النص المفهرس
صفحات 161-180
العداوة البغض والبعد . وقد قيل : إن الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات أي متابعته لها ، والأول أصح. والولي القريب ، فيقال : هذا يلي هذا أي يقرب منه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ((ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)) أي لأقرب رجل إلى الميت . وأكده بلفظ ((الذكر)) ليبين أنه حكم يختص بالذكور، ولا يشترك فيها الذكور والإناث كما قال فى الزكاة («فابن لبون ذكر)). فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه كان المعادي لوليه معاديا له كما قال تعالى: (لَا تَتَّخِذُ واْعَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ) فمن عادى أولياء الله فقد عاداه، ومن عاداه فقد حاربه ، فلهذا قال ((ومن عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة » . وأفضل أولياء الله م أنبياؤه، وأفضل أنبيائه م المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالدِّينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْفِيهِ ) وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَامِنَ النَّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن تُوج وَإِبَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَامِنْهُم مِّشَقًّا غَلِيظًا * لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن ١٦١ صِدْقِهِمَّ وَأَ عَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ). وأفضل أولي العزم محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المتقين، وسيد ولد آدم، وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا ، وخطيبهم إذا وفدوا ، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وصاحب لواء الحمد ، وصاحب الحوض المورود ، وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة ، الذي بعثه بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه ، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم ، ولم آخر الأمم خلقاً ، وأول الأمم بعثاً ، كما قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ؛ فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه - يعني يوم الجمعة - فهدانا الله له: الناس لنا تبع فيه، غداً لليهود وبعد غد للنصارى )» وقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض) وقال صلى الله عليه وسلم: ((آ تي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت ؟ فأقول أنا محمد ، فيقول بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك )) . ١٦٢ وفضائله صلى الله عليه وسلم وفضائل أمته كثيرة، ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون ولياً لله إلا من آمن به وبما جاء به، واتبعه باطناً وظاهراً، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله؛ بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُاللَّهُ) قال الحسن البصري رحمه الله: ادعى قوم أنهم يحبون الله فأزل الله هذه الآية محنة لهم، وقد بين الله فيها أن من اتبح الرسول فإن الله يحبه، ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول صلى اللّه عليه وسلم فليس من أولياء الله، وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه. قال تعالى: ( قُلْ صِى وقال تعالى : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌبِمَنْ خَلَقَ ) الآية . ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْ خُلَ الْجَنَّةَ إِلََّ مَن كَانَ هُودًا أَوْنَصَرَىُّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ) إلى قوله (وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ ). وكان مشركو العرب يدعون أنهم أهل اللّه لسكنام مكة ، ومجاورتهم البيت ، وكانوا يستكبرون به على غيرهم ، كما قال تعالى (قَدْكَانَتْ ءَايَتِى نُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْتَنكِصُونَ * مُسْتَكِْنَ بِهِ سَِرًا وقال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُبِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ تَهْجُرُونَ ) ، ١٦٣ ◌ِيُشْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ) إلى قوله (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءٌ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ ) فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته ، إنما أولياؤه المتقون . وثبت فى الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جهاراً من غير سر: ((إن آل فلان ليسوا لي بأولياء - يعني طائفة من أقاربه - إنما وليي ( فَإِنَّاللَّهَ هُوَمَوْلَئُهُ اللّه وصالح المؤمنين )) وهذا موافق لقوله تعالى : وَجِبْرِيلُ وَصَِحُ الْمُؤْمِنِينَ ) الآية. وصالح المؤمنين هو من كان صالحاً من المؤمنين ، وهم المؤمنون المتقون أولياء الله. ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة ، وكانوا ألفاً وأربعمائة ، وكلهم فى الجنة كما ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لا يدخل النار أحد بابع تحت الشجرة)) ومثل هذا الحديث الآخر: ((إن أوليائى المتقون أياً كانوا وحيث كانوا )) . كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله وليس ولياً لله ؛ بل عدو له ، فكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام يقرون فى الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأنه مرسل إلى جميع الإنس ؛ بل إلى الثقلين الإنس والجن ، ويعتقدون فى الباطن ١٦٤ ما يناقض ذلك ، مثل ألا يقروا فى الباطن بأنه رسول الله، وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك ، أو يقولون إنه رسول اللّه إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى ، أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن اللّه أولياء خاصة لم يرسل إليهم ولا يحتاجون إليه ؛ بل لهم طريق إلى الله من غير جهته ، كما كان الخضر مع موسى ، أو أنهم يأخذون عن الله كل ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة ، أو أنه مرسل بالشرائح الظاهرة وم موافقون له فيها ، وأما الحقائق الباطنة فلم يرسل بها ، أو لم يكن يعرفها ، أو م أعرف بها منه ، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته . وقد يقول بعض هؤلاء: إن «أهل الصفة )) كانوا مستغنين عنه ، ولم يرسل إليهم ، ومنهم من يقول: إن الله أوحى إلى أهل الصفة فى الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج ، فصار أهل الصفة بمنزلته ، وهؤلاء من فرط جهلهم لا يعلمون أن الإسراء كان بمكة كما قال تعالى : سُبْحَنَ الَّذِىَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلاَمِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَا اُلَّذِى ) بَرَكْنَاحَوْلَهُ )، وأن الصفة لم تكن إلا بالمدينة ، وكانت صفة فى شمالي مسجده صلى الله عليه وسلم ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ينزلون عندم؛ فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبى صلى ١٦٥ الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ فمن أمكنه أن ينزل فى مكان نزل به ، ومن تعذر ذلك عليه نزل فى المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه . ولم يكن (( أهل الصفة)) ناساً بأعيانهم يلازمون الصفة ؛ بل كانوا يقلون تارة ويكثرون أخرى ، ويقيم الرجل بها زماناً ثم ينتقل منها : والذين ينزلون بها من جنس سائر المسلمين ؛ ليس لهم مزية فى علم ولا دين ؛ بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي صلى اللّه عليه وسلم كالعرنيين الذين اجتووا المدينة ــ أي استوخموها - فأمر لهم النبى صلى الله عليه وسلم بلقاح - أي إبل لها لبن - وأمريم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا الراعي ، واستاقوا الذود فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، فأتى بهم ، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمرت أعينهم وتركهم فى الحرة يستسقون فلا يسقون وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس ، وفيه أنهم نزلوا الصفة. فكان ينزلها مثل هؤلاء ، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة ، ثم انتقل عنها ، ونزلها أبو هريرة وغيره . وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمى تاريخ من نزل الصفة . وأما ((الأنصار)) فلم يكونوا من أهل الصفة، وكذلك أكبر المهاجرين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ١٦٦ ابن عوف وأبي عبيدة وغيرهم لم يكونوا من أهل الصفة . وقد روى أنه بها غلام للمغيرة بن شعبة ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا واحد من السبعة)) وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن كان قد رواه أبو نعيم فى الحلية ، وكذا كل حديث يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى عدة ((الأولياء)) و ((الأبدال)) و((النقباء)) و((النجباء)) و((الأوناد)) و((الأقطاب)) مثل أربعة أو سبعة أو اثنى عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أو القطب الواحد ، فليس في ذلك شيء صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ إلا بلفظ ((الأبدال)). وروى فيهم حديث أنهم أربعون رجلا وأنهم بالشام وهو فى المسند من حديث علي رضي الله عنه، وهو حديث منقطع ليس بثابت . ومعلوم أن علياً ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ومن معه بالشام فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر علي ، وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق )) وهؤلاء المارقون م الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين فى خلافة علي ، فقتلهم علي بن أبى طالب وأصحابه ، فدل هذا الحديث الصحيح على أن علي ١٦٧ ابن أبى طالب أولى بالحق من معاوية وأصحابه ؛ وكيف يكون الأبدال فى أدنى العسكرين دون أعلاها ؟ وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه أنشد منشد فلا طبيب لها ولا راقي قد لسعت حية الهوى كبدي إلا الحبيب الذي شغفت به فعنده رقيتى وترياقي وأن النبى صلى الله عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه)) فإنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث ، وأ كذب منه ما يرويه بعضهم: (( أنه مزق ثوبه ، وأن جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش ))، فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أظهر الأحاديث كذباً عليه صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما يروونه عن عمر رضى الله عنه أنه قال: ((كان النى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان وكنت بينها كالزنجي ))، وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث . والمقصود هنا أن فيمن يقر برسالته العامة فى الظاهر من يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقاً وهو يدعى في نفسه وأمثاله ١٦٨ أنهم أولياء الله مع كفرهم فى الباطن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إما عناداً وإما جهلاً ، كما أن كثيراً من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله، وأن محمداً رسول الله؛ ولكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب ، وأنه لا يجب علينا اتباعه ، لأنه أرسل إلينا رسلاً قبله ، فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون فى طائفتهم أنهم أولياء الله، وإنما أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بولايته بقوله: (أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) . ولا بد فى الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بكل رسول أرسله الله وكل كتاب أنزله الله، كما قال تعالى: (قُولُوَأْءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَ إِسْمَعِيلَ وَإِسْخَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوْتِىَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ ھِے أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَا مَنْتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِنَوَلَّوْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وقال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَئِكَتِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) إلى آخر السورة. وقال فى أول السورة: (الّ * ذَلِكَ الْكِتَبُ لَ رَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْنَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيِْ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّارَزَقْهُمْ يُفِقُونَ * ١٦٩ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِهِمْ وَأُوْلَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فلا بد في الإيمان من أن تؤمن أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، لا نبي بعده ، وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن ؛ فضلاً عن أن يكون من أولياء الله المتقين؛ ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن، كما قال الله تعالى: (إِنَّ اُلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِوَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا * وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍمِّنْهُمْ ٠ لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِینًا أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا ) ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه فى تبليغ أمره ونهيه . ووعده ووعيده، وحلاله وحرامه؛ فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقاً إلى الله من غير متابعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر من أولياء الشيطان . ١٧٠ وأما خلق الله تعالى للخلق ، ورزقه إياهم ، وإجابته لدعائهم وهدايته لقلوبهم ، ونصرهم على أعدائهم ، وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار ، فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب ، لا يدخل فى مثل هذا وساطة الرسل . ثم لو بلغ الرجل فى ((الزهد والعبادة والعلم)) ما بلغ، ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس بمؤمن، ولا ولي لله تعالى كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعبادهم ؛ وكذلك المنتسبين إلى العلم والعبادة من المشركين مشركي العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك وله على أو زهد وعبادة فى دينه وليس مؤمناً بجميع ما جاء به فهو كافر عدو الله ، وإن ظن طائفة أنه ولي لله ، كما كان حكماء الفرس من المجوس كفاراً مجوساً . وكذلك حكماء ((اليونان)) مثل أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب ، وكان أرسطو قبل المسيح عليه السلام بثلاثمائة سنة ، وكان وزيراً للإسكندر بن فيلبس المقدونى ، وهو الذي تؤرخ به تواريخ الروم واليونان ، وتؤرخ به اليهود والنصارى ؛ وليس هذا هو ذو القرنين الذي ذكره الله فى كتابه، كما يظن بعض الناس أن ارسطو كان وزيراً لذى القرنين لما رأوا أن ذاك اسمه الإسكندر ، وهذا قد يسمى بالإسكندر ظنوا أن هذا ذاك كما يظنه ابن سينا وطائفة معه ، ١٧١ وليس الأمر كذلك ؛ بل هذا الإسكندر المشرك الذي قد كان أرسطو وزيره متأخر عن ذاك، ولم يبين هذا السد ، ولا وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج ، وهذا الإسكندر الذي كان أرسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعروف . وفي أصناف المشركين من مشركى العرب ومشركي الهند والترك واليونان وغيرهم من له اجتهاد فى العلم والزهد والعبادة ؛ ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما جاءوا به ولا يصدقهم بما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء الله، وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتنزل عليهم فيكاشفون الناس ببعض الأمور ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر ، وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين . قال تعالى: (هَلْ أُنِيِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَغَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَاءٍ أَشِمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ). وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات إذا لم يكونوا متبعين للرسل فلا بد أن يكذبوا ، وتكذبهم شياطينهم . ولا بد أن يكون فى أعمالهم ما هو إثم ونجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة ؛ ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن. قال اللّه تعالى: (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) ١٧٢ وذكر الرحمن هو الذكر الذي بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب أمره فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به ، قال تعالى: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَهُ ) وقال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ. يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبٍ لِمَحَتَرْ تَِى أَعْمَى وَقَدَكُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَنتَكَ ءَتُنَا فَسِيَهَا وَكَلِكَ الْيَوْمَنُسَنَى) فدل ذلك على أن ذكره هو آياته التى أزلها ، ولهذا لو ذكر الرجل الله سبحانه وتعالى دائماً ليلاً ونهاراً مع غاية الزهد، وعبده مجتهداً فى عبادته ولم يكن متبعاً لذكره الذي أنزله - وهو القرآن - كان من أولياء الشيطان ولو طار فى الهواء أو مشى على الماء ؛ فإن الشيطان يحمله فى الهواء . وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . فصل ومن الناس من يكون فيه إيمان ، وفيه شعبة من نفاق ، كما جاء فى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب؛ ١٧٣ وإذا وعد أخلف، وإذا اوتمن خان، وإذا عاهد غدر )) وفى الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة ، أعلاها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان )) فبين النبى صلى الله عليه وسلم أن من كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها ، وقد ثبت في الصحيحين أنه قال لأبي ذر - وهو من خيار المؤمنين - ((إنك امرؤ فيك جاهلية)) فقال يا رسول الله أعلى كبر سني؟! قال: ((نعم)) !. وثبت فى الصحيح عنه أنه قال ((أربع في أمتى من أمر الجاهلية: الفخر فى الأحساب، والطعن فى الأنساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم )) وفى الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا اوتمن خان)) وفى صحيح مسلم ((وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم )) وذكر البخاري عن ابن أبي مليكة قال : أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، وقد قال الله تعالى: (وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَّقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْتَعَالَوْ قَنِلُواْ فِى سَبِيلِاللَّهِ أَوِ أَدْ فَعُواْ قَالُوْ لَوْنَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ) فقد جعل هؤلاء إلى ١٧٤ الكفر أقرب منهم للإيمان ، فعلم أنهم مخلطون وكفرم أقوى ، وغيرهم يكون مخلطاً وإيمانه أقوى. وإذا كان ((أولياء الله)) ثم المؤمنين المتقين فبحسب إيمان العبد ونقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيماناً وتقوى ، كان أكمل ولاية لله. فالناس متفاضلون فى ولاية الله عز وجل بحسب تفاضلهم فى الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون فى عداوة الله بحسب تفاضلهم فى الكفر والنفاق، قال الله تعالى: (وَإِذَامَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَّهُ هَذِهِ: إِيمَنَّا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ ) وقال تعالى : (إِنَّمَا النَّسِيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ) وقال تعالى: (وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْأْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَائَنْهُمْ تَّقْوَنُهُمْ) وقال تعالى في المنافقين (فِ قُلُوبِهِم ◌َضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ). فبين سبحانه وتعالى أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية اللّه بحسب إيمانه؛ وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه. وقال تعالى (وَيَزْدَادَالَّذِينَ ءَامَنُواْإِيمَنًا) وقال تعالى (لِيَزْدَادُوَاْإِيمَنَا مَعَ إِيَنِهِمْ). ١٧٥ فصل وأولياء الله على ((طبقتين)) سابقون مقربون ، وأصحاب يمين مقتصدون . ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز فى أول سورة الواقعة وآخرها وفي سورة الإنسان ؛ والمطففين وفي سورة فاطر ، فإنه سبحانه وتعالى ذكر فى الواقعة القيامة الكبرى فى أولها ، وذكر القيامة الصغرى فى آخرها ، فقال في أولها ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْمِهَا كَاذِبَُّ * خَافِضَةٌ رَافِعَةُ * إِذَارُخَّتِ الْأَرْضُ رَبَّّا * وَبُسَتِ الْجِبَالُ بَسَّا * فَكَانَتْ هَبَاءُ مُنْبَثًاً * وَكُنتُمْ أَزْوَجَا ثَلَثَّةً * فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَبُ الْشِئْمَةِ مَآَ أَصْحَبُ المَشْتَمَةِ * وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَبُونَ * فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِينَ ) فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التى يجمع الله فيها الأولين والآخرين كما وصف الله سبحانه ذلك فى كتابه في غير موضع . ثم قال تعالى فى آخر السورة: (فَلَوْلَآ) أي: فهلا (إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوَمَ * وَأَنْتُمْ حِيَذِ نَنْظُرُونَ * وَتَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَّ ◌ُبُصِرُونَ * فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِنَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنُ صَدِقِينَ * فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * ١٧٦ فَرَوْعٌ وَرَتْحَانٌ وَحَتَّتُ نَّعِيمٍ * وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ * فَسَلَهُلَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اٌلْيَمِينِ وَأَمَّ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَوْلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ بَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ * حَقُّ أَلْيَقِينِ * فَسَيِحْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ) . وقال تعالى فى سورة الانسان: (إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَا وَأَغْلَلًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنَايَشْرَبُ بِهَاِبَادُ الَّهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْسِيرًا * يُوفُونَ بِلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَّا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّا تُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِلَانُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءَوَا شُكُورًا * إِنَّانَخَافُ مِن ◌َّيِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا فَتْطَرِيرًا * فَوقَهُمُ اللَّهُ شَرَّذَلِكَ اَلْيَوَّرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَّهُمْ بِمَا صَبَرُ واْجَنَّةً وَحَرِيرًا ) الآيات . وكذلك ذكر فى سورة المطففين فقال : (كَلَّا إِنَّ كِتَبَ الْفُجَارِلَفِىِ سِجِينِ) إلى أن قال: (كَلَّ إِنَّ كِنَبَ اُلْأَبْرَارِ لَفِى عِلّتِينَ * وَمَآ أَدْرَئِكَ مَاعِلَيُونَ * كِنَبُ قَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْقُرُّونَ * إِنَّالْأَبْرَارَ لَفِىِ نَعِيمٍ * عَلَى اُلْأَرَّبِكِ يَنَظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقِ مَخْتُومٍ * خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ * وَمِنَاجُهُ, مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنَايَشْرَبُبِهَا الْمُقَرَّبُونَ ). وعن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف قالوا يمزج ١٧٧ لأصحاب اليمين مزجاً ، ويشرب بها المقربون صرفا ، وهو كما قالوا. فإنه تعالى قال ( يَثْرَبُبِهَا ) ولم يقل : يشرب منها لأنه ضمن ذلك قوله بشرب يغني یروی بها ، فإن الشارب قد بشرب ولا يروى ، فإذا قيل بشربون منها لم يدل على الري ، فإذا قيل بشربون بها كان المعنى يروون بها، فالمقربون يروون بها فلا يحتاجون معها إلى مادونها؛ فلهذا يشربون منها صرفاً ، بخلاف أصحاب اليمين فإنها مزجت لهم مزجاً، وهو كما قال تعالى في سورة الإنسان ( كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الَهِ يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا). فعباد الله ثم المقربون المذكورون فى تلك السورة ، وهذا لأن الجزاء من جنس العمل فى الخير والشر ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم (( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة ، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه ، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ، وما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة. وغشيتهم الرحمة؛ وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده ، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم فى صحيحه . وقال صلى الله ١٧٨ عليه وسلم ((الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء)) قال الترمذي : حديث صحيح . وفى الحديث الآخر الصحيح الذي في السنن ( يقول الله تعالى : أنا الرحمن خلقت الرحم ، وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته )) وقال ((ومن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله )) ومثل هذا كثير . وأولياء الله تعالى على نوعين : مقربون وأصحاب يمين كما تقدم . وقد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم عمل القسمين فى حديث الأولياء فقال « بقول الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ؛ فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها ، ورجله التى يمشي بها)). فالأبرار أصحاب اليمين ثم المتقربون إليه بالفرائض ، يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم، ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات ؛ ولا الكف عن فضول المباحات . وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ، ففعلوا ١٧٩ الواجبات والمستحبات ، وتركوا المحرمات والمكروهات ، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبا تاما ، كما قال تعالى: (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) يعني الحب المطلق. كقوله تعالى: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الَّآلِينَ ) أي أنعم عليهم الانعام المطلق التام المذكور فى قوله تعالى: (وَمَن يُطِعِاللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ) فهؤلاء المقربون صارت المباحات فى حقهم طاعات ، يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت أعمالهم كلها عبادات لله فشربوا صرفا كما عملوا له صرفا ، والمقتصدون كان فى أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم ، فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه ، فلم يشربوا صرفا ؛ بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه فى الدنيا . ونظير هذا انقسام الأنبياء عليهم السلام إلى عبد رسول ونى ملك وقد غير الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم بين أن يكون عبداً رسولا، وبين أن يكون نبيا ملكا ، فاختار أن يكون عبداً رسولا ، فالنبى الملك مثل داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلاة والسلام قال الله تعالى فى قصة سليمان الذي (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَ لَا يَنْبَغِ لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَلْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ تَّجْرِىِ بِأَمْرِ هِمُخَ حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَطِيْنَ كُلَّ بَنَّآءٍ ١٨٠