدي بن مسافر، والشيخ أبى مدين، والشيخ أبي البيان ، وأمثال هؤلاء المشايخ : فإنهم لم يكونوا يحضرون هذا السماع ، وقد حضره طائفة من الشيوخ وأكابرهم ثم تابوا منه ورجعوا عنه. وكان الجنيد - رحمه الله تعالى - لا يحضره فى آخر عمره . ويقول : من تكلف السماع فتن به ، ومن صادفه السماع استراح به، أي من قصد السماع صار مفتوناً، وأما من سمع بيتاً يناسب حاله بلا اقتصاد فهذا يستريح به . والذين حضروا السماع المحدث الذي جعله الشافعي من إحداث الزنادقة ، لم يكونوا يجتمعون مع مردان ونسوان ، ولا مع مصلصلات وشبابات وكانت أشعارهم مزهدات مرققات . ٥٣٤ فأما ((السماع)) المشتمل على منكرات الدين ، فمن عده من القربات استيب ، فإن تاب وإلا قتل . وإن كان متأولا جاهلا بين له خطأ تأويله ، وبين له العلم الذي يزيل الجهل . هذا من كونه طريقاً إلى الله . وأما كونه محرماً على من يفعله على وجه اللهو واللعب لا على وجه القربة إلى الله، فهذا فيه تفصيل، فأما المشتمل على الشبابات والدفوف المصلصلة ، فمذهب الأئمة الأربعة تحريمه . وذكر أبو عمرو ابن الصلاح أن هذا ليس فيه خلاف فى مذهب الشافعي ، فإن الخلاف إنما حكى فى اليراع المجرد، مع أن العراقيين من أصحاب الشافعي لم يذكروا فى ذلك نزاعا، ولا متقدمة الخراسانيين ، وإنما ذكره متأخرو الخراسانيين. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الذين يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف على وجه الذم لهم وأن اللّه معاقبهم . فدل هذا الحديث على تحريم المعازف. والمعازف هي آلات اللهو عند أهل اللغة ، وهذا اسم يتناول هذه الآلات كلها . ولهذا قال الفقهاء : إن من أتلفها فلا ضمان عليه إذا أزال التالف ٥٣٥ المحرم . وإن أتلف المالية ففيه نزاع. ومذهب أحمد المشهور عنه . ومالك أنه لاضمان فى هذه الصور أيضاً . وكذلك إذا أتلف دنان الخمر ، وشق ظروفه وأتلف الأصنام المتخذة من الذهب، كما أتلف موسى عليه السلام العجل المصنوع من الذهب وأمثال ذلك . ٥٣٦ وسل عمن يؤاخي النسوان . ويظهر شيئاً من جنس الشعبذة ؛ كنقش شيء من القطن أو الخرقة باللاذن ، أو بغير ذلك. أو يمسك النار مباشرة بكفه أو بأصابعه بلا حائل بينه وبينها . إلخ . فأجاب : وأما مؤاخاة النساء ، وإظهار الإشارات المذكورة ؛ فهي من أحوال إخوان الشياطين ، وأصحاب هذه الإشارات ليس فيهم ولي لله، بل هم بين حال شيطاني ، ومحال بهتاني . من حال إبليس ومحال تلبيس . وهؤلاء أصل حالهم أن الشياطين تنزل على من يعمل ما يحبه الشيطان من الكذب والفجور ، فإذا خرج أحدهم عن العقل والدين وصار من المتهوكين - الذين يطيعون الشيطان ، ويعصون الرحمن. وله شخير ونخير كأصوات الخمير ، يحضر أحدم السماع ، ويؤاخون النسوان ، ويتخذون الجيران ويرقصون كالقرود ، وينقرون فى صلاتهم الركوع والسجود. يبغضون سماع القرآن واتباع شريعة الرحمن - تنزلت عليهم الشياطين التى تنزل على كل أفاك أثيم ؛ فمنهم من ترفعه ٥٣٧ في الهواء ، ومنهم من تدخله النار ، ومنهم من يمشي ومعه ضوء يريه أن ذلك كرامات ، ومنهم من يستغيث بالشيخ ويخاطب من يستغيث بالشيخ حتى يرى أن ذلك كرامة للشيخ ، ومنهم من يحضر طعاماً وفاكهة وحلوى، إلى أمور أخرى قد عرفناها وعرفنا من وقعت له هذه الأمور وأضعافها . فإذا تاب الرجل والتزم دين الإسلام وصلى صلاة المسلمين وتاب عما حرمه رب العالمين واعتاض بسماع القرآن عن سماع الشيطان ذهبت تلك الأحوال الشيطانية ، فإن قوي إيمانه حصلت له مقامات الصالحين وإلا كفاه أن يكون من أهل جنة النعيم، وهذا بين يعرف المسلم أن هذه الأحوال شيطانية لا كرامات إيمانية. ٥٣٨ وسئل عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد ، ومنهم من يقول : إن غاية التحقيق ، وكمال سلوك الطريق ، ترك التكليف . بحيث أنه إذا ألزم بالصلاة يقوم ، ويقول : خرجنا من الحضرة ووقفنا بالباب . فأجاب : أما من جعل كمال التحقيق الخروج من التكليف. فهذا مذهب الملاحدة من القرامطة والباطنية ، ومن شابههم من الملاحدة المنتسبين إلى على أو زهد أو تصوف أو تزهد ، يقول أحدهم: إن العبد يعمل حتى يحصل له المعرفة ، فإذا حصلت زال عنه التكليف ، ومن قال هذا فإنه كافر مرتد باتفاق أئمة الإسلام فإنهم متفقون على أن الأمر والنهي جار على كل بالغ عاقل إلى أن يموت قال تعالى: ( وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِينُ ) . قال الحسن البصري: لم يجعل الله لعمل المؤمن غاية دون الموت؛ وقرأ هذه الآية. و ((اليقين)) هنا ما بعد الموت . كما قال تعالى في الآية الأخرى: (وَكْتَاتُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فى * حَّ أَتَنْنَا الْيَقِينُ ) ٥٣٩ الحديث الصحيح لما مات عثمان بن مظعون: (( أما عثمان فإنه أتاه اليقين من ربه )) وقد سئل الجنيد بن محمد - رحمه الله تعالى- عمن يقول: إنه وصل من طريق البر إلى أن تسقط عنه الأعمال . فقال : الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء ، ولقد صدق الجنيد - رحمه الله - فإن هذه كبائر، وهذا كفر ونفاق، والكبار خير من الكفر ، والنفاق . وقول الواحد من هؤلاء : خرجنا من الحضرة إلى الباب ، كلمة حق أريد بها باطل ، فإنهم خرجوا من حضرة الشيطان ، إلى باب الرحمن ، كما يحكى عن بعض شيوخ هؤلاء : أنهم كانوا فى سماع، فأذن المؤذن فقام إلى الصلاة . فقال : كنا فى الحضرة ، فصرنا إلى الباب ولا ريب أنه كان فى حضرة الشيطان ، فصار على باب الرحمن ، أما كونه أنه كان في حضرة الله ، فصار على بابه ؛ فهذا ممتنع عند من يؤمن بالله ورسوله فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( بأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد)، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( استقيموا ولن يحصوا ، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)). وفى الصحيح عن ابن مسعود. عن النبى صلى الله عليه وسلم (( أنه ٥٤٠