النص المفهرس

صفحات 381-400

وسل
أيما أولى معالجة ما يكره الله من قلبك مثل: الحسد والحقد والغل
والكبر والرياء والسمعة ورؤية الأعمال وقسوة القلب . وغير ذلك .
مما يختص بالقلب من دونه ، وخبئه ؟ أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة:
من الصلاة والصيام وأنواع القربات : من النوافل والمنذورات مع وجود
تلك الأمور فى قلبه ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب - رحمه الله: الحمد لله - من ذلك ما هو عليه واجب:
وأن للأوجب فضل وزيادة . كما قال تعالى فيما يرويه عنه رسوله
صلى الله عليه وسلم ((ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه)).
ثم قال (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) والأعمال
الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب ، فإن القلب
ملك والأعضاء جنوده . فإذا خبث الملك خبئت جنوده ؛ ولهذا قال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح
الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )) وكذلك أعمال القلب لا بد
أن تؤثر فى عمل الجسد، وإذا كان المقدم هو الأوجب، [ سواء ] سمي
٣٨١

باطناً أو ظاهراً ، فقد يكون ما يسمى باطنا أوجب مثل ترك الحسد
والكبر فإنه أوجب عليه من نوافل الصيام ، وقد يكون ما سمي ظاهراً
أفضل : مثل قيام الليل ، فإنه أفضل من مجرد ترك بعض الخواطر التى
تخطر فى القلب من جنس الغبطة ونحوها ، وكل واحد من عمل الباطن
والظاهر يعين الآخر ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتورث
الخشوع ، ونحو ذلك من الآثار العظيمة : هي أفضل الأعمال والصدقة
والله أعلم .
٣٨٢

وسل
هل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((زدني فيك تحيراً ؟ ، وقال
بعض العارفين أول المعرفة الحيرة ، وآخرها الحيرة . قيل : من أين
تقع الحيرة ؟ قيل : من معنيين:
(أحدهما) كثرة اختلاف الأحوال عليه، والآخر شدة الشر، وحذر الإياس.
وقال الواسطي : نازلة تنزل بقلوب العارفين بين الإياس والطمح لا
تطمعهم فى الوصل فيستريحون ، ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون ،
وقال بعضهم : متى أصل إلى طريق الراجين، وأنا مقيم فى حيرة المتحيرين ؟.
وقال محمد بن الفضل العارف : كلما انتقل من حال إلى حال استقبلته
الدهشة والحيرة . وقال : أعرف الناس بالله أشدم فيه تحيراً وقال الجنيد :
انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة وقال ذو النون : غاية العارفين التحير .
وأنشد بعضهم :
يا دليلا لمن محير فيه
قد تحيرت فيك خذ بيدي
فبينوا لنا القول فى ذلك بياناً شافياً؟ .
٣٨٣

فأحاب :
(الحمد لله) هذا الكلام المذكور ((زدنى فيك تحيراً)) من
الأحاديث المكذوبة على النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يروه أحد
من أهل العلم بالحديث وإنما يرويه جاهل أو ملحد ؛ فإن هذا الكلام
يقتضى أنه كان حائراً ، وأنه سأل الزيادة فى الحيرة ، وكلاهما باطل ؛ فإن
الله هداه بما أوحاه إليه وعلمه مالم يكن يعلم، وأمره بسؤال الزيادة من
العلم بقوله : ( رَّبِّ رِدْنِ عِلْمًا ) وهذا يقتضى أنه كان عالماً، وأنه
أمر بطلب المزيد من العلم ، ولذلك أمر هو والمؤمنون بطلب الهداية
فى قوله: (أَهْدِنَا الصِرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وقد قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَهْدِىّ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فمن يهدي الخلق كيف يكون حائراً. واللّه قد ذم
الحيرة فى القرآن فى قوله: ( قُلْ أَنَدْعُوْمِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُنَا
وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَ مِنَا ◌َللَّهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِ اَلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبُ
يَدْعُونَهُ:ٍ إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ اَلْهُدَى ).
وفى الجملة فالحيرة من جنس الجهل والضلال، ومحمد صلى الله عليه وسلم
أكمل الخلق علماً بالله وبأمره ، وأكمل الخلق اهتداء فى نفسه ، وهديا
لغيره ، وأبعد الخلق عن الجهل والضلال . قال تعالى (وَالنَّجْمِ إِذَا
وقال تعالى :
هَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىّ)
٣٨٤

(كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ
(وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ
وقال تعالى :
اٌلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )
( فَهَدَى اللَّهُ
لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ ) ــ إلى قوله -
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْفِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
( أَتَّقُواْ اللَّهَ
فالله قد هدى المؤمنين به ، وقال تعالى :
وَءَامِنُواْبِرَسُولِهِ - يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ
فقد كفل الله لمن آمن به أن يجعل له
غَفُورٌ تَحِيمٌ )
نوراً يمشى به . كما قال تعالى: (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا
يَمْشِى بِهِ فِىِ النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) وقال تعالى:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَاكُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِنَبُ وَلَ الْإِيمَنُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا
تَهْدِى بِهِ، مَن نَّشَلَهُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ ) ومثل هذا كثير
فى القرآن والحديث .
ولم يمدح الحيرة أحد من أهل العلم والإيمان ، ولكن مدحها طائفة
من الملاحدة: كصاحب ((الفصوص)) ابن عربي وأمثاله من الملاحدة ،
الذين م حيارى ، فمدحوا الحيرة وجعلوها أفضل من الاستقامة ،
وادعوا أنهم أكمل الخلق، وأن خاتم الأولياء منهم يكون أفضل في العلم
بالله من خاتم الأنبياء ، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله منهم ، وكانوا فى
٣٨٥

ذلك . كما يقال فيمن قال: غير عليهم السقف من تحتهم لا عقل
ولا قرآن ، فإن الأنبياء أقدم ، فكيف يستفيد المتقدم من المتأخر ،
وم عند المسلمين واليهود والنصارى [ليسوا] أفضل من الأنبياء، خرج هؤلاء
عن العقل والدين : دين المسلمين واليهود والنصارى . وهؤلاء قد بسطنا
الرد عليهم في غير هذا الموضع .
ولهم فى ((وحدة الوجود والحلول والاتحاد )) كلام من شر كلام
أهل الإلحاد ، وأما غير هؤلاء من الشيوخ الذين يذكرون الحيرة :
فإن كان الرجل منهم يخبر عن حيرته ، فهذا لا يقتضى مدح الحيرة ؛
بل الحائر مأمور بطلب الهدى ، كما نقل عن الإمام أحمد أنه علم رجلا
أن يدعو يقول : يا دليل الحائرين دلنى على طريق الصادقين ، واجعلنى
من عبادك الصالحين .
فأما الذي قال : أول المعرفة الحيرة ، وآخرها الحيرة . فقد يريد
بذلك معنى صحيحا مثل أن يريد أن الطالب السالك يكون حائراً قبل حصول
المعرفة والهدى ، فإن كل طالب للعلم والهدى هو قبل حصول مطلوبه
فى نوع من الحيرة ، وقوله آخرها الحيرة قد يراد به أنه لا يزال
طالب الهدى والعلم فهو بالنسبة إلى ما لم يصل إليه حاراً ، وليس فى
ذلك مدح الحيرة ، ولكن يراد به أنه لا بد أن يعترى الإنسان نوع من
الحيرة التى يحتاج معها إلى العلم والهدى .
٣٨٦

وقوله : والحيرة من معنيين:
((أحدهما)). كثرة اختلاف الأحوال، و((الآخر)) شدة الشر، وحذر
الإياس - إخبار عن سلوك معين ؛ فإنه ليس كل سالك يعتريه هذا ،
ولكن من السالكين من يختلف عليه الأحوال ، حتى لا يدري ما يقبل
وما يرد وما يفعل وما يترك، والواجب على من كان كذلك دوام الدعاء
لله سبحانه وتعالى ، والتضرع إليه والاستهداء بالكتاب والسنة .
وكذلك بشدة الشر وحذر الإياس ، فإن فى السالكين من يبتلى
بأمور من المخالفات يخاف معها أن يصير إلى اليأس من رحمة الله ،
لقوة خوفه وكثرة المخالفة عند نفسه ، ومثل هذا ينبغي أن يعلم سعة رحمة
الله ، وقبول التوبة من عباده وفرحه بذلك .
وقول الآخر : نازلة تنزل بقلوب العارفين بين اليأس والطمع ،
فلا تطمعهم فى الوصول فيستريحون، ولا تؤيسهم عن الطلب فيستريحون
فيقال : هذا أيضاً حال عارض لبعض السالكين ، ليس هذا أمراً
لازماً لكل من سلك طريق اللّه، ولا هو أيضاً غابة محمودة))
ولكن بعض السالكين يعرض له هذا . كما يذكر عن الشبلي أنه كان
ينشد في هذا المعنى :
٣٨٧

أضاءت لنا برقا وأبطا رشاشها
أظلت علينا منك يوماً سحابة
فلا غیمها يجلو فييأس طامع ولا غینها یأتی فیروی عطاشها
وصاحب هذا الكلام إلى أن يعفو الله عنه ويغفر له مثل هذا
الكلام أحوج منه إلى أن يمدح عليه أو يقتدى به فيه ، ومثل هذا
كثير قد تكلمنا عليه فى غير هذا الموضع ؛ لما تكلمنا على ما يعرض
لطائفة من كلام فيه معاتبة لجانب الربوبية ، وإقامة حجة عليه بالمجنون
المتحير ، وإقامة عذر المحب ، وأمور تشبه هذا . قد تحيز من قال
بموجبها إلى الكفر والإلحاد ؛ إذ الواجب الإقرار اللّه بفضله وجوده
وإحسانه، وللنفس بالتقصير والذنب. كما فى الحديث الصحيح ((سيد
الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوه
لك بنعمتك علي وأبوء بذنى فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ،
من قالها إذا أصبح موقناً بها فمات من يومه دخل الجنة ، ومن قالها إذا
أمسى موقناً بها فمات من ليلته دخل الجنة))
وفى الحديث الصحيح الإلهي: ((يقول الله تعالى: يا عبادي إنما
هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله
ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » وفى الحديث الصحيح
٣٨٨

((يقول الله: من تقرب إليّ شبراً تقربت منه ذراعا. ومن تقرب إلي
ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)» وفي الحديث الصحيح
((أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرنى)) وقد ثبت: أن الله
تعالى كل نعمة منه فضل ، وكل نقمة منه عدل ، وقد ثبت من حكمته
ورحمته وعدله ما يبهر العقول ؛ لأن هذه المسألة تتعلق بأصول كبار من
مسائل ((القدر)) و((الأمر)) و((الوعد)) و((الوعيد)). و((الأسماء
والصفات)) قد بسط الكلام عليها فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا : الكلام على ما ذكر عن هؤلاء الشيوخ ، فقول
القائل : لا تطمعهم فى الوصول فيستريحون ، ولا تؤيسهم عن الطلب
فيستريحون . هي حال عارض لشخص قد تعلقت همته بمطلوب معين
وهو يتردد فيه بين اليأس والطمع ، وهذا حال مذموم ؟ لأن العبد
لا ينبغي له أن يقترح على الله شيئاً معيناً؛ بل تكون همته فعل المأمور،
وترك المحظور ، والصبر على المقدور . فمتى أعين على هذه الثلاثة جاء
بعد ذلك من المطالب : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
قلب بشر . ولو تعلقت همته بمطلوب فدعا الله به فإن الله يعطيه إحدى
خصال ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له من الخير
مثلها ، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها .
ولفظ «الوصول)) لفظ مجمل ؛ فإنه ما من سالك إلا وله غاية
٣٨٩

يصل إليها . وإذا قيل: وصل إلى اللّه، أو إلى توحيده أو معرفته أو نحو
ذلك . ففي ذلك من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة ما لا يحصيه إلا
الله تعالى .
ويأس الإنسان أن يصل إلى ما يحبه الله ويرضاه من معرفته وتوحيده
كبيرة من الكبائر؛ بل عليه أن يرجو ذلك ويطمع فيه . لكن من رجا
شيئاً طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه، وإذا اجتهد واستعان بالله
تعالى ولازم الاستغفار والاجتهاد فلا بد أن يؤتيه الله من فضله ما لم
يخطر ببال، وإذا رأى أنه لا ينشرح صدره ولا يحصل له حلاوة
الإيمان ونور الهداية فليكثر التوبة والاستغفار وليلازم الاجتهاد بحسب
الإمكان، فإن الله يقول: ( وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) وعليه
بإقامة الفرائض ظاهراً وباطناً؛ ولزوم الصراط المستقيم مستعيناً بالله ؛
متبرئاً من الحول والقوة إلا به .
ففى الجملة ليس لأحد أن ييأس ؛ بل عليه أن يرجو رحمة الله كما
أنه ليس له أن لا ييأس ؛ بل عليه أن يخاف عذابه . قال تعالى :
(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ.
وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) .
قال بعضهم :
من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ، ومن عبده بالخوف وحده فهو
٣٩٠

حروري ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ ، ومن عبده بالحب
والرجاء والخوف فهو مؤمن موحد .
وأما قول القائل : متى أصل إلى طريق الراجين ؟ وأنا مقيم فى
حيرة المتحيرين ؛ فهذا إخبار منه عن حال مذموم هو فيها ، كما يخبر
الرجل عن نقص إيمانه ، وضعف عرفانه ، وريب فى بقينه ؛
وليس مثل هذا مما يطلب ؛ بل هو مما يستعاذ بالله منه.
وأما قول محمد بن الفضل : إنه قال : العارف كما انتقل من حال
إلى حال استقبلته الدهشة والحيرة . فهذا قد يراد به أنه كلما انتقل إلى
مقام من المعرفة واليقين حصل له تشوق إلى مقام لم يصل إليه من
المعرفة ؛ فهو حائر بالنسبة إلى ما لم يصل إليه دون ما وصل إليه .
وقوله : أعرف الناس بالله أشدم فيه تحيراً ؛ أي أطلبهم لزيادة
العلم والمعرفة ؛ فإن كثرة علمه ومعرفته توجب له الشعور بأمور لم يعرفها
بعد ؛ بل هو حائر فيها طالب لمعرفتها والعلم بها ، ولا ريب أن أعلم
الخلق بالله قد قال: ((لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك))
والخلق ما أوتوا من العلم إلا قليلاً .
وما نقل عن ((الجنيد)) أنه قال: إنتهى عقل العقلاء إلى الحيرة؛
٣٩١

فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد. وفيه نظر هل قاله ؟! ولعل الأشبه أنه
ليس من كلامه المعهود ؛ فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم
يصل إليه ؛ لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة
وهدى وعلم ؛ فان الجنيد أجل من أن يريد هذا ، وهذا الكلام
مردود على من قاله . لكن إذا قيل : إن أهل المعرفة مها حصلوا من
المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها فهذا صحيح . كما فى
الحديث الذي رواه الإمام أحمد فى المسند ، وأبو حاتم فى صحيحه:
((اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أزلته فى
كتابك أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به فى علم الغيب
عندك ، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري ، وجلاء حزني وذهاب
همي وغمي)) قال: (( من قال هذا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه
فرحا )، فقد أخبر أن الله أسماء استأثر بها فى علم الغيب عنده وهذه
لا يعلمها ملك ولا بشر .
فإذا أراد المريد أن عقول العقلاء لم تصل إلى معرفة مثل هذه
الأمور فهذا صحيح وأما إذا أراد أن العقلاء ليس عندهم علم ولا يقين
بل حيرة وريب ، فهذا باطل قطعاً .
وما ذكر عن «ذي النون )» فى هذا الباب مع أن ذا النون
قد وقع منه كلام أنكر عليه ، وعزره الحارث بن مسكين ، وطلبه
٣٩٢

المتوكل إلى بغداد واتهم بالزندقة ، وجعله الناس من الفلاسفة ، فما
أدري هل قال هذا أم لا ؟ بخلاف الجنيد فإن الاستقامة والمتابعة غالبة
عليه ، وإن كان كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وما ثم معصوم من الخطأ غير الرسول ؛ لكن الشيوخ
الذين عرف صحة طريقتهم على أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده بالضرورة
من العقل والدين .
وهذا قدر ما احتملته هذه الورقة . والله أعلم .
٣٩٣

سئل
عن رجل يحب رجلاً عالماً . فإذا التقيا ثم افترقا حصل لذلك
الرجل شبه الغشي من أجل الافتراق . وإذا كان الرجل العالم مشغولاً
بحيث لا يلتفت إليه لم يحصل له هذا الحال . فهل هذا من الرجل
المحب ؟. أم هو تأثير الرجل العالم ؟
فأجاب : -
الحمد لله، سببه من هذا ومن هذا، مثل الماء إذا شربه العطشان
حصل له لذة وطيب ، وسبيها عطشه وبرد الماء، وكذلك النار إذا وقعت
فى القطن سببه منها ، ومن القطن . والعالم المقبل على الطالب يحصل
له لذة وطيب وسرور بسبب إقبال هذا وتوجهه ، وهذا حال المحب
مع المحبوب ، والله أعلم .
٣٩٤

سئل
ما الحكمة فى أن المشتغلين بالذكر والفكر والرياضة ومجاهدة النفس
وما أشبهه يفتح عليهم من الكشوفات والكرامات وما سوى ذلك من
الأحوال - مع قلة علمهم، وجهل بعضهم - ما لا يفتح على
المشتغلين بالعلم ودرسه ؟. والبحث عنه ؟ حتى لو بات الإنسان متوجها
مشتغلا بالذكر والحضور لا بد أن يرى واقعة أو يفتح عليه شيء ، ولو
بات ليلة يكرر على باب من أبواب الفقه لا يجد ذلك ، حتى إن كثيراً
من المتعبدين يجد للذكر حلاوة ولذة ، ولا يجد ذلك عند قراءة
القرآن ، مع أنه قد وردت السنة بتفضيل العالم على العابد، لاسيما إذا
كان العابد محتاجا إلى علم هو مشتغل به عن العبادة .
ففي الحديث (( إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما
يصنع ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل
القمر على سائر الكواكب » وفى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين:
ادخلوا الجنة، فيقول العلماء بفضل علمنا عبدوا وجاهدوا، فيقول الله عز وجل
٣٩٥

لهم: أنتم عندي كملاتكتى،اشفعوا فيشفعون. ثم يدخلون الجنة)) وغير ذلك
من الأحاديث والآثار .
ثم إن كثيراً من المتعبدين يؤثر العبادة على طلب العلم ، مع جهله
بما يبطل كثيراً من عبادته، كنواقض الوضوء ، أو مبطلات الصلاة
والصوم، وربما يحكي بعضهم حكاية فى هذا المعنى: بأن ((رابعة العدوية))
- رحمها الله - أتت ليلة بالقدس تصلي حتى الصباح، وإلى جانبها بيت فيه
فقيه يكرر على باب الحيض إلى الصباح ، فلما أصبحت رابعة قالت له :
يا هذا ! وصل الواصلون إلى ربهم ، وأنت مشتغل بحيض النساء . أو
نحوها ، فما المانع أن يحصل للمشتغلين بالعلم ما يحصل للمشتغلين بالعبادة
مع فضله عليه ؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. لاريب أن الذي أوتى العلم
والإيمان أرفع درجة من الذين أوتوا الإيمان فقط، كما دل على ذلك
الكتاب والسنة ، والعلم الممدوح الذى دل عليه الكتاب والسنة هو
العلم الذي ورثته الأنبياء . كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((إن العلماء ورثة الأنبياء؛ إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا ديناراً ،
وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ».
وهذا العلم ثلاثة أقسام ،
٣٩٦

((علم باللّه وأسمائه وصفاته))، وما يتبع ذلك، وفى مثله أنزل الله
سورة الإخلاص ، وآية الكرسي ، ونحوهما .
و ((القسم الثانى)): العلم بما أخبر الله به، مما كان من الأمور
الماضية ، وما يكون من الأمور المستقبلة ، وما هو كان من الأمور
الحاضرة ، وفي مثل هذا أنزل الله آيات القصص، والوعد ، والوعيد ،
وصفة الجنة والنار ، ونحو ذلك .
و ((القسم الثالث)): العلم بما أمر الله به من الأمور المتعلقة
بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها وأقوال
الجوارح وأعمالها وهذا العلم يندرج فيه العلم بأصول الإيمان وقواعد
الإسلام ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة ، وهذا العلم يندرج
فيه ما وجد فى كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة ، فإن
ذلك جزء من جزء من جزء من علم الدين كما أن المكاشفات التى تكون لأهل
الصفا جزء من جزء من جزء من علم الأمور الكونية .
والناس إنما يغلطون فى هذه المسائل ؛ لأنهم يفهمون مسميات
الأسماء الواردة فى الكتاب والسنة ، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة
قرب رجل يحفظ حروف العلم التى أعظمها حفظ حروف القرآن ولا
يكون له من الفهم ؛ بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أوتى
٣٩٧

القرآن ولم يؤت حفظ حروف العلم، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى
الحديث المتفق عليه (( مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها
طيب وريحها طيب . ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن : مثل التمرة
طعمها طيب ولا ريح لها . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن : كمثل
الريحانة ريحها طيب وطعمها مر . ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن
مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها )) .
فقد يكون الرجل حافظاً لحروف القرآن وسوره ، ولا يكون مؤمناً
بل يكون منافقاً . فالمؤمن الذي لا يحفظ حروفه وسوره خير منه .
وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان . وأما الذي
أوتى العلم والإيمان فهو مؤمن عليم ، فهو أفضل من المؤمن الذي
ليس مثله فى العلم مثل اشتراكهما فى الإيمان ؛ فهذا أصل تجب معرفته .
وههنا (( أصل آخر)): وهو أنه ليس كل عمل أورث كشوفاً
أو تصرفاً فى الكون يكون أفضل من العمل الذي لا يورث كشفاً
وتصرفاً ؛ فإن الكشف والتصرف إن لم يكن مما يستعان به على دين
اللّه وإلا كان من متاع الحياة الدنيا. وقد يحصل ذلك للكفار من المشركين
وأهل الكتاب ؛ وإن لم يحصل لأهل الإيمان الذين م أهل الجنة ؛
وأولئك أصحاب النار .
٣٩٨

ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تتلقى من مثل هذا ؛ وإنما تتلقى من
دلالة الكتاب والسنة ؛ ولهذا كان كثير من الأعمال يحصل لصاحبه
فى الدنيا رئاسة ومال ، فأكرم الخلق عند الله أتقام. ومن عبد الله
بغير علم فقد أفسد أكثر مما يصلح، وإن حصل له كشف وتصرف ؛
وإن اقتدى به خلق كثير من العامة ؛ وقد بسطنا الكلام في هذا
الباب فى مواضعه؛ فهذا ((أصل ثان)).
و (( أصل ثالث)) أن تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقاً
مثل تفضيل أصل الدين على فرعه ، وقد يكون مقيداً . فقد يكون
أحد العملين فى حق زيد أفضل من الآخر ، والآخر فى حق عمرو
أفضل ، وقد يكونان متماثلين فى حق الشخص ، وقد يكون المفضول
فى وقت أفضل من الفاضل ؛ وقد يكون المفضول فى حق من يقدر
عليه وينتفع به أفضل من الفاضل فى حق من ليس كذلك .
مثال ذلك أن قراءة القرآن أفضل من مجرد الذكر بسنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الأمة ــ ولا اعتبار من يخالف ذلك من
جهال العباد - ثم الركوع والسجود ينهى فيه عن قراءة القرآن، ويؤمر
فيه بالذكر ، وكذلك الذكر والدعاء فى الطواف وعرفة ونحوهما ،
أفضل من قراءة القرآن ، وكذلك الأذكار المشروعة : مثل ما يقال
عند سماع النداء ودخول المسجد والمنزل والخروج منها ، وعند سماع
٣٩٩

الديكة والحمر ونحو ذلك أفضل من قراءة القرآن في هذا الموطن ،
وأيضاً فأكثر السالكين إذا قرأوا القرآن لا يفهمونه . وم بعد لم
يذوقوا حلاوة الإيمان الذي يزيدم بها القرآن إيماناً ، فإذا أقبلوا على
الذكر أعطام الذكر من الإيمان ما يجدون حلاوته ولذته، فيكون الذكر أنفع
لهم حينئذ من قراءة لا يفهمونها ، ولا معهم من الإيمان ما يزداد بقراءة
القرآن أما إذا أوفي الرجل الإيمان فالقرآن يزيده من الإيمان ما لا
يحصل بمجرد الذكر، فهذا (( أصل ثالث))
و «أصل رابع)): وهو أن الرجل قد يأتى بالعمل الفاضل من
غير قيام بشروطه ، ولا إخلاص فيه ، فيكون بتفويت شرائطه دون
من أتى بالمفضول المكمل .
فهذه الأصول ونحوها تبين جواب هذا السائل ، وإن كان تفصيل
ذلك لا تتسع له الورقة والله أعلم .
٤٠٠