النص المفهرس
صفحات 261-280
فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة)). وفى الحديث الصحيح عن أبى ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي فاستغفرونى أغفر لكم، يا عبادي ! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، ياعبادي ! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم . يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري ! فتضرونى ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعونى ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أنقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكي شيئاً ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أنجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة ، يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » . ، ٢٦١ فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من خير، وأنه إذا وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه . وكثير من الناس يتكلم بلسان («الحقيقة))، ولا يفرق بين الحقيقة الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته ، وبين الحقيقة الدينية الأمرية المتعلقة برضاه ومحبته ، ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقاً لما أمر الله به على ألسن رسله، وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة، كما أن لفظ ((الشريعة)) يتكلم به كثير من الناس ، ولا يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى وهو الكتاب والسنة الذي بعث اللّه به رسوله ؛ فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه ولا يخرج عنه إلا كافر ، وبين الشرع الذي هو حكم الحاكم فالحاكم تارة يصيب وتارة يخطئ . هذا إذا كان عالماً عادلا وإلا ففى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((القضاة ثلاثة قاضيان فى النار ، وقاض فى الجنة : رجل على الحق وقضى به فهو فى الجنة ، ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار ، ورجل على الحق فقضى بغيره فهو فى النار )» وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم فقد ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ((إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى بنحو مما أسمع ، فمن ٢٦٢ قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)) فقد أخبر سيد الخلق أنه إذا قضى بشيء مما سمعه وكان فى الباطن بخلاف ذلك، لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضى به له ، وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار . وهذا متفق عليه بين العلماء فى الأملاك المطلقة إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبينة والإقرار ، وكان الباطن بخلاف الظاهر، لم يجز للمقضي له أن يأخذ ما قضي به له بالاتفاق. وإن حكم فى العقود والفسوخ بمثل ذلك؛ فأكثر العلماء يقول إن الأمر كذلك، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل ، وفرق أبو حنيفة رضي الله عنه بين النوعين. فلفظ (( الشرع، والشريعة)) إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه ، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقاً إلى اللّه، غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً فلم يتابعه باطناً وظاهراً فهو كافر . ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطاً من وجهين: ((أحدهما)) أن موسى لم يكن مبعوثاً إلى الخضر ، ولا كان على الخضر اتباعه ؛ فإن موسى كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل ، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس ، ولو ٢٦٣ أدركه من هو أفضل من الخضر : كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم؛ اتباعه فكيف بالخضر سواء كان نبيا أو وليا ؛ ولهذا قال الخضر لموسى: (( أنا على علم من علم الله علمنيه اللّه لا تعلمه؛ وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه)) وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يقول مثل هذا. ((الثاني)) أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى عليه السلام ، وموسى لم يكن علم الأسباب التى تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفاً من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم وذلك جاثر ، وقتل الصائل جائز وإن كان صغيراً ، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله . قال : ابن عباس رضي الله عنهما لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان - قال له - إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم وإلا فلا تقتلهم ، رواه البخاري . وأما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر على الجوع، فهذا من صالح الأعمال فلم يكن فى ذلك شيء مخالفاً شرع الله . وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالماً وقد يكون عادلا ، وقد يكون صواباً وقد يكون خطأ ، وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه : كأبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعى والليث بن ٢٦٤ سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم ، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة ، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك كان حائزاً أي ليس اتباع أحدم واجباً على جميع الأمة كاتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم، ولا يحرم تقليد أحدم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم. وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس منها من أحاديث مفتراة ، أو تأول النصوص بخلاف مراد الله ونحو ذلك ؛ فهذا من نوع التبديل، فيجب الفرق بين الشرع المنزل ، والشرع المؤول ، والشرع المبدل ، كما يفرق بين الحقيقة الكونية والحقيقة الدينية الأمرية ، وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة ، وبين ما يكتفى فيها بذوق صاحبها ووجده. فصل وقد ذكر الله في كتابه الفرق بين ((الإرادة)) و((الأمر)) و((القضاء)) و ((الإذن)) و((التحريم)) و((البعث)) و((الإرسال)) و((الكلام)) و ((الجعل)): بين الكونى الذي خلقه وقدره وقضاء؛ وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا يثيب أصحابه، ولا يجعلهم من أوليائه المتقين، وبين الديني الذي أمر به وشرعه وأثاب عليه وأكرمهم ، وجعلهم من أوليائه المتقين ٢٦٥ وحزبه المفلحين وجنده الغالبين ؛ وهذا من أعظم الفروق التى يفرق بها بين أولياء الله وأعدائه، فمن استعمله الرب سبحانه وتعالى فيما يحبه ويرضاه ومات على ذلك كان من أوليائه، ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك كان من أعدائه . فـ ((الإرادة الكونية)) هي مشيئته لما خلقه وجميع المخلوقات داخلة فى مشيئته وإرادته الكونية ، والإرادة الدينية هي المتضمنة لمحبته ورضاه المتناولة لما أمر به وجعله شرعاً وديناً . وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح قال اللّه تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُلِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فِ السَّمَآءِ ) وقال نوح عليه السلام لقومه : ( وَلَقَعُّلُمِ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَثُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) وقال تعالى: ( وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّلَهُ, وَمَالَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) وقال تعالى فى الثانية: (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْعَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّبُرِدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال فى آية الطهارة: (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيِدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح قال: (يُرِيدُ اللّه ◌ِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَّنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيُ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيَكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ ٢٦٦ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا) وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وما نهام عنه: (إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَظْهِيرً ) والمعنى أنه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، فمن أطاع أمره كان مطهراً قد أذهب عنه الرجس بخلاف من عصاه . وأما ((الأمر)) فقال في الأمر الكوني: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنَتَّقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) وقال تعالى: (وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّ وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِاْبَصَرِ ) وقال تعالى: (أَتَنْهَا أَمْرُنَالَيْلًا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) وأما ((الأمر الديني)) فقال تعالى: (إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوْاُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوْبِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّه ◌ِعِنَّا يَعِظُ كُمرِئٍ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). وأما (( الإذن)) فقال فى الكونى لما ذكر السحر: (وَمَاهُم بِضَارِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بمشيئته وقدرته ؛ وإلا فالسحر لم يبحه اللّه عز وجل. وقال في ((الإذن الدينى)): (أَمْ لَهُمْ شُرَكَؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ) وقال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِبِإِذْنِهِ) وقال تعالى: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا ٢٦٧ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وقال تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِن لِّينَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَآَيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ). وأما ((القضاء)) فقال فى الكونى: ( فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ ) وقال سبحانه : ( إِذَا قَضَىّ أَمْرَا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وقال فى ) أي أمر ، وليس المراد به الدينى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّ تَعْبُدُ وَأْإِلَّ إِيَّاهُ قدر ذلك فإنه قد عبد غيره كما أخبر فى غير موضع کقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَوْنَا عِندَ اللَّهِ ) وقول الخليل عليه السلام لقومه: ( أَفَرَءَ يْتُمُمَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَءَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَهُمْ عَدُوٌّلِ إِلََّ رَبَّ الْعَلَمِينَ ) وقال تعالى: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنْزِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْقَالُواْلِقَوْمِهِمْ إِنَّابُرَ وَأْمِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَابِكُرْ وَبَدَابَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرِهِيَمَ لِأَبِيهِلَأَسْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ ) وقال تعالى: (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ * لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلَا أَنْ عَائٌِ مَّا عَبَدُمْ * وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُرْدِيَئُّكُمْوَلِىَ دِينِ ) وهذه كلمة تقتضي براءته من دينهم ولا تقتضي رضاه بذلك ؛ كما قال تعالي في الآية الأخرى: (وَإِنْ كَذَّبُكَ فَقُل لِى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بِرِيُّونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَأْبَرِىٌّمِمَاتَعْمَلُونَ). ٢٦٨ ومن ظن من الملاحدة أن هذا رضا منه بدين الكفار فهو من أكذب الناس وأكفرم، كمن ظن أن قوله (وَقَضَى رَبُّكَ ) بمعنى قدر، وأن الله سبحانه ما قضى بشيء إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله؛ فإن هذا من أعظم الناس كفراً بالكتب. وأما لفظ ((البعث)) فقال تعالى فى البعث الكوني: (فِإِذَاجَآءَ وَعْدُ أُولَنْهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَّا أَوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ فَجَا سُوْ خِلَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا ) وقال فى البعث الدينى: (هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَلِهِ وَيُزَكِبِهِمْ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ ) قال تعالى: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُ واْاللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ). وأما لفظ ((الإرسال)) فقال في الإرسال الكونى: (أَلَمْتَرَأَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزَّا) وقال تعالى: ( وَهُوَ اُلَّذِىَّ أَرْسَلَ اُلْزِّيَحَ بُشْرَأَبَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ) وقال فى الدينى: ( إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) وقال تعالى: ( إِنَّا أَزْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ) وقال تعالى: ( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ) وقال تعالى: ( اُللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلْبِحَةِ رُسُلَّاً وَمِنَ النَّاسِ). وأما لفظ ((الجعل )) فقال فى الكونى: (وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ يَدْعُونَ ٢٦٩ إِلَى النَّارِ ) وقال فى الدينى: ( لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) وقال تعالى: (مَاجَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَأَبِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ ). وأما لفظ «التحريم)» فقال فى الكوني: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ ) وقال تعالى: ( فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةٌ يَتِيهُونَ فِى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَدَّمُ وَحْمُ الْخِزِيرِ وَمَآ اُلْأَرْضِ ) وقال في الديني : ( أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) وقال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ اَلْأُخْتِ ) الآية . وأما لفظ ((الكلمات)) فقال فى الكلمات الكونية (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ )، وثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ((أعوذ بكلمات الله التامة كلها من شر ماخلق، ومن غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)) وقال صلى الله عليه وسلم: (( من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى ير تحل من منزله ذلك)) وكان يقول: ((أعوذ بكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ذرأ فى الأرض ومن شر ما يخرج منها ، ومن شرفتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً بطرق بخير يا رحمن!)). ٢٧٠ و ((كلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر)) هي التى كون بها الكائنات فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته. وأما ((كلماته الدينية)) وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه، فأطاعها الأبرار ، وعصاها الفجار . وأولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية وجعله الديني وإذنه الدينى وإرادته الدينية . وأما كلماته الكونية التى لا يجاوزها بر ولا فاجر ؛ فإنه يدخل محتها جميع الخلق حتى إبليس وجنوده وجميع الكفار وسائر من يدخل النار ، فالخلق وإن اجتمعوا فى شمول الخلق والمشيئة والقدرة والقدر لهم، فقد افترقوا فى الأمر والنهي والمحبة والرضا والغضب . وأولياء اللّه المتقون م الذين فعلوا المأمور، وتركوا المحظور، وصبروا على المقدور ، فأحبهم وأحبوه ، ورضى عنهم ورضوا عنه. وأعداؤه أولياء الشياطين ، وإن كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم ، ويغضب عليهم ، ويلعنهم ويعاديهم . وبسط هذه الجمل له موضع آخر ، وإنما كتبت هنا تنبيها على مجامع ((الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) وجمع الفرق بينهما ٢٧١ اعتبارهم بموافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء وأعدائه الأشقياء ، وبين أوليائه أهل الجنة وأعدائه أهل النار ، وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد وبين أعدائه أهل الغي والضلال والفساد وأعدائه حزب الشيطان وأوليائه الذين كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه. قال تعالى: (لَّا تَجِدُ قَوْمَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية وقال تعالى: ( إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِ بُوافَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِ بُوْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ ) . وقال فى أعدائه ( وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَ أَوْ لِيَآ بِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ ) وقال : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ آلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىبَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) وقال: (هَلْ أُنِيِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِ أَفَالِكٍ أَشِمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ * وَالشُّعَرَآءُ يَّبِعُهُمُ الْغَاوُنَ * أَمْتَرَأَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ وَذَّكَرُواْاللّهَ كَثِيرًا وَأنْنَصَرُوْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُالَّذِينَ ظَلَمُوا أَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) وقال تعالى: ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَانُصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّانُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّانَذَكَّرُونَ * نَنزِيلٌ مِّن ) ٢٧٢ رَّبِّالْعَلَمِينَ * وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اَلْأَقَوِيلِ * لَأَخَذْنَامِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّلَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِينَ * وَإِنَّهُ لَذْكِرَةٌ لِلْمُنَّقِينَ * وَإِنَّالَتَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُرُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ وَحَسْرَةُ عَلَى الْكَفِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) وقال تعالى: ( فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنِ وَلَا مَجْنُونٍ ) إلى قوله: (إِن كَانُواْ صَدِقِينَ). فيزه سبحانه وتعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عمن تقترن به الشياطين، من الكهان والشعراء والمجانين ؛ وبين أن الذي جاءه بالقرآن ملك كريم اصطفاه. قال الله تعالى: (اُللَّهُيَصْطَفِى مِنَ الْمَئِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ) وقال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ * نَزََّ بِهِاُلُُّعُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبٍِ مُبِينٍ ) وقال تعالى: ( قُلُ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُنَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) الآية. وقال تعالى: ( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ) إلى قوله ( وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) فسماه الروح الأمين وسماه روح القدس . وقال تعالى: (فَلَا أُقْمُ بَِّخْنَسِ * الْجَوَارِالْكُنَّسِ ) يعنى: الكواكب التى تكون فى السماء خانسة أي : مختفية قبل طلوعها ، فإذا ظهرت وآها الناس جارية فى السماء ، فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي يحجبها ( وَلَِّ إِذَا عَسْعَسَ) أي إذا أدبر، وأقبل الصبح (وَالصُّبْحِ إِذَا ٢٧٣ ◌َسَ ) أي أقبل (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ ) وهو جبريل عليه السلام (ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْغَيْنِ مَكِينِ * مُطَاِ ثََّمِينٍ ) أي مطاع فى السماء أمين ثم قال: ( وَمَا صَاحِبُّكُم بِمَجْنُونٍ ) أي صاحبكم الذي من الله عليكم به إذ بعثه إليكم رسولا من جنسكم يصحبكم إذكنتم لا تطيقون أن تروا الملائكة كما قال تعالى: ( وَقَالُوْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَكٌ وَلَوْأَنْزَ لْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ اُلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ * وَلَوْجَعَلْنَهُ مَلَكَّا لَّجَعَلْنَهُ رَجُلًا ) الآية. وقال تعالى: (وَلَقَدْرَءَاءُ الْأُفُّ الْمُِينِ ) أي رأى جبريل عليه السلام ( وَمَا هُوَ عَلَى أَلْغَيْبٍ بِضَنِينٍ ) أي بمتهم ، وفى القراءة الأخرى : ( بضنين ) أي يبخيل يكتم العلم ولا يبذله إلا يجعل ، كما يفعل من يكتم العلم إلا بالعوض. (وَمَاهُوَبِقَوْلِ شَيْطَِّ ◌َِّرٍ ) فيره جبريل عليه السلام عن أن يكون شيطاناً ، كما نزه محمداً صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً أو كاهناً . فأولياء الله المتقون م المقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم فيفعلون ما أمر به وينتهون عما عنه زجر ؛ ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه ، فيؤيدم بملائكته وروح منه، ويقذف الله فى قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التى يكرم الله بها أولياءه المتقين. وخيار أولياء الله كراماتهم لحجة فى الدين أو لحاجة بالمسلمين ، كما كانت معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم كذلك. ٢٧٤ وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فهي في الحقيقة تدخل فى معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم: مثل انشقاق القمر ، وتسبيح الحصا فى كفه ، وإنيان الشجر إليه ، وحنين الجذع إليه ، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس ، وإخباره بما كان وما يكون ، وإتيانه بالكتاب العزيز ، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أشبع فى الخندق العسكر من قدر طعام وهو لم ينقص في حديث أم سلمة المشهور ، وأروى العسكر فى غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص ، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص وم نحو ثلاثين ألفاً، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه ، كما كانوا فى غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة ، ورده لعين أبي قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه ، ولما أرسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرئت ، وأطعم من شواء مائة وثلاثين رجلا كلا منهم حز له قطعة وجعل منها قطعتين فأ كلوا منها جميعهم ثم فضل فضلة ، ودين عبد الله أبي جابر لليهودي وهو ثلاثون وسقا . قال جابر : فأمر صاحب الدين أن يأخذ التمر جميعه بالذي كان له فلم يقبل فمشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لجابر جد له فوفاه الثلاثين وسقا وفضل سبعة عشر وسقا، ومثل هذا كثير قد جمعت نحو ألف معجزة . ٢٧٥ ! وكرامات الصحابة والتابعين بعدم وسائر الصالحين كثيرة جداً : مثل ما كان (( أسيد بن حضير)) يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلمة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته ، وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين ؛ وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان فى صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها ، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط فلما افترقا افترق الضوء معهما . رواه البخاري وغيره . وقصة ((الصديق )) فى الصحيحين لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت ، فرفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا . و ((خبيب بن عدى)) كان أسيراً عند المشركين بمكة شرفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة . و ((عامر بن فهيرة)) قتل شهيداً فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه ٢٧٦ وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع ، وقال: عروة : فيرون الملائكة رفعته . وخرجت «أم أيمن)) مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها . و ((سفينة)) مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده . و ((البراء بن مالك)) كان إذا أقسم على الله تعالى أبر قسمه، وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين فى الجهاد يقولون : يا براء ! أقسم على ربك ، فيقول : يا رب ! أقسمت عليك لما منحتنا أ كتافهم فيهزم العدو، فلما كان يوم ((القادسية )) قال : أقسمت عليك يارب لما منحتنا أكتافهم وجعلتنى أول شهيد، فمنحوا أكتافهم ، وقتل البراء شهيداً . و ((خالد بن الوليد )) حاصر حصناً منيعاً فقالوا لا نسلم حتى تشرب ٢٧٧ السم فشربه فلم يضره . و ((سعد بن أبي وقاص)) كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إلا استجيب له وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق . و((عمر بن الخطاب)) لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً بسمى ((سارية)) فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجيل، يا سارية الجبل ، فقدم رسول الجيش فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدواً فهزمونا فإذا بصائح : يا سارية الجبل ، يا سارية الجيل ، فأسندنا ظهورنا بالجيل فهزمهم الله. ولما عذبت ((الزبيرة)) على الإسلام في الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها قال المشركون أصاب بصرها اللات والعزى قالت كلا والله فرد الله عليها بصرها . ودعا ((سعيد بن زيد)) على أروى بنت الحكم فأعمى بصرها لما كذبت عليه فقال : اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها ، واقتلها فى أرضها ، فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فمانت . ((والعلاء بن الحضرمي)) كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين وكان يقول فى دعائه : يا عليم ! يا حليم ! يا علي ! يا عظيم! ٢٧٨ فيستجاب له ، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضأوا لما عدموا الماء والإسقاء لما بعدم فأجيب ، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم ثمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم ؛ ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات ، فلم يجدوه فى اللحد . وجرى مثل ذلك («لأبي مسلم الخولانى)) الذي ألقى فى النار ، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئاً حتى أدعو الله عن وجل فيه فقال بعضهم : فقدت مخلاة ، فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشىء فأخذها ، وطلبه الأسود العنسى لما ادعى النبوة فقال له: أنشهد أنى رسول الله. قال ما أسمع، قال أتشهد أن محمداً رسول الله ؟ قال نعم ، فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً؛ وقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبى بكر الصديق رضي عنها وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله . ووضعت له جارية السم فى طعامه فلم يضره . وخيبت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت ، وجاءت وتابت فدعا لها فرد الله عليها بصرها . وكان «عامر بن عبد قيس)) يأخذ عطاءه ألفي درهم فى كمه وما ٢٧٩ يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد ، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها . ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال : إنما أنت كلب من كلاب الرحمن وإني أستحي أن أخاف شيئاً غيره، ومرت القافلة، ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء ، فكان يؤتى بالماء له بخار ، ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو فى الصلاة فلم يقدر عليه . وتغيب (( الحسن البصري)) عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه غير ميتاً . و ((صلة بن أشيم)) مات فرسه وهو فى الغزو ، فقال اللهم لا تجعل لمخلوق علي منة ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه . فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية ، فأخذ سرجه فمات الفرس ، وجاع مرة بالأهواز ، فدعا الله عز وجل واستطعمه ، فوقعت خلفه دوخلة رطب فى ثوب حرير فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زماناً . وجاء الأسد وهو يصلي فى غيضة بالليل فلما سلم قال له اطلب الرزق من غير هذا الموضع فولى الأسد وله زئير . وكان «سعيد بن المسيب)» فى أيام الحرة يسمح الأذان من قبر ٢٨٠