النص المفهرس

صفحات 661-680

وعند أخذ المضجع ، وعند الاستيقاظ من المنام ، وأدبار الصلوات ،
والأذكار المقيدة مثل مايقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ،
ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك، وعند المطر والرعد
إلى غير ذلك، وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة .
ثم ملازمة الذكر مطلقاً وأفضله ((لا إله إلا الله)). وقد تعرض
أحوال يكون بقية الذكر مثل: ((سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا
حول ولا قوة إلا بالله)) أفضل منه .
ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله
من تعلم علم وتعليمه، وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله .
ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض ، أو جلس مجلساً
يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها فهذا أيضاً من
أفضل ذكر الله. وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين فى كلماتهم
فى أفضل الأعمال كبير اختلاف .
وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة ، فما ندم من
استخار الله تعالى. وليكثر من ذلك ومن الدعاء ، فإنه مفتاح كل
خير ، ولا يعجل فيقول : قد دعوت فلم يستجب لي، وليتحر الأوقات
٦٦١

الفاضلة : كآخر الليل ، وأدبار الصلوات ، وعند الأذان ، ووقت نزول
المطر ، ونحو ذلك.
وأما أرجح المكاسب : فالتوكل على الله، والثقة بكفايته، وحسن
الظن به . وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله
ويدعوه، كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه: ((كلكم جائع إلا من
أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته
فاستكسونى أكسكم)) وفيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليسأل أحدكم ربه حاجته
كلها حتى شسع نعله إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر)).
وقد قال الله تعالى فى كتابه: (وَسْئَلُواْاللَّهَ مِن فَضْلِهِ ) وقال
سبحانه: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَانتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ )
وهذا وإن كان فى الجمعة فمعناه قائم فى جميع الصلوات . ولهذا
والله أعلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدخل المسجد أن يقول :
((اللهم افتح لي أبواب رحمتك)) وإذا خرج أن يقول: ((اللهم إنى
أسألك من فضلك)) وقد قال الخليل صلى الله عليه وسلم: ( فَأَبْثَغُواْ
عِندَ اللَّهِ الرِّزْفَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُوْلَهُ) وهذا أمر، والأمر يقتضي الإيجاب
فالاستعانة بالله واللجأ إليه فى أمر الرزق وغيره أصل عظيم .
٦٦٢

ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ، ولا
يأخذه بإشراف وهلع ؛ بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج
إليه من غير أن يكون له فى القلب مكانة ، والسعي فيه إذا سعى
كإصلاح الخلاء . وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره: ((من
أصبح والدنيا أكبر همه ، شنت الله عليه شمله، وفرق عليه ضيعته،
ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له . ومن أصبح والآخرة أكبر همه،
جمع الله عليه شمله ، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)).
وقال بعض السلف : أنت محتاج إلى الدنيا ، وأنت إلى نصيبك
من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من
الدنيا فانتظمه انتظاماً. قال الله تعالى: ( وَمَا خَلَفْتُ الجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ * مَآأُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللََّ هُوَ الرَّزَّقُ ذُوْاُلْقُوَّةِ
اَلْمَتِينُ ) .
فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو
حراثة أو غير ذلك ، فهذا يختلف باختلاف الناس ، ولا أعلم في ذلك
شيئاً عاماً ، لكن إذا عن للإنسان جهة فليستخر اللّه تعالى فيها الاستخارة
المتلقاة عن معلم الخير صلى اللّه عليه وسلم، فإن فيها من البركة ما لا يحاط
به . ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره إلا أن يكون منه كراهة شرعية .
٦٦٣

وأما ما تعتمد عليه من الكتب فى العلوم ، فهذا باب واسع ، وهو
أيضاً يختلف باختلاف نشء الإنسان فى البلاد ، فقد يتيسر له فى بعض
البلاد من العلم أو من طريقه ومذهبه فيه ما لا يتيسر له فى بلد آخر ،
لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه فى تلقي العلم الموروث عن النبي
صلى الله عليه وسلم ، فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علماً، وما سواه
إما أن يكون علماً فلا يكون نافعاً، وإما ألا يكون علماً، وإن سمي
به . ولئن كان علماً نافعاً فلا بد أن يكون فى ميراث محمد صلى الله
عليه وسلم ما يغنى عنه مما هو مثله وخير منه . ولتكن همته فهم مقاصد
الرسول فى أمره ونهيه وسائر كلامه . فإذا اطمأن قلبه أن هذا هو
مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس ،
إذا أمكنه ذلك .
وليجتهد أن يعتصم فى كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن
النبى صلى الله عليه وسلم. وإذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس
فليدع بما رواه مسلم فى صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام يصلي من الليل: ((اللهم رب
جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة
أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنى لما اختلف فيه من
الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)) فإن الله تعالى
٦٦٤

قد قال فيما رواه عنه رسوله: (( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته
فاستهدونى أهدكم )).
وأما وصف ((الكتب والمصنفين)) فقد سمع منا فى أثناء المذاكرة
ما يسره الله سبحانه . وما فى الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من
( صحيح محمد بن اسماعيل البخاري)) لكن هو وحده لا يقوم بأصول
العلم . ولا يقوم بتمام المقصود للمتبحر فى أبواب العلم ، إذ لا بد من معرفة
أحاديث أخر ، وكلام أهل الفقه وأهل العلم فى الأمور التى يختص بعلمها
بعض العلماء . وقد أوعبت الأمة فى كل فن من فنون العلم إيعاباً ، فمن
نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب
إلا حيرة وضلالاً ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى لبيد الأنصاري:
(( أوليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؟ فماذا تغنى عنهم؟)).
فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ، ويلهمنا رشدنا ،
ويقينا شر أنفسنا ، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، ويهب لنا
من لدنه رحمة إنه هو الوهاب والحمد لله رب العالمين ، وصلواته على
أشرف المرسلين.
٦٦٥

وسئل الشيخ الإمام، العالم العامل
الحبر الكامل ، شيخ الإسلام ومفتى الأمام تقي الدين (( ابن تيمية)»
أيده الله وزاده من فضله العظيم. عن (الصبر الجميل) و(الصفح الجميل)
و(الهجر الجميل ) وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس؟(١)
فأجاب رحمه الله : -
الحمد لله . أما بعد : فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل ، والصفح
الجميل والصبر الجميل ((فالهجر الجميل، هجر بلا أذى، و«الصفح
الجميل)) صفح بلا عتاب، و((الصبر الجميل)) صبر بلا شكوى قال
يعقوب عليه الصلاة والسلام: ( إِنَّمَا أَشْكُوْ بَتّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ ) مع
قوله: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) فالشكوى إلى الله
لاتنافي الصبر الجميل ، ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان
يقول: ((اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك
(١) مسألة في الهجر الجميل والصفح الجميل وأقسام التقوى والصبر.
٦٦٦

المستغاث وعليك التكلان)) ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم
إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى ، وهوانى على الناس ، أنت رب
المستضعفين وأنت ربى ، اللهم إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم
إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن
عافيتك هي أوسح لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ،
وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي
غضبك، لك العتبى حتى ترضى)).
وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقرأ في صلاة الفجر: (إِنَّمَآ
أَشْكُوْبَتّى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ ) وبيكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف ؛
بخلاف الشكوى إلى المخلوق . قرئ على الإمام أحمد في مرض موته
أن طاووساً كره أنين المريض . وقال : إنه شكوى. فما أن حتى مات.
وذلك أن المشتكى طالب بلسان الحال ، إما إزالة مايضره أو حصول
ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه ، كما قال تعالى :
( فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ) وقال صلى الله عليه وسلم لابن
عباس: ((إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)).
ولابد للإنسان من شيئين : طاعته بفعل المأمور ، وترك المحظور ،
وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور. فالأول هو التقوى ، والثانى
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُ واْبِطَانَةً مِّن
هو الصبر . قال تعالى : (
٦٦٧

دُونِكُمْ لَا يَأْ لُونَكُمْ خَبَالًا ) إلى قوله: ( وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ
كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) وقال تعالى: (بَّإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَايُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِءَ الَفٍ مِّنَ الْمَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ )
وقال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِىَ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْالْكِتَبَ مِن قَبْلِِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْأَذَى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ) وقد قال يوسف : ( أَنَأْيُوسُفُ
وَهَذَا أَخِىّ قَدْمَتَ اللَّهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَلَ يُضِيعُ أَجْرَ
اٌلْمُحْسِنِينَ ).
ولهذا كان الشيخ عبد القادر ومحوه من المشايخ المستقيمين يوصون
فى عامة كلامهم بهذين الأصلين : المسارعة إلى فعل المأمور ، والتقاعد
عن فعل المحظور ، والصبر والرضا بالأمر المقدور. وذلك أن هذا الموضع
غلط فيه كثير من العامة ؛ بل ومن السالكين ، فمنهم من يشهد القدر فقط
ويشهد [ الحقيقة الكونية ] دون [ الدينية ] فيرى أن الله خالق كل شيء
وربه ، ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه ، وبين ما يسخطه ويبغضه ،
وإن قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية ، وبين توحيد الربوبية
فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات - سعيدها وشقيها -
مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، والنى
الصادق والمتنئ الكاذب، وأهل الجنة وأهل النار ، وأولياء الله وأعداؤه،
والملائكة المقربون والمردة الشياطين .
٦٦٨
٠

فإن هؤلاء كلهم يشتركون فى هذا الجمع وهذه ((الحقيقة الكونية))
وهو أن اللّه ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره . ولا يشهد
الفرق الذي فرق الله [ به ] بين أوليائه وأعدائه، وبين المؤمنين
والكافرين ، والأبرار والفجار ، وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية،
وهو عبادته وحده لا شريك له ، وطاعته وطاعة رسوله، وفعل ما يحبه
ويرضاه ، وهو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب ، أو أمر استحباب،
وترك ما نهى الله عنه ورسوله ، وموالاة أوليائه ، ومعاداة أعدائه،
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب
واليد واللسان. فمن لم يشهد هذه ((الحقيقة الدينية)) الفارقة بين
هؤلاء وهؤلاء ، ويكون مع أهل ((الحقيقة الدينية)) وإلا فهو من
جنس المشركين ، وهو شر من اليهود والنصارى .
فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية . إذ م يقرون بأن الله رب
وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
كل شيء كما قال تعالى : (
لَيَقُولُنَّاللَّهُ ) وقال تعالى: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
*
سَيَقُولُونَ لِلّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *
سَيَقُولُونَ اللَّهِ قُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُحِبُرُ وَلَا
(
يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِقُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
ولهذا قال سبحانه: ( وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
(
٦٦٩

قال بعض السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله
وم مع هذا يعبدون غيره .
فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر
من اليهود والنصارى ، فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذين جاؤوا
بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض . كما قال
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا ) .
*
وأما الذي يشهد ((الحقيقة الكونية)) وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة
ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر ، ويسلك هذه الحقيقة، فلا يفرق
بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله ، وبين
من عصى الله ورسوله من الكفار والفجار ، فهؤلاء أكفر من اليهود
والنصارى . لكن من الناس من قد لمحوا الفرق فى بعض الأمور دون
بعض ، بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ، ولا يفرق بين البر والفاجر
أو يفرق بين بعض الأبرار ، وبين بعض الفجار ، ولا يفرق بين آخرين
اتباعاً لظنه وما يهواه . فيكون ناقص الإيمان بحسب ما سوى بين الأبرار
والفجار ، ويكون معه من الإيمان بدين الله تعالى الفارق بحسب ما فرق
به بين أوليائه وأعدائه .
٦٧٠

ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية
كالمعتزلة وغيره الذين م مجوس هذه الأمة ، فهؤلاء يشبهون المجوس ،
وأولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس .
ومن أقر بها وجعل الرب متناقضاً، فهو من اتباع إبليس الذي
اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه .
فهذا التقسيم فى القول والاعتقاد .
وكذلك هم في ((الأحوال والأفعال)). فالصواب منها حالة المؤمن الذي
يتقي الله فيفعل المأمور، ويترك المحظور ، ويصبر على ما يصيبه من المقدور،
فهو عند الأمر والنهى والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك . كما قال تعالى:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّ نَسْتَعِينُ).
وإذا أذنب استغفر وتاب : لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ،
ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات ، بل يؤمن بالقدر ولا يحتج
به، كما فى الحديث الصحيح الذي فيه: «سيد الاستغفار أن يقول العبد :
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك
ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك
علي وأبوء بذنبى ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )) فيقر بنعمة
٦٧١

اللّه عليه فى الحسنات ، ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ، ويقر بذنوبه
من السيئات ويتوب منها ، كما قال بعضهم : أطعتك بفضلك ، والمنة لك
وعصيتك بعلمك ، والحجة لك ، فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع
حجتى، إلا غفرت لي. وفى الحديث الصحيح الإلهي: ((ياعبادي إنما
هي أعمالكم، أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها ؛ فمن وجد خيراً فليحمد
اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)).
وهذا له تحقيق مبسوط فى غير هذا الموضع .
وآخرون قد يشهدون الأمر فقط : فتجدهم يجتهدون في الطاعة
حسب الاستطاعة ؛ لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم
حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر . وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون
عندم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك ؛ لكنهم لا يلتزمون
أمر الله ورسوله واتباع شريعته، وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين
فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه، والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه
ولا يستعينوه ؛ والمؤمن يعبده ويستعينه ،
و ((القسم الرابع)) شر الأقسام ، وهو من لا يعبده ولا يستعينه ،
فلاهو مع الشريعة الأمرية ؛ ولا مع القدر الكونى. وانقسامهم إلى
هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو
٦٧٢

ذلك ؛ وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك . فهم فى التقوى
وهي طاعة الأمر الديني ، والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني
أربعة أقسام.
( أحدها) أهل التقوى والصبر ، وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل
السعادة في الدنيا والآخرة.
( والثانى ) الذين لهم نوع من التقوى بلاصبر ، مثل الذين يمثلون
ما عليهم من الصلاة ونحوها ، ويتركون المحرمات: لكن إذا أصيب أحدم
فى بدنه بمرض ونحوه أو فى ماله أو فى عرضه ، أو ابتلي بعدو يخيفه عظم
جزعه ، وظهر هلعه .
و ( الثالث ) قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى ، مثل الفجار الذين
يصبرون على ما يصيبهم فى مثل أهوائهم، كاللصوص والقطاع الذين يصبرون
على الآلام فى مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام ؛ والكتاب وأهل
الديوان الذين يصبرون على ذلك فى طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة
وغيرها . وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على
أنواع من الأذى التى لا يصبر عليها أكثر الناس، وكذلك أهل المحبة للصور
المحرمة من أهل العشق وغيرهم بصبرون فى مثل ما يهوونه من المحرمات
على أنواع من الأذى والآلام . وهؤلاء هم الذين يريدون علواً في الأرض
٦٧٣

أو فساداً من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ، ومن طلاب الأموال
بالبغي والعدوان ، والاستمتاع بالصور المحرمة نظراً أو مباشرة وغير ذلك
يصبرون على أنواع من المكروهات ، ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه
من المأمور ، وفعلوه من المحظور ، وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه
من المصائب : كالمرض والفقر وغير ذلك ، ولا يكون فيه تقوى
إذا قدر .
( وأما القسم الرابع) فهو شر الأقسام : لا يتقون إذا قدروا ،
ولا يصبرون إذا ابتلوا ؛ بل هم كما قال الله تعالى: (إِنَ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا
* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّجُزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا )
فهؤلاء بجدم
من أظلم الناس وأجبرهم إذا قدروا ، ومن أذل الناس وأجزعهم إذا
قهروا . إن قهرتهم ذلوا لك ونافقوك ، وحابوك واسترحموك
ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم
المسؤول ، وإن قهروك كانوا من أظلم الناس وأقسام قلباً . وأقلهم
رحمة وإحسانا وعفواً، كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق
الإيمان أبعد : مثل النار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم فى كثير
من أمورم . وإن كان متظاهراً بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم
وتجارهم وصناعهم، فالاعتبار بالحقائق: ((فإن الله لا ينظر إلى صوركم ولا
إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))
٦٧٤

فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التنار وأعمالهم كان شبيهاً
لهم من هذا الوجه ، وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة
ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه ، بل يوجد فى غير النار
المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولى بالأخلاق
الجاهلية ، وأبعد عن الأخلاق الإسلامية ، من التتار .
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى خطبته
« خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) وإذا كان خير الكلام كلام الله ،
وخير الهدي هدي محمد ، فكل من كان إلى ذلك أقرب وهو به أشبه
كان إلى الكمال أقرب ، وهو به أحق . ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه
به أضعف ، كان عن الكمال أبعد ، وبالباطل أحق . والكامل هو من
كان للّه أطوع، وعلى ما يصيبه أصبر ، فكلما كان أتبع لما يأمر الله به
ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه، وصبراً على ما قدره
وقضاء ، كان أكمل وأفضل . وكل من نقص عن هذين كان فيه من
النقص بحسب ذلك .
وقد ذكر الله تعالى ((الصبر والتقوى)) جميعاً فى غير موضع
من كتابه وبين أنه ينتصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين
والمنافقين ، وعلى من ظلمه من المسلمين ، ولصاحبه تكون العاقبة .
٦٧٥

قال الله تعالى: (بَلَّإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ رَبُّكُمْ
بِخَمْسَةِءَالَفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ) وقال الله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ
فِي أَمْوَ لِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ
اُلْأُمُورِ ) وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُ واْبِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ
لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَاتُخْفِى صُدُورُهُمْ
أَكْبٌ قَدْ بَيِّنَا لَكُمْ اْآَيَتِّ إِنْ كُمْتَعْقِلُونَ * هَكَأَنتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ
بِالْكِتَبِ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوَ اْءَامَنَا وَ إِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَظِ قُلْ مُوتُواْ
بِغَيْظِكُمْ إِنَّالَّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِن تَمْسَسْكُمْحَسَنَّةُ نَّسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ
يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ) وقال إخوة يوسف له : (أَعِتَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْيُوسُفُ
وَهَذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَاْ إِنَّهُوَمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ ) .
وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصاً فقال تعالى :
(وَأَّبِعْ مَايُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمُاللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ ).
وفى اتباع ما أوحي إليه التقوى كلها تصديقاً لخبر الله وطاعة لأمره
(وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ
وقال تعالى :
٦٧٦

السِّّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ * وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَالْمُحْسِنِينَ)
وقال تعالى : (فَأَصْبِرْإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ
رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ )
وقال تعالى :
(فَاصْبِرْ عَلَى
مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً وَمِنْ ءَانَآَبِ الَِّلِ )
وقال تعالى: (وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيَرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِعِينَ)
وقال تعالى: ( أَسْتَعِينُوْبِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ إِنَّاللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ)
فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر .
وقرن بين «الرحمة والصبر)) في مثل قوله تعالى: (وَنَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ
وَتَوَاصَوْبِلْمَرْهَةٍ ). وفى الرحمة الإحسان إلى الخلق بالزكاة وغيرها؛
فإن القسمة أيضا رباعية ، إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل
القوة والقسوة ، ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين :
مثل كثير من النساء ، ومن يشبههن ، ومنهم من لا يصبر ولا يرحم
كأهل القسوة والهلع . والمحمود هو الذي يصبر ويرحم، كما قال الفقهاء
في المتولي : ينبغي أن يكون قويا من غير عنف ، لينا من غير ضعف
فبصبره يقوى ، وبلينه يرحم ، وبالصبر ينصر العبد ؛ فإن النصر مع
الصبر، وبالرحمة يرحمه الله تعالى. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)) وقال: ((من لا يرحم لا يرحم))
وقال: (( لا تنزع الرحمة إلا من شقي)) وقال «الراحمون يرحمهم
الرحمن، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء)). والله أعلم انتهى.
٦٧٧

وسئل شيخ الإسلام
رحمه الله
عما ذكر الأستاذ القشيري فى ( باب الرضا ) عن الشيخ أبي سليمان
أنه قال : الرضا ألا يسأل الله الجنة ، ولا يستعيذ من النار . فهل
هذا الكلام صحيح ؟؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين: الكلام على هذا القول
من وجهين :
( أحدهما ) : من جهة ثبوته عن الشيخ .
و ( الثاني ) من جهة صحته فى نفسه وفساده.
أما (( المقام الأول)) فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر
هذا عن الشيخ أبي سليمان بإسناد، وإنما ذكره مرسلا عنه، وما يذكر.
أبو القاسم في رسالته عن النبي صلى الله عليه والصحابة والتابعين
والمشايخ وغيرهم. تارة يذكره بإسناد، وتارة يذكره مرسلا، وكثيراً
ما يقول : وقيل كذا - ثم الذي يذكره بإسناد تارة يكون إسناده
٦٧٨

صحيحاً ، وتارة يكون ضعيفاً؛ بل موضوعا. وما يذكره مرسلا ،
ومحذوف القائل أولى، وهذا كما يوجد ذلك فى مصنفات الفقهاء . فإن
فيها من الأحاديث والآثار ماهو صحيح ، ومنها ماهو ضعيف ، ومنها
ما هو موضوع .
فالموجود فى ( كتب الرقائق والتصوف ) من الآثار المنقولة فيها
الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع . وهذا الأمر متفق عليه بين
جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا ؛ بل
نفس الكتب المصنفة في ((التفسير )) فيها هذا وهذا، مع أن أهل
الحديث أقرب إلى معرفة المنقولات وفى كتبهم هذا وهذا
فكيف غيرم؟ ! .
والمصنفون قد يكونون أئمة فى الفقه أو التصوف أو الحديث
ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب ، وهو الغالب على أهل
الدين ؛ فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب ، وتارة يذكرونه وإن
علموا أنه كذب ؛ إذ قصدم رواية ما روي فى ذلك الباب ، ورواية
الأحاديث المكذوبة مع بيان كونها كذبا جاز. وأما روايتها مع
الإمساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء ، كما ثبت فى الصحيح
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من حدث عني حديثاً وهو
يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )). وقد فعل كثير من العلماء
٦٧٩

متأولين أنهم لم يكذبوا، وإنما نقلوا ما رواه غيرم وهذا يسهل إذ رووه
لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه .
و (المقصود هنا) أن مايوجد فى ((الرسالة)) وأمثالها: من
كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي صلى الله
عليه وسلم وغيره من السلف فيه : الصحيح والضعيف والموضوع .
فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقه والموضوع الذي قامت الدلالة
على كذبه، والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقه ، إما لسوء حفظه وإما
لاتهامه، ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه ؛ فإن الفاسق قد يصدق
والغالط قد يحفظ .
وغالب أبواب ((الرسالة)) فيها الأقسام الثلاثة . ومن ذلك (باب
الرضا ) فإنه ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ذاق
طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم
نبياً)). وهذا الحديث رواه مسلم فى صحيحه، وإن كان الأستاذ لم
يذكر أن مسلماً رواه لكنه رواه، بإسناد صحيح.
وذكر فى أول هذا الباب حديثاً ضعيفاً - بل موضوعا - وهو حديث
جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن
محمد بن المنكدر عن جابر، فهو وإن كان أول حديث ذكره فى الباب
٦٨٠