النص المفهرس
صفحات 361-380
فلم يفتقر إلى غيره ، ولم يخرج شيء عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد ، وهذا قول عامة القدرية ونهاية الكمال والعزة . وأما الإمكان لو افتقر وجوده إلى فرح غيره ، وأما الحدوث فينى على قيام الصفات فيلزم منه حدوثه ، وقد ذكر فى غير هذا الموضع أن ما سلكه الجهمية فى نفى الصفات فمبناه على القياس الفاسد المحض وله شرح مذكور فى غير هذا الموضع . ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها فى غاية الإحكام والإتقان وأنها مشتملة على التقديس لله عن كل نقص، والإثبات لكل كمال ، وأنه تعالى ليس له كمال ينتظر بحيث يكون قبله ناقصاً ؛ بل من الكمال أنه يفعل ما يفعله بعد أن لم يكن فاعله ، وأنه إذا كان كاملاً بذاته وصفاته وأفعاله لم يكن كاملاً بغيره ولا مفتقراً إلى سواه ، بل هو الغني ونحن الفقراء، وقال تعالى (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَتَكْتُبُ مَاقَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) وهو سبحانه في محبته ورضاه ومقته وسخطه وفرحه وأسفه وصبره وعفوه ورأفته له الكمال الذي لا تدركه الخلائق وفوق الكمال ، إذ كل كمال فمن كماله يستفاد ، وله الثناء الحسن الذي لا يحصيه العباد ، وإنما هو كما أثنى على نفسه، له الغنى الذي لا يفتقر إلى سواه، ( إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَنُهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّا * وَكُلُّهُمْءَ اتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ). ٣٦١ فهذا الأصل العظيم وهو مسألة خلقه وأمره وما يتصل به من صفاته وأفعاله من محبته ورضاه وفرحه بالمحبوب وبغضه وصبره على مايؤذيه هي متعلقة بمسائل القدر ومسائل الشريعة . والمنهاج الذي هو المسئول عنه ومسائل الصفات ومسائل الثواب والعقاب والوعد والوعيد ، وهذه الأصول الأربعة كلية جامعة وهي متعلقة به وبخلقه . وهي في عمومها وشمولها وكشفها للشبهات تشبه مسألة الصفات الذاتية والفعلية ، ومسألة الذات والحقيقة والحد وما يتصل بذلك من مسائل الصفات والكلام فى حلول الحوادث ونفي الجسم وما فى ذلك من تفصيل وتحقيق . فإن المعطلة والملحدة فى أسمائه وآياته كذبوا بحق كثير جاءت به الرسل بناء على ما اعتقدوه من نفي الجسم والعرض ونفي حلول الحوادث ونفي الحاجة . وهذه الأشياء يصح نفيها باعتبار ولكن ثبوتها يصح باعتبار آخر ، فوقعوا فى نفي الحق الذي لا ريب فيه الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وفطرت عليه الخلائق ودلت عليه الدلائل السمعية والعقلية والله أعلى . ٣٦٢ قال شيخ الإسلام قدس اللهروحه فصل تكلم طائفة من الصوفية فى (( خاتم الأولياء))، وعظموا أمره كالحكيم الترمذي ، وهو من غلطاته ؛ فإن الغالب على كلامه الصحة بخلاف ابن عربي، فإنه كثير التخليط، لاسيما فى الاتحاد . - وابن عربي وغيرهم ، وادعى جماعة كل واحد أنه هو ، كابن عربى ، وربما قيده بأنه ختم الولاية المحمدية ، أو الكاملة ، أو نحو ذلك ؛ لئلا يلزمه ألّا يخلق بعده للّه ولي ، وربما غلوا فيه، كما فعل ابن عربى فى فصوصه فجعلوه ◌ُمِدا فى الباطن لخاتم الأنبياء ، تبعاً لغلوم الباطل ، حيث قد يجعلون الولاية فوق النبوة ، موافقة لغلاة المتفلسفة الذين قد يجعلون الفيلسوف الكامل فوق النبى. وكذلك جهال القدرية ، والأحمدية، واليونسية، قد بفضلون شيخهم ٣٦٣ على النبى ، أو غيره من الأنبياء ، وربما ادعوا فى شيخهم نوعاً من الإلهية . وكذلك طائفة من السعدية : يفضلون الولي على النبى. وقال بعضهم يقلد الشافعي ولا يقلد أبو بكر وعمر ، وكذلك غالية الرافضة ، الذين قد يجعلون الإمام كان ممدا للنبى فى الباطن ، كما قد يجعلونه إلهاً . فأما الغلوفى ولي غير النبى حتى يفضل على النبى ، سواء سمى ولياً أو إماما، أو فيلسوفاً، وانتظارهم للمنتظر الذي هو: محمد بن الحسن. أو اسماعيل ابن جعفر ، نظير ارتباط الصوفية على الغوث ، وعلى خاتم الأولياء ، فبطلانه ظاهر بما على من نصوص الكتاب والسنة ، وما عليه إجماع الأمة فإن الله جعل الذين أنعم عليهم أربعة: النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين ، فغاية من بعد النبى أن يكون صديقا ، كما كان خير هذه الأمة بعد نبيها صديقا؛ ولهذا كانت غاية مريم ذلك فى قوله: (مَالْمَسِيحُ . ( أَبْربُ مَرْيَمَ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ وبهذا استدللت على ما ذكره طائفة : كالقاضي أبى يعلي ، وغيره من أصحابنا ، وأبى المعالي ، وأظن الباقلاني من الإجماع على أنها لم تكن نبية ليقرروا كرامات الأولياء ، بما جرى على يديها ، فإن بعض الناس زعم أنها كانت نبية، فاستدللت بهذه الآية، ففرح مخاطبى بهذه الحجة؛ فإن الله ذكر ذلك فى بيان غاية فضلها، دفعا لغلو النصارى فيها؛ كما ٣٦٤ يقال لمن ادعى فى رجل أنه ملك من الملوك ؛ أو غنى من الأغنياء ونحو ذلك ، فيقال : ما هو إلا رئيس قرية ، أو صاحب بستان ، فيذكر غاية ماله من الرئاسة والمال، فلو كان للمسيح مرتبة فوق الرسالة أولها مرتبة فوق الصديقية لذكرت . ولهذا كان أصل الغلو فى النصارى، ويشابههم فى بعضه غالية المتصوفة والشيعة ، ومن انضم إليهم من الصابئة المتفلسفة ، فالرد عليهم من جهة واحدة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في أبى بكر وعمر: ((هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ، إلا النبيين والمرسلين)» فهذه المسألة لشرحها موضع غير هذا وهي أن كل من سوى الأنبياء دونهم . وإنما الكلام هنا فيما يذكرونه من خاتم الأولياء ، فنقول : هذه تسمية باطلة ، لا أصل لها فى كتاب ولا سنة ولا كلام مأثور عمن هو مقبول عند الأمة قبولا عاما ؛ لكن يعلم من حيث الجملة أن آخر من بقي من المؤمنين المتقين فى العالم فهو آخر أولياء الله. ونقول ثانيا: إن آخر الأولياء، أو خاتمهم، سواء كان المحقق ، أو فرض مقدر. ليس يجب أن يكون أفضل من غيره من الأولياء، فضلاً عن أن يكون أفضلهم، وإنما نشأ هذا من مجرد القياس على خاتم الأنبياء. لما رأوا خاتم الأنبياء هو سيدهم. توهموا من ذلك قياسا بمجرد الاشتراك فى لفظ خاتم. فقالوا: خاتم ٣٦٥ الأولياء أفضلهم . وهذا خطأ فى الاستدلال ؛ فإن فضل خاتم الأنبياء عليهم لم يكن لمجرد كونه خاتماً . بل لأدلة أخرى دلت على ذلك . ثم نقول: بل أول الأولياء فى هذه الأمة ، وسابقهم هو أفضلهم فإن أفضل الأمة خاتم الأنبياء . وأفضل الأولياء سابقهم إلى خاتم الأنبياء ؛ وذلك لأن الولي مستفيد من النبى وتابع له. فكلما قرب [ من النبى كان أفضل ] وكلما بعد عنه كان بالعكس . بخلاف خاتم الأنبياء فإن استفادته إنما هي من اللّه. فليس فى تأخره زمانا ما يوجب تأخر مرتبته . بل قد يجمع الله له ما فرقه فى غيره من الأنبياء ، فهذا الأمر الذي ذكرناه من أن السابقين من الأولياء م خيرم . هو الذي دل عليه الكتاب والسنن المتواترة وإجماع السلف ، ويتصل بهذا ظن طوائف أن من المتأخرين من قد يكون أفضل من أفاضل الصحابة ، ويوجد هذا فى المنتسبين إلى العلم، وإلى العبادة ، وإلى الجهاد ، والإمارة . والملك. حتى فى المتفقهة من قال : أبو حنيفة افقه من علي . وقال بعضهم يقلد الشافعي ولا يقلد أبو بكر وعمر . ويتمسكون تارة بشبه عقلية ، أو ذوقية ، من جهة أن متأخري كل فن يحكمونه أكثر من المتقدمين . فإنهم يستفيدون علوم الأولين مع العلوم التى اختصوا بها، كما هو موجود فى أهل الحساب ، والطبائعيين والمنجمين وغيرهم . ٣٦٦ ومن جهة الذوق ، وهو ما وجدوه لأواخر الصالحين ، من المشاهدات العرفانية ، والكرامات الخارقة ، مالم ينقل مثله عن السلف، وتارة يستدلون بشبه نقلية مثل قوله: ((للعامل منهم أجر خمسين منكم)) وقوله: (( أمتى كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره )»؟ وهذا خلاف السنن المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود ، وعمران بن حصين و(١) مما هو فى الصحيحين ، أو أحدهما، من قوله: (( خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم )) وقوله: (( والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً : مابلغ مد أحدهم ولا نصيفه » وغير ذلك من الأحاديث . وخلاف إجماع السلف: كقول ابن مسعود: ((إن الله نظر فى فى قلوب العباد: فوجد قلب محمد خير قلوب العباد ، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد )» وقول حذيفة (( يامعشر القراء استقيموا . وخذوا سبيل من كان قبلكم ، فوالله لئن اتبعتموم لقد سبقتم سبقا بعيداً)، ولئن أخذتم يمينا وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً وقول ابن مسعود: ((من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ، أبر هذه الأمة قلوبا (١) بياض بالأصل . ٣٦٧ وأعمقها علما ، وأقلها تكلفاً ، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم ، وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم » وقول جندب وغيره مما هو كثير مكتوب في غير هذا الموضع ، بل خلاف نصوص القرآن في مثل قوله: (وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ ) الآية . الآية . وقوله: (لَيَسْتَوِى مِنكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَقَتَلَ ) وقوله : ( وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ ) الآية ، وغير ذلك ؛ فإنه لم يكن الغرض بهذا الموضع هذه المسئلة ، وإنما الغرض : الكلام على خاتم الأولياء . ومما يشبه هذا ظن طائفة كابن هود ، وابن سبعين، والنفري والتلمساني : أن الشيء المتأخر ينبغي أن يكون أفضل من المتقدم ؛ لاعتقادهم أن العالم منقل من الابتداء إلى الانتهاء ، كالصبي الذي يكبر بعد صغره ، والنبات الذي ينمو بعد ضعفه، ويبنون على ذلك أن المسيح أفضل من موسى ، ويبعدون ذلك إلى أن يجعلوا بعد محمد واحدا من البشر أكمل منه ، كما تقوله الإسماعيلية، والقرامطة ، والباطنية . فليس على هذا دليل أصلا : أن كل من تأخر زمانه من نوع ، يكون أفضل ذلك النوع ، فلا هو مطرد ولا منعكس . بل إبراهيم الخليل قد ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنه خير البرية )) أي بعد النبي، وكذلك قال الربيع بن خيثم: (( لا أفضل على نبينا أحداً ، ٣٦٨ ولا أفضل على إبراهيم بعد نبينا أحداً وبعده جميع الأنبياء المتبعين لملته مثل موسى وعيسى وغيرهما )) وكذلك أنبياء بني إسرائيل كلهم بعد موسى ، وقد أجمع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى : على أن موسى أفضل من غيره من أنبياء بني إسرائيل ، إلا ما يتنازعون فيه من المسيح . والقرآن قد شهد فى آيتين لأولي العزم فقال في قوله : (وَإِذْ أَخَذْ نَا مِنَالنَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوعِ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَهَ) وقال: ( شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِهِإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) فهؤلاء الخمسة أولوا العزم ، وهم الذين قد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحاح : أنهم يترادون الشفاعة فى أهل الموقف بعد آهم ، فيجب تفضيلهم على بنيهم ، وفيه تفضيل لمتقدم على متأخر ، ولمتأخر على متقدم . وأصل الغلط فى هذا الباب : أن تفضيل الأنبياء ، أو الأولياء أو العلماء أو الأمراء بالتقدم فى الزمان ، أو التأخر أصل باطل ، فتارة يكون الفضل فى متقدم النوع ، وتارة فى متأخر النوع ؛ ولهذا يوجد فى أهل النحو ، والطب والحساب ما يفضل فيه المتقدم كبطليموس ، وسيبويه، وبقراط وتارة بالعكس . ٣٦٩ وأما توهمهم أن متأخري كل فن أحذق من متقدميه ؛ لأنهم كملوه، فهذا منتقض أولا : ليس بمطرد، فإن كتاب سيبويه فى العربية لم يصنف بعده مثله ، بل وكتاب بطليموس ، بل نصوص بقراط لم يصنف بعدها أكمل منها. ثم نقول هذا قد بسلم فى الفنون التى تنال : بالقياس، والرأي والحيلة . أما الفضائل المتعلقة باتباع الأنبياء فكل من كان إلى الأنبياء أقرب مع كمال فطرته : كان تلقيه عنهم أعظم ، وما يحسن فيه هو من الفضائل الدينية ، المأخوذة عن الأنبياء ؛ ولهذا كان من يخالف ذلك هو من المبتدعة ، الخارج عن سنن الأنبياء ، المعتقد أن له نصيباً من العلوم والأحوال خارجاً عن طور الأنبياء . فكل من كان بالنبوة وقدرها أعظم : كان رسوخه في هذه المسألة أشد . وأما الأذواق والكرامات فمنها ما هو باطل ، والحق منه كان السلف أكمل ، وأفضل بلا شك ، وخرق العادة : تارة يكون لحاجة العبد إلى ذلك ، وقد يكون أفضل منه لا تخرق له تلك العادة ، فإن خرقها له سبب، وله غاية ، فالكامل قد يرتقى عن ذلك السبب، وقد لا يحتاج إلى تلك الغاية المقصودة بها ، ومع هذا فما للمتأخرين كرامة إلا وللسلف من نوعها ما هو أكمل منها . ٣٧٠ وأما قوله: ((لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون على الخير أعواناً)) فهذا صحيح ، إذا عمل الواحد من المتأخرين ، مثل عمل عمله بعض المتقدمين كان له أجر خمسين ؛ لكن لا يتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل بعض أكبر السابقين : كأبي بكر وعمر ، فإنه ما بقى يبعث نى مثل محمد ، يعمل معه مثلما عملوا مع محمد صلى الله عليه وسلم . وأما قوله: ((أمتى كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره )) مع أن فيه لينا فمعناه : في المتأخرين من يشبه المتقدمين ، ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة ، لا يدرى الذي ينظر إليه ، أهذا خير أم هذا؟ وإن كان أحدهما فى نفس الأمر خيراً . فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين، كما جاء فى الحديث الآخر: (( خير أمتى أولها وآخرها . وبين ذلك ثبج أو عوج . وددت أني رأيت إخوانى قالوا : أولسنا إخوانك ؟ قال: أنتم أصحابى )) هو تفضيل للصحابة ، فإن لهم خصوصية الصحبة التى هي أكمل من مجرد الإخوة . وكذلك قوله: ((أي الناس أعجب إيماناً)) إلى قوله: ((قوم يأتون بعدي يؤمنون بالورق المعلق )) هو يدل على أن إيمانهم عجب ، أعجب من إيمان غيرهم ، ولا يدل على أنهم أفضل . فإن فى الحديث أنهم ٣٧١ ذكروا الملائكة والأنبياء ، ومعلوم أن الأنبياء أفضل من هؤلاء الذين يؤمنون بالورق المعلق . ونظيره كون الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء ، فإنه لا يدل على أنهم بعد الدخول يكونون أرفع مرتبة من جميع الأغنياء ، وإنما سبقوا لسلامتهم من الحساب . وهذا باب التفضيل بين الأنواع فى الأعيان ، والأعمال والصفات أو بين أشخاص النوع باب عظيم ، يغلط فيه خلق كثير ، والله يهدينا سواء الصراط . ٣٧٢ وقال شيخ الإسلام قدس الله روحه فصل تكلم أبو عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي في كتاب « ختم الولاية)»: بكلام مردود ، مخالف للكتاب والسنة ، وإجماع السلف والأئمة ، حيث غلا فى ذكر الولاية ، وما ذكره من خاتم الأولياء . وعصمة الأولياء ونحو ذلك مما هو مقدمة لضلال ابن عربى ، وأمثاله، الذين تكلموا في هذا الباب بالباطل والعدوان ، منها قوله : فيقال لهذا المسكين : صف لنا منازل الأولياء - إذا استفرغوا مجهود الصدق - كم عدد منازلهم ؟ وأين منازل أهل الفرية ؟ وأين الذين جازوا العساكر ؟. بأي شيء جازوا ؟ وإلى أين منتهام ؟ وأين مقام أهل المجالس والحديث ؟ وكم عددم ؟ وبأي شيء استوجبوا هذا على ربهم ؟ وما حديثهم ونجوام ؟ وبأى شيء يفتحون المناجاة ؟ وبأي ٣٧٣ شيء يختمونها ؟ وماذا يخافون ؟ وكيف يكون صفة سيرم ؟ ومن ذا الذي يستحق خاتم الولاية كما استحق محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة ؟ وبأي صفة يكون ذلك المستحق لذلك؟ وما سبب (١)؟ وكم مجالس هذه الأبدان حتى ترد إلى مالك الملك ؟ إلى مسائل آخر كثيرة ذكرها من هذا النمط . ومنها فيه قال له قائل : فهل يجوز أن يكون فى هذا الزمان من يوازي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ؟ قال : إن كنت تعنى فى العمل فلا ، وإن كنت تعنى في الدرجات فغير مدفوع ، وذلك أن الدرجات بوسائل القلوب ، وتسمية ما فى الدرجات بالأعمال فمن الذي حول رحمة الله عن أهل هذا الزمان حتى لا يكون فيهم سابق ولا مقرب ولا مجتبى ، ولا مصطفى. أو ليس المهدي كائناً فى آخر الزمان ؟ فهو في الفتنة يقوم بالعدل ؛ فلا يعجز عنها . أو ليس كائناً فى آخر الزمان من له ختم الولاية ؟ وهو حجة الله على جميع الأولياء يوم الموقف ؟ فكما أن محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، فأعطى ختم النبوة وهو حجة الله على جميع الأنبياء . فكذلك هذا الولي آخر الأولياء فى آخر الزمان . (١) بالأصل كلمتان لم تتضحا . ٣٧٤ قال له قائل: فأين حديث النبى صلى الله عليه وسلم ((خرجت من باب الجنة ، فأتيت بالميزان فوضعت فى كفة، وأمتى فى كفة فرجحت بالأمة . ثم وضع أبو بكر مكانى فرجح بالأمة . ثم وضع عمر مكان أبى بكر فرجح بالأمة )) ! فقال هذا وزن الأعمال ؛ لا وزن مافى القلوب أين يذهب بكم ياعجم ؟ ما هذا إلا من غباوة أفهامكم. ألا ترى أنه يقول : خرجت من باب الجنة والجنة للأعمال ؛ والدرجات للقلوب ؛ والوزن للأعمال ؛ لا لما فى القلوب ؛ إن الميزان لا يتسع لما فى القلوب . وقال فيه: (( ثم لما قبض الله نبيه صير فيهم أربعين صديقاً؛ بهم تقوم الأرض فهم أهل بيته ، وم آله ؛ فكلما مات منهم رجل خلفه من يقوم مقامه ؛ حتى إذا انقرض عددم ، وأتى وقت زوال الدنيا ؛ بعث الله ولياً اصطفاه واجتباه وقربه وأدناه وأعطاه ما أعطى الأولياء وخصه بخاتم الولاية ، فيكون حجة الله يوم القيامة على سائر الأولياء . فيوجد عنده ذلك الختم صدق الولاية ، على سبيل ما وجد عند محمد صلى الله عليه وسلم صدق النبوة؛ لم ينله القدر، ولا وجدت النفس سبيلا إلى الأخذ بمحظها من الولاية ، فإذا برز الأولياء يوم القيامة ، وأقبضوا صدق الولاية والعبودية ؛ وجد ألوفاً عند هذا الذي ختم الولاية تماماً ؛ فكان حجة الله عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدم. ٣٧٥ وكان شفيعهم يوم القيامة ؛ فهو سيدم. ساد الأولياء كما ساد محمد صلى الله عليه وسلم الأنبياء، فينصب له مقام الشفاعة ، ويثنى على الله ثناء ، ويحمده بمحامد يقر الأولياء بفضله عليهم فى العلم بالله ، فلم يزل هذا الولي مذكوراً أولاً فى البدء أولا فى الذكر ، وأولا فى العلم ، ثم الأول فى المسألة ، ثم الأول فى الموازنة ، ثم الأول في اللوح المحفوظ ثم الأول فى الميثاق، ثم الأول فى الحشر ، ثم الأول فى الخطاب ، ثم الأول فى الوفادة ، ثم الأول في الشفاعة ، ثم الأول فى الجواز وفى دخول الدار ، ثم الأول في الزيارة ، فهو فى كل مكان أول الأولياء، كما كان محمد صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء، فهو من محمد صلى الله عليه وسلم عند الأذن، والأولياء عند القفا. فهذا عند مقامه بين يديه في ملك الله ونجواه . مثال فى المجلس الأعظم ، فهو فى منصته ، والأولياء من خلفه درجة درجة ، ومنازل الأنبياء مثال بين عينيه ، فهؤلاء الأربعون فى كل وقت م أهل بيته . ولست أغني من النسب ، إنما أهل بيت الذكر . ٣٧٦ وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل (١) قال القاضي أبو يعلى فى عيون المسائل: [ مسألة ] ومثبتو النبوات حصل لهم المعرفة بالله تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال فى دلائل العقول ، خلافاً للأشعرية فى قولهم : لا يحصل حتى تنظر وتستدل بدلائل العقول . وقال : نحن لا نمنع صحة النظر ، ولا نمنع حصول المعرفة به وإنما خلافنا هل تحصل بغيره ؛ واستدل بأن النبوة إذا ثبتت بقيام المعجزة علمنا أن هناك مرسلاً أرسله ؛ إذ لا يكون هناك نى إلا وهناك مرسل وإذا ثبت أن هناك مرسل أغنى ذلك عن النظر والاستدلال فى دلائل العقول على إثباته . وقال البيهقى فى كتاب الاعتقاد ما ذكره الخطابى أيضاً فى ((الغنية (١) هذه الرسالة تأخر الحصول عليها وإلا فمحلها كتاب توحيد الربوبية . ٣٧٧ عن الكلام وأهله )) وقد سلك بعض من بحث فى إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ، ومعجزات الرسالة ؛ لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها. ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها ؛ فلما ثبتت النبوة صارت أصلاً في وجوب قبول ما دعا إليه النبى ؛ وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسول ؛ وذكر قصة جعفر وأصحابه مع النجاشي ، وقصة الأعرابى الذي قال : من خلق السماء وغير ذلك ؟ قلت : كثير من المتكلمين يقولون : لابد أن تتقدم المعرفة أولاً بثبوت الرب وصفاته التى يعلم بها أنه هو ، ويظهر المعجزة، وإلا تعذر الاستدلال بها على صدق الرسول ، فضلاً عن وجود الرب. وأما الطريقة التى ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت ، وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون فإنه كان منكراً للرب . قال تعالى : (فَأْتِيَافِرْعَوَنَ فَقُولَا إِنَّارَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَابِ إِسْرَهِلَ * قَالَ أَلَمْثُرَبِكَ فِيِنَا وَلِيدًا) - إلى قوله - (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَارَبُّ الْعَلَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَابَلْنَهُمَاْ إِنَّكُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَعُونَ * قَالَ رَبّكُمْ وَرَبُّءَابَّبِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُالَّذِىَّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْلَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَابَيْنَهُمَا إِنَ كُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَيِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ٣٧٨ قَالَ أَوَلَوْجِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ * فَأَلْقَى * عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَيَدَهُ، فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءٌ لِلنَّظِرِينَ). فهنا : قد عرض عليه موسى الحجة البينة التى جعلها دليلاً على صدقه فى كونه رسول رب العالمين . وفى أن له إلهاً غير فرعون يتخذه. وكذلك قال تعالى: (فَإِلَّمْيَسْتَجِيبُواْلَكُمْ فَأَعْلَمُوْأَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية اللَّهِ وَأَنْلَّا إِلَهَ إِلَّهُوَ ) والرسالة ، وذلك ؛ لأن المعجزة - التى هي فعل خارق للعادة - تدل بنفسها على ثبوت الصانع ، كسائر الحوادث ، بل هي أخص من ذلك ؛ لأن الحوادث المعتادة ليست فى الدلالة كالحوادث الغريبة ؛ ولهذا يسبح الرب عندها ، ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد ، ويحصل في النفوس ذلة ( من ذكر ] عظمته ما لا يحصل للمعتاد ، إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها ، وتدل بظهورها على الرسول ، وإذا تبين أنها تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله. فتتقرر بها الربوبية والرسالة، لاسيما عند من يقول دلالة المعجزة على صدق الرسول ضرورية ، كما هو قول طائفة من متكلمي المعتزلة : كالجاحظ ، وطوائف من غيرهم، كالأشعرية والحنبلية الذين يقولون: يحصل الفرق بين المعجزة والسحر والكرامة بالضرورة . ٣٧٩ ومن يقول : إن شهادة المعجزة على صدق النبى معلوم بالضرورة، وثم كثير من الأشعرية والحنبلية ، وكثير من هؤلاء يقول : لأن عدم دلالتها على الصدق مستلزم عجز البارئ ، إذ لا طريق سواها . وأما المعتزلة : فلأن عندهم أن ذلك قبيح ، لا يجوز من الباري فعله . والأولون يقولون: ليس (١) كأمور كثيرة جداً ، وقد بينت فى غير هذا الموضع أن العلم موجود ضروري ، وهو الذي عليه جمهور (١). ٢ (١) بياض بالاصل . ٣٨٠