النص المفهرس

صفحات 101-120

نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه))
ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التى يجب للمؤمن على المؤمن . فهذه
الحقوق واجبة بنفس الإيمان ، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة
والصيام والحج ، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله .
وهذه ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن ، وإن لم يحصل بينهما عقد
مؤاخاة ، وإن كان المقصود منها إثبات حكم خاص كما كان بين المهاجرين
والأنصار ، فهذه فيها للعلماء قولان ، بناء على أن ذلك منسوخ أمـ
لا ؟ فمن قال : إنه منسوخ - كمالك والشافعي وأحمد فى المشهور
عنه. قال : إن ذلك غير مشروع. ومن قال : إنه لم ينسخ -
كما قال: أبو حنيفة وأحمد فى الرواية الأخرى - قال إنه مشروع.
وأما ((الشروط)) التى يلتزمها كثير من الناس فى ((السماع))
وغيره ، مثل أن يقول : على المشاركة فى الحسنات ، وأنا خلص يوم
القيامة خلص صاحبه ، ونحو ذلك . فهذه كلها شروط باطلة ؛ فإن
الأمر يومئذ لله، هو: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسِ شَيْئًا) وكما قال
تعالى: ( وَلَقَدْجِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَكْتُمُ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ
ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَّهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكُوْأَ لَقَدَ نَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ
وَضَلَّ عَنْكُمْ قَاكُمْ تَزْعُمُونَ ) .
وكذلك يشترطون شروطاً من الأمور الدنيوية ولا يوفون بها،
١٠١

وما أعلم أحداً ممن دخل فى هذه الشروط الزائدة على ما شرطه الله
ورسوله وفى بها ؛ بل هو كلام يقولونه عند غلبة الحال ؛ لا حقيقة له
فى المآل، وأسعد الناس من قام بما أوجبه الله ورسوله ، فضلاً عن
أن يوجب على نفسه زيادات على ذلك .
وهذه المسائل قد بسطت فى غير هذا الموضع . والله أعلم.
١٠٢

وقال رحمه الله
فصل
والشيخ ((عدي بن مسافر بن صخر)) كان رجلا صالحاً ، وله
أتباع صالحون ، ومن أصحابه من فيه غلو عظيم ، يبلغ بهم غليظ
الكفر ، وقد رأيت جزءاً أتى بيد أتباعه فيه نسبه وسلسلة طريقه،
فرأيت كليهما مضطربا .
أما ((النسب)) فقالوا : عدى بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن
مروان بن أحمد بن مروان بن الحكم بن مروان الأموي . وهذا كذب
قطعاً فإنه يمتنع أن يكون بينه وبين مروان بن الحكم خمسة أنفس .
وأما (( الخرقة)) فقالوا : دخل على الشيخ العارف عقيل المنبجي
وألبسه الخرقة بيده، والشيخ عقيل لبس الخرقة من يد الشيخ
مسلمة المردجي ، والشيخ مسلمة لبس الخرقة من بد الشيخ أبى
سعيد الخراز .
١٠٣

قلت : هذا كذب واضح ، فإن مسلمة لم يدرك أبا سعيد ، بل بينهما
أكثر من مائة سنة ، بل قريباً من مائتى سنة .
ثم قالوا : والشيخ أبو سعيد الخراز لبس الخرقة من يد الشيخ
أبى محمد العنسي والعنسى لبسها من يد الشيخ علي بن عليل الرملي ،
والشيخ علي بن عليل لبسها من يد والده الشيخ عليل الرملي ، والشيخ
عليل لبس الخرقة من يد الشيخ عمار السعدي، والشيخ عمار السعدي
لبس الخرقة من يد الشيخ يوسف الغساني ، والشيخ يوسف الغسانى
لبس الخرقة من يد والده الشيخ يعقوب الغساني ، والشيخ يعقوب
الغسانى لبس الخرقة من يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يوم خطب
الناس بالجابية، وعمر بن الخطاب لبس الخرقة من يد رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لبس الخرقة
من بد جبرائيل ، وجبرائيل من الله تعالى .
قلت : لبس عمر للخرقة وإلباسه ولبس رسول الله صلى الله عليه
وسلم للخرقة وإلباسه يعرف كل من له أدنى معرفة أنه كذب . وأما
الإسناد المذكور ما بين أبى سعيد إلى عمر فمجهول، وما أعرف لهؤلاء
ذكراً لا فى كتب الزهد والرقائق، ولا فى كتب الحديث والعلم، ومن
الممكن أن يكون بعض هؤلاء كانوا شيوخا، وقد ركب هذا الإسناد
عليهم من لم يعرف أزمانهم والله أعلم بحقيقة أمرهم.
١٠٤

ثم ذكروا بعد هذا ((عقيدته)) وقالوا : هذه عقيدة السنة من
إملاء الشيخ عدى. و (( العقيدة)) من (كتاب التبصرة ) للشيخ أبي
الفرج المقدسي . بألفاظه، نقل المسطرة لكن حذفوا منها تسمية المخالفين
وأقوالهم ، وذكروا ماذكره من الأدلة ، وزادوا فيها من ذكر يزيد
وغيره أشياء لم يقلها الشيخ أبو الفرج وفيها أحاديث موضوعة ، وقال
فى آخرها فهذا اعتقادنا ، وما نقلناه عن مشايخنا نقله جبرائيل عن الله،
ونقله النبي صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل، ونقله الصحابة عن النبى
صلى الله عليه وسلم، وسمى من سماه اللالكائى فى أول كتاب
( شرح أصول السنة ) كما ذكروا أن هذا أملاء الشيخ عدى من حفظه .
وأمر بكتابته ، ورووا ذلك بالسماع من الشيخ حسن بن عدى بن
أبي البركات بسماعه من والده عدى بن أبي البركات بن صخر بن مسافر
وهو عدى (١) .
(١) خرم بالأصل في آخر كلمة .
١٠٥

وسل
هل تخلل أبو بكر بالعباءة ؟ وتخللت الملائكة لأجله بالعباءة
أم لا ؟ ؟ .
فأحاب :
الحمد للّه، لم يتخلل أبو بكر بالعباءة، ولا الملائكة تخللوا بالعباءة،
وذلك كذب . والله أعلم .
١٠٦

وسل
عن معنى قول من يقول: (( حب الدنيا رأس كل خطيئة )) فهل
هي من جهة المعاصى ؟ أو من جهة جمع المال ؟ ؟.
فأجاب : ليس هذا محفوظاً عن النبى صلى الله عليه وسلم ؛ ولكن
هو معروف عن جندب بن عبد الله البجلي من الصحابة، ويذكر عن
المسيح بن مريم عليه السلام ، وأكثر ما يغلو فى هذا اللفظ المتفلسفة ،
ومن حذا حذوهم من الصوفية على أصلهم ، فى تعلق النفس إلى أمور
ليس هذا موضع بسطها .
وأما حكم الإسلام فى ذلك : فالذي يعاقب الرجل عليه الحب الذي
يستلزم المعاصى : فإنه يستلزم الظلم والكذب والفواحش ، ولا ريب أن
الحرص على المال والرئاسة يوجب هذا ، كما فى الصحيحين انه قال :
((إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل
فبخلوا وأمرم بالظلم فظلموا وأمرم بالقطيعة فقطعوا » وعن كعب عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما ذئبان جائعان أرسلا فى غنم
١٠٧

بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)) . قال الترمذى
حديث حسن .
فرص الرجل على المال والشرف يوجب فساد الدين ، فأما مجرد
الحب الذى فى القلب إذا كان الإنسان يفعل ما أمره الله به، ويترك
ما نهى الله عنه . ويخاف مقام ربه ، وينهى النفس عن الهوى ، فإن الله
لا يعاقبه على مثل هذا إذا لم يكن معه عمل ، وجمع المال ، إذا قام
بالواجبات فيه ولم يكتسبه من الحرام ، لا يعاقب عليه ؛ لكن إخراج
فضول المال ، والاقتصار على الكفاية أفضل وأسلم ، وأفرغ للقلب ،
وأجمع للهم، وأنفع فى الدنيا والآخرة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله، وجعل فقره بين
عينيه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح والآخرة أكبر
همه جعل الله غناء فى قلبه، وجمع عليه ضيعته وأتته الدنيا وهي راغمة)).
١٠٨

وسئل رحمه الله
عما يذكر من قولهم : اتخذوا مع الفقير أيادى فإن لهم دولة وأي
دولة ؟! وقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : إن النبى صلى
الله عليه وسلم كان يتحدث مع أبى بكر رضى الله عنه وكنت بينها
كالزنجي ، ما معنى ذلك ؟ وقول بعض الناس لبعض: نحن فى بركتك ،
أو من وقت حللت عندنا حلت علينا البركة . ونحن فى بركة هذا
الشيخ المدفون عندنا . هل هو قول مشروع أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : الحمد لله .
أما الحديثان الأولان فكلاهما كذب ، وما قال عمر بن الخطاب
ما ذكر عنه قط ، ولا روى هذا أحد بإسناد صحيح ولا ضعيف ،
وهو كلام باطل ؛ فإن من كان دون عمر كان يسمع كلام النبي صلى الله
عليه وسلم ويفهم ما ينفعه الله به ، فكيف بعمر ؟! وعمر أفضل الخلق
بعد أبى بكر ، فكيف يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر
بمنزلة كلام الزمجي
١٠٩

ثم الذين يذكرون هذا الحديث من ملاحدة الباطنية ؛ يدعون
أنهم علموا ذلك السر الذى لم يفهمه عمر . وحمله كل قوم على رأيهم
الفاسد ؛ والنجادية يدعون أنه قولهم، وأهل الحقيقة الكونية الذين ينفون
الأمر والنهي والوعيد يدعون أنه قولهم .
وأهل الحلول الخاص أشباه النصارى يدعون أنه قولهم ؛ إلى أصناف
أخر بطول تعدادها .
فهل يقول عاقل : إن عمر وهو شاهد لم يفهم ما قالاً ، وإن
هؤلاء الجهال الضلال أهل الزندقة والإلحاد والمحال علموا معنى ذلك
الخطاب ، ولم ينقل أحد لفظه. وإنما وضع مثل هذا الكذب ملاحدة
الباطنية ، حتى يقول الناس : إن ما أظهره الرسل من القرآن والإيمان
والشريعة له باطن يخالف ظاهره ؛ وكان أبو بكر يعلم ذلك الباطن دون
عمر ؛ ويجعلون هذا ذريعة عند الجهال إلى أن يسلخوم من
دين الإسلام .
ونظير هذا ما يروونه أن عمر تزوج امرأة أبي بكر ليعرف حاله
فى الباطن ، فقالت: كنت أشم رائحة الكبد المشوية . فهذا أيضاً
كذب ، وعمر لم يتزوج امرأة أبى بكر . بل تزوجها علي بن أبى طالب
وكانت قبل أبى بكر عند جعفر ، وهي أسماء بنت عميس وكانت من
١١٠

عقلاء النساء ، وعمر كان أعلم بأبى بكر من نسائه وغيرهم .
وأما الحديث الآخر وهو قوله: (( اتخذوا مع الفقراء أيادى فإن
لهم دولة وأي دولة!)) فهذا - أيضاً - كذب . ما رواه أحد من
الناس ، والإحسان إلى الفقراء الذين ذكرهم الله فى القرآن، قال الله
فيهم : ( إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَاهِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا اُلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيرٌ
لَكُمْ - إلى قوله - لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُ واْفِى سَبِيلِ اللَّهِ )
وأهل الفيء وم الفقراء المجاهدون الذين قال الله فيهم: (لِلْفُقَرَآءِ
) الآية . والمحسن إليهم
الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ
وإلى غيرهم عليه أن يبتغي بذلك وجه الله ، ولا يطلب من مخلوق لا
في الدنيا ولا فى الآخرة. كما قال تعالى: ( وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْفَى * الَّذِى
يُؤْقِ مَالَهُ يَتَزََّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نَّعْمَةٍ تُجْرَ * إِلَّا أَبْشِفَاءَ وَجْهِرَبِهِالْأَعْلَ *
وَلَسَوْفَ يَرْضَى) وقال: ( وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى خُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَقِيمًا وَأَسِيرًا *
إِنََّ نُطِعِمُكُلِوَجْهِ اللَّهِ ) الآية .
ومن طلب من الفقراء الدعاء أو الثناء خرج من هذه الآية ؛ فإن
فى الحديث الذي فى سنن أبى داود (( من أسدى إليكم معروفا فكافئوه
فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له ، حتى تعلموا أنكم قد كافأ تموه )) ؛
ولهذا كانت عائشة إذا أرسلت إلى قوم بهدية تقول للمرسول : اسمع
ما دعوا به لنا ؛ حتى ندعو لهم بمثل ما دعوا ، ويبقى أجرنا على الله.
١١١

وقال بعض السلف : إذا أعطيت المسكين ، فقال : بارك الله عليك .
فقل: بارك الله عليك. أراد أنه إذا أثابك بالدعاء فادع له بمثل ذلك
الدعاء ، حتى لاتكون اعتضت منه شيئاً . هذا والعطاء لم يطلب منهم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما نفعني مال كمال أبى بكر))
أنفقه يبتغى به وجه الله، كما أخبر الله عنه لا يطلب الجزاء من مخلوق
لا نى ولا غيره ، لا بدعاء ولا شفاعة .
وقول القائل : لهم فى الآخرة دولة وأي دولة! ، فهذا كذب ؛ بل
الدولة لمن كان مؤمناً تقياً فقيراً كان أو غنياً ، وقال تعالى: ( وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ)
الآيتين، وقال تعالى: ( إِنَّالْأَبْرَارَلَفِى نَعِيمِ * وَإِنَّ الْفُجَّارَلَفِىَِّحِيمٍ )
وقال تعالى: ( أَمْ تَجْعَلُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ
ونظير هذا فى القرآن كثير .
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )،
ومع هذا فالمؤمنون: الأنبياء وسائر الأولياء لا يشفعون لأحد إلا
بإذن الله، كما قال تعالى: ( مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وقال:
(وَلَ يَشْفَعُونَ إِلََّ لِمَنْ أَرْتَضَى) وقال تعالى: (وَالْأَمْرُ يَوْمَبِذٍلِلَّهِ)
فمن أحسن إلى مخلوق يرجو أن ذلك المخلوق يجزيه يوم القيامة كان
من الأخسرين أعمالاً : الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون
أنهم يحسنون صنعاً ؛ بل إنما يجزى على الأعمال يومئذ الواحد القهار ،
١١٢

الذي إليه الإياب والحساب ، الذي لا يظلم مثقال ذرة . وإن تكن حسنة
يضاعفها ، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً . ولا يقبل من العمل إلا ما
أريد به وجهه .
فصل
وأما قول القائل : نحن فى بركة فلان ، أو من وقت حلوله عندنا
حلت البركة . فهذا الكلام صحيح باعتبار ، باطل باعتبار . فأما
الصحيح : فأن يراد به أنه هدانا وعلمنا وأمرنا بالمعروف ونهانا عن
المنكر ، فيبركة اتباعه وطاعته حصل لنا من الخير ما حصل ، فهذا
كلام صحيح . كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم
فى بركته لما آمنوا به ، وأطاعوه ، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا
والآخرة ، بل كل مؤمن آمن بالرسول وأطاعه حصل له من بركة
الرسول بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة مالا يعلمه إلا الله.
و ( أيضاً ) إذا أريد بذلك أنه ببركة دعائه وصلاحه دفع الله الشر
وحصل لنا رزق ونصر فهذا حق ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:
((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بدعائهم، وصلاتهم، وإخلاصهم؟»
وقد يدفع العذاب عن الكفار والفجار لئلا يصيب من بينهم من المؤمنين ممن
١١٣

( وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ
لا يستحق العذاب ، ومنه قوله تعالى :
مُؤْمِنَاتٌ - إلى قوله - لَوْتَزَيَّلُوْلَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
فلولا الضعفاء المؤمنون الذين كانوا بمكة بين ظهرانى الكفار
عذب اللّه الكفار: وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لولا ما فى
البيوت من النساء والذرارى لأمرت بالصلاة فتقام ، ثم أنطلق معي
برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق
عليهم بيوتهم )) وكذلك ترك رجم الحامل حتى تضع جنيها. وقد قال
المسيح عليه السلام : (وَجَعَلَنِ مُبَارَ كًا أَيْنَ مَاكُنتُ ) فبركات أولياء الله
الصالحين باعتبار نفعهم للخلق بدعائهم إلى طاعة الله، وبدعائهم للخلق
وبما ينزل الله من الرحمة ، ويدفع من العذاب بسبيهم حق موجود ،
فمن أراد بالبركة هذا ، وكان صادقاً ، فقوله حق .
وأما « المعنى الباطل ) فمثل أن يريد الإشراك بالخلق : مثل أن
يكون رجل مقبور بمكان فيظن أن الله يتولام لأجله ، وإن لم يقوموا
بطاعة الله ورسوله ، فهذا جهل . فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم
سيد ولد آدم مدفون بالمدينة عام الحرة ، وقد أصاب أهل المدينة من
القتل والتهب والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وكان ذلك لأنهم بعد الخلفاء
الراشدين أحدثوا أعمالاً أوجبت ذلك ، وكان على عهد الخلفاء يدفع
الله عنهم بإيمانهم وتقواه، لأن الخلفاء الراشدين كانوا يدعونهم إلى ذلك
١١٤

وكان ببركة طاعتهم للخلفاء الراشدين ، وبركة عمل الخلفاء معهم ينصرهم
الله ويؤيدم. وكذلك الخليل صلى الله عليه وسلم مدفون بالشام وقد
استولى النصارى على تلك البلاد قريباً من مائة سنة ، وكان أهلها في
شر . فمن ظن أن الميت يدفع عن الحي مع كون الحي عاملاً بمعصية
الله فهو غالط .
وكذلك إذا ظن أن بركة الشخص تعود على من أشرك به وخرج
عن طاعة الله ورسوله، مثل أن يظن أن بركة السجود لغيره ، وتقبيل
الأرض عنده ، ونحو ذلك يحصل له السعادة ؛ وإن لم يعمل بطاعة الله
ورسوله . وكذلك إذا اعتقد أن ذلك الشخص يشفع له ، ويدخله الجنة
بمجرد محبته ، وانتسابه إليه ، فهذه الأمور ونحوها مما فيه مخالفة الكتاب
والسنة ، فهو من أحوال المشركين . وأهل البدع . باطل لا يجوز
اعتقاده . ولا اعتماده . والله سبحانه وتعالى أعلم .
١١٥

وسل
عن رجل ((متصوف)) قال لإنسان ــ فى كلام جرى بينهم : فقراء
الأسواق ، فقال له الرجل : اليهودي والنصراني والمسلم فى السوق ، قال
تعالى: (وَزِنُواْبِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ)، فقال((الصوفى)): قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((الفقر إلى الله)) والأولياء مفتقرون للخاتمة
والأشقياء بحت القضاء ))، قال الصوفي للرجل : تعرف الفقر ؟ فقال له :
لا، قال الصوفى : الفقر هو الله. فأنكروا عليه هذا اللفظ. ثم في
ثانى يوم قال رجل : أنت قلت : الفقر هو الله، فقال الصوفي : أنا
قرأت في كتاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من
رآني آمن بى)) وأنا رأيت الفقر فآمنت به ، والفقر هو الله.
فأجاب: الحمد لله. أما الحديث كذب على رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وهو مع كونه كذباً مناقض للعقل والدين ؛ فإنه ليس كل
من رآه آمن به ؛ بل قد رآه كثير مثل الكفار والمنافقين . وقول
القائل : آمنت بالفقر أو كفرت بالفقر هو من الكلام الباطل ؛ بل هو
١١٦

كفر يجب أن يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل والله سبحانه هو الغني
والخلق م الفقراء إليه .
(لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَغَحْنُ
وقد قال تعالى :
أَغْنِيَآءُ سَتَكْتُبُ مَاقَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ
اُلْحَرِيقِ ).
فإذا كان الذين قالوا إنه فقير قد توعدم بهذا
فكيف بمن بقول له الفقر؟! و((المصدر)) أبلغ من الصفة وإذا كان
منزها على أن يوصف بذلك فكيف يجعل المصدر اسما له ؟!
ولو قال القائل : أردت بذلك الفقر هو إرادة الله ولم يكن فى السياق
ما يقتضي تصديقه لم يقبل ذلك منه ، وإن كان فى السياق ما يقبل تصديقه
نهي عن العبارة الموهومة وأمر بالعبارة الحسنة .
وأما قوله الحديث المذكور وهو قوله: ((الفقر فخري ، وبه أفتخر ))
فهو كذب موضوع لم يروه أحد من أهل المعرفة بالحديث عن النبى
صلى الله عليه وسلم ومعناه باطل ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم
يفتخر بشيء بل قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، وقال فى الحديث
(«إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي
أحد على أحد)) ولو افتخر بشيء لافتخر بما فضله الله به على
سائر الخلق .
١١٧

و ((الفقر)) وصف مشترك بينه وبين سائر الفقراء سواء أريد
به الشرعي وهو عدم المال ، أو الفقر الاصطلاحي وهو مكارم
الأخلاق والزهد ، مع أن لفظه فى كلامه وكلام أصحابه لا يراد به
إلا الفقر الشرعي دون الاصطلاحي والله أعلم .
١١٨

وسل
عمن قال: إن ((الفقير ، والغني)) لا يفضل أحدهما صاحبه إلا
بالتقوى . فمن كان أتقى لله كان أفضل وأحب إلى الله تعالى. وإن
الحديث الصحيح الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: ((يدخل فقراء
أمتى الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام )) هذا فى حق ضعفاء المسلمين،
وصعاليكهم القائمين بفرائض الله تعالى، وليس مختصاً بمجرد ما عرف
واشتهر فى هذه الأعصار المتأخرة ، من السجاد والمرقعة والعكاز ،
والألفاظ المنمقة ؛ بل هذه الهيئات المعتادة في هذه الأزمنة مخترعة
مبتدعة ، فهل الأمر على ما ذكر أم لا؟؟.
فأجاب - رضي الله عنه - الحمد لله رب العالمين.
قد تنازع كثير من متأخرى المسلمين فى ((الغني الشاكر، والفقير
الصابر)) أيهما أفضل ؟ فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد ، ورجح
هذا طائفة من العلماء والعباد ، وقد حكي في ذلك عن الإمام أحمد
روايتان . وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصنفين
١١٩

على الآخر . وقال طائفة ثالثة ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى
فأيهما كان أعظم إيماناً وتقوى كان أفضل ، وإن استويا فى ذلك استويا
فى الفضيلة، وهذا أصح الأقوال ؛ لأن الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان
والتقوى. وقد قال الله تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى
بِهِمَا).
وقد كان فى الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل
من أكثر الفقراء ، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر
الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين ، فيقومون بالشكر والصبر على
التام. كمال نبينا صلى الله عليه وسلم، وحال أبي بكر وعمر - رضي
الله عنهما ؛ ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع من الغنى، والغنى
أنفع الآخرين ، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع ، كما في الحديث الذي
رواه البغوي وغيره (( إن من عبادى من لا يصلحه إلا الغنى . ولو
أفقرته لأفسده ذلك . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر . ولو
أغنيته لأفسده ذلك . وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم . ولو
أصححته لأفسده ذلك ، إنى أدبر عبادي إنى بهم خبير بصير)).
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن فقراء
المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم » وفي الحديث الآخر
لما على الفقراء الذكر عقب الصلوات سمع بذلك الأغنياء فقالوا مثل
١٢٠