النص المفهرس

صفحات 481-500

وقد ثبت فى صحيح مسلم عن صهيب عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، نادى مناد :
يا أهل الجنة ! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه ؛ فيقولون :
ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ، ويدخلنا الجنة ويجرنا من
النار ؟! قال : فيكشف الحجاب ، فينظرون إليه، فما أعطام شيئاً أحب
إليهم من النظر إليه ؛ وهي الزيادة )) وقد استفاض عن النبى صلى الله
عليه وسلم فى الصحاح أنه قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر
ليلة البدر، لا تضامون فى رؤيته)) و((إن الناس قالوا : يا رسول الله ؛
هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضامون فى رؤية الشمس
صحواً ليس دونها سحاب ؟ قالوا : لا قال : فهل تضارون فى رؤية
القمر صحواً ليس دونه سحاب ؟ قالوا : لا . قال : فإنكم سترون ربكم.
كما ترون الشمس والقمر)) فشبه صلى الله عليه وسلم الرؤية بالرؤية
ولم يشبه المرئي بالمرئي؛ فإن العباد لا يحيطون باللّه علماً؛ ولا تدركه
أبصارهم. كما قال تعالى: (لََّتُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَيُدْرِكُ اَلْأَبْصَرَ).
وقد قال غير واحد: من السلف والعلماء إن «الإدراك» هو
الإحاطة فالعباد يرون اللّه تعالى عياناً ولا يحيطون به ، فهذا وأمثاله مما
أخبر الله به ورسوله.
وقال تعالى فى النفى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ) (فَلَا تَجْعَلُوْ اْللَّهِ أَنْدَادًا )
٤٨١

(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا). (وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوا أَحَدٌ) فبين فى هذه الآيات
أن الله لاكفو له، ولا ند له ، ولا مثل له ولا سمي له ، فمن قال:
إن على الله كعلمي ، أو قدرته كقدرتي أو كلامه مثل كلامي ، أو إرادته
ومحبته ورضاء وغضبه مثل إرادتى ومحبتى ورضائي وغضى ، أو استواءه
على العرش كاستواني ، أو نزوله كنزولي، أو إتيانه كاتيانى، ونحو ذلك فهذا
قد شبه الله ومثله بخلقه، تعالى الله عما يقولون، وهو ضال خبيث
مبطل ، بل كافر .
ومن قال : إن الله ليس له علم ، ولا قدرة ولا كلام ، ولا
مشيئة، ولا سمع ولا بصر، ولا محبة ولا رضى ، ولا غضب، ولا
استواء ، ولا إتيان ولا نزول فقد عطل أسماء الله الحسنى وصفاته
العلى، وألحد فى أسماء اللّه وآياته وهو ضال خبيث مبطل بل كافر؛ بل
مذهب الأئمة والسلف إثبات الصفات ونفي التشبيه بالمخلوقات إثبات بلا
تشبيه وتنزيه بلا تعطيل ، كما قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري:
من شبه اللّه بخلقه فقد كفر ، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد
كفر ، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها .
ومما يبين ذلك : أن الله تعالى أخبرنا أن فى الجنة ماء ولبناً وخمراً
وعسلا ولماً وفاكهة وحريراً وذهباً وفضة، وغير ذلك . وقد قال
ابن عباس رضي الله عنهما: ليس فى الدنيا مما فى الجنة إلا الأسماء فإذا
٤٨٢

كانت المخلوقات فى الجنة توافق المخلوقات فى الدنيا فى الأسماء ، والحقائق
ليست مثل الحقائق ، فكيف يكون الخالق مثل المخلوق إذا وافقه
فى الاسم ؟ ! .
واللّه تعالى قد أخبر أنه سميع بصير ، وأخبر عن الإنسان أنه سميع
بصير ، وليس هذا مثل هذا ، وأخبر أنه حي ، وعن بعض عباده أنه
حي ، وليس هذا مثل هذا . وأخبر أنه رؤوف رحيم ، وأخبر عن نبيه
أنه رؤوف رحيم ، وليس هذا مثل هذا. وأخبر أنه عليم حليم ، وأخبر
عن بعض عباده بأنه عليم حليم ، وليس هذا مثل هذا . وسمى نفسه
الملك ، وسمى بعض عباده الملك ، وليس هذا مثل هذا . وهذا كثير فى
الكتاب والسنة ، فكان سلف الأمة وأئمتها كأئمة المذاهب : مثل أبي
حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرم ، على هذا إثبات بلا تشبيه ،
وتنزيه بلا تعطيل لا يقولون بقول أهل التعطيل ، نفاة الصفات ، ولا
بقول أهل التمثيل المشبهة للخالق بالمخلوقات ، فهذه طريقة الرسل ،
ومن آمن بهم .
وأما المخالفون للرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من المتفلسفة
وأشباههم، فيصفون الرب تعالى ((بالصفات السلبية )) ليس كذا ، ليس
كذا ، ليس كذا ، ولا يصفونه بشيء من صفات الإثبات ، بل بالسلب
الذي يوصف به المعدوم فيبقى ما ذكروه مطابقاً للمعدوم ، فلا يبقى
٤٨٣

فرق بين ما يثبتونه وبين المعدوم ، وهم يقولون : إنه موجود ليس
بمعدوم ، فيتناقضون ، يثبتونه من وجه ، ويجحدونه من وجه آخر .
ويقولون : إنه وجود مطلق ، لا يتميز بصفة .
وقد على الناس أن المطلق لا يكون موجوداً ، فإنه ليس فى الأمور
الموجودة ما هو مطلق لا يتعين ، ولا يتميز عن غيره ، وإنما يكون ذلك
فيما يقدره المرء في نفسه ، فيقدر أمراً مطلقاً ، وإن كان لا حقيقة له
فى الخارج ، فصار هؤلاء المتفلسفة الجهمية المعطلون لا يجعلون الخالق
سبحانه وتعالى موجوداً مبايناً لخلقه ؛ بل إما أن يجعلوه مطلقاً في
ذهن الناس ، أو يجعلوه حالاً فى المخلوقات ، أو يقولون هو
وجود المخلوقات .
ومعلوم أن الله كان قبل أن يخلق المخلوقات ، وخلقها فلم يدخل
فيها ، ولم يدخلها فيه ، فليس فى مخلوقاته شيء من ذاته ، ولا في
ذاته شيء من مخلوقاته ، وعلى ذلك دل الكتاب والسنة ، واتفق عليه
سلف الأمة وأئمتها . فالجهمية المعطلة نفاة الصفات من المتفلسفة
والمعتزلة وغيرهم - الذين امتحنوا المسلمين ، كما تقدم - كانوا على
هذا الضلال ، فلما أظهر الله تعالى أهل السنة والجماعة ، ونصرم.
بقي هذا النفي فى نفوس كثير من أتباعهم ، فصاروا يظهرون تارة مع
الرافضة القرامطة الباطنية ، وتارة مع الجهمية الاتحادية، وتارة يوافقونهم
٤٨٤

على أنه وجود مطلق ، ولا يزيدون على ذلك .
وصاحب ((المرشدة)) كانت هذه عقيدته كما قد صرح بذلك
فى كتاب له كبير شرح فيه مذهبه في ذلك ذكر فيه أن الله تعالى
وجود مطلق ، كما يقول ذلك ابن سينا وابن سبعين وأمثالهم .
ولهذا لم يذكر فى ((مرشدته)) الاعتقاد الذي يذكره أئمة العلم
والدين من أهل السنة والجماعة أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام
وغيرهم من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، كما يذكره أئمة الخفية والمالكية
والشافعية والحنبلية ، وأهل الكلام : من الكلابية والأشعرية والكرامية
وغيرهم ، ومشايخ التصوف والزهد ، وعلماء أهل الحديث فإن هؤلاء
كلهم متفقون على أن الله تعالى حي عالم بعلم، قادر بقدرة . كما قال
تعالى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّبِمَا شَآءَ) وقال تعالى:
(لَِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنَزَلَهُ بِعِلْمِهِ، ). وقال تعالى: ( وَمَا
تَّحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّ بِعِلْمِهِ). وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْأ ◌َنَّ اللَّهَ الَّذِى
خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) وقال تعالى: (وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَبِيْدٍ) أي بقوة .
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم أصحابه
الاستخارة فى الأمور كلها ، كما يعلمهم السورة من القرآن . يقول :
٤٨٥

( إذا م أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة. ثم ليقل: اللهم
إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم
فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن
كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ومعاشي
وعاقبة أمري ، فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، وإن كنت
تعلم أن هذا الأمر شر لي فى ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عنى
واصرفني عنه . واقدر لي الخير حيث كان . ثم رضى به )) .
والأئمة الأربعة وسائر من ذكر متفقون على أن الله تعالى يرى فى
الآخرة ، وأن القرآن كلام الله .
فصاحب ((المرشدة)) لم يذكر فيها شيئاً من الإثبات الذي عليه
طوائف أهل السنة والجماعة ، ولا ذكر فيها الإيمان برسالة النبي صلى
الله عليه وسلم، ولا باليوم الآخر وما أخبر به النبى صلى الله عليه
وسلم من أمر الجنة والنار والبعث والحساب وفتنة القبر والحوض
وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فى أهل الكبائر، فإن هذه الأصول
كلها متفق عليها بين أهل السنة والجماعة. ومن عادات علمائهم أنهم
يذكرون ذلك فى العقائد المختصرة ، بل اقتصر فيها على ما يوافق أصله
وهو القول بأن الله وجود مطلق، وهو قول المتفلسفة والجهمية.
٤٨٦

والشيعة ، ونحوهم ممن اتفقت طوائف أهل السنة والجماعة ، أهل المذاهب
الأربعة وغيرهم على إبطال قوله ، وتضليله .
فذكر فيها ما تقوله نفاة الصفات ، ولم يذكر فيها صفة واحدة
لله تعالى ثبوتية ، وزعم فى أولها أنه قد وجب على كل مكلف أن يعلم
ذلك ، وقد اتفقت الأئمة على أن الواجب على المسلمين ما أوجبه الله
ورسوله ، وليس لأحد أن يوجب على المسلمين ما لم يوجبه الله ورسوله
والكلام الذي ذكره بعضه قد ذكره الله ورسوله ، فيجب التصديق
به، وبعضه لم يذكره الله ولا رسوله ولا أحد من السلف والأئمة فلا
يجب على الناس أن يقولوا ما لم يوجب الله قوله عليهم. وقد يقول
الرجل كلمة وتكون حقاً ، لكن لا يجب على كل الناس أن يقولوها ،
وليس له أن يوجب على الناس أن يقولوها فكيف إذا كانت الكلمة
تتضمن باطلاً؟
وما ذكره من النفي يتضمن حقاً وباطلاً ، فالحق يجب اتباعه ،
والباطل يجب اجتنابه . وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتاب كبير .
وذكرنا سبب تسميته لأصحابه بلموحدين ، فإن هذا مما أنكره المسلمون؛
إذ جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم موحدون ، ولا يخلد فى النار
من أهل التوحيد أحد .
٤٨٧

و ((التوحيد)) هو ما بينه الله تعالى فى كتابه ، وعلى لسان رسوله
صلى الله عليه وسلم. كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ * اللَّهُ الصَّمَدُ
* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُكُفُوا أَحَدٌ) وهذه السورة
تعدل ثلث القرآن. وقوله: (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ * لَآ أَعْبُدُمَا
تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَاْعٌَِ مَّا عَبَدُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ
أَعْبُدُ * لَكُمْدِيِئُكُمْ وَلِىَ دِينِ ) وقال تعالى: (فَأَعْلَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ
لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ ) وقال تعالى: ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْفَعْبُدُونِ ).
فنفاة الجهمية من المعتزلة وغيرهم سموا نفي الصفات توحيداً . فمن
قال إن القرآن كلام اللّه وليس بمخلوق. أو قال: إن الله يرى في
الآخرة أو قال: ((أستخيرك بعلمك. وأستقدرك بقدرتك)) لم يكن
موحداً عندهم؛ بل يسمونه مشبهاً مجسماً، وصاحب ((المرشدة)) لقب
أصحابه موحدين ، اتباعا لهؤلاء الذين ابتدعوا توحيداً ما أنزل الله به من
سلطان ، وألحدوا في التوحيد الذي أنزل الله به القرآن .
وقال أيضاً فى قدرة الله تعالى : إنه قادر على ما يشاء ، وهذا
يوافق قول الفلاسفة وعلي الأسواري وغيره من المتكلمين الذين
يقولون : إنه لا يقدر على غير ما فعل ، ومذهب المسلمين أن الله على
٤٨٨

كل شيء قدير. سواء شاءه أو لم يشأه، كما قال تعالى: (قُلْهُوَ
اُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ).
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه لما نزل
قوله تعالى: ( قُلْ هُوَاُلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ ) قال :
أعوذ بوجهك (أَوْمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال : أعوذ بوجهك .
( أَوْيَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ) قال: هاتان أهون)»
قالوا فهو يقدر اللّه عليها وهو لا يشاء أن يفعلهما ؛ بل قد أجار اللّه هذه
الأمة على لسان نبيها أن لايسلط عليهم عدواً من غيرم فيجتاحهم ، أو
يهلكهم بسنة عامة. وقد قال تعالى: (أَيَحْسَبُ آلْإِنسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ, *
بَ قَدِرِينَ عَنْ نُسَوِىَ بَنَنَهُ ) فاللّه قادر على ذلك، وهو لا بشاؤه، وقد
وقال تعالى :
قال تعالى: ( وَلَوْشِتْنَا لَنَيْنَاكُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا )
( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً ) فالله تعالى قادر على ذلك ، فلو
شاءه لفعله بقدرته ، وهو لا يشاؤه .
وقد شرحنا ماذكره فيها كلمة كلمة وبينا ما فيها من صواب وخطأ
ولفظ مجمل فى كتاب آخر .
٤٨٩

فالعالم الذي يعلم حقائق ما فيها ، ويعرف ما جاء به الكتاب والسنة
لا يضره ذلك ، فإنه يعطي كل ذي حق حقه ، ولا حاجة لأحد من
المسلمين إلى تعلمها وقراءتها ، ولا يجوز لأحد أن يعدل عما جاء فى
الكتاب والسنة ، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها إلى ما أحدثه بعض
الناس مما قد يتضمن خلاف ذلك ، أو يوقع الناس فى خلاف ذلك ،
وليس لأحد أن يضع للناس عقيدة ولا عبادة من عنده ؛ بل عليه أن
يتبع ولا يبتدع، ويقتدي ولا يبتدي ، فإن الله سبحانه بعث محمداً
صلى الله عليه وسلم: بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ،
وكفى بالله شهيداً. وقال له: (قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى ) وقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَدِينًا) والنبى صلى الله عليه وسلم علم
المسلمين ما يحتاجون إليه فى دينهم .
فيأخذ المسلمون جميع دينهم من الاعتقادات والعبادات، وغير ذلك من
كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ، وليس ذلك مخالفاً
للعقل الصريح فإن ما خالف العقل الصريح فهو باطل، وليس فى الكتاب والسنة
والإجماع باطل ، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس ، أو
يفهمون منها معنى باطلا ، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة ؛ فإن
٤٩٠

الله تعالى قال : (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ).
والله أعلم. والحمد لله وحده. وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وما توفيقي إلا بالله. عليه
توكلت وإليه أنيب .
٤٩١

سئل
عن رجل تخاطب هو وإنسان على من قرأ ((المرشدة)).
قال الأول : قال بعض العلماء المرشدة لا يجوز أن نقرأها،
قال الآخر : من لا يقرؤها فهو كافر ؟
الجواب : الحمد لله، أما هذا القائل الثانى الذي قال: من لا يقرؤها
فهو كافر ، فإنه كاذب ضال مخطئ جاهل يجب أن يستتاب عن مثل
هذا القول ، فإن تاب وإلا عوقب عقوبة بليغة تردعه وأمثاله عن
مثل هذا .
بل إذا فهم مضمون قوله : من لم يقرؤها فهو كافر ، وأصر عليه
بعد العلم ، كان هو الكافر المستحق لأن يستتاب ، فإن تاب وإلا
قتل . والله أعلم .
٤٩٢

شيخ الإسلام
ـئل
قدس الله روحه
عن قوم منتسبين إلى المشايخ : يتوبونهم عن قطع الطريق ،
وقتل النفس والسرقة ؛ وألزموم بالصلاة ؛ لكنهم يصلون صلاة عادة
البادية ، فهل يجب إقامة حدود الصلاة أم لا ؟ (١) ومع هذا شعارهم
الرفض ، وكشف الرؤوس ، وتفتيل الشعر ، وحمل الحيات . ثم غلب
على قلوبهم حب الشيوخ . حتى كلما عثر أحدم أوهمه أمر استغاث
بشيخه ، ويسجدون لهم مرة في غيبتهم ، ومرة في حضورهم ، فتارة
يصادف السجود إلى القبلة، وتارة إلى غيرها ــ حيث كان شيخه ــ
ويزعمون هذا لله . ومنهم من يأخذ أولاد الناس حوارات برضى
الوالدين ، وبغير رضاح ، وربما كان ولد الرجل معيناً لوالديه على السعي
فى الخلال فيأخذه ويعلمه الدروزة ، وينذر للموتى . ومنهم من يواخي
النسوان فإذا نهوا عن ذلك قال: لو حصل لي أمك وأختك واخيتهما
فإذا قيل : لا تنظر أجنبية . قال : أنظر عشرين نظرة ، ويحلفون
(١) يأتي الكلام على الأمر بالصلاة فى بابها .
٤٩٣

بالمشايخ . وإذا نهوا عن شيء من ذلك. قال : أنت شرعي . فهل
المنكر عليهم مأجور أم لا ؟
وهل اتخاذ الخرقة على المشايخ له أصل فى الشرع أم لا ؟ وهل
انتساب كل طائفة إلى شيخ معين يثاب عليه . أم لا ؟ وهل التارك له
آثم أم لا؟ ويقولون : إن الله يرضى لرضا المشايخ ، ويغضب بغضهم
ويستندون إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب))
و((أوثق عرى الإسلام الحب فى الله والبغض فى اللّه)) فهل ذلك
دليل لهم ، أم هو شيء آخر؟ ومن هذه حاله هل يجوز دفع
الزكاة إليه ؟؟
فأحاب - قدس الله روحه -
وأما كشف الرؤوس وتفتيل الشعر وحمل الحيات فليس هذا من
شعار أحد من الصالحين؛ لا من الصحابة ولا التابعين ولا شيوخ المسلمين
لا المتقدمين ولا المتأخرين ولا الشيخ أحمد بن الرفاعي ولا غيره
وإنما ابتدع هذا بعد موت الشيخ أحمد بمدة طويلة ، ابتدعه طائفة
انتسبت إليه فخالفوا طريق المسلمين وخرجوا عن حقائق الدين ،
وفارقوا طريق عباد الله الصالحين وم نوعان :
أهل حال إبليسى. وأهل محال تلبيسى. فأما أهل «الأحوال))
٤٩٤

منهم : فهم قوم اقترنت بهم الشياطين ، كما يقترنون بإخوانهم ؛ فإذا
حضروا سماع المكاء والتصدية أخذه الحال ، فيزيدون ويرغون. كما يفعله
المصروع . ويتكلمون بكلام لا يفهمونه م ولا الحاضرون ؛ وهي شياطينهم تتكلم
على ألسنتهم عند غيبة عقولهم ، كما يتكلم الجنى على لسان المصروع .
ولهم مشابهون فى الهند من عباد الأصنام ، ومشابهون بالمغرب يسمى
أحدهم المصلي ؛ وهؤلاء الذين فى المغرب من جنس الزط الذين لاخلاق
لهم ؛ فإذا كان لبعض الناس مصروع أو نحوه أعطام شيئاً فيجيئون
ويضربون لهم بالدف والملاهي ويحرقون ويوقدون ناراً عظيمة مؤججة
ويضعون فيها الحديد العظيم حتى يبقى أعظم من الجمر وينصبون رماحاً
فيها أسنة ، ثم يصعد أحدم يقعد فوق أسنة الرماح قدام الناس ، ويأخذ
ذلك الحديد المحمى ويمره على يديه ، وأنواع ذلك .
ويرى الناس حجارة يرمى بها ولا يرون من رمى بها، وذلك
من شياطينهم الذين يصعدون بهم فوق الرمح ، وهم الذين يباشرون
النار ، وأولئك قد لا يشعرون بذلك ، كالمصروع الذي يضرب ضربا
وجيعا وهو لايحس بذلك ؛ لأن الضرب يقع على الجني ، فكذا حال
أهل الأحوال الشيطانية ، ولهذا كما كان الرجل أشبه بالجن والشياطين
كان حاله أقوى ، ولا يأتيهم الحال إلا عند مؤذن الشيطان وقرآنه ،
فمؤذنه المزمار ، وقرآنه الغناء .
٤٩٥

ولا يأتيهم الحال عند الصلاة والذكر والدعاء والقراءة ، فلا لهذه
الأحوال فائدة في الدين ، ولا في الدنيا ، ولو كانت أحوالهم من
جنس عباد الله الصالحين، وأولياء الله المتقين، لكانت تحصل عندما
أمر الله به من العبادات الدينية، ولكان فيها فائدة فى الدين والدنيا
لتكثير الطعام والشراب عند الفاقات ، واستنزال المطر عند الحاجات ،
والنصر على الأعداء عند المخافات ، وهؤلاء أهل الأحوال الشيطانية
فى التلبيس يمحقون البركات ، ويقوون المخافات ، ويأكلون أموال
الناس بالباطل ، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، ولا
يجاهدون فى سبيل اللّه ، بل هم مع من أعطاه وأطعمهم وعظمهم ، وإن
كان تتريا ؛ بل يرجحون النتر على المسلمين ، ويكونون من أعوانهم
ونصرائهم الملاعين ، وفيهم من يستعين على الحال بأنواع من السحر
والشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله .
وأما أهل («المحال)) منهم : فهم يصنعون أدوية كحجر الطلق ،
ودهن الضفادع ، وقشور النارنج ، ونحو ذلك . يمشون بها على النار
ويمسكون نوعا من الحيات يأخذونها بضعة ، ويقدمون على أكلها
بفجور ، وما يصنعونه من السكر واللاذن ، وماء الورد، وماء الزعفران
والدم ، فكل ذلك حيل وشعوذة يعرفها الخبير بهذه الأمور .
ومنهم من تأتيه الشياطين ، وذلك م أهل المحال الشيطانى .
٤٩٦

ـصـل
وأما ما ذكروا من غلوم فى الشيوخ : فيجب أن يعلم أن الشيوخ
الصالحين الذين يقتدى بهم فى الدين ثم المتبعون لطريق الأنبياء والمرسلين
كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ومن
له فى الأمة لسان صدق - وطريقة هؤلاء دعوة الخلق إلى الله، وإلى
طاعته وطاعة رسوله ، واتباع كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
والمقصود أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا . فإن
اللّه تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ
وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اُللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُوْاُلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ ).
والرسل أمروا الخلق أن لا يعبدوا إلا الله وأن يخلصوا له الدين
فلا يخافون غيره ، ولا يرجون سواه ، ولا يدعون إلا إياه . قال
تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا). وقال تعالى: (وَمَن
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ)
٤٩٧

فجعل الطاعة لله والرسول ، وجعل الخشية والتقوى لله وحده . وقال
تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآءَاتَنهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِيْنَا
) فالإيتاء الله والرسول :
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغْبُونَ
(وَمَآءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ ) والحلال ما حلله رسول
الله والحرام ما حرمه ، والدين ما شرعه ، ليس لأحد من الأولين
والآخرين خروج عن طاعته وشريعته ، ومن لم يقربه باطنا وظاهراً
فهو كافر مخلد فى النار .
وخير الشيوخ الصالحين، وأولياء الله المتقين: أتبعهم له وأقر بهم
وأعرفهم بدينه وأطوعهم لأمره : كأبى بكر وعمر وعثمان وعلي . وسار
التابعين بإحسان، وأما الحسب فلله وحده ولهذا قالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ولم يقولوا ورسوله. كما قال تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ
النَّاسُ إِنَّالنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
اُلْوَكِيلُ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ ) أي : أن الله وحده حسبك وحسب من اتبعك من
المؤمنين . فهو وحده يكفيهم فإنه سبحانه له الملك وله الحمد وهو كاف
عبده. كما قال تعالى: (أَلَيْسَ اَللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) وقال تعالى:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَادَعَانِ ) الآية .
٤٩٨

وروي أن بعض الصحابة قال : يارسول الله ! هل ربنا قريب
فنتاجيه؟ أم بعيد فتناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فهو سبحانه سميع
قريب مجيب رحيم ، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وهو يعلم
من أحوال العباد ما لا يعلمه غيره ، ويقدر على قضاء حواتجهم التى
لا يقدر عليها غيره ، ويرحمهم رحمة لا يرحمهم بها غيره .
والشيوخ الذين يقتدى بهم يدلون عليه ، ويرشدون إليه ، بمنزلة
الأئمة فى الصلاة ، يصلون ويصلي الناس خلفهم ، وبمنزلة الدليل الذي
للحاج هو يدلهم على البيت ، وهو وهم جميعاً يحجون إليه ، ليس لهم
من الإلهية نصيب ؛ بل من جعل لهم شيئاً من ذلك فهو من جنس
النصارى المشركين ، الذين قال الله فى حقهم: ( اٌتَّخَذُوَأْأَخْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدَاً لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
وقد قال نوح عليه السلام : (قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ
وَلَ أَقُولُ لَكُمْ إِّ مَلَكُ) وهكذا أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول.
فليس لأحد أن يدعو شيخاً ميتاً أو غائبا ؛ بل ولا يدعو ميتا
ولا غائبا : لا من الأنبياء ولا غيرم ، فلا يقول لأحدم: ياسيدى فلان!
أنا فى حسبك أو فى جوارك ، ولا يقول : بك أستغيث ، وبك أستجير،
ولا يقول : إذا عثر: يافلان! ولا يقول: محمد! وعلي! ولا الست نفيسة
٤٩٩

ولا سيدي الشيخ أحمد! ولا الشيخ عدى! ولا الشيخ عبد القادر! ولا غير
ذلك ، ولا نحو ذلك مما فيه دعاء الميت والغائب، ومسألته، والاستغاثة به،
والاستنصار به ، بل ذلك من أفعال المشركين ، وعبادات الضالين.
ومن المعلوم أن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت
فى صحيح البخاري ((أن الناس لما أجدبوا استسقى عمر بالعباس. وقال
اللهم إنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا، فتسقينا. وإنا تتوسل بعم نبينا
فاسقنا فيسقون)) فكانوا فى حياة النبى صلى الله عليه وسلم يتوسلون
بدعائه ، وشفاعته لهم ، كما يتوسل به الناس يوم القيامة ، ويستشفعون
به إلى ربهم ، فيأذن الله له في الشفاعة فيشفع لهم. ألا ترى الله يقول
( مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ ). وقال تعالى: ( قُلِ أَدْعُواْلَّذِينَ
زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ
فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَالَهُ مِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ: إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)
فبين سبحانه أن المخلوقات كلها ليس لأحد منها شيء فى
الملك ، ولا له شريك فيه، ولا له ظهير، أي: معين للّه تعالى كما
تعاون الملوك، وبين أن الشفاعة عنده لا تنفع إلا لمن أذن له .
وإذا كان يوم القيامة يجيء الناس إلى آدم ، ثم نوح ، ثم إبراهيم
ثم موسى ، ثم عيسى ، فيطلبون الشفاعة منهم ، فلا يشفع لهم أحد من
هؤلاء الذين هم سادة الخلق ، حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم .
٥٠٠