النص المفهرس
صفحات 301-320
مثل أن يخطر بقلبه تصرف فى الطير والجراد فى الهواء ؛ فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يميناً أو شمالاً ذهب حيث أراد ، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير حركة منه فى الظاهر ، وتحمله إلى مكة وتأتى به ، وتأتيه بأشخاص فى صورة جميلة وتقول له هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك ، فيقول فى نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان ؟! فيرفع رأسه فيجدهم بلحى ويقول له علامة إنك أنت المهدي إنك تنبت فى جسدك شامة فتنبت ويراها وغير ذلك ، وكله من مكر الشيطان . وهذا باب واسع لو ذكرت ما أعرفه منه لا حتاج إلى مجلد كبير، وقد قال تعالى: (فَأَمَّا آلْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْتَنْهُ رَبُّهُ فَأَ كْرَمَهُ، وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَّتْ أَكْرَمَنِ ١٠٠٠٠٠٠/١٠/٧/٧٠ * وَأَمَّ إِذَا مَا ابْنَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّأَهَنِ ) قال الله تبارك وتعالى: (كلا)، ولفظ ( كلا) فيها زجر وتنبيه : زجر عن مثل هذا القول ، وتنبيه على ما يخبر به ويؤمر به بعده ، وذلك أنه ليس كل من حصل له نعم دنيوية تعد كرامة يكون الله عز وجل مكرماً له بها ، ولا كل من قدر عليه ذلك يكون مهيناً له بذلك ؛ بل هو سبحانه يبتلى عبده بالسراء والضراء ، فقد يعطى النعم الدنيوية لمن لا يحبه . ولا هو كريم عنده ليستدرجه بذلك. وقد يحمى منها من يحبه ويواليه لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده أو يقع بسببها فيما يكرهه منه . ٣٠١ وأيضاً ((كرامات الأولياء)) لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله ، فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء ، وإنما تحصل عند الشرك : مثل دعاء الميت والغائب، أو بالفسق والعصيان وأكل المحرمات: كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات ، ومثل الغناء والرقص ؛ لاسيما مع النسوة الأجانب والمردان ، وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليلا طويلاً . فإذا جاءت الصلاة صلى قاعداً أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه ويتكلفه ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده ، ويحب سماع المكاء والتصدية ويجد عنده مواجيد . فهذه أحوال شيطانية ؛ وهو ممن يتناوله قوله تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) . ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن فالقرآن هو ذكر الرحمن ، قال الله تعالى : ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَفِىّ أَعْمَى وَقَدَكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنَتَّكَءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى) يعنى تركت العمل بها ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه أن لا يضل فى الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ؛ ثم قرأ هذه الآية . ٣٠٢ فصل ومما يجب أن يعلم أن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع الإنس والجن ، فلم يبق إنسي ولا جني إلا وجب عليه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، فعليه أن يصدقه فيما أخبر ، ويطيعه فيما أمر، ومن قامت عليه الحجة برسالته فلم يؤمن به فهو كافر ، سواء كان إنسياً أو جنياً . ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الثقلين باتفاق المسلمين وقد استمعت الجن القرآن وولوا إلى قومهم منذرين لما كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يصلى بأصحابه ببطن نخلة لما رجع من الطائف، وأخبره الله بذلك فى القرآن بقوله (وَإِذْصَرَ فْنَآ إِلَكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْأَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ * قَالُوا يَقَوْمَنَآ إِنَّ سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّإِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَقَوْمَنَا أَجِيبُوْدَاعِىَ اَللَّهِ وَءَامِنُواْبِهِ، يَغْفِرْلَكُمْ مِّنِ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرَّكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَن لَّايُجِبْ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجٍِ فِي ٣٠٣ اُلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُمِن دُونِهِ= أَوْلِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِ ضَلٍ مُّبِينٍ ) . وأنزل الله تعالى بعد ذلك (قُلْ أُوْحِىَ إِلَ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرُّيْنَ الْجِنِّ فَقَالُواْإِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا * يَهْدِىَ إِلَى الْرُّشْدِ فَامَنَابِهِ ، وَلَن نُشْرِكَ بِنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَمِنَا مَا أَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا * وَأَنَّا ظَنّآ أَنْ لَّنْ نَقُولَ اَلْإِنْسُ وَاَلِنُ عَلَى اللَّهِكَذِبًا * وَأَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِعَالٍ مِّنَ آلْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا) أي السفيه منا فى أظهر قولي العلماء. وقال غير واحد من السلف : كان الرجل من الإنس إذا نزل بالوادي قال : أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه ، فلما استغاثت الإنس بالجن ازدادت الجن طغياناً وكفراً كما قال تعالى: (وَأَنَّهُ, كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِعَلٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا * وَأَنَّهُمْ ظَنُوْ كَمَا ظَنَهُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا * وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ) وكانت الشياطين ترمى بالشهب قبل أن ينزل القرآن ؛ لكن كانوا أحياناً يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب إلى أحدم ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ملئت السماء حرساً شديداً وشهباً ، وصارت الشهب مرصدة لهم قبل أن يسمعوا ، كما قالوا : ( وَأَنَا كُتَّانَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَارَّصَدًا) ٣٠٤ وقال تعالى فى الآية الاخرى: ( وَمَانَتَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَايَنْبَغِى ◌َهُمْ وَمَا ( وَأَنَّا لَ نَدْرِىّ قالوا : ، يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِلَمَعْزُولُونَ ) أَشَرُّأُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا * وَأَنَّامِنَّالصَّلِحُونَ وَمِنَّادُونَ ذَلِكٌ كُنَّاطَرَابِقَ أي على مذاهب شتى ، كما قال العلماء قِدَدًا ) (وَأَنَّاظَنَنَّا أَنْ لَّنْ تُعْجِزَ منهم المسلم والمشرك والنصرانى والسنى والبدعي أخبروا أنهم لا يعجزونه : لا إن أقاموا اللَّهَفِى الْأَرْضِ وَلَن نُّتْجِزَهُ هَرَبًا) فى الأرض ولا إن هربوا منه ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىَ ءَامَنَّابِهِ، فَمَن يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا وَأَنَا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَ ) أي الظالمون ، يقال أقسط إذا عدل ، وقسط إذا جار وظلم (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا * وَأَلَّوٍ أَسْتَقَدّمُواْ عَلَى الطَّرِيقَةِلَأَسْقَيْنَهُمْ مَّةَ غَدَقًا * لِتَمْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِرَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابَا صَعَدًا وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِأَحَدًا * وَأَنَّهُ لَاقَامَ عَبْدُاللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُ وايَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلّ ◌ِنَّمَا أَدْ عُواْرَبِى وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِى لَا أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَ رَشَدًا * قُلْ إِنِي لَن يُجِيَرَبِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) أي ملجأ ومعاذا ( إِلَّابَلَغَا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّ إِذَا رَأَ وْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ) . ٣٠٥ ثم لما سمعت الجن القرآن أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وم جن نصيبين ، كما ثبت ذلك فى الصحيح من حديث ابن مسعود، وروى أنه قرأ عليهم سورة الرحمن، وكان إذا قال: (فَبِأَتِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قالوا : ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ، فلك الحمد. ولما اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم سألوه الزاد لهم ولدوابهم فقال: ((لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لماً، وكل بعرة علفا لدوابكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد لإخوانكم من الجن)» وهذا النهي ثابت عنه من وجوه متعددة، وبذلك احتج العلماء على النهي عن الاستنجاء بذلك ، وقالوا فإذا منع من الاستنجاء بما للجن ولدوابهم فما أعد للإنس ولدوابهم من الطعام والعلف أولى وأحرى . ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إلى جميع الإنس والجن، وهذا أعظم قدراً عند الله تعالى من كون الجن سخروا لسليمان عليه السلام؛ فإنهم سخروا له يتصرف فيهم بحكم الملك، ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم بأمرم بما أمر الله به ورسوله ، لأنه عبد الله ورسوله ، ومنزلة العبد الرسول فوق منزلة النبى الملك . وكفار الجن يدخلون النار بالنص والإجماع ، وأما مؤمنوم جمهور ٣٠٦ العلماء على أنهم يدخلون الجنة ، وجمهور العلماء على أن الرسل من الإنس ولم يبعث من الجن رسول . لكن منهم النذر، وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود هنا أن الجن مع الإنس على أحوال : فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه ، ويأمر الإنس بذلك ، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى ، وهو فى ذلك من خلفاء الرسول ونوابه . ومن كان يستعمل الجن فى أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له ، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهام عما حرم عليهم ويستعملهم فى مباحات له ، فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك ، وهذا إذا قدر أنه من أولياء الله تعالى فغايته أن يكون فى عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول: كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما فى الشرك وإما فى قتل معصوم الدم أو فى العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه ٣٠٧ وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم ، وإما في فاحشة جلب من يطلب منه الفاحشة ، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان ، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر ، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق وإما مذنب غير فاسق ، وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات : مثل أن يستعين بهم على الحج، أو أن يطيروا به عند السماع البدعى ، أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحتج الحج الشرعى الذي أمره الله به ورسوله، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ، ونحو ذلك فهذا مغرور قد مكروا به . وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أن ذلك من الجن ، بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات وخوارق العادات ، وليس عنده من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يفرق به بين الكرامات الرحمانية ، وبين التلبيسات الشيطانية فيمكرون به بحسب اعتقاده، فإن كان مشركاً يعبد الكواكب والأوثان أو هموه أنه ينتفع بتلك العبادة ، ويكون قصده الاستشفاع والتوسل ممن صور ذلك الضم على صورته من ملك أو نى أو شيخ صالح ، فيظن أنه صالح ، وتكون عبادته فى الحقيقة للشيطان ، قال الله تعالى : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمْ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِنَّاكُكَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُنَامِن دُونِهِمٌ بَلَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ آلْجِنَّأَ كْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ). ٣٠٨ ولهذا كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها فيقارنها الشيطان عند سجودهم ليكون سجودهم له؛ ولهذا يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به المشركون . فإن كان نصرانياً واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان فى صورة جرجس أو من يستغيث به ، وإن كان منتسباً إلى الإسلام واستغاث بشيخ يحسن الظن به من شيوخ المسلمين جاء فى صورة ذلك الشيخ ، وإن كان من مشركي الهند جاء فى صورة من يعظمه ذلك المشرك . ثم إن الشيخ المستغاث به إن كان ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل لأصحابه المستغيثين به ، وإن كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم نقل أقوالهم له فيظن أولئك أن الشيخ سمع أصواتهم من البعد وأجابهم ، وإنما هو بتوسط الشيطان . ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة ، فقال : يرونني الجن شيئا براقاً مثل الماء والزجاج ، ويمثلون له فيه ما يطلب منه الإخبار به ، قال : فأخبر الناس به ، ويوصلون إلى كلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابى إليه. وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذب بها من لم يعرفها وقال إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة كما ٣٠٩ يدخل النار بحجر الطلق وقشور النارنج ، ودهن الضفادع ، وغير ذلك من الحيل الطبيعية فيعجب هؤلاء المشايخ ويقولون نحن والله لا نعرف شيئاً من هذه الحيل . فلما ذكر لهم الخبير إنكم لصادقون فى ذلك ، ولكن هذه الأحوال شيطانية أقروا بذلك وتاب منهم من تاب الله عليه لما تبين لهم الحق ، وتبين لهم من وجوه أنها من الشيطان ، ورأوا أنها من الشياطين لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع وعند المعاصي للّه، فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله من العبادات الشرعية ، فعلموا أنها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه ؛ لا من كرامات الرحمن لأوليائه . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله وسلم على محمد سيد رسله وأنبيائه وعلى آله وصحبه وأنصاره وأشياءه وخلفائه صلاة وسلاماً نستوجب بهما شفاعته («آمين)). ٣١٠ وقال الشيخ الإمام العالم العلامة العارف الربانى ، المقذوف فى قلبه النور القرآني ، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه (١). الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولا إله سواه ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي اصطفاه واجتباه وهداه ، صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين . قاعدة شريفة في المعجزات والكرامات وإن كان اسم (( المعجزة)) بعم كل خارق للعادة فى اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره - ويسمونها : الآيات - لكن كثير من المتأخرين يفرق فى اللفظ بينهما، فيجعل ((المعجزة)) (١) هذه ((قاعدة في المعجزات والكرامات)). ٣١١ للنبي، و ((الكرامة)) للولي، وجماعها الأمر الخارق للعادة. فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ((ثلاثة)): العلم ، والقدرة ، والغنى . وإن شئت أن نقول: العلم، والقدرة. والقدرة إما على الفعل وهو التأثير ، وإما على الترك وهو الغنى ، والأول أجود . وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده ؛ فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير ، وهو غني عن العالمين . وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ( قُل لَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى صِى وكذلك قال مَلَكُ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَىّ إِلَ ) نوح عليه السلام . فهذا أول أولي العزم ، وأول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض ، وهذا خاتم الرسل وخاتم أولى العزم كلاهما يتبرأ من ذلك . وهذا لأنهم يطالبون الرسول صلى الله عليه وسلم تارة بعلم الغيب كقوله: (وَيَقُولُونَ مَفَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ) وتارة و (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَنِهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَرَبِ ) بالتأثير ، كقوله : (وَقَالُوْلَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْتَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلِ وَعِنَبٍ فَتُفَجِرَاْ لأَنْهَرَ خِلَلَهَا تَفْجِيًا * أَوْتُسْفِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا) - إلى قوله - (قُلْ ٣١٢ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّ بَشَرًارَسُولًا ) وتارة يعيبون عليه الحاجة البشرية ، كقوله: (وَقَالُواْ مَالٍ هَذَا الرَّسُولِ بَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِىِ الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْيُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْ أَوْتَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ) . فأمره أن يخبر أنه لا يعلم الغيب ، ولا يملك خزائن اللّه، ولا هو ملك غني عن الأكل والمال ، إن هو إلا متبع لما أوحى اليه ، واتباع ما أوحى إليه هو الدين ، وهو طاعة الله ، وعبادته علما وعملا بالباطن والظاهر وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله تعالى فيعلم منه ما علمه إياه ، ويقدر منه على ما أقدره اللّه عليه، ويستغني عما أغناه الله عنه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة غالب الناس. فما كان من الخوارق من ((باب العلم )) فتارة بأن يسمح العبد مالا يسمعه غيره . وتارة بأن يرى مالا يراه غيره يقظة ومناما. وتارة بأن يعلم مالا يعلم غيره وحياً وإلهاما ، أو إنزال علم ضروري ، أو فراسة صادقة ، ويسمى كشفاً ومشاهدات ، ومكاشفات ومخاطبات : فالسماع مخاطبات ، والرؤية مشاهدات ، والعلم مكاشفة ، ويسمى ذلك كله ((كشفاً)) و((مكاشفة)) أي كشف له عنه . ٣١٣ وما كان من (( باب القدرة )) فهو التأثير ، وقد يكون همة وصدقا ودعوة مجابة ، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال ، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه، كقوله (( من عادى لي ولياً فقد بارزنى بالمحاربة ، وإني لأتأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب)). ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك . وكذلك ما كان من ((باب العلم والكشف)». قد يكشف لغيره من حاله بعض أمور ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى المبشرات : ((هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له)) وكما قال: النبى صلى الله عليه وسلم ((أنتم شهداء الله فى الأرض)). وكل واحد ((من الكشف والتأثير، قد يكون قائماً به ، وقد لا يكون قائما به ، بل يكشف الله حاله ويصنع له من حيث لا يحتسب ، كما قال يوسف بن أسباط: ((ما صدق الله عبد إلا صنع له)) وقال: أحمد بن حنبل ((لو وضع الصدق على جرح لبرأ)) لكن من قام بغيره له من الكشف والتأثير فهو سببه أيضاً ، وإن كان خرق عادة فى ذلك الغير ، فمعجزات الأنبياء وأعلامهم ودلائل نبوتهم تدخل فى ذلك . ٣١٤ وقد جمع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم جميع أنواع ((المعجزات والخوارق »: أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤية فمثل إخبار نينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء المتقدمين وأعمهم ومخاطباته لهم وأحواله معهم ، وغير الأنبياء من الأولياء وغيرهم بما يوافق ماعند أهل الكتاب الذين ورثوه بالتواتر أو بغيره من غير تعلم له منهم ، وكذلك إخباره عن أمور الربوبية والملائكة والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم ، ويعلم أن ذلك موافق لنقول الأنبياء ، تارة بما فى أيديهم من الكتب الظاهرة ونحو ذلك من النقل المتواتر ، وتارة بما يعلمه الخاصة من علمائهم ، وفى مثل هذا قد يستشهد أهل الكتاب وهو من حكمة إبقائهم بالجزية وتفصيل ذلك ليس هذا موضعه . فإخباره عن الأمور الغائبة ماضيها وحاضرها هو من ((باب العلم الخارق)) وكذلك إخباره عن الأمور المستقبلة مثل مملكة أمته وزوال مملكة فارس والروم ، وقتال الترك ، وألوف مؤلفة من الأخبار التي أخبر بها مذكور بعضها في ((كتب دلائل النبوة))، و((سيرة الرسول)) و((فضائله)) و((كتب التفسير))، و((الحديث)) و((المغازي)) مثل دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي وسيرة ابن إسحق ، وكتب الأحاديث المسندة كمسند الإمام أحمد ، والمدونة كصحيح البخاري ، وغير ذلك مما ٣١٥ هو مذكور أيضا فى ((كتب أهل الكلام والجدل)): كأعلام النبوة للقاضي عبد الجبار وللماوردي، والرد على النصارى للقرطى، ومصنفات كثيرة جداً . وكذلك ما أخبر عنه غيره مما وجد فى كتب الأنبياء المتقدمين وهي فى وقتنا هذا اثنان وعشرون نبوة بأيدي اليهود والنصارى ، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، وكتاب شعيا، وحقوق، ودانيال، وأرميا وكذلك إخبار غير الأنبياء من الأحبار والرهبان وكذلك إخبار الجن والهواتف المطلقة ، وإخبار الكهنة كسطيح وشق وغيرهما ، وكذلك المنامات وتعبيرها : كمتام كسرى وتعبير الموبذان ، وكذا إخبار الأنبياء المتقدمين بما مضى وما عبر هو من أعلامهم . وأما (( القدرة والتأثير)) فإما أن يكون فى العالم العلوي أو مادونه وما دونه إما بسيط أو مركب، والبسيط إما الجو وإما الأرض ؛ والمركب إما حيوان وإما نبات وإما معدن. والحيوان إما ناطق وإما بهيم؛ فالعلوي كانشقاق القمر ، ورد الشمس ليوشع بن نون، وكذلك ردها لما فانت علياً الصلاة و النبى صلى الله عليه وسلم نائم فى حجره - إن صح الحديث - فمن الناس من صححه كالطحاوي والقاضي عياض . ومنهم من جعله موقوفا كأبي الفرج بن الجوزي وهذا أصح . وكذلك معراجه إلى السماوات . ٣١٦ وأما ((الجو)) فاستسقاؤه ، واستصحاؤه غير مرة : حديث الأعرابي الذي فى الصحيحين وغيرهما وكذلك كثرة الرمي بالنجوم عند ظهوره وكذلك إسراؤه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى . وأما ((الأرض والماء)) فكاهتزاز الجيل تحته وتكثير الماء فى عين تبوك وعين الحديبية ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة ومزادة المرأة . وأما (( المركبات)) فتكثيره للطعام غير مرة فى قصة الخندق من حديث جابر وحديث أبي طلحة ، وفى أسفاره ، وجراب أبي هريرة، ونخل جابر بن عبد الله ، وحديث جابر وابن الزبير فى انقلاع النخل له وعوده إلى مكانه ، وسقياه لغير واحد من الأرض كعين أبي قتادة . وهذا باب واسع لم يكن الغرض هنا ذكر أنواع معجزاته بخصوصه وإنما الغرض التمثيل . وكذلك من باب ((القدرة)) عصا موسى صلى الله عليه وسلم وفلق البحر والقمل والضفادع والدم ، وناقة صالح ، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى، كما أن من باب العلم إخباره بما يأكلون ٣١٧ وما يدخرون في بيوتهم . وفى الجملة لم يكن المقصود هنا ذكر المعجزات النبوية بخصوصها ، وإنما الغرض التمثيل بها . وأما المعجزات التى لغير الأنبياء من ((باب الكشف والعلم)) فمثل قول عمر فى قصة سارية ، وإخبار أبي بكر بأن ببطن زوجته أنثى ، وإخبار عمر بمن يخرج من ولده فيكون عادلاً ، وقصة صاحب موسى في علمه بحال الغلام . و ((القدرة)) مثل قصة الذي عنده علم من الكتاب ، وقصة أهل الكهف ، وقصة مريم ، وقصة خالد بن الوليد ، وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي مسلم الخولاني ، وأشياء يطول شرحها فإن تعداد هذا مثل المطر . وإنما الغرض التمثيل بالشيء الذي سمعه أكثر الناس . وأما القدرة التى لم تتعلق بفعله فمثل نصر الله لمن ينصره وإهلاكه لمن يشتمه . ٣١٨ فصل الخارق كشفاً كان أو تأثيراً إن حصل به فائدة مطلوبة فى الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها ديناً وشرعا ، إما واجب وإما مستحب ، وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التى تقتضي شكراً ، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه فهي تحريم أو نهي تنزيه كان سبباً للعذاب أو البغض ، كقصة الذي أوتي الآيات فانسلخ منها : بلعام بن باعوراء ؛ لكن قد يكون صاحبها معذوراً لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة. فيكون من جنس برح العابد . و ((النهي)) قد يعود إلى سبب الخارق وقد يعود إلى مقصوده فالأول مثل أن يدعو الله دعاء منهياً عنه اعتداء عليه . وقد قال تعالى: (أَدْعُواْرَتَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٍ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ ) ومثل الأعمال المنهي عنها إذا أورثت كشفاً أو تأثيراً . والثانى أن يدعو على غيره بما لا يستحقه أو يدعو للظالم بالإعانة ، ويعينه بهمته: كمفراء العدو وأعوان الظلمة من ذوي الأحوال ؛ فإن كان صاحبه من عقلاء المجانين والمغلوبين غلبة ٣١٩ بحيث يعذرون والناقصين نقصاً لا يلامون عليه كانوا برحية . وقد بينت فى غير هذا الموضع ما يعذرون فيه وما لا يعذرون فيه ، وإن كانوا عالمين قادرين كانوا بلعامية ، فإن من أتى بخارق على وجه منهي عنه أو المقصود منهي عنه فإما أن يكون معذوراً معفواً عنه كبرح ، أو يكون متعمداً للكذب كبلعام. فتلخص أن الخارق ((ثلاثة أقسام)): محمود فى الدين ، ومذموم فى الدين ، ومباح لا محمود ولا مذموم في الدين ؛ فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة ، وإن لم يكن فيه منفعة كان كسائر المباحات التى لا منفعة فيها کاللعب والعبث . قال أبو علي الجوزجانى : كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة . فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة ، وربك يطلب منك الاستقامة . قال الشيخ السهروردي فى عوارفه : وهذا الذي ذكره أصل عظيم كبير فى الباب ، وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب. وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبداً نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً من ذلك. ولعل أحدم يبقى منكسر القلب متهماً لنفسه فى صحة عمله حيث لم يكاشف بشيء من ذلك ، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر ، فيعلم أن الله ٣٢٠