النص المفهرس

صفحات 701-720

جميع ذلك داخل فى الجنة ، فالناس فى الجنة على درجات متفاوتة كما
قال : ( أُنْظُرْكَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا)
وكل مطلوب للعبد بعبادة أو دعاء أو غير ذلك من مطالب الآخرة
هو فى الجنة .
وطلب الجنة والاستعاذة من النار طريق أنبياء الله ورسله، وجميع
أوليائه السابقين المقربين ، وأصحاب اليمين . كما فى السنن أن النبي صلى
اللّه عليه وسلم سأل بعض أصحابه: ((كيف تقول: فى دعائك ؟ قال :
أقول : اللهم إنى أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار ؛ أما إنى لا أحسن
دندنتك ، ولا دندنة معاذ. فقال: حولهما ندندن)) فقد أخبر أنه هو
صلى الله عليه وسلم ومعاذ - وهو أفضل الأئمة الراتبين بالمدينة فى حياة
النبى صلى الله عليه وسلم - إنما يدندنون حول الجنة ، أفيكون قول
أحد فوق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ، ومن يصلي
خلفها من المهاجرين والأنصار ؟! ولو طلب هذا العبد ما طلب
كان فى الجنة .
وأهل الجنة نوعان : سابقون مقربون، وأبرار أصحاب يمين .
قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَبَ اْأَبْرَارِ لَفِىِ عِلِّينَ * وَمَا أَدْرَنَكَ مَاعِلَيُونَ * كِنَبُ مَرْقُومٌ
إِنَّالْأَبْرَارَلَفِى نَحِيمٍ*
عَلَى الْأَرَآئِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِى
* يَشْهَدُهُ الْمُقْرَبُونَ*
ووج
خِتَمُهُ مِسْكٌ
*
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ
*
وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ
٧٠١

عَيْنَا
*
وَمِنَ الجُهُ, مِنْ تَسْنِيمٍ
*
وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ
يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) قال ابن عباس تمزج لأصحاب اليمين مزجاً
ويشربها المقربون صرفاً .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من
صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها
درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا
ذلك العبد ، فمن سأل الله لي الوسيلة، حلت عليه شفاعتي يوم القيامة))
فقد أخبر أن الوسيلة - التى لا تصلح إلا لعبد واحد من عباد الله ،
ورجا أن يكون هو ذلك العبد - هي درجة فى الجنة ، فهل بقي بعد
الوسيلة شيء أعلى منها يكون خارجاً عن الجنة ، يصلح المخلوقين؟ !.
وثبت فى الصحيح أيضاً فى حديث الملائكة الذين يلتمسون الناس
فى مجالس الذكر قال: ((فيقولون للرب تبارك وتعالى: وجدناهم
يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك . قال : فيقول : وما يطلبون؟ قالوا:
يطلبون الجنة . قال : فيقول : وهل رأوها ؟ قال : فيقولون : لا،
قال : فيقول : فكيف لو رأوها ؟! قال : فيقولون: لو رأوها لكانوا
أشد لها طلباً . قال : ومم يستعيذون ؟! قالوا : يستعيذون من النار.
قال : فيقول : وهل رأوها ؟! قال : فيقولون : لا . قال: فيقول:
٧٠٢

فكيف لو رأوها ؟ قالوا : لو رأوها لكانوا أشد منها استعاذة. قال:
فيقول : أشهدكم أبي أعطيتهم ما يطلبون ، وأعذتهم مما يستعيذون
- أو كما قال - قال: فيقولون : فيهم فلان الخطاء جاء لحاجة جلس
معهم ، قال: فيقول : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) . - فهؤلاء
الذين م من أفضل أولياء الله كان مطلوبهم الجنة ، ومهربهم من النار.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة ، وكان الذين
بايعوه من أفضل السابقين الأولين الذين م أفضل من هؤلاء المشايخ
كلهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ولأصحابك
قال: (( أشترط لنفسي أن تنصروني مما تنصرون منه أنفسكم وأهليكم
وأشترط لأصحابي أن تواسوم . قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا ؟ قال :
لكم الجنة . قالوا : مد يدك فوالله لا نقيلك، ولا نستقيلك)). وقد
قالوا له فى أثناء البيعة ((إن بيننا وبين القوم حبالاً وعهوداً
وإنا ناقضوها)).
فهؤلاء الذين [ بايعوه ] من أعظم خلق الله محبة الله ورسوله، وبذلاً
لنفوسهم وأموالهم فى رضا الله ورسوله ، على وجه لا يلحقهم فيه أحد
من هؤلاء المتأخرين ، قد كان غاية ما طلبوه بذلك الجنة ، فلو كان
هناك مطلوب أعلى من ذلك لطلبوه ، ولكن علموا أن فى الجنة كل
محبوب ومطلوب؛ بل وفى الجنة ما لا تشعر به النفوس لتطلبه ، فإن
٧٠٣

الطلب والحب والإرادة فرع عن الشعور والإحساس والتصور ، فما
لا يتصوره الإنسان ولا يحسه ولا يشعر به يمتنع أن يطلبه ويحبه ويربده
فالجنة فيها هذا وهذا. كما قال تعالى: (لَمُ مَّايَشَآءُ ونَ فِيَهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ )
) ففيها
وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّالْأَعْيُبُ
وقال : (
ما يشتهون ، وفيها مزيد على ذلك ، وهو ما لم يبلغه علمهم ليشتهوه . كما
قال صلى الله عليه وسلم: (( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر
على قلب بشر )) وهذا باب واسع .
فإذا عرفت هذه ((المقدمة)) فقول القائل : الرضا ألا تسأل
الله الجنة ، ولا تستعيذه من النار، إن أراد بذلك ألا تسأل الله
ما هو داخل فى مسمى الجنة الشرعية ، فلا تسأله النظر إليه ، ولا غير
ذلك مما هو مطلوب جميع الأنبياء والأولياء ، وإنك لا تستعيذ به من
احتجابه عنك ، ولا من تعذيبك فى النار . فهذا الكلام مع كونه مخالفاً
لجميع الأنبياء والمرسلين ، وسائر المؤمنين ، فهو متناقض فى نفسه ،
فاسد فى صريح العقول . وذلك أن الرضا الذي لا يسأل ، إنما لا يسأله
لرضاه عن الله. ورضاء عنه إنما هو بعد معرفته به ، ومحبته له . وإذا
لم يبق معه رضا عن اللّه ولا محبة لله فكأنه قال: يرضى ألا يرضى
وهذا جمع بين النقيضين . ولا ريب أنه كلام. من لم يتصور ما يقول ،
ولا عقله. يوضح ذلك أن الراضي إنما يحمله على احتمال المكاره والآلام
٧٠٤

ما يجده من لذة الرضا وحلاوته . فإذا فقد تلك الحلاوة واللذة امتنع
أن يتحمل ألما ومرارة ، فكيف يتصور أن يكون راضياً ، وليس معه
من حلاوة الرضا ما يحمل به حرارة المكاره ؟ وإنما هذا من جنس
كلام السكران والفانى الذي وجد فى نفسه حلاوة الرضا ، فظن
أن هذا يبقى معه على أي حال كان ، وهذا غلط عظيم منه : كغلط
سمنون كما تقدم .
وإن أراد بذلك أن لا يسأل التمتع بالمخلوق ، بل يسأل ما هو
أعلى من ذلك ؛ فقد غلط من وجهين :
من جهة أنه لم يجعل ذلك المطلوب من الجنة وهو أعلى نعيم الجنة .
ومن جهة أنه أيضاً أثبت أنه طالب مع كونه راضياً ، فإذا كان الرضا
لا ينافى هذا الطلب ، فلا ينافى طلباً آخر إذا كان محتاجاً إلى مطلوبه ؛
ومعلوم أن تمتعه بالنظر لا يتم إلا بسلامته من النار ، وبتنعمه من الجنة
بما هو دون النظر . وما لايتم المطلوب إلا به فهو مطلوب ؛ فيكون
طلبه للنظر طلباً للوازمه التى منها النجاة من النار ، فيكون رضاه لا ينافى
طلب حصول المنفعة ودفع المضرة عنه ، ولا طلب حصول الجنة ودفع
النار ولا غيرها مما هو من لوازم النظر ، فتبين تناقض قوله .
٧٠٥

و ( أيضاً) فإذا لم يسأل الله الجنة، ولم يستعذ به من النار ، فإما
أن يطلب من الله ما هو دون ذلك مما يحتاج إليه من طلب منفعة ودفع
مضرة . وإما ألا يطلبه ، فإن طلب ما هو دون ذلك واستعاذ مما هو
دون ذلك فطلبه للجنة أولى ، واستعادته من النار أولى. وإن كان الرضا
ان لا يطلب شيئاً قط ، ولو كان مضطراً إليه ، ولا يستعيذ من شيء
قط وإن كان مضراً ، فلا يخلو : إما أن يكون ملتفتاً بقلبه إلى الله في
أن يفعل به ذلك ، وإما أن يكون معرضاً عن ذلك ، فإن التفت بقلبه
إلى الله فهو طالب مستعيذ بحاله، ولا فرق بين الطلب بالحال والقال.
وهو بهما أكمل وأتم فلا يعدل عنه .
وإن كان معرضاً عن جميع ذلك ، فمن المعلوم أنه لا يحيا وبيقي
إلا بما يقيم حياته ، ويدفع مضاره بذلك . والذي به يحيا من المنافع
ودفع المضار ، أما أن يحبه ويطلبه ويريده من أحد ، أو لا يحبه ولا
يطلبه ولا يريده . فإن أحبه وطلبه وأراده من غير الله كان مشركا
مذموماً ، فضلاً عن أن يكون محموداً. وإن قال لا أحبه وأطلبه وأريده
لا من اللّه ولا من خلقه. قيل : هذا ممتع فى الحي ، فإن الحي متع
عليه ألا يحب ما به يبقى، وهذا أمر معلوم بالحس ، ومن كان
بهذه المثابة امتنع أن يوصف بالرضا ، فإن الراضي موصوف بحب
وإرادة خاصة ، إذ الرضا مستلزم لذلك . فكيف يسلب عنه ذلك كله
٧٠٦

فهذا وأمثاله مما يبين فساد هذا الكلام .
وأما فى سبيل الله وطريقه ودينه فمن وجوه :
( أحدها ) أن يقال الراضي لا بد أن يفعل ما يرضاه الله، وإلا
فكيف يكون راضياً عن الله من لا يفعل ما يرضاء الله ؟ وكيف يسوغ
رضا ما يكرهه اللّه ويسخطه ويذمه ، وينهى عنه.
وبيان هذا : أن الرضا المحمود : إما أن يكون اللّه يحبه ويرضاه
وإما ألا يحبه ويرضاه ، فإن لم يكن يحبه ويرضاه لم يكن هذا
الرضا مأموراً به ، لا أمر إيجاب ولا أمر استحباب ؛ فإن من الرضا
ما هو كفر ، كرضا الكفار بالشرك، وقتل الأنبياء وتكذيبهم .
ورضام بما يسخطه اللّه ويكرهه. قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ
مَا أَسْخَطَ اللّهَ وَكَرِهُواْرِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ) فمن اتبع ما أسخط
اللّه برضاه وعمله فقد أسخط الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
((إن الخطيئة إذا عملت فى الأرض كان من غاب عنها ورضيها كمن
حضرها، ومن شهدها وسخطها كان كمن غاب عنها وأنكرها )). وقال
صلى الله عليه وسلم ((سيكون بعدي أمراء تعرفون وتتكرون، فمن
أنكر فقد برئ ، ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع هلك » .
(يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِنِ تَرْضَوْاْعَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ
وقال تعالی :
٧٠٧

لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ) فرضانا عن القوم الفاسقين ليس مما
يحبه الله ويرضاه، وهو لا يرضى عنهم. وقال تعالى: (أَرَضِيتُم
بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِّ فَمَا مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَافِ الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلُ)
فهذا رضا قد ذمه الله. وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا
وَرَضُواْبِاَ لْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا ) فهذا أيضا رضا مذموم، وسوى هذا
وهذا كثير .
فمن رضي بكفره وكفر غيره وفسقه وفسق غيره ومعاصيه ومعاصى
غيره فليس هو متبعاً لرضا الله ولا هو مؤمن بالله. بل هو مسخط
لربه، وربه غضبان عليه، لا عن له، ذام له ، متوعد له بالعقاب.
وطريق الله التى يأمر بها المشايخ المهتدون: إنما هي الأمر بطاعة
اللّه والنهى عن معصيته . فمن أمر أو استحب أو مدح الرضا الذي
يكرهه اللّه ويذمه وينهى عنه ويعاقب أصحابه فهو عدو الله لاولى الله
وهو بصد عن سبيل الله وطريقه ، ليس بسالك لطريقه وسبيله . وإذا
كان الرضا الموجود فى بني آدم منه ما يحبه الله، ومنه ما يكرهه
ويسخطه ومنه ماهو مباح لا من هذا ولا من هذا ، كسائر أعمال
القلوب من الحب والبغض وغير ذلك : كلها تنقسم إلى محبوب لله
ومكروه لله مباح .
٧٠٨

فإذا كان الأمر كذلك فالراضي الذي لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذه
من النار يقال له : سؤال الله الجنة واستعادته من النار إما أن تكون
واجبة، وإما أن تكون مستحبة، وإما أن تكون مباحة، وإما أن تكون
مكروهة، ولا يقول مسلم: أنها محرمة ولا مكروهة، وليست أيضاً مباحة
مستوية الطرفين . ولو قيل : إنها كذلك ففعل المباح المستوى الطرفين
لا ينافى الرضا ؛ إذ ليس من شرط الراضى ألا يأكل ولا يشرب
ولا يلبس ولا يفعل أمثال هذه الأمور . فإذا كان ما يفعله من هذه
الأمور لا ينافي رضاه، أينافى رضاء دعاء وسؤال هو مباح؟ !. وإذا
كان السؤال والدعاء كذلك واجباً أو مستحباً فمعلوم أن الله يرضى
بفعل الواجبات والمستحبات ، فكيف يكون الراضي الذي من أولياء
اللّه لا يفعل ما يرضاه ويحبه؛ بل يفعل ما يسخطه ويكرهه وهذه صفة
أعداء الله لا أولياء الله.
والقشيري قد ذكره فى أوائل ( باب الرضا ) فقال : اعلم أن
الواجب على العبد أن يرضى بقضاء الله الذي أمر بالرضا به ، إذليس
كل ماهو بقضائه يجوز للعبد أو يجب على العبد الرضا به . كالمعاصي
وفنون محن المسلمين . وهذا الذي قاله ، قاله قبله وبعده ومعه غير
واحد من العلماء : كالقاضي أبى بكر ، والقاضي أبي يعلى وأمثالهما . لما
احتج عليهم القدرية بأن الرضا بقضاء الله مأمور به، فلو كانت المعاصي
٧٠٩

بقضاء الله لكنا مأمورين بالرضا بها، والرضابما نهى الله عنه لا يجوز
فأجابهم أهل السنة عن ذلك بثلاثة أجوبة :
( أحدها ) - وهو جواب هؤلاء وجماهير الأثمة - أن هذا
العموم ليس بصحيح، فلسنا مأمورين أن نرضى بكل ما قضى وقدر ،
ولم يجيء فى الكتاب والسنة أمر بذلك، ولكن علينا أن نرضى بما
أمرنا أن نرضى به، كطاعة الله ورسوله . وهذا هو الذي ذكره
أبو القاسم .
( والجواب الثاني ) أنهم قالوا : إنا نرضى بالقضاء الذي هو صفة
اللّه أو فعله لا بالمقضي الذي هو مفعوله. وفي هذا الجواب ضعف قد
بيناه فى غير هذا الموضع .
( الثالث ) أنهم قالوا : هذه المعاصي لها وجهان : وجه إلى العبد
من حيث هي فعله وصنعه وكسبه ، ووجه إلى الرب من حيث هو خلقها
وقضاها وقدرها، فيرضى من الوجه الذي يضاف به إلى الله ، ولا يرضى
من الوجه الذي يضاف به إلى العبد، إذ كونها شراً وقبيحة ومحرما
وسبباً للعذاب والذم ونحو ذلك إنما هو من جهة كونها مضافة
إلى العبد . وهذا مقام فيه من كشف الحقائق والأسرار ماقد ذكرنا
منه ما قد ذكرناه فى غير هذا الموضع ؛ ولا يحتمله هذا المكان . فإن
٧١٠

هذا متعلق بمسائل (( الصفات والقدر )) وهي من أعظم مطالب الدين
وأشرف علوم الأولين والآخرين وأدقها على عقول
أكثر العالمين .
والمقصود هنا أن مشايخ الصوفية والعلماء وغيرم قد بينوا أن من
الرضاما يكون جازاً، ومنه مالا يكون جازاً فضلا عن كونه مستحباً
أو من صفات المقربين، وأن أبا القاسم ذكر ذلك فى ((الرسالة)) أيضاً.
( فإن قيل ) : هذا الذي ذكرتموه أمر بين واضح، فمن أين
غلط من قال: الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيده من النار ؟
وغلط من يستحسن مثل هذا الكلام كاتنا من كان ؟ .
( قيل ) : غلطوا فى ذلك لأنهم رأوا أن الراضي بأمر لا يطلب
غير ذلك الأمر ، فالعبد إذا كان فى حال من الأحوال فمن رضاه ألا
يطلب غير تلك الحال ، ثم إنهم رأوا أن أقصى المطالب الجنة ،
وأقصى المكاره النار . فقالوا : ينبغى ألا يطلب شيئاً ولو أنه الجنة
ولا يكره ما يناله ، ولو أنه النار ، وهذا وجه غلطهم . ودخل عليهم
الضلال من وجهين :
( أحدهما ): ظنهم أن الرضا بكل ما يكون أمر يحبه الله ويرضاه
٧١١

وأن هذا من أعظم طرق أولياء الله، فجعلوا الرضا بكل حادث وكأن
أو بكل حال يكون فيها للعبد طريقاً إلى الله، فضلوا ضلالاً مبينا.
والطريق إلى الله إنما هي أن ترضيه بأن تفعل مايحبه ويرضاه ليس أن
ترضى بكل ما يحدث ويكون ، فإنه هو لم يأمرك بذلك ولا رضيه لك
ولا أحبه ؛ بل [ هو ] سبحانه يكره ويسخط ويبغض على أعيان أفعال
موجودة لا يحصيها إلا هو . وولاية الله موافقته بأن تحب ما يحب
وتبغض ما يبغض ، وتكره ما يكره ، وتسخط ما يسخط ، وتوالي من
يوالى ، وتعادي من يعادي. فإذا كنت تحب وترضى ما يكرهه ويسخطه
كنت عدوه لا وليه، وكان كل ذم نال من رضي ما أسخط الله
قد نالك .
فتدبر هذا ؛ فإنه ينبه على أصل عظيم ضل فيه من طوائف النساك
والصوفية والعباد والعامة من لا يحصيهم إلا الله .
( الوجه الثاني ) : أنهم لا يفرقون بين الدعاء الذي أمروا به
أمر إيجاب ، وأمر استحباب ، وبين الدعاء الذي نهوا عنه، أو لم
يؤمروا به ولم ينهوا عنه ، فإن دعاء العبد لربه ومسألته إياه
ثلاثة أنواع :
((نوع)) أمر العبد به إما أمر إيجاب وإما أمر استحباب: مثل
٧١٢

قوله (اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) ومثل دعائه فى آخر الصلاة كالدعاء
الذي كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمر به أصحابه فقال: ((إذا قعد
أحدكم فى الصلاة فليستعذ بالله من أربع : من عذاب جهنم ، وعذاب
القبر ، وفتنة المحيا والمات ، وفتنة المسيح الدجال )) . فهذا دعاء أمرهم
النبى صلى الله عليه وسلم أن يدعوا به فى آخر صلاتهم. وقد اتفقت
الأمة على أنه مشروع يحبه الله ورسوله ويرضاه ، وتنازعوا فى وجوبه.
فأوجبه طاووس وطائفة، وهو قول في مذهب أحمد رضي الله عنه
والأكثرون قالوا : هذا مستحب ، والأدعية التى كان النبي صلى الله
عليه وسلم يدعو بها : لا تخرج عن أن تكون واجبة ، أو مستحبة ،
وكل واحد من الواجب والمستحب يحبه الله ويرضاه . ومن فعله رضي
الله عنه وأرضاه ، فهل يكون من الرضا ترك ما يحبه ويرضاه ؟ !.
و ((نوع من الدعاء)) ينهى عنه: كالاعتداء مثل أن يسأل الرجل
مالا يصلح من خصائص الأنبياء ، وليس هو بنى ، وربما هو من
خصائص الرب سبحانه وتعالى . مثل أن يسأل لنفسه الوسيلة التى لا تصلح
إلا لعبد من عباده، أو يسأل الله تعالى أن يجعله بكل شيء عليما، أو على
كل شيء قدير ، وأن يرفع عنه كل حجاب يمنعه من مطالعة الغيوب .
وأمثال ذلك، أو مثل من يدعوه ظانا أنه محتاج إلى عباده ، وأنهم
يبلغون ضره ونفعه فيطلب منه ذلك الفعل . ويذكر أنه إذا لم يفعله
٧١٣

حصل له من الخلق ضير . وهذا ونحوه جهل بالله واعتداء فى الدعاء .
وإن وقع فى ذلك طائفة من الشيوخ . ومثل أن يقولوا : اللهم اغفر
لي إن شئت ، فيظن أن الله قد يفعل الشيء مكرها ، وقد يفعل
مختاراً . كالملوك فيقول : اغفر لي إن شئت ، وقد نهى النى صلى الله
عليه وسلم عن ذلك وقال: ((لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ،
اللهم ارحمني إن شئت، ولكن ليعزم المسألة فإن الله لامكره له))
ومثل أن يقصد السجع في الدعاء ويتشهق ويتشدق، وأمثال ذلك فهذه
الأدعية ونحوها منهى عنها .
ومن الدعاء ماهو مباح كطلب الفضول التى لامعصية فيها .
و (المقصود ) أن الرضا الذي هو من طريق الله لا يتضمن ترك واجب
ولا ترك مستحب ، فالدعاء الذي هو واجب أو مستحب لا يكون
تركه من الرضا ؛ كما أن ترك سائر الواجبات لا يكون من الرضا
المشروع، ولا فعل المحرمات من المشروع. فقد تبين غلط هؤلاء من جهة ظنهم
أن الرضا مشروع بكل مقدور ، ومن جهة أنهم لم يميزوا بين الدعاء المشروع
إيجابا ، واستحبابا ، والدعاء غير المشروع .
وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن طلب الجنة من الله،
والاستعاذة به من النار ، هو من أعظم الأدعية المشروعة لجميع المرسلين
٧١٤

والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وأن ذلك لا يخرج عن كونه
واجباً أو مستحبا ، وطريق أولياء الله التى يسلكونها لا تخرج عن
فعل واجبات ومستحبات ، إذ ما سوى ذلك محرم أو مكروه أو مباح
لا منفعة فيه فى الدين .
ثم إنه لما أوقع هؤلاء فى هذا الغلط أنهم وجدوا كثيراً من الناس
لا يسألون الله جلب المنافع، ودفع المضار، حتى طلب الجنة ،
والاستعاذة من النار من جهة كون ذلك عبادة وطاعة وخيراً ؛ بل من
جهة كون النفس تطلب ذلك ، فرأوا أن من الطريق ترك ما تختاره
النفس وتريده ، وألا يكون لأحدم إرادة أصلا ؛ بل يكون مطلوبه
الجريان تحت القدر - كاتاً من كان - وهذا هو الذي أدخل كثيراً
منهم فى الرهبانية ، والخروج عن الشريعة ، حتى تركوا من الأكل
والشرب واللباس والنكاح ما يحتاجون إليه ، وما لا تتم مصلحة دينهم
إلا به ؛ فإنهم رأوا العامة تعد هذه الأمور بحكم الطبع والهوى والعادة ،
ومعلوم أن الأفعال التى على هذا الوجه لا تكون عبادة ولا طاعة ولا
قربة فرأى أولئك الطريق إلى الله ترك هذه العبادات، والأفعال
الطبعيات ، فلازموا من الجوع والسهر والخلوة والصمت وغير ذلك
مما فيه ترك الحظوظ واحتمال المشاق ، ما أوقعهم في ترك واجبات
ومستحبات ، وفعل مكروهات ومحرمات .
٧١٥

وكلا الأمرين غير محمود ، ولا مأمور به ، ولا طريق إلى الله :
طريق المفرطين الذين فعلوا هذه الأفعال المحتاج إليها على غير وجه
العبادة ، والتقرب إلى الله ، وطريق المعتدين الذين تركوا هذه الأفعال :
بل المشروع أن تفعل بنية التقرب إلى الله، وأن يشكر الله. قال الله
) وقال تعالى: ( كُلُواْ
تعالى: ( كُلُواْمِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْصَلِحًا
فأمر بالأكل والشرب ، فمن أكل
(
مِن طَيِبَتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُوْلِلَّهِ
ولم يشكر كان مذموماً، ومن لم يأكل ولم يشكر كان مذموما، وفى
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله ليرضى
عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده
عليها)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: ((إنك لن تنفق نفقة
تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى اللقمة تضعها فى
فى امرأتك)) وفى الصحيح أيضاً أنه قال: ((نفقة المؤمن على أهله
يحتسبها صدقة)). فكذلك الأدعية هنا من الناس من يسأل الله جلب
المنفعة له ودفع المضرة عنه طبعاً وعادة لا شرعا وعبادة، فليس من
المشروع أن أدع الدعاء مطلقاً لتقصير هذا وتفريطه ؛ بل أفعله أنا
شرعا وعبادة .
ثم اعلم أن الذي يفعله شرعا وعبادة إنما بسعى فى مصلحة نفسه
وطلب حظوظه المحمودة فهو يطلب مصلحة دنياه وآخرته ؛ خلاف
٧١٦

الذي يفعله طبعاً فإنه إنما يطلب مصلحة دنياه فقط، كما قال تعالى
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَإِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ
خَلَقِ * وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآءَإِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
*
ج
أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
(
وحينئذ فطالب الجنة والمستعيذ من النار إنما يطلب حسنة الآخرة
فهر محمود .
ومما يبين الأمر فى ذلك أن يرد قول هؤلاء بأن العبد لا يفعل
مأموراً ولا يترك محظوراً ، فلا يصلي ولا يصوم ولا يتصدق، ولا يحج
ولا يجاهد ولا يفعل شيئاً من القربات، فإن ذلك إنما فائدته حصول
الثواب ودفع العقاب . فإذا كان هو لا يطلب حصول الثواب الذي هو
الجنة ، ولا دفع العقاب الذي هو النار ، فلا يفعل مأموراً، ولا يترك
محظوراً ، ويقول أنا راض بكل ما يفعله بي وإن كفرت وفسقت وعصيت ؛
بل يقول : أنا أكفر وأفسق وأعصي حتى يعاقبني وأرضى بعقابه فأثال
درجة الرضا بقضائه ، وهذا قول من [ هو من ] أجهل الخلق وأحمقهم
وأضلهم وأكفرم.
أما جهله وحمقه ، فلأن الرضا بذلك ممتنع متعذر ، لأن ذلك
يستلزم الجمع بين النقيضين .
٧١٧

وأما كفره فلأنه مستلزم لتعطيل دين الله الذي بعث به رسله
وأزل به کتبه .
ولا ريب أن ملاحظة القضاء والقدر أوقعت كثيراً من أهل الإرادة
من المتصوفة فى أن تركوا من المأمور وفعلوا من المحظور ما صاروا به
إما ناقصين محرومين وإما عاصين فاسقين وإما كافرين ، وقد رأيت من
ذلك ألوانا. ( وَمَن لَّيَجْعَلِ اللَّهُلَهُ نُورًا فَمَالَهُ مِنْ نُورٍ ) .
وهؤلاء المعتزلة وبحوم من القدرية طرفا نقيض ــ هؤلاء يلاحظون
القدر ويعرضون عن الأمر. وأولئك يلاحظون الأمر ويعرضون عن
القدر - والطائفتان تظن أن ملاحظة الأمر والقدر متعذر ، كما أن
طائفة تجعل ذلك مخالفاً للحكمة والعدل . وهذه الأصناف الثلاثة هي : القدرية
المجوسية ، والقدرية المشركية ؛ والقدرية الإبليسية ؛ وقد بسطنا الكلام
عليهم فى غير هذا الموضع .
وأصل ما يبتلى به السالكون أهل الإرادة والعامة فى هذا الزمان
هي ((القدرية المشركية)) فيشهدون القدر ويعرضون عن الأمر ، كما قال
فيهم بعض العلماء : أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري أي
مذهب وافق هواك تمذهبت به . وإنما المشروع العكس وهو أن يكون
عند الطاعة يستعين الله عليها قبل الفعل ، ويشكره عليها بعد الفعل .
٧١٨

ويجتهد أن لا يعصى فإذا أذنب وعصى بادر إلى التوبة والاستغفار ، كما
في حديث سيد الاستغفار: ((أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنى))
وكما فى الحديث الصحيح الإلهي (( ياعبادي إنما هى أعمالكم أحصيها
لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير
ذلك فلا يلومن إلا نفسه)).
ومن هذا الباب دخل قوم من أهل الإرادة فى ترك الدعاء
وآخرون جعلوا التوكل والمحبة من مقامات العامة، وأمثال هذه الأغاليط
التى تكلمنا عليها فى غير هذا الموضع وبينا الفرق بين الصواب والخطأ
فى ذلك ؛ ولهذا يوجد في كلام هؤلاء المشايخ الوصية باتباع العلم
والشريعة ، حتى قال سهل بن عبد الله التستري : كل وجد لايشهد له
الكتاب والسنة فهو باطل . وقال الجنيد بن محمد : علمنا مقيد بالكتاب
والسنة؛ فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصح أن يتكلم فى
علمنا والله أعلم .
٧١٩

ما تقول السادة العلماء
فى من عزم على ((فعل محرم)) كالزنا والسرقة، وشرب الخمر عزماً
جازماً - فعجز عن فعله: إما بموت، أو غيره. هل يأتم بمجرد العزم أم لا؟
وإن قلتم: يأتم ، فما جواب من يحتج على عدم الإثم بقوله: ((إذا م عبدي
بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه)) وبقوله: ((إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت
به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» واحتج به من وجهين .
(أحدهما ) أنه أخبر بالعفو عن حديث النفس، والعزم داخل فى
العموم والعزم والهم واحد . قاله ابن سيده.
(الثانى) أنه جعل التجاوز ممتدا إلى أن يوجد كلام أو عمل ، وما
قبل ذلك داخل في حد التجاوز، ويزعم أن لا دلالة فى قول النى صلى الله
عليه وسلم: (( إذا التقى المسلمان بسيفيها فالقاتل والمقتول فى النار))؛
لأن الموجب لدخول المقتول فى النار مواجهته آخاه، لأنه عمل لا مجرد
قصد، وأن لا دلالة فى قوله صلى الله عليه وسلم: في الذي قال: ((لو أن
لي مالا لفعلت وفعلت ، أنها فى الإثم سواء وفى الأجر سواء)) لأنه تكلم،
٧٢٠