النص المفهرس
صفحات 421-440
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلّ ) تعالى : عِنْدَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُلَنَّ إِن تَنَِّعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ ونظير هذا فى سورة النحل ، وفى سورة يس . ( مِقَارَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْطْعِمُ مَن لَّوْيَشَاءُ اللَّهُأَلْعَمَهُ: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ مُبِينٍ) وكذلك فى سورة الزخرف: ( وَقَالُوْلَوْشَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمُ مَّالَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍّإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُسُونَ). وهؤلاء م ((القدرية المشركية)) الذين يحتجون بالقدر على دفع الأمر والنهي هم شر من القدرية الذين م مجوس هذه الأمة ، الذين روى فيهم: ((إن مرضوا فلا تعودوم، وإن ماتوا فلا تشهدوم))؛ لأن هؤلاء يقرون بالأمر والنهي والثواب والعقاب ، لكن أنكروا عموم الإرادة والقدرة والخلق، وربما أنكروا سابق العلم. وأما ((القدرية المشركية)) فإنهم ينكرون الأمر والنهي والثواب والعقاب ، لكن [وإن لم ينكروا] عموم الإرادة والقدرة والخلق، فإنهم ينكرون الأمر والنهي والوعد والوعيد ، ويكفرون بجميع الرسل والكتب ؛ فإن الله إنما أرسل الرسل مبشرين من أطاعهم بالثواب ، ومنذرين من عصام بالعقاب . وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع غير هذا . ٤٢١ و ((أيضاً)) فإن موسى عليه السلام كان مؤمناً بالقدر ، وعالماً به بل أتباعه من بني إسرائيل كانوا أيضاً مؤمنين بالقدر ، فهل يظن من له أدنى عقل أن موسى طلب أن يتعلم من الخضر الإيمان بالقدر ، وأن ذلك يدفع الملام ، مع أن موسى أعلم بالقدر من الخضر ، بل عموم أصحاب موسی يعلمون ذلك . و ((أيضاً ، فلو كان هذا هو السر فى قصة الخضر بين ذلك لموسى . وقال: إني كنت شاهداً للإرادة والقدر، وليس الأمر كذلك . بل بين له أسباباً شرعية تبيح له ما فعل . كما سنبينه إن شاء الله تعالى . وأما (( الوجه الثاني)) : فإن من هؤلاء من يظن: أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية ، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى ، وأنه قد يكون للولي فى المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول فى عموم أحواله أو بعضها ، وكثير منهم يفضل الولي فى زعمه ، إما مطلقاً ، وإما من بعض الوجوه على النبى ، زاعمين أن فى قصة الخضر حجة لهم ، وكل هذه المقالات من أعظم الجهالات والضلالات ؛ بل من أعظم أنواع النفاق والإلحاد والكفر . فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام : أن رسالة محمد بن عبد ٤٢٢ الله - صلى الله عليه وسلم - لجميع الناس: عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم وعلمائهم وعامتهم ، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة ؛ بل عامة الثقلين الجن والإنس ، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما بشرعه لأمته من الدين . وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات ، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء لوجب عليهم متابعته ومطاوعته . وَإِذْ أَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ وقال الله تعالى : لَمَآءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّجَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّبِهِ، وَلَتَنْصُرُّنَّهُ، قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْ تُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَفْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْمَعَكُم مِنَ الشَّهِدِينَ ) . قال ابن عباس: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق ؛ لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره بأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه . وفي سنن النسائي عن جابر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - رأى بيد عمر بن الخطاب ورقة من التوراة فقال: (( أمتهوكون يا ابن الخطاب ؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعى)) - هذا أو نحوه - ورواه أحمد فى المسند ولفظه: ((ولو كان موسى حياً ثم اتبعتموه وتركتمونى لضللتم » وفى مراسيل أبى داود قال: «كفى بقوم ضلالة أن يبتغوا كتاباً غير كتابكم. أنزل على ٤٢٣ فى غير نبيهم » وأنزل الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ) الآية . بل قد ثبت بالأحاديث الصحيحة (( أن المسيح عيسى بن مريم إذا نزل من السماء فإنه يكون متبعاً لشريعة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم)) فإذا كان صلى الله عليه وسلم يجب اتباعه ونصره على من يدركه من الأنبياء . فكيف بمن دونهم ؟ بل مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره ، كموسى وعيسى . فإذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول ، فكيف بالخروج عنه والرسل؟ كما قال تعالى: (قُولُوَءَامَنَابِلَهِوَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىَ إِزَّهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ فَإِنْ ءَامَنُواْبِمِثْلِ مَآءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ج أُهْتَدَ وَأَوَّإِ نَوَلَّوْ فَإَِّا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) . وقال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَئِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ). ٤٢٤ ولهذا لما كان قد دخل فيما ينقله أهل الكتاب عن الأنبياء تحريف وتبديل : كان ما علمنا أنه صدق عنهم آمنا به ، وما علمنا أنه كذب رددناه ، وما لم نعلم حاله لم نصدقه ولم نكذبه ، كما روى البخاري فى صحيحه عن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوم، ولا تكذبوم. فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوم ، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوم ، وقولوا : آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم)). ومما يبين الغلط الذي وقع لهم فى الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة : أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته ؛ بل قد ثبت في الصحيحين ((إن الخضر قال له : يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على على من علم الله، علمكه الله لا أعلمه)) وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة . وقد ثبت فى الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فيما فضله الله به على الأنبياء قال: ((كان النبى يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) فدعوة محمد صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع العباد ، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته ، ولا استغناء عن رسالته ، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته ٤٢٥ مستغنياً عنه بما علمه الله. وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد : إني على على من على الله علمنيه اللّه لا تعلمه ، ومن سوغ هذا أو اعتقد أن أحداً من الخلق : الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ومتابعته، فهو كافر باتفاق المسلمين . ودلائل هذا من الكتاب والسنة أكثر من أن تذكر هنا . وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة ؛ ولهذا لما بين الخضر لموسى الأسباب التى فعل لأجلها ما فعل وافقه موسى ، ولم يختلفا حينئذ . ولو كان ما فعله الخضر مخالفاً لشريعة موسى لما وافقه . ومثل هذا وأمثاله يقع للمؤمنين بأن يختص أحد الشخصين بالعلم بسبب بيح له الفعل فى الشريعة ، والآخر لا يعلم ذلك السبب ، وإن كان قد يكون أفضل من الأول . مثل شخصين : دخلا إلى بيت شخص ، وكان أحدهما يعلم طيب نفسه بالتصرف في منزله ، إما بإذن لفظي أو غيره ، فيتصرف. وذلك مباح فى الشريعة ، والآخر الذي لم يعلم هذا السبب لا يتعرف ، وخرق السفينة كان من هذا الباب ، فإن الخضر كان يعلم أن أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً، وكان من المصلحة التى يختارها أصحاب السفينة، إذا علموا ذلك؛ لئلا يأخذها(١) خير من انتزاعها منهم . (١) بياض بالأصل . ٤٢٦ . ونظير هذا حديث الشاة التى أصابها الموت فذبحتها امرأة بدون إذن أهلها . فسألوا النبى صلى الله عليه وسلم عنها فأذن لهم فى أكلها ولم يلزم التى ذبحت بضمان ما نقصت بالذبح ؛ لأنه كان مأذوناً فيه عرفاً والإذن العرفي كالإذن اللفظي ؛ ولهذا بايع النبى صلى الله عليه وسلم عن عثمان فى غيبته بدون استئذانه لفظاً ، ولهذا لما دعاء أبو طلحة ونفرا قليلاً إلى بيته ، قام بجميع أهل المسجد ، لما علم من طيب نفس أبي طلحة ، وذلك لما يجعله الله من البركة . وكذلك حديث جابر . وقد ثبت أن لحاماً دعاء فاستأذنه فى شخص يستتبعه ؛ لأنه لم يكن يعلم من طيب نفس اللحام ما علمه من طيب نفس أبي طلحة وجابر وغيرهما ، وكذلك قتل الغلام كان من باب دفع الصائل على أبويه ، لعلمه بأنه كان يفتنها عن دينهما ، وقتل الصبيان يجوز إذا قاتلوا المسلمين ، بل يجوز قتلهم لدفع الصول على الأموال ؛ فلهذا ثبت فى صحيح البخاري أن نجدة الحروري لما سأل ابن عباس عن قتل الغلمان قال: ((إن كنت تعلم منهم ما علمه الخضر من الغلام فاقتلهم ، وإلا فلا تقتلهم )) . وكذلك فى الصحيحين ((أن عمر لما استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فى قتل ابن صياد ، وكان مراهقاً ، لما ظنه الدجال ، فقال : ((إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك فى قتله)) فلم يقل إن يكنه فلا خير لك فى قتله، بل قال: ((فلن تسلط عليه)). ٤٢٧ وذلك يدل على أنه لو أمكن إعدامه قبل بلوغه لقطع فساده لم يكن ذلك محذوراً ، وإلا كان التعليل بالصغر كافياً ، فإن الأعم إذا كان مستقلاً بالحكم كان الأخص عديم التأثير، كما قال فى الهرة: ((إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)). وأما بناء الجدار فإنما فيه ترك أخذ الجعل مع جوعهم ، وقد بين الخضر : أن أهله فيهم من الشيم وصلاح الوالد ما يستحقون به التبرع ؛ وإن كان جائعاً . ومن ذلك أن من أسباب الوجوب والتحريم والإباحة ما قد يكون ظاهراً، فيشترك فيها الناس ، ومنه ما يكون خفياً عن بعضهم ظاهراً لبعضهم على الوجه المعتاد ، ومنه ما يكون خفياً يعرف بطريق الكشف، وقصة الخضر من هذا الباب . وذلك يقع كثيراً فى أمتنا . مثل أن يقدم لبعضهم طعام فيكشف له أنه مغصوب فيحرم عليه أكله . وإن لم يحرم ذلك على من لم يعلم ذلك ، أو يظفر بمال يعلم أن صاحبه أذن له فيه فيحل له أكله ، فإنه لا يحل ذلك لمن لم يعلم الإذن . وأمثال ذلك . فمثل هذا إذا كان الشيخ من المعروفين بالصدق والإخلاص كان مثل هذا من مواقع الاجتهاد ، الذي يصيب فيه تارة ويخطىء أخرى ٤٢٨ فإن المكاشفات يقع فيها من الصواب والخطأ نظير ما يقع فى الرؤيا وتأويلها، والرأي، والرواية، وليس شيء معصوماً على الإطلاق إلا ما ثبت عن الرسول ؛ ولهذا يجب رد جميع الأمور إلى ما بعث به ولهذا كان الصديق المتلقي عن الرسول كل شيء ؛ مثل أبى بكر أفضل من المحدث مثل عمر ؛ وكان الصديق يبين للمحدث المواضع التى اشتبهت عليه ؛ حتى يرده إلى الصواب . كما فعل أبو بكر بعمر يوم الحديبية ؛ ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وفى قتال ما نعى الزكاة ، وغير ذلك . وهذا الباب قد بسطناه فى غير هذا الموضع . والمقصود أنه ليس في قصة الخضر ما يسوغ مخالفة شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من الخلق. نعم لفظ ((الشرع)) قد صار فيه اشتراك فى عرف العامة ، منهم من يجعله عبارة عن حكم الحكام ، ولا ريب أن حكم الحاكم قد يطابق الحق فى الباطن ، وقد يخالفه ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أم سلمة: ((إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا بأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار )) وقد اتفق المسلمون على أن حكم الحاكم بالحقوق المرسلة لا يغير الشيء عن صفته فى الباطن ، فلو حكم بمال زيد لعمر ، لإقرار أو بينة ٤٢٩ كان ذلك باطلا فى الباطن، ولم يبح ذلك له فى الباطن ، ولا يجوز له أخذه مع العلم بالحال باتفاق المسلمين ، وكذلك عند جماهير الأمة لو حكم بعقد أو فسخ نكاح أو طلاق وبيع فإن حكمه لا يغير الباطن عندهم ، وإن كان منهم من يقول : حكمه بغير ذلك فى هذا الموضع : لأن له ولاية العقود والفسوخ . فالصحيح قول الجمهور ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد ، وسائر فقهاء أهل الحجاز والحديث، وكثير من فقهاء العراق . وأيضاً فلفظ ((الشرع)) فى هذا الزمان ، يطلق على ثلاثة معان : شرع منزل ، وشرع منأول، وشرع مبدل . ((فالمنزل)) الكتاب والسنة ، فهذا الذي يجب اتباعه على كل واحد ، ومن اعتقد أنه لا يجب اتباعه على بعض الناس فهو كافر . و (( المتأول)) موارد الاجتهاد التى تنازع فيها العلماء ، فاتباع أحد المجتهدين جائز لمن اعتقد أن حجته هي القوية ، أو لمن ساغ له تقليده ولا يجب على عموم المسلمين اتباع أحد بعينه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكثير من المتفقهة إذا رأى بعض الناس من المشايخ الصالحين ، [ يرى أنه ] يكون الصواب مع ذلك ، وغيره قد خالف ٤٣٠ الشرع ، وإنما خالف ما يظنه هو الشرع ، وقد يكون ظنه خطأ فيئاب على اجتهاده ، وخطؤه مغفور له وقد يكون الآخر مجتهداً مخطئاً . وأما (( الشرع المبدل)): فمثل الأحاديث الموضوعة، والتأويلات الفاسدة ، والأقيسة الباطلة والتقليد المحرم ، فهذا يحرم أيضاً. وهذا من مثار النزاع ، فإن كثيراً من المتفقهة والمتكلمة قد يوجب على كثير من المتصوفة والمتفقرة اتباع مذهبه المعين ، وتقليد متبوعه ؛ والتزام حكم حاكمه باطناً وظاهراً ، ويرى خروجه عن ذلك خروجاً عن الشريعة المحمدية ، وهذا جهل منه وظلم ؛ بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر ونفاق . كما أن كثيراً من المتصوفة والمتفقرة يرى مثل ذلك في شيخه ومتبوعه ، وهو في هذا نظير ذلك . وكل من هؤلاء قد يسوغ الخروج عما جاء به الكتاب والسنة ، لما يظنه معارضاً لهما ، إما لما يسميه هذا ذوقا ووجداً ، ومكاشفات ومخاطبات ، وإما لما يسميه هذا قياساً ورأيا وعقليات وقواطع، وكل ذلك من شعب النفاق، بل يجب على كل أحد تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فى جميع ما أخبر به، وطاعته فى جميع ما أمر به، وليس لأحد أن يعارضه بضرب الأمثال ، ولا بآراء الرجال ، وكل ما عارضه فهو خطأ وضلال . ٤٣١ وقد ذكرنا من تفصيل ذلك في غير هذا الموضع ما لا يتسع له هذا المجال . والله تعالى يوفقنا وسأر إخواننا لما يحبه ويرضاه ؛ من الأقوال والأفعال الباطنة والظاهرة ، وفى جميع الأحوال . والله سبحانه وتعالى أعلى. والحمد لله وحده، وصلواته وسلامه على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم . ٤٣٢ مثل شيخ الإسلام عن الحديث المروي فى « الأبدال هل هو صحيح أم مقطوع ؟ وهل ((الأبدال)) مخصوصون بالشام؟ أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم ؟ وهل صحيح أن الولي يكون قاعداً فى جماعة ويغيب جسده ؟ وما قول السادة العلماء فى هذه الأسماء التى تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة ، ويقولون هذا غوث الأعواث ، وهذا قطب الأقطاب وهذا قطب العالم ، وهذا القطب الكبير ، وهذا خاتم الأولياء ؟! فأجاب : أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل ((الغوث)) الذي بمكة، و((الأوتاد الأربعة)) و ((الأقطاب السبعة)» و ((الأبدال الأربعين)) و((النجباء الثلاثمائة)): فهذه أسماء ليست موجودة فى كتاب الله تعالى ؛ ولا هي أيضاً مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ، ولا ضعيف يحمل [عليه] ألفاظ الأبدال . ٤٣٣ فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن فيهم - يعني أهل الشام - الأبدال الأربعين رجلا ، كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا، ولا توجد هذه الأسماء فى كلام السلف، كما هي على هذا الترتيب ؛ ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعانى عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً ؛ وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ ؛ وقد قالها إما آثراً لها عن غيره أو ذاكراً . وهذا الجنس ونحوه من على الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله ، فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله ، ومن الباطل مايوجب رده ، وصار كثير من الناس على طرفى نقيض . قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل . وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق ، وإنما الصواب التصديق بالحق والتكذيب بالباطل ، وهذا تحقيق لما أخبر به النبى عليه السلام عن ركوب هذه الأمة سنن من قبلها حذو القذة بالقذة . فإن أهل الكتابين لبسوا الحق بالباطل ، وهذا هو التبديل ٤٣٤ والتحريف الذي وقع فى دينهم؛ ولهذا يتغير الدين بالتبديل تارة ، وبالنسخ أخرى ، وهذا الدين لا ينسخ أبداً لكن يكون فيه من يدخل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل ، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفاً عن الرسل ، فينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون . فالكتب المنزلة من السماء ، والأثارة من العلم المأثورة عن خاتم الأنبياء ، يميز الله بها الحق من الباطل، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وبذلك يتبين أن هذه الأسماء على هذا العدد ، والترتيب والطبقات ليست حقاً فى كل زمان ، بل يجب القطع بأن هذا على عمومه وإطلاقه باطل ؛ فإن المؤمنين يقلون تارة ويكثرون أخرى ، ويقل فيهم السابقون المقربون تارة ، ويكثرون أخرى ، وينتقلون فى الأمكنة ، وليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل فيهم من السابقين المقربين لزوم مكان واحد فى جميع الأزمنة ، وليس من شرط أولياء الله أهل الإيمان والتقوى ومن يدخل فيهم من السابقين المقربين تعيين العدد . وقد بعث الله رسوله بالحق وآمن معه بمكة نفر قليل كانوا أقل من سبعة ، ثم أقل من أربعين ، ثم أقل من سبعين ، ثم أقل من ٤٣٥ ثلاثمائة فيعلم أنه لم يكن فيهم هذه الأعداد ، ومن الممتنع أن يكون ذلك فى الكفار ثم هاجر هو وأصحابه إلى المدينة ، وكانت هي دار الهجرة والسنة والنصرة ، ومستقر النبوة وموضع خلافة النبوة ، وبها انعقدت بيعة الخلفاء الراشدين ، أبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين ، وإن كان قد خرج منها بعد أن بويع فيها ؛ ومن الممتنع أنه قد كان بمكة فى زمنهم من يكون أفضل منهم . ثم إن الإسلام انتشر فى مشارق الأرض ومغاربها، وكان فى المؤمنين فى كل وقت من أولياء الله المتقين؛ بل من الصديقين السابقين المقربين عدد لا يحصى عدده إلا رب العالمين، لا يحصرون بثلاثمائة ولا بثلاثة آلاف ، ولما انقرضت القرون الثلاثة الفاضلة كان فى القرون الخالية من أولياء الله المتقين ؛ بل من السابقين المقربين من لا يعرف عدده ، وليسوا بمحصورين بعدد ولا محدودين بأمد ، وكل من جعل لهم عدداً محصوراً فهو من المبطلين عمداً أو خطأ ، فنسأله من كان القطب والثلاثة إلى سبعمائة ، فى زمن آدم ونوح وإبراهيم ، وقبل محمد عليهم الصلاة والسلام فى الفترة حين كان عامة الناس كفرة ؟! قال الله تعالى: ( إِنَّإِنْزَهِيوَ كَانَ أُمَّةً قَانِتَّا لِلِّ حَنِيفًا ) أي كان مؤمناً وحده وكان الناس كفاراً جميعا. وفى صحيح البخاري ((أنه قال لسارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك)) وقال الله تعالى: (هُوَالَّذِى ٤٣٦ بَعَثَ فِ آلْأُمِّعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِىِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) . وإن زعموا أنهم كانوا بعد رسولنا عليه السلام نسألهم فى أي زمان كانوا ؟ ومن أول هؤلاء ؟ وبأية آية ؟ وبأي حديث مشهور فى الكتب الستة؟ وبأي إجماع متواتر من القرون الثلاثة ثبت وجود هؤلاء بهذه الأعداد حتى نعتقده ؟ لأن العقائد لا تعتقد إلا من هذه الأدلة الثلاثة ، ومن البرهان العقلي (قُلْ هَا تُواْبُرْهَنَّكُمْإِنْ كُمْ صَدِقِينَ) فإن لم يأتوا بهذه الأدلة الأربعة الشرعية فهم الكاذبون بلا ريب ، فلا نعتقد أكاذيبهم . ويلزم منه أن يرزق الله سبحانه وتعالى الكفار وينصرم على عدوم بالذات بلا واسطة ، ويرزق المؤمنين وينصرم بواسطة المخلوقات ، والتعظيم فى عدم الواسطة، كروح الله، وناقة الله. تدبر ولا تتحير، واحفظ القاعدة حفظاً . ((فأما لفظ الغوث والغياث)) فلا يستحقه إلا الله فهو غياث المستغيثين ، فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره ، لا يملك مقرب ولا نبي مرسل . ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حواتجهم التى يطلبون بها ٤٣٧ كشف الضر عنهم ، ونزول الرحمة إلى الثلاثمائة، والثلاثمائة إلى السبعين والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة ، والأربعة إلى الغوث فهو كاذب ضال مشرك ، فقد كان المشركون كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُرُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ ) وقال سبحانه وتعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ ) . فكيف يكون المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعده بوسائط من الحجاب ؟ وهو القائل تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍّ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْبِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال إبراهيم عليه السلام داعياً لأهل مكة (زَّيَّنَا إِى أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىٌّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُالدُّعَلِّ ) . وقال النبى عليه السلام لأصحابه لما رفعوا أصواتهم بالذكر « أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا وإنما تدعون ٤٣٨ سميعا قريباً؛ إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته )) وهذا باب واسع . وقد علم المسلمون كلهم أنه لم يكن عامة المسلمين ولا مشايخهم المعروفون يرفعون إلى الله حوائجهم، لا ظاهراً ولا باطناً بهذه الوسائط والحجاب ، فتعالى الله عن تشبيهه بالمخلوقين من الملوك وسلّر ما يقوله الظالمون علواً كبيراً، وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لابد فى كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به ، ثم مع هذا يقولون إنه كان صباً دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة ، ولا يعرف له عين ولا أثر ، ولا يدرك له حس ولا خبر . وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم مضاهاة للرافضة من بعض الوجوه ؛ بل هذا الترتيب وإلإعداد تشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية ، والنصيرية ، ومحوم فى السابق والتالي والناطق ، والأساس والجسد (١) وغير ذلك من الترتيب ، الذي ما نزل الله به من سلطان . (١) نسخة والحد . ٤٣٩ ( وأما الأوناد ) فقد يوجد في كلام البعض أنه يقول : فلان من الأوتاد ، يعنى بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان ، والدین فی قلوب من يهديهم اللّه به، كما يثبت الأرض بأوتادها، وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء ، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان في جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة ، والجبال الكبيرة ، ومن كان بدونه كان بحسبه ، وليس ذلك محصوراً في أربعة ولا أقل ولا أكثر ، بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين فى أوناد الأرض . ( وأما القطب ) فيوجد أيضاً فى كلامهم فلان من الأقطاب ، أو فلان قطب ، فكل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا، باطنا أو ظاهراً ، فهو قطب ذلك الأمر ومداره ، سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه ، أو قريته أو مدينته ، أمر دينها أو دنياها ، باطناً أو ظاهراً، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر؛ لكن الممدوح من ذلك من كان مداراً لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا ؛ فهذا هو القطب في عرفهم ، فقد يتفق فى بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره ، وقد يتفق فى عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة فى الفضل عند الله سواء ، ولا يجب أن يكون فى كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقاً . ٤٤٠