النص المفهرس

صفحات 741-760

لعملت مثل ما عمل ، فإن تمنى الكبائر ليس عقوبته كعقوبة فاعلها بمجرد
التكلم ، بل لا بد من أمر آخر ، وهو لم يذكر أنه يعاقب على كلامه ،
وإنما ذكر أنها فى الوزر سواء .
وعلى هذا فقوله: (( إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم
تكلم به أو تعمل)) لا ينافى العقوبة على الإرادة الجازمة التى لا بد أن يقترن
بها الفعل، فإن ((الإرادة الجازمة)» هي التى يقترن بها المقدور
من الفعل ، وإلا فمتى لم يقترن بها المقدور من الفعل لم تكن جازمة ،
فالمريد الزنا والسرقة وشرب الخمر العازم على ذلك متى كانت إرادته جازمة
عازمة فلا بد أن يقترن بها من الفعل ما يقدر عليه ، ولو أنه يقربه إلى
جهة المعصية : مثل تقرب السارق إلى مكان المال المسروق ، ومثل نظر
الزانى واستماعه إلى المزنى به ، وتكلمه معه ، ومثل طلب الخمر والتماسها
ونحو ذلك، فلا بد مع الإرادة الجازمة من شيء من مقدمات الفعل المقدور
بل مقدمات الفعل توجد بدون الإرادة الجازمة عليه ، كما قال النبي صلى
اللّه عليه وسلم، فى الحديث المتفق عليه: ((العينان تزنيان وزناهما النظر
واللسان يزنى وزناه النطق ، واليد تزنى وزناها البطش ، والرجل تزنى
وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)»
وكذلك حديث أبى بكرة المتفق عليه: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما
فالقاتل والمقتول في النار . قيل : يارسول الله ! هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟
٧٤١

قال: إنه أراد قتل صاحبه)) وفى رواية فى الصحيحين ((إنه كان حريصاً
على قتل صاحبه )) .
فإنه أراد ذلك إرادة حازمة فعل معها مقدوره ، منعه منها من قتل
صاحبه العجز، وليست مجردم ولا مجرد عزم على فعل مستقبل، فاستحق
حينئذ النار، كما قدمنا من أن الإرادة الجازمة التى أتى معها بالممكن يجري
صاحبها مجرى الفاعل التام.
و ((الإرادة التامة)) قد ذكرنا أنه لا بد أن يأتى معها بالمقدور أو
بعضه ، وحيث ترك الفعل المقدور فليست جازمة ، بل قد تكون جازمة
فيما فعل دون ما ترك ، مع القدرة ، مثل الذى يأتى بمقدمات الزنا : من
اللمس ، والنظر والقبلة ، ويمتنع عن الفاحشة الكبرى ؛ ولهذا قال فى
حديث أبى هريرة الصحيح ((العين تزنى والأذن تزني، واللسان يزنى
- إلى أن قال - والقلب يتمنى ويشتهي)) أي يتمنى الوطء ويشتهيه ، ولم
يقل ((يريد))، ومجرد الشهوة والتمني ليس إرادة جازمة، ولا يستلزم
وجود الفعل ، فلا يعاقب على ذلك ؛ وإنما يعاقب إذا أراد إرادة جازمة مع
القدرة والإرادة الجازمة [التى] يصدقها الفرج.
ومن هذا الحديث الذي فى الصحيحين عن ابن مسعود ((أن رجلا
أصاب من امرأة قبلة: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك
٧٤٢

له، فأنزل الله تعالى: (وَأَقِمِ الضَلَوْهَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِّنَ الَيْلِ إِنَّالْحَسَنَتِ
الآية فقال الرجل : ألي هذه ؟ فقال : لمن عمل
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)
بها من أمتى)) فمثل هذا الرجل وأمثاله لا بد فى الغالب أن يهم بما هو أكبر
من ذلك ، كما قال: ((والقلب يتمنى ويشتهي ، والفرج بصدق ذلك أو
يكذبه )) لكن إرادته القلبية للقبلة كانت إرادة جازمة ، فاقترن بها فعل
القبلة بالقدرة ، وأما إرادته للجماع فقد تكون غير جازمة ، وقد تكون
جازمة، لكن لم يكن قادراً. والأشبه فى الذي نزلت فيه الآية أنه كان
متمكناً لكنه لم يفعل .
فتفريق أحمد وغيره : بين م الخطرات ، وتم الإصرار هو الذى عليه
الجواب ، فمن لم يمنعه من الفعل إلا العجز فلابد أن يفعل ما يقدر عليه من
مقدماته ، وإن فعله وهو عازم على العود متى قدر فهو مصر ، ولهذا قال
ابن المبارك المصر الذي يشرب الخمر اليوم، ثم لا يشربها إلى شهر ، وفي
رواية إلى ثلاثين سنة، ومن نيته أنه إذا قدر على شربها [شربها ] . وقد يكون
مصراً إذا عزم على الفعل فى وقت دون وقت ، كمن يعزم على ترك
المعاصي في شهر رمضان دون غيره ، فليس هذا بتائب مطلقاً . ولكنه
تارك للفعل فى شهر رمضان ، ويثاب إذا كان ذلك الترك الله وتعظيم
شعائر الله، واجتناب محارمه فى ذلك الوقت ، ولكنه ليس من التائبين
الذين يغفر لهم بالتوبة مغفرة مطلقة ، ولا هو مصر مطلقاً . وأما الذي
٧٤٣

وصفه ابن المبارك فهو مصر إذا كان من نيته العود إلى شربها .
قلت : والذي قد ترك المعاصى فى شهر رمضان من نيته العود
إليها فى غير شهر رمضان مصر أيضاً . لكن نيته أن يشربها إذا قدر
عليها ، غير النية مع وجود القدرة ، فإذا قدر قد تبقى نيته وقد
لا تبقى ، ولكن متى كان مريداً إرادة جازمة لا يمنعه إلا العجز فهو
معاقب على ذلك . كما تقدم .
وتقدم أن مثل هذا لا بد أن يقترن بإرادته ما يتمكن من الفعل
معه ، وبهذا يظهر ما يذكر عن الحارث المحاسبى أنه حكى الإجماع على
أن الناوي للفعل ليس بمنزلة الفاعل له ، فهذا الإجماع صحيح مع
القدرة ، فإن الناوي للفعل القادر عليه ليس بمنزلة الفاعل ، وأما الناوي
الجازم الآتى بما يمكن فإنه بمنزلة الفاعل التام . كما تقدم.
ومما يوضح هذا أن الله سبحانه فى القرآن رتب الثواب والعقاب
على مجرد الإرادة كقوله تعالى: ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَانَشَآءُ
وقال :
لِمَنْ تُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَنِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا)
مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فَِهَا وَهُمْ فِيَهَا لَا يُنْخَسُونَ
)
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ
*
وقال :
(
(مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْلَهُ فِ حَرْئِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْتَ الذُّنْيَانُونِهِ،
٧٤٤

مِنْهَا وَمَا لَهُ، فِى الْآَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ).
فرتب الثواب والعقاب على كونه يريد العاجلة ، ويريد الحياة
الدنيا ، ويريد حرث الدنيا، وقال فى آية هود: ( نُوَفِّ إِلَتْهِمْ أَعْمَلَهُمْ
فِيَهَا ) - إلى أن قال - (وَبَطِلُ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) فدل على أنه
كان لهم أعمال بطلت ، وعوقبوا على أعمال أخرى عملوها ، وأن
الإرادة هنا مستلزمة للعمل ، ولما ذكر إرادة الآخرة ، قال : ( وَمَنْ
أَرَادَ اَلْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَمُؤْمِنٌ ). وذلك لأن إرادة الآخرة
وإن استلزمت عملها فالثواب إنما هو على العمل المأمور به ، لا كل
سعي ، ولا بد مع ذلك من الإيمان .
(يَأَيُّهَا النَّبِىُّقُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ
ومنه قوله :
وَلِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ)
الذُّنْيَاوَزِينَتَهَا ) الآية (
فهذا نظير تلك الآية التى فى سورة هود، وهذا يطابق قوله: ((إذا
التقى المسلمان بسيفيها)) إلا أنه قال: ((فإنه أراد قتل صاحبه))، أو
((أنه كان حريصاً على قتل صاحبه)» فذكر الحرص والإرادة على القتل
وهذا لابد أن يقترن به فعل ، وليس هذا مما دخل فى حديث العفو :
((إن الله عفا لأمتى عما حدثت به أنفسها)).
ومما يبنى على هذا مسألة معروفة - بين أهل السنة وأكثر العلماء
٧٤٥

وبين بعض القدرية - وهي (( توبة العاجز عن الفعل)) كتوبة المجبوب
عن الزنا ، وتوبة الأقطع العاجز عن السرقة ، ونحوه من العجز ؛ فإنها
توبة صحيحة عند جماهير العلماء من أهل السنة وغيرهم ، وخالف فى ذلك
بعض القدرية ؛ بناء على أن العاجز عن الفعل لا يصح أن يثاب على
تركه الفعل؛ بل يعاقب على تركه وليس كذلك ؛ بل إرادة العاجز
عليها الثواب والعقاب كما بينا ، وبينا أن الإرادة الجازمة مع القدرة
يجري مجرى الفاعل التام ، فهذا العاجز إذا أتى بما يقدر عليه من
مباعدة أسباب المعصية بقوله وعمله وهجرانها وتركها بقلبه، كالتائب
القادر عليها سواء فتوبة هذا العاجز عن كمال الفعل ، كإصرار العاجز
عن كمال الفعل .
ومما يبنى على هذا ((المسألة المشهورة فى الطلاق)) وهو أنه لو
طلق فى نفسه وجزم بذلك ، ولم يتكلم به ، فإنه لا يقع به الطلاق
عند جمهور العلماء . وعند مالك فى إحدى الروايتين يقع ، وقد استدل
أحمد وغيره من الأئمة على ترك الوقوع بقوله: (( إن الله تجاوز لأمتى
عما حدثت به أنفسها)) فقال المنازع : هذا المتجاوز عنه ، إنما هو حديث
النفس ، والجازم بذلك فى النفس ليس من حديث النفس .
فقال المنازع لهم: قد قال (( ما لم تكلم به أو تعمل به )) فأخبر
أن التجاوز عن حديث النفس امتد إلى هذه الغاية التى هي الكلام به
٧٤٦

والعمل به ، كما ذكر ذلك فى صدر السؤال من استدلال بعض الناس
وهو استدلال حسن ؛ فإنه لو كان حديث النفس إذا صار عزماً ولم
يتكلم به أو يعمل يؤاخذ به لكان خلاف النص ، لكن يقال : هذا
فى المأمور [صاحب ] المقدرة التى يمكن فيها الكلام والعمل، إذا
لم يتكلم ولم يعمل ، وأما الإرادة الجازمة المأتى فيها بالمقدور فتجري
مجرى التى أتى معها بكال العمل . بدليل الأخرس لما كان عاجزاً عن
الكلام ، وقد يكون عاجزاً عن العمل باليدين ونحوهما ، لكنه إذا أتى
بمبلغ طاقته من الإشارة جرى ذلك مجرى الكلام من غيره ، والأحكام
والثواب والعقاب وغير ذلك .
وأما الوجه الآخر الذي احتج به وهو أن العزم والهم داخل فى
حديث النفس المعفو عنه مطلقاً فليس كذلك ؛ بل إذا قيل: إن الإرادة
الجازمة مستلزمة لوجود فعل ما يتعلق به النم والعقاب وغير ذلك ،
يصح ذلك ؛ فإن المراد إن كان مقدوراً مع الإرادة الجازمة وجب
وجوده، وإن كان ممتنعاً فلا بد مع الإرادة الجازمة من فعل بعض مقدماته ،
وحيث لم يوجد فعل أصلاً فهو م . وحديث النفس ليس إرادة جازمة
ولهذا لم يجئ فى النصوص العفو عن مسمى الإرادة والحب والبغض
والحسد والكبر والعجب وغير ذلك من أعمال القلوب ، إذ كانت
هذه الأعمال حيث وقع عليهم ذم وعقاب فلأنها تمت حتى صارت
قولا وفعلا .
٧٤٧

وحينئذ قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتى)) الحديث
حق، والمؤاخذة بالإرادات المستلزمة لأعمال الجوارح حق ؛ ولكن
طائفة من الناس قالوا : إن الإرادة الجازمة قد تخلو عن فعل أو قول ،
ثم تنازعوا فى العقاب عليها ، فكان القاضي أبو بكر ومن تبعه كأبى
حامد وأبى الفرج ابن الجوزي يرون العقوبة على ذلك ، وليس معهم
دليل على أنه يؤاخذ إذا لم يكن هناك قول أو عمل .
والقاضي بناها على أصله فى ((الإيمان)» الذي اتبع فيه جها
والصالحي ، وهو المشهور عن أبى الحسن الأشعري ، وهو أن الإيمان
مجرد تصديق القلب ، ولو كذب بلسانه ، وسب الله ورسوله بلسانه،
وإن سب الله ورسوله إنما هو كفر فى الظاهر ، وأن كلما كان كفراً
فى نفس الأمر فإنه يمتنع أن يكون معه شيء من تصديق القلب ،
وهذا أصل فاسد فى الشرع والعقل ، حتى إن الأئمة : كوكيع بن
الجراح وأحمد بن حنبل وأبى عبيدة وغيرم كفروا من قال فى ((الإيمان))
بهذا القول ؛ بخلاف المرجئة من الفقهاء الذين يقولون : هو تصديق
القلب واللسان ؛ فإن هؤلاء لم يكفرم أحد من الأئمة ، وإنما بدعوم .
وقد بسط الكلام فى « الإيمان )» وما يتعلق بذلك فى غير هذا
الموضع ، وبين أن من الناس من يعتقد وجود الأشياء بدون لوازمها .
فيقدر ما لا وجود له .
٧٤٨

وأصل جهم فى (( الإيمان )) تضمن غلطاً من وجوه :
(منها ) ظنه أنه مجرد تصديق القلب ومعرفته بدون أعمال
القلب : كحب اللّه وخشيته ونحو ذلك.
و ( منها ) ظنه ثبوت إيمان قام فى القلب بدون شيء من
الأقوال والأعمال .
و ( منها ) ظنه أن من حكم الشرع بكفره وخلوده فى النار .
فإنه يمتنع أن يكون فى قلبه شيء من التصديق ، وجزموا بأن إبليس
وفرعون واليهود ونحوم لم يكن فى قلوبهم شيء من ذلك . وهذا
كلامهم فى الإرادة والكراهة والحب والبغض ونحو ذلك ؛ فإن هذه
الأمور إذا كانت هما وحديث نفس فإنه معفو عنها ، وإذا صارت إرادة
حازمة وحباً وبغضاً لزم وجود الفعل ووقوعه ، وحينئذ فليس لأحد
[ أن] يقدر وجودها مجردة . ثم يقول: ليس فيها إثم، وبهذا يظهر
الجواب عن حجة السائل .
فإن الأمة مجمعة على أن الله يثيب على محبته ومحبة رسوله، والحب
فيه والبغض فيه ، ويعاقب على بغضه وبغض رسوله ، وبغض أوليائه ،
وعلى محبة الأنداد من دونه ، وما يدخل فى هذه المحبة من الإرادات
٧٤٩

والعزوم ، فإن المحبة سواء كانت نوعاً من الإرادة أو نوعاً آخر مستلزماً
للإرادة ، فلا بد معها من إرادة وعزم ، فلا يقال : هذا من حديث
النفس المعفو عنه؛ بل كما جاء فى الحديث الذي رواه الترمذي: (( أوثق
عرى الإيمان: الحب فى الله، والبغض فى اللّه)) وفى الصحيحين عن
أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))
وفى صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال: ((كنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال عمر :
لأنت يارسول الله أحب إلي من كل شيء ، إلا من نفسي . فقال
النبى صلى الله عليه وسلم: لا ، والذي نفسي بيده ! حتى أكون
أحب إليك من نفسك ، فقال عمر : فإنك الآن أحب إلي
من نفسي . فقال النبى صلى الله عليه وسلم الآن ياعمر)) بل قد
قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُ كُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجْكُوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ
اقْتَّرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأَتِى اللَّه ◌ِأَمْيِ هِمْوَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ )
فانظر إلى هذا الوعيد الشديد الذي قد توعد الله به من كان
أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله وجهاد فى سبيله، فعلم أنه يجب
٧٥٠

أن يكون الله ورسوله والجهاد فى سبيله أحب إلى المؤمن من الأهل
والمال والمساكن والمتاجر والأصحاب والإخوان، وإلا لم يكن مؤمناً حقاً
ومثل هذا مافى الصحيحين عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (( لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله
وحتى أن يقذف فى النار أحب إليه من أن يرجع فى الكفر ، وحتى يكون
الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)) وهذا لفظ البخاري ، فأخبر
أنه لا يجد أحد حلاوة الإيمان إلا بهذه المحبات الثلاث .
( أحدها ) أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواها،
وهذا من أصول الإيمان المفروضة التى لا يكون العبد مؤمناً بدونها.
( الثانى ) أن يحب العبد لا يحبه إلا لله وهذا من لوازم الأول.
و ( الثالث ) أن يكون إلقاؤه فى النار أحب إليه من الرجوع
إلى الكفر .
وكذلك التائب من الذنوب من أقوى علامات صدقه في التوبة
هذه الخصال ، محبة الله ورسوله ومحبة المؤمنين فيه ، وإن كانت متعلقة
بالأعيان ليست من أفعالنا كالإرادة المتعلقة بأفعالنا ، فهي مستلزمة
لذلك ، فإن من كان الله ورسوله أحب إليه من نفسه وأهله وماله لابد
٧٥١

أن يريد من العمل ما تقتضيه هذه المحبة ، مثل إرادته نصر الله
ورسوله ودينه والتقريب إلى الله ورسوله ، ومثل بغضه لمن يعادي
الله ورسوله
ومن هذا الباب ما استفاض عنه صلى الله عليه وسلم فى الصحاح
من حديث ابن مسعود وأبى موسى وأنس أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: ((المرء مع من أحب)) وفى رواية (( الرجل يحب القوم ولما
يلحق بهم)) أي ولما يعمل بأعمالهم، فقال: (( المرء مع من أحب))
قال أنس : فما فرح المسلمون بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث
فأنا أحب النى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ، وأرجو أن
يجعلني الله معهم، وإن لم أعمل عملهم. وهذا الحديث حق ، فإن
كون المحب مع المحبوب أمر فطري لا يكون غير ذلك ، وكونه معه
هو على محبته إياه ، فإن كانت المحبة متوسطة أو قريباً من ذلك كان
معه بحسب ذلك ، وإن كانت المحبة كاملة كان معه كذلك، والمحبة الكاملة
يجب معها الموافقة للمحبوب في محابه ، إذا كان المحب قادراً عليها ،
فحيث تخلفت الموافقة مع القدرة يكون قد نقص من المحبة بقدر ذلك،
وإن كانت موجودة .
وحب الشئء وإرادته يستلزم بغض ضده وكراهته، مع العلم
بالتضاد ؛ ولهذا قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمَايُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
٧٥٢

يُوَآَذُونَ مَنْ حَادَّاللَّهَ وَرَسُولَهُ ) والموادة من أعمال القلوب .
فإن الإيمان بالله يستلزم مودته ومودة رسوله، وذلك يناقض
موادة من حاد الله ورسوله ، وما ناقض الإيمان فإنه يستلزم العزم
والعقاب ؛ لأجل عدم الإيمان . فإن ما ناقض الإيمان كالشك والإعراض
وردة القلب ، وبغض الله ورسوله يستلزم النم والعقاب لكونه تضمن
ترك المأمور مما أمر الله به رسوله ، فاستحق تاركه النم والعقاب
وأعظم الواجبات إيمان القلب ، فما ناقضه استلزم النم والعقاب لتركه
هذا الواجب : بخلاف ما استحق الذم لكونه منهياً عنه كالفواحش والظلم؛
فإن هذا هو الذي يتكلم فى الهم به وقصده ، إذا كان هذا لا يناقض
أصل الإيمان ، وإن كان يناقض كماله ؛ بل نفس فعل الطاعات يتضمن
ترك المعاصي ، ونفس ترك المعاصي يتضمن فعل الطاعات ، ولهذا كانت
الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فالصلاة تضمنت شيئين :
( أحدهما) نهيها عن الذنوب .
و (الثاني) تضمنها ذكر الله، وهو أكبر الأمرين ، فما فيها
من ذكر الله أكبر من كونها ناهية عن الفحشاء والمنكر، و [أبسط ]
هذا موضع آخر .
٧٥٣

و( المقصود هنا ) أن المحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود
محبوباته ؛ ولهذا جاء فى الحديث الذي فى الترمذي ((من أحب الله ،
وأبغض لله، وأعطى الله، ومنع اللّه، فقد استكمل الإيمان)) فإنه إذا
كان حبه للّه، وبغضه لله، وهما عمل قلبه. وعطاؤه لله، ومنعه الله،
وهما عمل بدنه، دل على كمال محبته لله، و [دل] ذلك على كمال
الإيمان ؛ وذلك أن كمال الإيمان أن يكون الدين كله لله ، وذلك عبادة
الله وحده لاشريك له، والعبادة تتضمن كمال الحب، وكمال الذل،
والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية ، ولا بد لكل حي من حب
وبغض ، فإذا كانت محبته لمن يحبه الله ، وبغضه لمن يبغضه الله، دل
ذلك على صحة الإيمان فى قلبه ، لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف ، بما
يعارضه من شهوات النفس وأهوائها ، الذي يظهر فى بذل المال الذي
هو مادة النفس، فإذا كان حبه الله، وعطاؤه لله، ومنعه الله . دل على
كمال الإيمان باطناً وظاهراً .
وأصل الشرك فى المشركين - الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً -
إنما هو اتخاذ أنداد يحبونهم كب الله، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ
ومن كان حبه لله
مَنْ يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍّ اللَّهِ)
وبغضه الله، لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا الله
ولا يمنع إلا الله، فهذه حال السابقين من أولياء الله كما روى البخاري
٧٥٤

فى صحيحه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يقول
اللّه من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بمثل
أداء ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه،
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده
التى ببطش بها ، ورجله التى يمشي بها ، في يسمع وبي يبصر ، وبي
يبطش ، وبى يمشي ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه،
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن:
يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه)). فهؤلاء الذين أحبوا
الله محبة كاملة تقربوا بما يحبه من النوافل ، بعد تقربهم بما يحبه من
الفرائض ، أحبهم الله محبة كاملة حتى بلغوا ما بلغوه، وصار أحدم يدرك
بالله، ويتحرك بالله، بحيث إن الله يجيب مسألته، ويعيده مما
استعاذ منه .
وقد ذم فى كتابه من أحب أنداداً من دونه ، قال تعالى :
(وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) وذم من انخذ إلهه هواه وهو
أن يتأله ما يهواه ويحبه ، وهذا قد يكون فعل القلب فقط . وقد مدح
تعالى وذم فى كتابه فى غير موضع على المحبة والإرادة والبغض والسخط
والفرح والغم ، ونحو ذلك من أفعال القلوب كقوله: (وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَشَدُّ حُبَّالِلّهِ) وقوله: (كَلَابَلْ تُحِبُّونَ الْعَاِلَةَ * وَنَّذَرُونَ الْآَخِرَةَ)
٧٥٥

وقوله: ( يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْمَانَقِيلًا ).
وقوله ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةُ نَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيْئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا )
وقوله: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا
ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
ءَتُنَا بَيِّنَتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْالْمُنْكَرَّبَكَادُونَ يَسْطُونَ
بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْءَايَتِنَا) وقوله: (وَذَكَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ
يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندٍ أَنْفُسِهِم) وقوله: ( مَا
يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَلَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرِمِن
زَّبِّكُمْ ) وقوله: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ).
وقوله : (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْبِاللَّهِ
وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ)
وقوله : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ )
وقوله : (وَ إِذَامَآ أَنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا) الآية ،
وقوله : (وَاُلَّذِينَ ءَاتِنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ
بَعْضَهُ ) وقوله: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ).
وقال: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَعُ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)
٧٥٦

وقال: (ذَلِكُم بِمَا كُمْ نَفْرَحُونَ فِ الْأَرْضِغَيْرِالْحِ وَبِمَاكُمْ تَمْرَحُونَ )
وقال: (إِنَّالََّلَا يُحِثُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) وقال :
( وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرِحَ بِهَا) وقال: (وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا
رَحْمَةُ ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَعُوسُ كَفُورٌ * وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ
مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّىَ إِنَّهُ لَفَرِعٌ فَخُورُ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ) وقال: (وَتُحِبُونَ الْمَالَ حُبَّاجَمَّا) وقال: (إِنَّ
اُلْإِنسَانَ لِرَبِِّ ◌َكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ).
وقال : (وَلَا تَأْشَسُواْ مِن رَّوْجِاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأَْسُ مِنْ رَوْجِ الَّهِإِلََّ الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ)
وقال: (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّا الصَّالُّونَ).
وقال: ( وَذَلِكُمْظَنُّكُمُالَّذِىِ ظَنَنْتُمِ بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اْخَسِرِينَ)
وقال: ( بَلْ ظَنَنْتُمْأَنْ أَنْ يَنَقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًّا وَزُيْنَ ذَلِكَ فِى
قُلُوبِكُمْ وَظَنَفْتُمْ ظَرَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ فَوْمًا بُورًا). وقال: (أَمْ يَحْسُدُونَ
النَّاسَ عَلَى مَآءَ اتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) وقال: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ )
وقال: (وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ )
وقال : (لَا تَذَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْلَايَأْ لُونَكُمْ خَبَالًا وَدُوْمَا عَنْتُمْ قَدْبَدَتِ
ج
اَلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَاتُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرٌ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ *
هَأَنتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) وقال: (إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ
٧٥٧

﴿ إِذَا بُعْثِرَمَا فِ الْقُبُورِ *
وقال :
تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ )
وَحُصِّلَ مَا فِ الصُّدُورِ ) وقال: (فِي قُلُوبِهِم ◌َرَضُ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا)
وقال: (فَيَطْمَعَ الَّذِى فِ قَلْبِهِ، مَرَضٌ) . وقال: (وَإِذْيَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ) . وقال: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْيُرِدِ اللَّهُ أَن
يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمُ ). وقال: (قَدْ جَآءَتَكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى
الصُّدُورِ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ).
ومثل هذا كثير فى كتاب الله وسنة رسوله واتفاق المؤمنين محمد
ويذم على ما شاء الله من مساعي القلوب وأعمالها: مثل قوله فى الحديث
الصحيح المتفق عليه: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا)) وقوله: (( لا يؤمن
أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه)) وقوله: ((مثل
المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى
منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) وقوله: ((لا يدخل
الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر))، و (( لا يدخل النار من فى
قلبه مثقال ذرة من الإيمان)). وقوله: ((لا تسموا العنب الكرم وإنما
الكرم قلب المؤمن)) وأمثال هذا كثير .
بل قول القلب وعمله هو الأصل : مثل تصديقه وتكذيبه وحبه
وبغضه ، من ذلك ما يحصل به مدح وذم وثواب وعقاب بدون فعل
الجوارح الظاهرة، ومنه مالا يقترن به ذلك إلا مع الفعل بالجوارح الظاهرة
٧٥٨

إذا كانت مقدورة، وأما ما ترك فيه فعل الجوارح الظاهرة للعجز عنه
فهذا حكم صاحبه حكم الفاعل ، فأقوال القلب وأفعاله
ثلاثة أقسام :
( أحدها ) ماهو حسنة وسيئة بنفسه .
و ( ثانيها ) ما ليس سيئة بنفسه حتى يفعل ، وهو السيئة
المقدورة كما تقدم .
و ( ثالثها ) ما هو مع العجز كالحسنة والسيئة المفعولة ، وليس هو
مع القدرة كالحسنة والسيئة المفعولة ، كما تقدم .
((فالقسم الأول)): هو ما يتعلق بأصول الإيمان من التصديق
والتكذيب ، والحب والبغض ، وتوابع ذلك ؛ فإن هذه الأمور يحصل
فيها الثواب والعقاب ، وعلو الدرجات ، وأسفل الدركات ، بما يكون
فى القلوب من هذه الأمور ، وإن لم يظهر على الجوارح: بل المنافقون
يظهرون بجوارحهم الأقوال والأعمال الصالحة ، وإنما عقابهم وكونهم فى
الدرك الأسفل من النار على مافى قلوبهم من الأمراض ، وإن كان ذلك
قد يقترن به أحيانا بغض القول والفعل ، لكن ليست العقوبة مقصورة
على ذلك البغض اليسير ، وإنما ذلك البغض دلالة كما قال تعالى :
٧٥٩

(وَلَوْنَشَاءُ لَأَرَبْنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوَّلِ ) فأخبر
أنهم لابد أن يعرفوا فى لحن القول .
وأما ((القسم الثاني))، و((الثالث)) فمظنة الأفعال التى لاتنافى
أصول الإِيمان ، مثل المعاصي الطبعية ؛ مثل الزنا ، والسرقة ، وشرب
الخمر . كما ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((من مات يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، دخل
الجنة. وإن زنا وإن سرق. وإن شرب الخمر)» وكما شهد النبي صلى
الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح للرجل الذي كان يكثر شرب الخمر،
وكان يجلده كلما جىء به فلعنه رجل ، فقال: ((لا تلعنه فإنه يجب
الله ورسوله)» وفى رواية قال بعضهم : أخزاه الله ما أ کثر ما يؤتى به فی شرب
الخمر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تكونوا أعواناً
للشيطان على أخيكم)) وهذا فى صحيح البخاري من حديث
أبى هريرة .
ولهذا قال: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم
تكلم به أو تعمل به )) والعفو عن حديث النفس إنما وقع لأمة محمد
المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . فعلم أن هذا العفو
هو فيما يكون من الأمور التى لا تقدح فى الإيمان ، فأما مانافى الإيمان
فذلك لا يتناوله لفظ الحديث ؛ لأنه إذا نافى الإيمان لم يكن صاحبه من
٧٦٠