النص المفهرس
صفحات 501-520
فيأتى ربه فيحمده بمحامد ويسجد له ، فإذا أذن له فى الشفاعة شفع لهم . فهذه حال هؤلاء الذين م أفضل الخلق ؛ فكيف غيرهم؟ فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يدعونه ، ولا يستغيثون به ولا يطلبون منه شيئاً لا عند قبره ولا بعيداً من قبره؛ بل ولا يصلون عند قبره ولا قبر غيره، لكن يصلون ويسلمون عليه ويطيعون أمره ويتبعون شريعته، ويقومون بما أحبه الله تعالى من حق نفسه وحق رسوله وحق عباده المؤمنين، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)) وقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)) وقال: ((لا تتخذوا قبري عيداً. وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغنى)) وقال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )» يحذر ما فعلوا وقال له رجل: ماشاء الله وشئت فقال: «أجعلتنى لله نداً؟ قل: ماشاء الله وحده)) وقال: ((لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد)). وفى المسند أن معاذ بن جبل سجد له. فقال: ((ما هذا يامعاذ؟ )) فقال: يارسول الله! رأيتهم فى الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال: يا معاذ! (( لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها )) وقال: « یا ٥٠١ معاذ ! أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجداً لقبري قال : لا قال : فإنه لا يصلح السجود إلا للّه)) أو كما قال. فإذا كان السجود لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولاميتا، ولا لقبره، فكيف يجوز السجود لغيره ؟ بل قد ثبت عنه فى الصحيح أنه قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها )) فقد نهى عن الصلاة إليها ، كما نهى عن اتخاذها مساجد ولهذا لما أدخلوا حجرته فى المسجد لما وسعوه جعلوا مؤخرها مسنما منحرفا عن سمت القبلة لئلا يصلي أحد إلى الحجرة النبوية، فما الظن بالسجود إلى جهة غيره . كائنا من كان؟ !. وأما قول القائل : هذا السجود لله تعالى فإن كان كاذبا فى ذلك فكفى بالكذب خزيا، وإن كان صادقا فى ذلك فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإن السجود لا يكون إلا على الوجه المشروع وهو السجود فى الصلاة ،وسجود السهو وسجود التلاوة، وسجود الشكر على أحد قولي العلماء . وأما السجود عقيب الصلاة بلا سبب فقد كرهه العلماء وكذلك ما يفعله بعض المشايخ من سجدتين بعد الوتر لم يفعله أحد من السلف ولا استحبه أحد من الأئمة، ولكن هؤلاء بلغهم حديث رواه أبو موسى الذي فى ( الوظائف ) أن النبى صلى الله عليه وسلم كان ٥٠٢ يصلي سجدتين بعد الوتر ففعلوا (١) الحديث الذي رواه مسلم فى صحيحه (( أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس ولم يداوم على ذلك)) فسميت الركعتان سجدتين . كما فى أحاديث أخر . فهذا هو أصل ذلك . والكلام فى هاتين الركعتين مذكور فى غير هذا الموضع . وأما السجدتان فلا أصل لهما ولا للسجود المجرد بلا سبب وقالوا هو بدعة فكيف بالسجود إلى جهة مخلوق من غير مراعاة شروط الصلاة وهذا بشابه من يسجد للشرق فى الكنيسة مع النصارى ويقول: الله، أو يسجد مع اليهود إلى الصخرة ويقول : لله ؛ بل سجود النصارى واليهود لله وإن كان إلى غير قبلة المسلمين خير من السجود لغير الله . بل هذا بمنزلة من يسجد للشمس عند طلوعها وغروبها ويسجد لبعض الكواكب والأصنام ويقولون : لله . فصل وأما فساد الأولاد : بحيث يعلمه الشحاذة ، ويمنعه من الكسب الحلال ، أو يخرجه ببلاده مكشوف الشعر (١) فى الناس ، فهذا يستحق (١) بياض بالاصل . ٥٠٣ صاحبه العقوبة البليغة ، التى تزجره عن هذا الإفساد ، لاسيما إن أدخلوم فى الفواحش ، وغير ذلك من المنكرات ؛ ويجب تعليم أولاد المسلمين ما أمر الله بتعليمهم إياه، وتربيتهم على طاعة الله ورسوله. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((مروم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم فى المضاجع )) فصل وأما ((النذر للموتى)) من الأنبياء والمشايخ وغيرهم: أو لقبورم أو المقيمين عند قبورهم. فهو نذر شرك ومعصية لله تعالى. سواء كان النذر نفقة أو ذهباً أو غير ذلك وهو شبيه بمن ينذر للكنائس ؛ والرهبان وبيوت الأصنام. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه)) وقد اتفق العلماء على أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ؛ بل عليه كفارة يمين فى أحد قولي العلماء ، وهذا إذا كان النذر لله وأما إذا كان النذر لغير الله، فهو كمن يحلف بغير الله، وهذا شرك . فيستغفر الله منه، وليس فى هذا وفاء ولا كفارة. ومن تصدق بالنقود على أهل الفقر والدين فأجره على رب العالمين . ٥٠٤ وأصل عقد النذر منهى عنه . كما ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: ((إنه لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل )) وإذا نذر فعليه الوفاء بما كان طاعة لله كالصلاة والصدقة والصيام والحج؛ دون مالم يكن طاعة لله تعالى. فصل فأما مؤاخاة الرجال النساء الأجانب ، وخلوهم بهن ونظرم إلى الزينة الباطنة منهن : فهذا حرام باتفاق المسلمين ، ومن جعل ذلك من الدين ، فهو من إخوان الشياطين . قال الله تعالى: ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاءَ ابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهِأَ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَ يَأْمُ بِاَلْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ). وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثها الشيطان)) وقال: (( إياكم والدخول على النساء . قالوا : يارسول الله: أرأيت الحمو ؟ قال: الحمو الموت)) ومن لم ينته عن ذلك عوقب عقوبة بليغة تزجره ، وأمثاله من أهل الفساد والعناد. ٥٠٥ فصل وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم فإنه منهى عنه ، غير منعقد باتفاق الأئمة ، ولم ينازعوا إلا في الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة . والجمهور على أنه لا تنعقد اليمين لا به ولا بغيره ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)) وقال: ((من حلف بغير الله فقد أشرك)) فمن حلف بشيخه أو بتربته أو بحياته أو بحقه على الله، أو بالملوك أو بنعمة السلطان أو بالسيف أو بالكعبة أو أبيه أو تربة أبيه أو نحو ذلك كان منهياً عن ذلك ، ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين . فصل وأما قول القائل: لمن أنكر عليه أنت شرعي . فكلام صحيح ، فإن أراد بذلك أن الشرع لا يتبعه ، أو لا يجب عليه اتباعه ، وأنا خارج عن اتباعه، فلفظ الشرع قد صار له فى عرف الناس ((ثلاث معان)) الشرع المنزل ، والشرع المؤول، والشرع المبدل . ٥٠٦ فأما الشرع المنزل : فهو ما ثبت عن الرسول من الكتاب والسنة وهذا الشرع يجب على الأولين والآخرين اتباعه، وأفضل أولياء الله أكملهم اتباعا له ، ومن لم يلتزم هذا الشرع ، أو طعن فيه أو جوز لأحد الخروج عنه ، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وأما المؤول فهو ما اجتهد فيه العلماء من الأحكام ، فهذا من قلد فيه إماماً من الأئمة ساغ ذلك له ، ولا يجب على الناس التزام قول إمام معين . وأما الشرع المبدل فهو الأحاديث المكذوبة، والتفاسير المقلوبة ، والبدع المضلة التى أدخلت فى الشرع وليست منه ، والحكم بغير ما أنزل الله. فهذا ونحوه لا يحل لأحد اتباعه. وإنما حكم الحكام بالظاهر ، والله تعالى يتولى السرائر ، وحكم الحاكم لا يحيل الأشياء عن حقائقها . فقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض . وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من أخيه شيئاً فلا بأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار )) فهذا قول إمام الحكام ، وسيد ولد آدم . ٥٠٧ وقال صلى الله عليه وسلم ((إذا اجتهد الحاكم: فإن أصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر)) وقال «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار ، وقاض فى الجنة . رجل على الحق وقضى به فهو فى الجنة ، ورجل قضى للناس بجهل فهو فى النار ، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو فى النار )) . ومن خرج عن الشرع الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم ظاناً أنه متبع للحقيقة ، فإنه مضاء للمشركين المكذبين للرسل ، ولفظ ((الحقيقة)) يقال: على ((حقيقة كونية)) و((حقيقة بدعية)) و (( حقيقة شرعية)). فـ ((الحقيقة الكونية)) مضمونها الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه . وهذا مما يجب أن يؤمن به ، ولا يجوز أن يحتج به ، بل الله علينا الحجة البالغة، فمن احتج بالقدر فحجته داحضة ، ومن اعتذر بالقدر عن المعاصي فعذره غير مقبول. وأما (( الحقيقة البدعية )) فهي سلوك طريق الله سبحانه وتعالى، مما يقع فى قلب العبد من الذوق والوجد ، والمحبة والهوى ، من غير اتباع الكتاب والسنة . كطريق النصارى، فهم تارة يعبدون غير الله وتارة يعبدون بغير أمر الله. كالنصارى المشركين الذين اتخذوا أحبارهم ٥٠٨ ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم ، وابتدعوا الرهبانية فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، وشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله. وأما دين المسلمين فكما قال الله تعالى: ( فَكَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَرَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَلًا صَدِعًا وَلَا يُشْرِ بِعِبَادَةِرَبِّهِ أَحَدَأْ ) وقال تعالى: (لِبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْلَحْسَنُ عَلًا) قال الفضيل بن عياض : [ أخلصه وأصوبه قالوا : ] وما أخلصه وأصوبه . قال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل ، حتى يكون خالصاً صواباً. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: «اللهم اجعل عملي كله صالحاً ، واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً)). وأما (( الحقيقة الدينية)) وهي تحقيق ما شرعه الله ورسوله ، مثل الإخلاص لله، والتوكل على الله، والخوف من الله، والشكر لله، والصبر لحكم الله، والحب الله ورسوله، والبغض فى الله ورسوله، ونحو ذلك مما يحبه الله ورسوله . فهذا حقائق أهل الإيمان ، وطريق أهل العرفان . ٥٠٩ فصل والأمر بالمعروف ، وهو الحق الذي بعث الله به رسوله ، والنهى عن المنكر ، وهو ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور ، بل هو من أعظم الواجبات ، وأفضل الطاعات ؛ بل هو طريق أئمة الدين ، ومشايخ الدين، نقتدي بهم فيه. قال اللّه تعالى: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وهذه الآية بها استدل المستدلون على أن شيوخ الدين ، يقتدى بهم في الدين ، فمن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر لم يكن من شيوخ الدين ، ولا ممن يقتدى به . فصل وأما لباس الخرقة التى يلبسها بعض المشايخ المريدين : فهذه ليس لها أصل يدل عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسنة ، ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها المريدين . ولكن طائفة من ٥١٠ المتأخرين رأوا ذلك واستحبوه، وقد استدل بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ثوباً ، وقال لها : سنا، والسنا بلسان الحبشة الحسن . وكانت قد ولدت بأرض الحبشة ، فلهذا خاطبها بذلك اللسان ، واستدلوا أيضاً بحديث البردة التى نسجتها امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم : فسأله إياها بعض الصحابة فأعطاه إياها وقال: ((أردت أن تكون كفناً لي )). وليس فى هذين الحديثين دليل على الوجه الذي يفعلونه . فإن إعطاء الرجل لغيره ما يلبسه كإعطائه إياه ما ينفعه ، وأخذ ثوب من النبى صلى الله عليه وسلم على وجه البركة كأخذ شعره على وجه البركة ، وليس هذا كلباس ثوب أو قلنسوة على وجه المتابعة والاقتداء ؛ ولكن [يشبه] من بعض الوجوه خلع الملوك [ التى ] يخلعونها على من يولونه كأنها شعار وعلامة على الولاية والكرامة ؛ ولهذا يسمونها تشريفاً . وهذا ونحوه غايته أن يجعل من جنس المباحات ؛ فإن اقترن به نية صالحة كان حسناً من هذه الجهة ، وأما جعل ذلك سنة وطريقاً إلى الله سبحانه وتعالى فليس الأمر كذلك . وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين : فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن . كما تلقى الصحابة ذلك عن النبى صلى اللّه عليه وسلم، وتلقاه عنهم التابعون ؛ وبذلك يحصل اتباع السابقين ٥١١ الأولين بإحسان ، فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه ، فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر ؛ ولا يتعين ذلك في شخص معين ؛ ولا يحتاج الإنسان فى ذلك أن ينتسب إلى شيخ معين ، كل من أفاد غيره إفادة دينية هو شيخه فيها ؛ وكل ميت وصل إلى الإنسان من أقواله وأعماله وآثاره ما انتفع به فى دينه فهو شيخه من هذه الجهة ؛ فسلف الأمة شيوخ الخلفاء قرناً بعد قرن ؛ وليس لأحد أن ينتسب إلى شیخ یوالي على متابعته ، ويعادي على ذلك ؛ بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان ، ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم ، ولا يخص أحداً بمزيد موالات ، إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه ، فيقدم من قدم اللّه تعالى ورسوله عليه ، ويفضل من فضله الله ورسوله، قال الله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآَيِلَ لِتَعَارَفُوَإِنَّ أَكْرَ مَكُرْ عِندَاللّهِأَنْقَنَّكُمْ ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا فضل لعربي على عجمي ؛ ولالعجمي على عربي ؛ ولا أسود على أبيض ؛ ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى )) . ٥١٢ فصل وأما قول القائل : أنت للشيخ فلان، وهو شيخك فى الدنيا والآخرة . فهذه بدعة منكرة من جهة أنه جعل نفسه لغير الله ، ومن جهة أن قوله : شيخك فى الدنيا والآخرة كلام لا حقيقة له ، فإنه إن أراد أنه يكون معه فى الجنة ، فهذا إلى الله لا إليه ، وإن أراد أنه يشفع فيه فلا يشفع أحد لأحد إلا باذن الله تعالى ، إن أذن له أن يشفع فيه وإلا لم يشفع ؛ وليس بقوله : أنت شيخي في الآخرة يكون شافعاً له - هذا إن كان الشيخ ممن له شفاعة - فقد تقدم أن سيد المرسلين والخلق لا يشفع حتى يأذن الله له فى الشفاعة بعد امتناع غيره منها . وكم من مدع للمشيخة وفيه نقص من العلم والإيمان ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وقول القائل: ((لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به)) هو من كلام أهل الشرك والبهتان ، فإن عباد الأصنام أحسنوا ظهم بها فكانوا م وإياها من حصب جهنم، كما قال الله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا ٥١٣ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ ) . لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم ((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني ،فإن ذ کرفي فینفسه ذكرته فی نفسي، وإن ذكرنی فی ملاذ کرته فى ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشى أتيته هرولة)) ومن أمكنه الهدى من غير انتساب إلى شيخ معين فلا حاجة به إلى ذلك ، ولا يستحب له ذلك ، بل يكره له . وأما إن كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره إلا بذلك، مثل أن يكون فى مكان يضعف فيه الهدى والعلم والإيمان، والذين يعلمونه ويؤدبونه لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد فى دينه وعلمه ، فإنه يفعل الأصلح لدينه . وهذا لا يكون فى الغالب إلا لتفريطه ، وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده . فأما الانتساب الذى يفرق بين المسلمين ، وفيه خروج عن الجماعة والائتلاف إلى الفرقة ، وسلوك طريق الابتداع ، ومفارقة السنة والاتباع ، فهذا مما ينهى عنه ، وبأثم فاعله ، ويخرج بذلك عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . ٥١٤ فصل وأما قول القائل: إن الله يرضى لرضا المشايخ ويغضب لغضهم. فهذا الحكم ليس هو لجميع المشايخ ، ولا مختص بالمشايخ ، بل كل من كان موافقاً لله: يرضى ما يرضاه الله، ويسخط ما يسخط الله كان الله يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، من المشايخ وغيرهم، ومن لم يكن كذلك من المشايخ ، لم يكن من أهل هذه الصفة . ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكر الصديق - رضي الله عنه - وكان قد جرى بينه وبين صهيب وخباب وبلال وغيرم كلام فى أبى سفيان ابن حرب؛ فإنه مر بهم فقالوا: (( ما أخذت السيوف من عدو الله مأخذها . فقال أتقولون هذا لكبير قريش ؟ ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال: لعلك أغضبتهم يا أبا بكر . لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك)) أو كما قال. قال : خرج عليهم أبو بكر فقال لهم : يا إخوانى ! أغضبتكم ؟ قالوا لا: يغفر الله لك يا أبا بكر. فهؤلاء كان غضبهم الله . وفى صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول ٥١٥ الله تعالى من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، وبده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها ، فى يسمع، وبي يبصر وبى يبطش ، وبى يمشي، ولئن سألنى لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)). فهذا المؤمن الذي تقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض أحبه الله لأنه فعل ما أحبه الله، والجزاء من جنس العمل. قال الله تعالى: ) وفى الحقيقة فالعبد الذي يرضى الله ( تَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ لرضاه ، ويغضب لغضبه، هو يرضى لرضا الله، ويغضب لغضب الله وليكن هذان مثالان : فمن أحب ما أحب الله، وأبغض ما أبغض الله ورضي ما رضي الله لما يرضي الله، ويغضب لما يغضب ؛ لكن هذا لا يكون للبشر على سبيل الدوام ، بل لا بد لأكمل الخلق أن يغضب أحياناً غضب البشر ، ويرضى رضا البشر . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مسلم سببته أو لعنته وليس لذلك بأهل فاجعل ذلك له صلاة وزكاة وقربة تقربه إليك يوم القيامة)» ٥١٦ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك فى قضية معينة، لكون غضبه لأجل أبى سفيان وم كانوا يغضون لله، وإلا فأبو بكر أفضل من ذلك، وبالجملة فالشيوخ والملوك وغيرم إذا أمروا بطاعة الله ورسوله أطيعوا، وإن أمروا بخلاف ذلك لم يطاعوا ؛ فإنه لاطاعة لمخلوق فى معصية الخالق، وليس أحد معصوما إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا فى الشيخ الذي ثبت معرفته بالدين وعمله به . وأما من كان مبتدعا بدعة ظاهرة ، أو فاجراً فجوراً ظاهراً . فهذا إلى أن تنكر عليه بدعته وفجوره ، أحوج منه إلى أن يطاع فيا يأمر به ؛ لكن إن أمر هو أو غيره بما أمر الله به ورسوله ، وجبت طاعة الله ورسوله ، فإن طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، فى كل حال ؛ ولو كان الآمر بها كائنا من كان . فصل وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((المرء مع من أحب)) فهو من أصح الأحاديث . وقال أنس: فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث ، فأنا أحب رسول اللّه وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أحشر ٥١٧ معهم، وإن لم أعمل مثل أعمالهم. وكذلك ((أوثق عرى الإسلام الحب فى الله والبغض فى اللّه)) لكن هذا بحيث أن يحب المرء ما يحبه الله ومن يحب الله، فيحب أنبياء الله كلهم؛ لأن الله يحبهم ويحب كل من على أنه مات على الإيمان والتقوى ، فإن هؤلاء أولياء الله والله يحبهم كالذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وغيرهم من أهل بدر وأهل بيعة الرضوان . فمن شهد له النبى صلى الله عليه وسلم بالجنة شهدنا له بالجنة، وأما من لم يشهد له بالجنة. فقد قال طائفة من أهل العلم : لا نشهد له بالجنة ولا نشهد أن اللّه يحبه ، وقال طائفة : بل من استفشى من بين الناس إيمانه وتقواه ، واتفق المسلمون على الثناء عليه ، كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وعبد الله بن المبارك - رضي الله عنهم - وغيرهم . شهدنا لهم بالجنة؛ لأن فى الصحيح (( أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال : وجبت ، وجبت ، ومر عليه بجنازة ، فأثنوا عليها شراً . فقال : وجبت ، وجبت . قالوا : يارسول الله ! ما قولك: وجبت ، وجبت ؟ قال : هذه الجنازة أتنيتم عليها خيراً فقلت : وجبت لها الجنة ، وهذه الجنازة أتنيتم عليها شراً فقلت وجبت لها النار . قيل : ٥١٨ يم يارسول الله؟ قال: بالثناء الحسن ، والثناء السيء)). وإذا على هذا فكثير من المشهورين بالمشيخة فى هذه الأزمان ، قد يكون فيهم من الجهل والضلال والمعاصي والذنوب ما يمنع شهادة الناس لهم بذلك ، بل قد يكون فيهم المنافق والفاسق ، كما أن فيهم من هو من أولياء الله المتقين، وعباد الله الصالحين، وحزب الله المفلحين ، كما أن غير المشايخ فيهم هؤلاء ، وهؤلاء فى الجنة ، والتجار والفلاحون وغيرهم من [هذه] الأصناف . إذا كان كذلك فمن طلب أن يحشر مع شيخ لم يعلم عاقبته كان ضالاً؛ بل عليه أن يأخذ بما يعلم؛ فيطلب أن يحشره الله مع نبيه والصالحين من عباده. كما قال الله تعالى: (وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّاللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ ). وقال الله تعالى: (إِنََّ وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالَّذِينَءَامَنُوْلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ رَكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ) وعلى هذا فمن أحب شيخاً مخالفاً للشريعة كان معه ؛ فإذا دخل الشيخ النار كان معه . ومعلوم أن الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة أهل الضلال والجهالة، فمن كان معهم كان مصيره مصير أهل الضلال والجهالة، وأما من كان من أولياء الله المتقين : كأبى بكر وعمر وعثمان ٥١٩ وعلي وغيرم؛ فمحبة هؤلاء من أوثق عرى الإيمان ؛ وأعظم حسنات المتقين . ولو أحب الرجل لما ظهر له من الخير الذي يحبه الله ورسوله ، أثابه الله على محبة ما يحبه الله ورسوله، وإن لم يعلم حقيقة باطنه، فإن الأصل هو حب الله وحب ما يحبه الله، فمن أحب الله وأحب ما يحبه الله كان من أولياء الله. وكثير من الناس يدعي المحبة من غير تحقيق قال الله تعالى: ( قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْلَكُمْذُنُوبَكُمْ) قال بعض السلف : ادعى قوم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية، فمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضي فعل محبوباته ، وترك مكروهاته ، والناس يتفاضلون فى هذا تفاضلا عظيما ، فمن كان أعظم نصيبا من ذلك ، كان أعظم درجة عند الله . وأما من أحب شخصاً لهواه ، مثل أن يحبه لدنيا يصيبها منه ، أو لحاجة يقوم له بها، أو المال يتآ كله به . أو بعصبية فيه . ونحو ذلك من الأشياء فهذه ليست محبة لله ؛ بل هذه محبة لهوى النفس ، وهذه المحبة هي التى توقع أصحابها فى الكفر والفسوق والعصيان . وما أكثر من يدعي حب مشايخ لله، ولو كان يحبهم الله لأطاع اللّه الذي ٥٢٠