النص المفهرس

صفحات 181-200

وَغَوَّاصِ * وَءَاخَرِينَ مُقَرَّبِينَ فِ اُلْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَآؤُنَافَأَمْنُنْ أَوْأَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ )
أي أعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك ، فالنبى الملك
يفعل ما فرض الله عليه ويترك ما حرم الله عليه ويتصرف فى الولاية
والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه .
وأما العبد الرسول فلا يعطي أحداً إلا بأمر ربه ولا يعطى من
يشاء ويحرم [ من يشاء بل روى عنه] أنه قال ((إنى والله لا أعطى
أحداً ولا أمنع أحداً ، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ، ولهذا يضيف
الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول كقوله تعالى: (قُلِ الْأَنْفَالُ لَّهِ
وَالرَّسُولِ) وقوله تعالى: (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِلرَّسُولِ)
وقوله تعالى: (وَأَعْلَمُواْأَنَّمَا غَنِمُتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّلِلَّهِ خُمُسَهُ، وَلِلَّسُولِ).
ولهذا كان أظهر أقوال العلماء أن هذه الأموال تصرف فيما يحبه
الله ورسوله بحسب اجتهاد ولي الأمر كما هو مذهب مالك وغيره من
السلف ، ويذكر هذا رواية عن أحمد ، وقد قيل فى الخمس أنه يقسم
على خمسة ، كقول الشافعى وأحمد فى المعروف عنه، وقيل : على ثلاثة ،
كقول أبي حنيفة رحمه الله.
١٨١

و ((المقصود هنا)» أن العبد الرسول هو أفضل من النبى الملك،
كما أن إبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً عليهم الصلاة والسلام أفضل من
يوسف وداود وسليمان عليهم السلام ، كما أن المقربين السابقين أفضل
من الأبرار أصحاب اليمين الذين ليسوا مقربين سابقين ، فمن أدى ما
أوجب اللّه عليه وفعل من المباحات ما يحبه فهو من هؤلاء ، ومن كان
إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه ويقصد أن يستعين بما أبيح له على ما
أمره الله فهو من أولئك.
فصل
وقد ذكر الله تعالى ((أولياء.)) المقتصدين والسابقين في سورة
فاطر فى قوله تعالى: (ثُمَّأَوَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيَنَا مِنْ عِبَادِنَّفَمِنْهُمْ
ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اَللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
اُلْكَبِيرُ * جَنَتُ عَدْنٍ يَدْخُونَهَ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُوّ وَلِبَاسُهُمْ
فِيَهَا حَرِيرٌ * وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنِ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ *
الَّذِىّ أَحَّثَدَارَالْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَسُنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَافِيهَا لُغُوبٌ )
لكن هذه الاصناف الثلاثة فى هذه الآية م امة محمد صلى الله عليه
وسلم خاصة كما قال تعالى ( ثُمَّأَوْرَثْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ
١٨٢

ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
اُلْكَبِيرُ).
وأمة محمد صلى الله عليه وسلم م الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم
المتقدمة، وليس ذلك مختصاً بحفاظ القرآن؛ بل كل من آمن بالقرآن
فهو من هؤلاء ، وقسمهم إلى ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق ؛ بخلاف
الآيات التى فى الواقعة والمطففين والانفطار ، فإنه دخل فيها جميع الأمم
المتقدمة كافرهم ومؤمنهم، وهذا التقسيم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم
فـ ((الظالم لنفسه)) أصحاب الذنوب المصرون عليها ، ومن تاب من ذنبه
أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين، و((المقتصد))
المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم. و((السابق للخيرات )) هو المؤدي
للفرائض والنوافل ، كما فى تلك الآيات ، ومن تاب من ذنبه أي ذنب
كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين كما فى قوله
تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِمِينَ الْغَيْطَ وَاُلْعَافِينَ
عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوَّا أَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُواْاللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُؤْلَئِكَ جَزَاؤُهُ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ)
١٨٣

و ((المقتصد)) المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، و((السابق بالخيرات))
هو المؤدي للفرائض والنوافل كما فى تلك الآيات .
وقوله ( جَثُ عَدٍْ يَدْخُلُونَها ) مما يستدل به أهل السنة على
انه لا يخلد فى النار أحد من أهل التوحيد .
واما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن
عن النبى صلى الله عليه وسلم كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فى أهل الكبائر وإخراج من يخرج
من النار بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وشفاعة غيره. فمن قال :
إن أهل الكبائر مخلدون فى النار وتأول الآية على أن السابقين هم
الذين يدخلونها وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها ، كما تأوله من
المعتزلة فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من
أهل الكبائر النار، ويزعمون أن أهل الكبار قد يدخل جميعهم الجنة من
غير عذاب ، وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبى صلى الله عليه وسلم
والإجماع سلف الأمة وأئمتها .
وقد دل على فساد قول ((الطائفتين)) قول الله تعالى فى آيتين من
كتابه وهو قوله تعالى (إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ
فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه
لِمَن يَشَآءُ)
لمن يشاء ، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من بقوله من
١٨٤

المعتزلة لأن الشرك يغفره الله لمن تاب وما دون الشرك يغفره الله أيضاً
للنائب فلا تعلق بالمشيئة ؛ ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين قال تعالى :
( قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُوْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ
جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
فهنا عمم المغفرة
وأطلقها ، فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه ، فمن تاب من الشرك
غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب
العبد منه غفر الله له . ففي آية التوبة عمم وأطلق ، وفى تلك الآية
خصص وعلق ، خص الشرك بأنه لا يغفره ، وعلق ما سواه على المشيئة
ومن الشرك التعطيل للخالق وهذا يدل على فساد قول من يجزم
بالمغفرة لكل مذنب . ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق،
أو يجوز ألا يعذب بذنب ؛ فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر
البعض دون البعض ، ولو كان كل ظالم لنفسه مغفوراً له بلا توبة ولا
حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة .
وقوله تعالى: (وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) دليل على أنه يغفر
البعض دون البعض ، فبطل النفي والوقف العام .
١٨٥

فصل
وإذا كان ((أولياء الله عز وجل)) ثم المؤمنون المتقون. والناس
يتفاضلون فى الإيمان والتقوى ، فهم متفاضلون فى ولاية الله بحسب ذلك ،
كما أنهم لما كانوا متفاضلين فى الكفر والنفاق كانوا متفاضلين فى عداوة
الله بحسب ذلك .
وأصل الإيمان والتقوى: الإيمان برسل الله ، وجماع ذلك :
الإيمان بخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، فالإيمان به يتضمن
الإيمان بجميع كتب الله ورسله، وأصل الكفر والنفاق هو الكفر
بالرسل ، وبما جاءوا به ، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه
العذاب فى الآخرة ؛ فإن الله تعالى أخبر فى كتابه أنه لا يعذب أحداً
إلا بعد بلوغ الرسالة . قال الله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى ◌َبْعَثَ رَسُولًا )
وقال تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْ حَيْنَا إِلَى
إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ
وَسُلَيََّنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا * وَرُسُلَا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ
نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا
١٨٦

يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )
وقال تعالى عن أهل النار (كُلَّمَا أُلِّقِىَ فِيهَا فَوْمٌ سَأَهُمْ خَزَنُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْنَذِيرٌ *
قَالُواْبَى قَدْ جَاءَ نَانَذِيْرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَانَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ )
فأخبر أنه كلما ألقى فى النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه
، فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير . وقال تعالى
فى خطابه لا بليس (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)
فأخبر أنه يملؤها بإيليس ومن اتبعه ؛ فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم
. فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع الشيطان ، وهذا يدل على أنه
لا يدخلها من لا ذنب له فإنه ممن لم يتبع الشيطان ولم يكن مذنباً، وما
تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل .
فصل
ومن الناس من يؤمن بالرسل إيماناً مجملا، وأما الإيمان المفصل
فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك فيؤمن
بما بلغه عن الرسل، وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآ من به؛ ولكن آمن بما
جاءت به الرسل إيماناً مجملا، فهذا إذا عمل بما علم أن الله أمره به مع
١٨٧

إيمانه وتقواه فهو من أولياء الله تعالى ، له من ولاية الله بحسب إيمانه
وتقواه ، وما لم تقم عليه الحجة فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته والإيمان
المفصل به ، فلا يعذبه على تركه ؛ لكن يفوته من كمال ولاية الله
بحسب ما فاته من ذلك ، فمن علم بما جاء به الرسل وآمن به إيماناً
مفصلا وعمل به فهو أكمل إيماناً وولاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا
ولم يعمل به ؛ وكلاهما ولي للّه تعالى.
والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما ، وأولياء الله المؤمنون المتقون
فى تلك الدرجات بحسب إيمانهم ونقوام . قال تبارك وتعالى: (مَّن
كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَّمَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا
مَّدْخُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم
مَشْكُورًا * كُلَا نُّمِذُ هَتَؤُلَاءِ وَهَكَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَيِّكَ مَحْطُورًا *
أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضَِّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا ) .
فبين اللّه سبحانه وتعالى أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة
من عطائه وأن عطاءه ما كان محظوراً من بر ولا فاجر ، ثم قال تعالى :
( أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍّ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَحَتٍ وَأَكْبَرُ نَفْضِيلًا ).
فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما
يتفاضل الناس فى الدنيا وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا وقد بين
١٨٨

تفاضل أنبيائه عليهم السلام كتفاضل سائر عباده المؤمنين ، فقال تعالي :
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِنْهُم ◌َن ◌َّمَاللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا
عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اٌلْبَيِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُرُوجِ الْقُدُسِ)
وقال تعالى: (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيْعِنَ عَلَى بَعْضِ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا ).
وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
الضعيف ، وفى كل خير ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن
وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل
قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) وفي الصحيحين
عن أبى هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد
فأخطأ فله أجر )). وقد قال الله تعالى: (لَيَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ
اٌلْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْمِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)
وقال تعالى: (لَا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ
الَّهِبِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ
اُلْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًاعَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ
غَفُورًارَّحِيمًا )
١٨٩

وقال تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَآ مَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِالْآَخِرِ
وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَ يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِينَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَقْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَاللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُم ◌ْفَِّرُونَ *
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيةٌ * خَلِينَ فِيهَا
أَبَدَّا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )
وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَقَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْرَحْمَةً
رَيِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونٌ إِنَمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْالْأَلْبٍ )
وقال تعالى: (يَرْفَعِ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَدَرَحَتَّ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) .
فصل
وإذا كان العبد لا يكون ولياً لله إلا إذا كان مؤمناً تقياً لقوله تعالى:
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَآَخَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ ) وفى صحيح البخاري الحديث المشهور - وقد تقدم ــ يقول
الله تبارك وتعالى فيه: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه))
ولا يكون مؤمنا تقياً حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار
١٩٠

أهل اليمين ، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من
السابقين المقربين ، فمعلوم أن أحداً من الكفار والمنافقين لا يكون
ولياً لله.
وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل
أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة - وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى
يرسل إليهم رسول - فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين
المتقين ؛ فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم
يكن من أولياء الله. وكذلك المجانين والأطفال؛ فإن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق. وعن الصبى
حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ)). وهذا الحديث قد رواه أهل
السنن من حديث علي وعائشة رضى الله عنهما . واتفق أهل المعرفة على
تلقيه بالقبول . لكن الصبى المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور
العلماء . وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته
باتفاق العلماء . ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من
العبادات ؛ بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة
والصناعة . فلا يصلح أن يكون بزازاً ولا عطاراً ولا حداداً ولا نجاراً
ولا تصح عقوده باتفاق العلماء . فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه
ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته . ولا غير ذلك من أقواله ، بل
١٩١

أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ، ولا ثواب ولا عقاب .
بخلاف الصى المميز فإن له أقوالاً معتبرة فى مواضع بالنص والإجماع .
وفى مواضع فيها نزاع .
وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى
الله بالفرائض والنوافل ، وامتنع أن يكون ولياً لله فلا يجوز لأحد أن
يعتقد أنه ولي لله ؛ لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها
منه، أو نوع من تصرف ، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو
صرع ؛ فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين - من المشركين وأهل
الكتاب - لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعباد
المشركين وأهل الكتاب ، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على
كون الشخص ولياً لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية اللّه، فكيف
إذا علم منه ما يناقض ولاية الله ؟! مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب
اتباع النبى صلى الله عليه وسلم باطناً وظاهراً؛ بل يعتقد أنه يتبع الشرع
الظاهر دون الحقيقة الباطنة . أو يعتقد أن لأولياء الله طريقاً إلى الله
غير طريق الأنبياء عليهم السلام . أو يقول : إن الأنبياء ضيقوا الطريق
أو م على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعى
الولاية فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان . فضلاً عن ولاية الله
عز وجل . فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولايتهم
كان أضل من اليهود والنصارى .
١٩٢

وكذلك المجنون ؛ فإن كونه مجنوناً يناقض أن يصح منه الإيمان
والعبادات التى هي شرط فى ولاية الله ، ومن كان يجن أحياناً ويفيق
أحياناً . إذا كان فى حال إفاقته مؤمناً بالله ورسوله ويؤدي الفرائض
ويجتذب المحارم ؛ فهذا إذا جن لم يكن جنونه مانعاً من أن ينيبه الله على
إيمانه وتقواه الذي أتى به فى حال إفاقته ، ويكون له من ولاية الله
بحسب ذلك . وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد إيمانه وتقواه ؛ فإن الله
يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه ونقواه ؛ ولا يحبطه بالجنون الذي
ابتلى به من غير ذنب فعله ، والقلم مرفوع عنه فى حال جنونه .
فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب
المحارم بل قد بأتى بما يناقض ذلك ، لم يكن لأحد أن يقول هذا
ولي الله، فإن هذا إن لم يكن مجنوناً؛ بل كان متولهاً من غير
جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارة، ويفيق أخرى وهو لا يقوم
بالفرائض ، بل يعتقد أنه لايجب عليه اتباع الرسول صلى الله
عليه وسلم فهو كافر، وإن كان مجنوناً باطناً وظاهراً قد ارتفع
عنه القلم ؛ فهذا وإن لم يكن معاقباً عقوبة الكافرين فليس هو مستحقا
لما يستحقه أهل الإيمان والتقوى من كرامة الله عز وجل، فلا يجوز
على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه ولي لله ، ولكن إن كان له حالة
في إفاقته كان فيها مؤمناً بالله متقياً كان له من ولاية الله بحسب ذلك،
١٩٣

وان كان له فى حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافراً أو منافقاً
ثم طرأ عليه الجنون ، فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه
وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق .
فصل
وليس لأولياء الله شيء بتميزون به عن الناس فى الظاهر من الأمور
المباحات فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا ، ولا
بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا كما قيل : كم من صديق
في قباء وكم من زنديق فى عباء ؛ بل يوجدون فى جميع أصناف أمة
محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور،
فيوجدون فى أهل القرآن وأهل العلم. ويوجدون فى أهل الجهاد والسيف
ويوجدون في التجار والصناع والزراع . وقد ذكر الله أصناف أمة محمد
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِنْ تُلُفِى الَّْلِ
صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: (
وَنِصْفَهُ، وَثُلُثَهُ, وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ وَاَللَّهُ يُقَدِّرُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَأَنْ لَّنْ تُحْصُوهُ فَذَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُ وا
مَاتَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُرْ قَرْضَّ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ
وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَهُ وَأَمَا تَسَّرَمِنْهُ ).
١٩٤

وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم ((القراء )» فيدخل فيهم
العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم ((الصوفية والفقراء)). واسم
((الصوفية)) هو نسبة إلى لباس الصوف ؛ هذا هو الصحيح وقد
قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء ، وقيل إلى صوفة بن أد بن طابخة
قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك ، وقيل إلى أهل الصفة ، وقيل
إلى الصفا، وقيل إلى الصفوة وقيل إلى الصف المقدم بين بدي الله
تعالى ، وهذه أقوال ضعيفة ، فإنه لو كان كذلك لقيل صفى أو صفائى
أو صفوى أو صفى ، ولم يقل صوفى .
وصار أيضا اسم (( الفقراء ) يعني به أهل السلوك ، وهذا عرف
حادث، وقد تنازع الناس أيما أفضل مسمى ((الصوفى)) أو مسمى
((الفقير))؟ ويتنازعون أيضا أيما أفضل: الغنى الشاكر أو
الفقير الصابر ؟ .
وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء ،
وقد روى عن أحمد بن حنبل فيها روايتان ، والصواب فى هذا كله
يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَفْشَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنْتَّى
ما قاله الله تبارك وتعالی حیث قال : (
وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوَ إِنَّأَكْرَ مَكُرْ عِندَاللّهِأَنْقَنَّكُمْ ).
وفي الصحيح عن أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
١٩٥

عليه وسلم أنه سئل: (( أي الناس أفضل ؟ قال أنقام . قيل له :
ليس من هذا نسألك فقال : يوسف نى الله ابن يعقوب نى الله ابن
إسحق نبى الله ابن إبراهيم خليل الله . فقيل له: ليس عن هذا نسألك.
فقال : عن معادن العرب تسألونى ؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ،
خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا )).
فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أنقام .
وفى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( لا فضل لعربى
على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على
أسود إلا بالتقوى. كلكم لآدم وآدم من تراب)).
وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن الله تعالى أذهب
عنكم عُبّية الجاهلية وفرها بالآباء ، الناس رجلان : مؤمن نقى
وفاجر شقى)).
فمن كان من هذه الأصناف أتقى الله فهو أكرم عند الله وإذا
استويا فى التقوى استويا فى الدرجة .
ولفظ «الفقر » فى الشرع يراد به الفقر من المال ويراد به فقر
المخلوق إلى خالقه كما قال تعالى: ( إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ )
١٩٦

وقال تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ ) وقد مدح الله تعالى
فى القرآن صنفين من الفقراء : أهل الصدقات وأهل الفيء ، فقال فى
الصنف الأول: ( لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ
ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ
لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ) وقال فى الصنف الثانى وهم افضل
الصنفين ( لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا
. (
مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ
وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله
باطناً وظاهراً، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم ((المؤمن من أمنه
الناس على دمائهم وأموالهم ، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه فى
ذات الله)).
أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال فى غزوة تبوك (( رجعنا
من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر )) فلا أصل له ولم يروه أحد من
أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وجهاد الكفار
من أعظم الأعمال ؛ بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان قال الله تعالى:
( لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَّ
١٩٧

وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرَاعَظِيمًا ) وقال تعالى: ( أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ
الْحَاجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِالْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوَّنَ
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْفِى سَبِيلِ اللَّهِ
عِندَ اللّهِ وَاللهُ لَيَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
يُبَشِّرُهُمْ رَبُهُمْ بِرَحْمَةٍ
بِأَمَّوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَاللَّهِ وَأَوْلَكَ هُ الْفَابِرُونَ
مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَّمْفِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمُ * خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّاللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ
عَظِيمٌ ).
وثبت فى صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله عنه
قال : كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالى ألا
أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج ، وقال آخر : ما أبالي أن
أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام ، وقال علي بن أبي
طالب الجهاد فى سبيل الله أفضل مما ذكرتما، فقال عمر : لا ترفعوا
أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن إذا قضيت
الصلاة سألته ، فسأله فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وفى الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قلت
يا رسول الله! أي الأعمال أفضل عند الله عز وجل؟ قال ((الصلاة
على وقتها)) قلت ثم أي؟ قال: ((بر الوالدين)). قلت: ثم أي؟
قال: ((الجهاد فى سبيل الله)) قال : حدثني بهن رسول الله صلى الله
١٩٨

عليه وسلم ولو استزدته لزادني ، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه
وسلم أنه سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمان بالله وجهاد في
سبيله ، قيل: ثم ماذا ؟ قال حج مبرور)) .
وفى الصحيحين أن رجلاً قال له صلى الله عليه وسلم يا رسول الله
أخبرني بعمل يعدل الجهاد فى سبيل الله قال: ((لا تستطيعه أو لاتطيقه))
قال فأخبرني به قال: ((هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم
ولا تفطر وتقوم ولا تفتر» ؟
وفى السنن عن معاذ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال: (( يامعاذ ! اتق الله حيثما كنت ،
وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ))، وقال :
((( يا معاذ ! إني لأحبك فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعني
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وقال له - وهو رديفه -
يا معاذ: «أتدري ما حق الله على عباده)) قلت الله ورسوله أعلم
٠
قال: (( حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً . أتدري ما حق
العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. قال:
(( حقهم عليه ألا يعذبهم)).
وقال أيضاً لمعاذ: ((رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة
١٩٩

سنامه الجهاد في سبيل الله))، وقال: ((يا معاذ ألا أخبرك بأبواب البر؟
الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ، وقيام الرجل
فى جوف الليل، ثم قرأ ( نَتَجَافَى جُنُودُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِن
*
خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ
قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَآءُ بِمَا كَانُوْيَعْمَلُونَ ) ثم قال: يا معاذ ألا أخبرك بملاك
ذلك كله ؟ قلت بلى ! فقال : أمسك عليك لسانك هذا فأخذ بلسانه ،
قال يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال: ثكلتك أمك
يا معاذ وهل يكب الناس فى النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ».
وتفسير هذا ما ثبت فى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) فالتكلم
بالخير خير من السكوت عنه ، والصمت عن الشر خير من التكلم به .
فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها ، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز
واللحم وشرب الماء فذلك من البدع المذمومة أيضاً ، كما ثبت فى
صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم رأى رجلا قائماً فى الشمس فقال: ((ما هذا)) فقالوا : أبو
إسرائيل نذر أن يقوم فى الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((حروه فليجلس وليستظل وليتكلم
وليتم صومه )) .
٢٠٠